الفصل الرابع

7 0 00

الفصل الرابع

جلس صلاح وإخوته إلى مائدة الطعام لتناولِ العشاء صامتين واجمين كأن على رؤوسهم الطّير. كانت سحابة الحزن تخيّم عليهم، والكآبة ترفرف بأجنحتها فوقهم. إذ حزَّت الإهانة التي ألحقها أبوهم بعمتهم، التي جاءت في الأساس فرِحَةً مستبشرةً لتهنئته على تحسُّن حالته الصحية، في نفوسهم.

لم يكن ذنب تلك المسكينة إلا أنها جاءت بقلب طافح بالمحبّة، يحدوها الأمل وتدفعها الفرحة في استرداد أخيها من براثن ذلك الداء الضاري. وعلى الرغم من ذلك إلا أنه لم يكن في مقدور أحد من أبنائه التعليق عمّا جرى أو إبداء استيائه خشية إثارة المزيد من حفيظته وحنقه، وبالتالي ربما سيقود ذلك لتأزيم حالته الصحية.

دلف أبو صلاح إلى غرفته واستلقى على سريره مهموماً حزيناً شارد الذهن، حزين الفؤاد. لم يلبث أن راح الأب يسبح في بحر همومه وأحزانه ثم جعل يُحدِّث نفسه: "على الرّغم من أنّني أستطيع أن قراءة علامات الاستياء والحزن في وجوه أبنائي المساكين إلا أنني لا أودُّ أن أشغِل بالَهُم بما فعلته معي تلك الماكرة.. إذ أنّه ليس من الحكمة في شيءٍ أن يعرفوا أنّني مسحورٌ، وأنّ أختي هي التي سحرتني ودمّرت حياتي. ولكن سيأتي اليوم الذي يعرفون فيه حقيقةَ أمرِها وخبثِ طويتها وكيدها ومكرها. وآنذاك سيعلمون أنني لم أظلمها، كما أنهم عندئذ سيعرفون حقيقتها وأنّها كانت تمثل دورَ الضحية لكي يتسنى لها غرز شوكتها وبث سمّها الناقع في جسدي. لقد حطمت هذه الحاقدة مستقبلي بالسّحر، وأربكت حياة أسرتنا باللجوءِ إلى المشعوذين والدّجّالين. والعجب كل العجب، أن تأتي بعد ذلك وتدّعي محبّتي ومحبة أبنائي".

* * * * *

أظلمت الدنيا في عيني زكية، وغشيتها سحابة الحزن، وعلت الكآبة وجهها الحزين، وكانت الدموع تسيل على خديها طوال الطريق إلى بيتها، وقلبها يكاد يتفطر من الحزن والإحباط إذ كانت تجرّ معها حبال الذّل والمهانة.

كانت تتساءل في دخيلة نفسها واللوعة تنشب أظفارها في فؤادها وهي ترمق زوجها، الذي كان يقود سيارته بسرعة، بنظرات خاطفة بين الفينة والأخرى وهي تتساءل: "لماذا طردني أخي مفتاح من بيته وأهانني، وشدّني من ذراعي بطريقة مؤلمة حتى ظننتُ أنّه سيكسر عظامي؟؟ لم أفعل له شيئاً كي يعاملني بهذه القسوة!! إنه أخي الوحيد، وليس لي غيره في هذه الدنيا. ولا أدري لِمَ كلّما حاولت التقرّب إليه والدنو منه ينأ عني بجانبه ويصدّني بفظاظة. كنتُ أتحمل شنِفَه وغلظته لأنـّه مريض، وكنت أدعو له بالشفاء ليل نهار. لقد كنت بعد الله سبباً في شفائه، فأنا مَنْ اقترحَ على صلاح الذهاب به إلى الشيخ محجوب. لقد كنت دائماً أتهم زوجته زهرية بأنها هي التي كانت توغر صدره بحقدها عليّ وغيرتها منّي. بيد أنّها توفيت منذ شهور ولم تتغير معاملته لي بل ازدادت حدة وقسوة. لربّما كنت مخطئةً حين حسبتُ أن معاملته لي سوف تتحسّن بعد أن رحلت عن الدنيا"...

وفي غضون ذلك استرقت النظر إلى زوجها، الذي كانت قسمات وجهه العابس تَشِي ببركان الغضب المختلج في أحشائه، والمضطرم في فؤاده، ثم تساءلت في قرارة نفسها"... وما ذنب هذا المسكين كي يُهان معي ويطرد بطريقة فجة؟".

وفي محاولة منها لإطفاء نار الغضب المستعرة في وجدانه التفتت إليه ووضعت يدها بلطف على يده التي كان يضعها على عتلة مبدل السرعات وقالت بصوتٍ حزين متلجلج:

أنا آسفة يا جابر!!

نظر إليها بحدة ولاذ بالصمت، ولم يُحِرِ جوابًا...

كرّرت اعتذارَها ثم أجهشت بالبكاء وهي تتوسل إليه:

أرجوك لا تؤاخذه يا جابر فإنه مريضٌ، وأنتَ تعرفه جيداً، وتعرف أخلاقَه قبل أن يلمَّ به المرض.

هزَّ رأسه بأسى وقالّ غاضبا:

لم أكنْ أتصور أنه سيأتي اليوم الذي يعاملني فيه بهذه الطريقة ويهينني بهذه الفجاجة!

أنت تعلم أنني كنت أحبّ الناس إليه، وتعلم كم كان يعطف عليّ باعتباري أخته الصغيرة والوحيدة.

ثم سكتت برهة وقالت بلوعة وهي تغالب عبرتها:

ألا تظنّ أنّ في الأمر شيئاً يا جابر؟

ردّ باقتضاب:

مثل ماذا؟

أن يكون مسحورا مثلا.

ضرب مِقودَ السيارة بقبضة يده وأجابها بحدّةٍ:

هذه أعْذارٌ واهيةٌ، وتبريراتٌ غير مقبولة!!

على كلّ حال، لا أريد منك إلاَّ أن تسامحني يا جابر، فأنا السبب في ذلك! ولا تسترسل في الغضب، فكما تعلم أن الغضب من الشيطان.

ثم أردفت قائلة:

أرجوك خفّفِ السرعة يا جابر، على الأقل من أجل الجنين الذي في بطني.

تعلمين، إنّها المرة الأولى في حياتي التي أطْرَدُ فيها وأهان فيها بهذه الطريقة. وما يحزّ في نفسي ويضايقني أكثر هو أنّ مَنْ فعل ذلك هو أخوكِ وأمام أبنائه.

انفجرت بالبكاء مرة أخرى ولاذت بالصمت...

التفت إليها غاضباً وضغط على دواسة البنزين بشدة، ولم ينتبه إلى أن الإشارة الضوئية كانت حمراء فاصطدم بسيارة أخرى كانت تعبر الطريق من الناحية الأخرى.

* * * * *

كانت سعاد تعمل لدى "أمّ جميل" الساحرة وتتردد على بيتها الذي كان مزاراً ترتاده كثير من النسوة، فيجتمعنَ في صالتهِ الفسيحة يتجاذبن أطراف الحديث قبل الدخول على أم جميل التي صارت شهرتها بقراءة الكفِّ، ومعرفة الطّالع، وجلب الأماني، منتشرة بين نساء المدينة.

كان بيت الساحرة قبلة للنساء اللاتي كن يترددن عليها لطلب مساعدتها، فهذه تأتيها لطلب مساعدتها في الإنجاب بعد أن تعسّر حملُها وطالَ انتظارُها لمولود.. وتلك تأتيها لجلب محبة زوجها، أو مساعدتها في السيطرة عليه والاستحواذ على قلبه، أو لضمانِ عدم زواجه من امرأة أخرى.. أو ربما للتفريق بينه وبين أمّه أو أخته. كما كانت أخريات يأتينها لمعرفة الطالع وجلب الحظ، أو لمساعدتهنّ على الزواج بعدما عيل صبرهن من تأخر فارس الأحلام في الطرق على الباب، بالإضافة إلى أن كثيرا منهن يقصدنها طلباً للشفاء من مرضٍ.. أو فكِّ سحر.. أو عين.. أو غير ذلك من الأمراض النفسية والعضوية.

كانت وظيفة سعاد تتمثل في الجلوس في صالة بيت الساحرة كلّ صباح في وقت مبكّر قبل وصول أيّة امرأة. وما إن تبدأ النساء في التوافد والاجتماع حتى تبادر سعاد إلى التحدث عن "كرامات أمّ جميل وقُدراتها فوق الطبيعية" على خرق النواميس، والقوانين الكونية، كما تقوم بتلفيق القصص والحكايات المثيرة عن إنجازاتها الباهرة في شفاء المرضى وتحقيق الأماني. ثم تبدأ في قصِّ قصّتها على الجالسات وذكر سبب زيارتها لتحفيزهن على البوح بقصصهن واستدراجهن لذكر سبب مجيئهن لزيارة أمّ جميل...

وبعد ذلك تدخل عليها فتخبرها بجميع المعلومات التي جمعتها منهن. وعلى الرّغم من أن أمّ جميل تتعاطى السّحر والشعوذة وتتعامل بهما غير أنّها لم تكن خبيرةً في هذا المجال وكان جلّ اعتمادها في خداع النساء على الدجل والخداع، لذا كان سحرها يأتي بنتائج سلبية أو عكسية في بعض الأحيان.

* * * * *

في طريقها إلى بيت أبي صلاح مرّت سعاد بأختها عواطف في منزلها، وقالت لها:

ما رأيك يا عواطف أن تذهبي معي لزيارة أبناء زهرية.

اذهبي أنتِ الآن يا سعاد، وسأزورهم إن شاء الله في وقت لاحق، لأنني لم أستأذن زوجي.

لن نغيب طويلاً يا عواطف، وسنرجع قبل عودة زوجك من العمل.

أنا آسفة يا سعاد، لا أستطيع.

هزّت سعاد رأسها وقالت في سخرية:

أنتِ امرأة ساذجة وضعيفة الشخصية يا عواطف، والرّجال لا يحترمون المرأة إذا كانت بسيطة مثلكِ بل يدوسونها. لقد نصحتكِ أكثر من مرّة أن تذهبي معي إلى أمّ جميل لتساعدكِ في جعل زوجك كالخاتمِ في إصبعك يأتمر بأمركِ، ويلبّي رغباتك، ويدور في فلكك.

وماذا تستفيد المرأة من زوج ضعيف الشخصية، مسلوب الإرادة؟

دَعْكِ من الفلسفة يا حبيبتي!! فهذا الكلام تقوله كلّ النساء ثم بعد ذلك يذهبن إلى الشيخة يطلبن منها المساعدة.

لقد نُهينا عن الذهاب إلى السّحَرة. أتسمينها "شيخة" يا سعاد؟

ردّت عليها مرتبكة:

من قال لكِ إنها ساحرة؟ أنت مخطئة فهي مرابطة! ثم دعينا منها واصغي إليّ جيداً يا حبيبتي، وضعي هذا الكلام نصب عينيكِ: "لا ثقةَ في الرّجالِ!! وإن لم تؤُمّني نفسكِ، وتُحصّني بيتكِ، وتشغلي زوجك بنفسه، وتُفرغي جيبه من النقود، حتما أنه سيتزوج عليك، ويأتيك بامرأة، وستتحولين عندئذ إلى خادمة لها ولأولادها، أو ربما يأخذ منكِ شبابكِ وعندما تكبرين يستبدلك بامرأة أخرى".

هذا لا ينطبق على كلّ الرجال فثمة اختلاف بينهم. على كل حال أنصحك يا سعاد، بالتوقف عن الذهاب إلى تلك الساحرة التي كانت السبب في طلاقك.

ردّت عليها بحدةٍ.

كرامتي وكبريائي فوقَ كلّ اعتبار يا عزيزتي، فأنا لست مثلك، ولا أسمحُ لرجل أن يحدد علاقاتي أو يتدخل في طريقة حياتي. لي شخصيتي ولي كياني وكبريائي.

ثم سكتت برهة وأردفت قائلة:

على كل حال، ابقي أنت في سذاجتكِ، وتحت جناح زوجكِ يا حبيبتي!! أمّا أنا فسأذهب لأبناء أختي زهرية، وأرجو ألاّ ألتقي بزكية هناك، فلشدّ كراهيتي لها لا أطيق حتى رؤيتها.

* * * * *

مضى أسبوع بأكمله لم يسمع صلاح عن عمّته شيئا إذ كان مشغولا بتطورات أبيه الصحية الذي ما لبث أن وقع فريسة للمرض مرة أخرى. انتاب القلق فؤاد صلاح بعد أن اتصل بعمته مرّات عديدة دون أن يسمع ردّ.

جعل يتساءل في قرارة نفسه: "ما سبب غضب أبي منها إلى هذا الحدّ يا ترى؟ صحيح أنه كان لا يطيق رؤيتها في السابق وأنه لا يحبّها، ولا يرغب في زيارتها لنا... ولكنه كان على الأقل يجاملها إلى حدّ كبير من أجلنا! ولكنّ الحال قد تبدلت بعد زيارته للشيخ محجوب، فقد كان واضحاً أن كراهيته لها ازدادت حتى أصبح يتميّز غيظا لمجرّد سماع اسمها أو شيء عنها.

... لا بدّ أنّ ثمةَ سرّاً يخفيه والدي في نفسه. لقد انقلبت المسكينة إلى بيتها مكسورة الخاطر، مهيضة الجناح، حزينة كئيبة. كان منظرها وأبي يجرجرها يثير الشفقة ويقطّع الفؤاد، وما زاد الطين بلة أنه فعل معها ذلك أمام زوجها. الحُرّةُ لا تُحِبّ أن تُهان من أهلها أمامَ زوجها. يا له من مشهد محزن حقاً!! ويا له من موقف عصيب!

وذات يوم، انطلق صلاح ضحى ميمّماً شطرَ بيت عمّته بعد أن أخفق في الحصول على ردّ منها عبر الهاتف. اختار يوم الجمعة عله يجد جابرا في البيت فهو يوم عطلته.

لم يخبر أحداً بذلك لأنه كان يخشى أن يتسرّبَ الخبر إلى أبيه فيمنعه من زيارتها...

وما إن وصل إلى بيت عمته حتى رنّ صلاح الجرسَ عدة مرات وظل واقفا. بيد أن لا أحد في البيت على ما يبدو كي يجيبه. أعاد الكرة مرات ومرات، ولكن دون جدوى.

جعل ينظر حوله في حيرة من أمره، عسى أن يرى أحداً من جيرانها ليسأله عنها، وهو يتساءل في نفسه: "ماذا جرى؟؟ ليس من عادة عمتي الخروج من البيت في صباح يوم الجمعة، ما الأمر يا تُرى؟ أرجو أن يكون ذلك خيراً".

بيد أن حيرته لم تدم طويلا، فما إن رأته نجوى من نافذة بيتها حتى أقبلت إليه مسرعة وقالت له:

ألا تَدْري يا صلاح أن عمّتك في المستشفى؟ وإنها تعرضت لحادث أليم منذ أسبوع تقريبا مع زوجها.

رد عليها مرتبكا:

وأين هي الآن؟

في المستشفى المركزي.

انطلق صلاح صوب المستشفى مسرعاً لا يلوي على شيء، وكانت الظنون تملأ رأسه...

استقبله جابر، الذي كان يجلس إلى جانب باب الغرفة التي كانت ترقد فيها زوجته، ببرود شديد. بيد أن صلاحا لم يكترث لذلك، وبادره بالسؤال بلهفة:

الحمد لله على السلامة! أرجوك أخبرني؛ ماذا حدث يا عم جابر؟ وأين هي عمتي؟

نظر إليه شزرا، وقال بنبرة غاضبة:

إنّها نائمة!

أرجوك أخبرني ماذا حدث لها؟ وكيف هي الآن؟

ردّ جابر باقتضاب.

وماذا يعنيك أمرُها؟

لا تنس أنها عمتي.

لقد أهاننا أبوك وكنّا في بيته وفي زيارته لتهنئته على شفائه! هذه المرة الأولى في حياتي أهان فيها بهذه الطريقة!

ثم أشار بإصبعه إلى الكدمات التي لا يزال أثرها على وجهه وقال بحدة:

أنظر إلى النتيجة.

أية نتيجة؟!

لقد خرجتُ من عندكم غاضباً تلك الليلة فاصطدمتُ بسيارة تسير في طريقها. كان الخطأ خطئي إذ لم أنتبه إلى أن إشارة المرور كانت حمراء. لقد أعماني غضبي لشعوري بالمذلّة.

أنا مثلك غير رَاضٍ عن تصرفات أبي التي صارت غريبة ومثيرة للدهشة. ولكن أؤكد لك أنك لم تكن مقصوداً لذاتك، وإنّما كان أبي يقصد طرد عمتي فقط.

سكت صلاح قليلا ثم أردف قائلا:

هل أستطيع أن أدخل لأطمئن على عمتي، لو سمحت؟ وسنتكلم في الأمر لاحقاً.

هزّ رأسه وقال غاضبا:

إنها لم تتوقف عن البكاء منذ أن طردها أبوك.

أرجوك دعني أدخل عليها. لربما حضوري واعتذاري سيخففان عنها.

هزّ رأسه وقال متجهما:

انتظر لحظة.

دخل جابر عليها، وقال لها بصوت خافت:

هذا صلاح لدى الباب جاء لزيارتكِ، ويودّ أن يدخلَ عليك. ماذا أقول له؟

هزت رأسها مستنكرة ثم انفجرت بالبكاء، ولم تنطق بكلمة.

كرّر عليها السؤال:

ماذا أقول له يا زكية؟؟ إنه ينتظر خارج الغرفة!

قالت بصوت ممزوج بالبكاء:

لا أستطيع أن أقابلَ أحداً.

أفهمُ من ذلك أنكِ لا تريدين استقباله؟

هزّت رأسها على مضضٍ، والدموع تنحدر على وجنتيها...

عصف الحزن بصلاح حين أبلغه جابر بعدم رغبتها في رؤيته، ولم يجد بدًّا أن ينقلب إلى بيته حزينا يجرجر أذيال الخيبة. لم يدر بخلده أن عمّته أسقطتْ حَملها، وأجهضت حُلمها، الذي طالما راودها.. وملأ قلبها بالأمل.. ودغدغ خيالها...

كانت المسكينة تتخيل طفلها وهو يملأ جنبات البيت بأصواته وحركات وهي تعدّ الأيام عداً مننتظرة اليوم الذي تمسك فيه وليدها بيديها وتضمُّ حبيبها إلى صدرها.. وتشمّه وتقبّله، وتتحسسّ أنفاسه، وتسمع خفقات قلبه. لقد جهزت لمولودها غرفته، وزيّنتها، واشترت له الملابس الجميلة، وهيأت له السرير، واختارت له اسماً...

لقد تبخر حلمها الوردي الجميل. غير أن نار الحزن تتأجج في فؤادها كلّما تذكرت أنها لم تَحمل به إلاّ بعد علاجٍ مُكثفٍ أنفقتْ عليه أموالاً كثيرةً، وبعدَ دعاء وتضرع إلى الله آناء الليل وأطراف النهار، إذ كان ثمةَ ما يعيق حملها فعلى الرغم من انقضاء أكثر من تسع سنوات على زواجها إلا أنها لم ترزق بمولود.

فيا حسرتاه! ويا أسفاه!! فبعدما أصبح حلمها قاب قوسين أو أدنى ولم يبق بينه وبين أن يصير حقيقة وواقعا إلاّ أيام معدودة، قدّر الله أن تُسقط َ جنينها، وتستيقظ على كابوس الواقع المرّ.

وصل صلاح إلى البيت فوجد أباه وإخوته في انتظاره للذهاب للصلاة...

بادره أبوه بالسؤال غاضباً:

أين كُنتَ يا صلاح؟ ولِمَ تأخرت؟؟ أنسيتَ أنّ اليومَ يومُ جمعة؟

فقال بصوت حزين:

لقد ذهبت إلى عمّتي في المستشفى بعد أن علمت أنّها تعرّضت لحادثٍ أليم مع زوجها بسيارتهما ليلة طردتهم من البيت.

قال أبوه غاضباً:

ماذا؟؟ ذهبتَ إلى زيارتها دون إذني؟ أنا لا أسمح لك بالذهاب إليها مرة أخرى، أفهمت؟!

حاضر يا أبي، ولكنّني لم أقابلها فقد كانت مريضة جدا.

هزّ أبو صلاح رأسه وقال بتشفٍ.

الجزاءُ من جنس العمل يا بنيّ.. وكما تدين تدان.. والله يمهل ولا يهمل!

لاذ صلاح بالصمت وهو في غاية العجب من حقد والده وكراهيته لأخته التي قد تخطت كل المقاييس، وجعل يحدث نفسه: "هل وصل حقده عليها أن يشمت بها ويتمنى لها الشر؟!!".