الفصل الثالث

5 0 00

الفصل الثالث

خدعة صغيرة

كانت الساعة تقارب الثانية و النصف فجرا عندما سار التاكسى على طول رصيف الميناء ، أضواءه الأمامية تضئ الطريق وسط الظلام الدامس. ورفع آلان سان كلير رأسه عن الخريطة التى كان يدرسها وخفق قلبه... هل سيكون هذا بداية لتغيير حظه.

وخرج شخص ضئيل الجسم يرتدى سترة رياضية ضخمة، من السيارة، ونظر مترددا حوله الى اليخوت. ثم شاهد المصباح المعلق فوق اسم اليخت ((ميليسا)) ولوح لآلان، ودفع أجرة التاكسى، وحمل حقيبته نحو اليخت الجميل. ورفع آلان المصباح المتحرك ليلقى الضوء على السلم، وتقدم ليلاقى الوافد الجديد، الذى يبدو كولد صغير رفيع.

وقال الولد بصوت أجش:

- سيد سان كلير؟ اسمي طونى هيستون، لقد أرسلتنى نورما.

- أهلا بك ..

وأخذ آلان يتفحصه، شعر أسود قصير، وجه جميل، شارب أسود، يثير السخرية، ولكن هناك شئ مألوف فى وجهه فسأله:

- ألم أرك فى مكان ما من قبل؟

وهز الولد رأسه :

- لا أظن هذا... هل صحيح أنك تبحث عن بحار ؟

- صحيح . . هل لديك خبرة بالابحار

- طبعا، والدى كان يصطحبنى فى قاربه، عندما كان حيا، وأعرف المبادئ الأساسية.

وبدت على آلان السعادة

- هل تستطيع قراءة البوصلة؟

- بشكل جيد، وأستطيع الطهو والتنظيف أيضا، وأشتطيع العمل على الرادار أيضا.

- والخرائط ؟

- كما قلت لك يا قبطان، اعرف المبادئ الأساسية، وسأتعلم سريعا مالا أعرفه.

ونظر آلان الى الولد باهتمام متزايد، انه فى الواقع صغير الجسم، تقريبا كالفتاة...وقال له:

- أنا لست مليونيرا يا طوني، كل ما أستطيع دفعه هو الأجر المتعارف عليه حسب التعرفة الدولية.

- سيكون هذا رائعا يا قبطان، كل ما أريده أن أصل الى وطني.

- اذا، كل شئ سيكون على ما يرام، المد سيبدأ، بعد عشر دقائق . . أتستطيع السفر معى فورا؟ كما أنت؟

- طبعا . .

وابتسم ابتسامة جميلة، ولكن هذا الشارب : انه حقا مضحك! لابد أن الولد المسكين رباه ليبدو أكبر سنا واكثر رجولة، ولكن عيناه البنيتان اللطيفتان كانتا ثابتتين تماما، ومع أن جسمه صغير، يلفه فى ثياب تبدو كبيرة عليه، فان هناك شئ ما فيه بدأ يجذب آلان. ونظر الى يديه القذرتين، كانتا نحيلتين أيضا، ورقيقتين تقريبا.

- كم عمرك يا طوني؟

- عشرون سنة يا قبطان.

- هيا .. انت لا تبدو فى الثامنة عشر. كم عمرك؟ خمسة عشر؟ ستة عشرظ

- أنا فى السابعة عشر يا قبطان.

ولكن آلان عرف بأنه يكذب.

- هل أنت واقع فى أي نوع من المشاكل؟ ما الأمر . .مع البوليس؟

- لا . . لا شئ من هذا. أنا نظيف، أقسم لك، يمكنك القول ان الأمر . . مشاكل عائلية!

- أي نوع من المشاكل العائلية؟

- حسنا، اذا كنت مصرا أن تعرف. والداي ماتا منذ مدة. وبقى لى عمتي . . وهى مقامرة . . .

- حسنا. ليس عليك أن تقول المزيد. سوف آخذك معى يا طوني . . دون أي سؤال. .أوكى؟

- هذا عظيم!

وأحس آلان بالأسف عليه، ولد مسكين دون منزل يأويه، ومسرورلأنه وجد صديقا.

- طوني. . اسمى آلان. . أو ((قبطان)).

- أنت على حق يا قبطان.

وضحك الولد، مظهرا أسنانا بيضاء جميلة. ومرة ثانية، أعتقد آلان أن هناك شيئا مألوفا فى ابتسامته. . ما هو ياترى؟ ورد هو الابتسامة وصافحه. وأجفل الولد. . مسكين ! انه حقا ليس قويا.

- هل ستكون على ما يرام يا طوني ؟

- طبعا يا قبطان، أنا قوي كالحصان ، صدقا.

وأدار آلان وجهه ليخفى ابتسامة.

- أمامنا خمس دقائق لنلتقط المد. ضع حقائبك فى الكابين، ولنبدأ العمل.

- حاضر يا سيدي.

وأقلع اليخت ((ميليسا)) نحو البحر، وامتلأ شراعه برياح الصباح الباكر، التى تندفع من أراضى أفريقيا نحو البحر. وامتد البحر أمام اليخت الرمادي وكأنه صفحة من الفضة السائلة، وملأت نفس نورما الغبطة لرؤية هذا الجمال، وأطاعت تعليمات آلان بدقة و صمت، وما ان حلت الساعة السادسة حتى أصبحت أفريقيا وكأنها بقعة حمراء طويلة فى الأفق. ثم أشرقت الشمس وبدا البحر بلونه الأزرق العميق، وتحولت السماء الى لون النحاس. وبدأ الحر سريعا. وغسلت مياه البحر أى أثر لرائحة الأرض على اليخت.

ونزلت نورما الى المطبخ، بينما أخذ آلان يدرس الخرائط. ونظر بدهشة عندما أحضرت له اللحم والبيض الساخن للافطار:

- هذه تبدو اجمل من مليون دولار. . أين تعلمت الطهو؟

- لقد تعلمته سريعا. . كان علي أن أتعلمه بعد وفاة والدتى. فوالدى لم يكن يعرف شيئا عن الطبخ، رحم الله روحه.

- لقد توفيت والدتى عندما كنت صغيرا أيضا، ولم يبق سواي مع والدى مثلك تماما

- حقا. . وماذا يعمل والدك؟

- مصمم مراكب. . لقد صمم هذه مثلا.

- جيد. . وأنت يا قبطان؟ هل أنت فى نفس المهنة؟

- لا. . ليس تماما. أنا أصمم الطائرات وليس المراكبز

- يا الهي!

- هذه حقيقة، أنا أصمم الطائرات النفاثة الخاصة للأثرياء، والهليكوبتر، وما شابه.

- أراهن بأنك ثري.

وأخذت تربت على شاربها، الذى بدأ الصمغ فيه يؤلمها. متى ستكشف عن نفسها؟ ليس قبل أن يبتعد جدا عن الشاطئ.

وابتسم آلان :

- لا.. أنا لست ثريا يا طوني. أكسب رزقى، هذا كل شئ. ولكن آمل أن تتحسن الظروف قريبا، بعد ان أتخلص من كل ديونى. انظر، لماذا لا تخلع هذه السترة ، سوف يصبح الحر لا يطاق بعد قليل، و الأفضل أن تبقى فى التى شيرت.

- آه ... أجل، بعد دقائق لدي رشح بسيط و. . .

- ولماذا لم تقل؟ سأحضر لك الدواء؟ هل تشعر بصداع؟

- لا . . أعنى. . أجل. .

- أيها الولد المسكين. . هاك، خذ قرصين من هذا.

وابتلعت نورما الأسبرين على مضض، مع قليل من الماء أحضره فى كوب لها. وأخذ منها الكوب ليرمى ما تبقى من الماء فيه، ثم توقف وحدق مذهولا فيه، كان فى الماء شئ يطفو كالشعر، انه الشارب، والتقت عيناه بعينيها بذهول، ثم أصبح وجهه قاسيا باردا.

- ماهذا بحق الجحيم؟

وتنحنت نورما بعصبية، على الأقل تستطيع الأن التخلى عن صوت ((طوني)) الأجش، وقالت:

- الأفضل أن أشرح لك سيد سان كلير.

- يا الهي . . انت ؟ نورما ليستر؟

- أجل. .

وتقدم نحوها ووجهه متجهم من الغضب،وللحظة ظنته سيضربها. فتراجعت قليلا. وأمسك ذراعيها بيدين قويتين، فشهقت . .

- ما نوع هذا المزاح؟ من أرسلك لتنفذي هذه اللعبة؟ أيتها الثعلبة الصغيرة؟

- لم يرسلني احد. . . أنت تؤلم ذراعي. . .

- أنا أؤلمك عن قصد، ماذا تقصدين بحق الشيطان بخداعي هكذا؟

- لأننى اعرف بأنك لن تقبل بي لو اقترحت عليك مرافقتك، أرجوك اتركني!

- أتركك؟ يجب ان أرميك الى سمك القرش !

- أردت فقط مساعدتك، على كل، أنا مدينة لك بجميل، أتذكر؟

- جميل؟ لم أكن يائسا الى هذا الحد . . هيا أخفضى الشراع يا آنسة ليستر، سنعود الى مومباسا.

- أرجوك انتظر . . ليس من فائدة فى الرجوع الأن.

- بلى . .هناك فائدة، سوف أعيدك الى الشاطئ، وأسلمك الى أصدقائك. أيتها الهاربة الصغيرة.

- سوف يكونون قد أبحروا عندما نصل، وأنا لن أصعد الى متن قاربهم ثانبة.

- لا يهمني أين تذهبين. طالما يكون هذا خارج مركبي. ذا لم تنزلى الشراع سأفعل بنفسي.

- أنت لا تستطيع رؤية شئ أبعد من غضبك، أليس كذلك؟ فأنت واثق جدا من صواب آرائك، ولكن، ماذا ستفعل بعد أن توصلني الى الشاطئ؟ هل ستجلس حتى تتعفن لأسابيع في مومباسا؟ ألا تدين لوالدك بشئ؟

- أنا أقرر، بماذا أدين، ولمن، لن أخاطر باهلاك والدي بوجود طفلة فاسدة مثلك !

- لقد رأيت بنفسك ما أستطيع عمله هذا الصباح . . جزء مما قلته لك صحيح . . فأنا أعرف تماما قواعد الابحار.

- نعم. . لدي اثبات واضح لمهارتك.

وأشار الى الجزء المحطم من سطح المركب. فقالت ةقد بدأ غضبها يتصاعد:

- لم اكن أنا من يقود تلك المركب، يا سيد يان كلير. فلماذا تلومنى؟ لقد قلت بنفست أننى لست من طرازهم، واذا كنت تريد أن تعرف لقد حاولت ايقاف بيتر عندما كان متجها لصدم مركبك.

- ولكنك لم تنجحى، أليس كذلك؟

- ليست هذه غلطتى. . لقد فعلت ما بوسعى.

- اذا كان ما حدث، أفضل ما بوسعك، فأنا أكره أن أشاهد ما ستفعلينه بمركبى !

- اذن . . أرجعنى الى مومباسا، وتعفن هناك اذا كنت تريد هذا.

- أفضل أن أتعفن فى مومباسا بدل أن أغرق على يديك.

وردت عليه نورما بهدوء:

- لست بحاجة لدروس من أحد حول السلامة البحرية، وهذا جزء من قصتى، حقيقى أيضا، والدي غرق فى المانش منذ خمس سنوات.

وحدق بها وقد بدأ الغضب يتلاشى من عينيه:

- أنا آسف ..لم أكن أعرف هذا.

- وعلمني الابحار عندما كنت طفلة، أستطيع فعلا مساعدتك يا سيد سان كلير.

- لقد أفسدت شعرك الجميل الأشقر، هل يمكن غسل هذا الصباغ؟

- لست أدري.

وحدق بها وفى عينيه ارتياب:

- ولماذا تريدين مساعدتي؟ يا آنسة. .ليستر؟

- لأننى كنت على المركب، وأريد أن أدفع لك قسما من الأضرار، وخاصة أن بيتر آشتون لا يبدو من المحتمل أن يفى بالتزاماته، ولكن أيضا لأننى مدينة لك بجميل. لن تستطيع معرفة مدى سعادتى عندما رأيت الرانج لوفر يظهر من خلال المطر ذلك اليوم. لا أظن بأننى كنت مذعورة هكذا طوال حياتى.

- وماذا عن رالف، وبقية أصدقائك؟ أعتقد أنهم لا يعرفون شيئا عن مشروعك هذا؟

- لقد تركت رسالة لهم، ولا أظن بأنهم سيفتفدوني كثيرا.

- والعزيز رالف؟ ماذا سيقول عندما يسمع بهذا الأمر؟

- فى الواقع . . لست أهتم بما سيقول.

خلال الصمت صفرت الريح عبر الأشرعة، وأصبحت الشمس مرتفعة الأن، وأخذت تعرق داخل السترة التى سرقتهامن غرفة بيتر آشتون.

- سوف تتعبين أكثر على متن((ميليسا )). . .وسوف تكون طريق العودة أطول.

- عملى ينتظرنى، واذا لم ترجعنى الى مومباسا سوف تتمكن من الوصول ((بميليسا )) فى وقت أسرع.

وعلمت بأنه سيوافق، وتفحصها بعينيه الجميلتين، وكأنه يراها للمرة الأولى، وقال بمرارة:

- يبدو ان ليس هناك ما أستطيع فعله . . وعليك أن تحاولى على الأقل التعويض عن بعض الأضرار التى ألحقها زملاؤك الأغبياء . . ولأجل الله، حاولى أن تفعلى شيئا لشعرك، لم تكونى سيئو جدا كطوني . . ولكن كنورما ليستر . . انت مريعة !

- سأبذل جهدى.

وابتسمت له بلطف، مما جعلها تبدو أجمل، على الرغم من شعرها البشع. ولكن آلان لم يكن غافلا عن الجمال الذى فى وجهها.

- سأراقبك باستمرار، فلا تفعلى أى شئ خاطئ. أفهمت هذا؟

- حاضر يا سيدى. هل أنهيت فطورك يا قبطان؟

وعادت الى كابينتها، ووضعت رأسها فوق المغسلة، وبللته ثم غسلته بالصابون. عدة غسلات قوية قاسية أزالت آخر أثر للصبغة، وعاد شعرها ليكتسب اللون العسلى الذهبى الأصلى، لون جميل، غنى، كان والدها يسميه ((العسل البرى)) ولكنه أصبح قصيرا بشكل محزن، وأحست بالألم لفقدان خصله الطويلة الجميلة، وأخذت المقص، وبدأت شذب الأطراف غير المتساوية من شعرها، وعندما أنتهت أصبحت قصة شعرها قصيرة جدا، ولكن على الأقل متساوية. . .ولكن ، يا الهى كم أصبح قصيرا ! وارتدت تى شيرت وبنطلون جينز، ثم صعدت الى السطح.

وجدت آلان يطوي الشراع الرئيسى الذي كان الهواء يتلاعب به، فأسرعت بمساعدته بصمت تلف له الحبال وتربطها، وعقد آخر ربطة من الحبال وهو يتنهد واستدار ليواجهها:

- أنا سعيد لتخلصك من ذلك اللون القذر، ولكن لماذا قصصت شعرك هكذا؟ ألم يكن بامكانك اخفاءه تحت قبعة

- لم أفكر بهذا.

- لا . . لايمكن لك التفكير بهذا. تعالي يجب أن أرفع الشراع الصغير.

وهما يرفعان الشراع المثلث الشكل نظر اليها متفرسا وقال:

- آنسة ليستر، أظن أن ليس هناك . . . أى سخافات رومانسية برأسك؟

- ماذا تعنى؟

وأجاب ببرود:

- أعنى . . .أرحو أن لا تكونى قد تسللت الى هذا اليخت بسبب انجذاب عاطفى سخيف لي ؟

- بالطبع لا.

وشبك المشبك الفولاذى للحبل فى مكانه وقال:

- أنا سعيد لسماع هذا . . . فهذا كان سيعقد الأمور دون فائدة.

وقالت له وقد أحمر وجهها:

- أنا متأكدة من أن الأمور كانت ستتعقد، هل تواجه كثير من هذه المشاكل سيد سان كلير؟

- هذا ممكن، ولكننى لست مستعد لأى علاقة عاطفية آنسة ليستر، هل هذا مفهوم؟

- تماما.

وأحست بأنفاسها تختنق من عجرفته.

-جيد . .الساعة تقارب من الواحدة والنصف يا طوني هيستون. حان وقت الغداء، ألا تظن هذا؟

وغاصت الشمس ببطء عند الغروب، تملأ السماء بالشعاع. وتناولا طعامهما تحت النور القرمزى،

والعالم من حولهما ساكن تماما، ماعدا أصوات النورس التى تلحق بهما، وهمسات البحر السرية.

وبدأت النجوم تظهر واحدة واحدة، رؤوس دبابيس من الماس تضئ فى كبد السماء المخملى الأسود والقمر كان مكتملا تقريبا. ليس كالقمر الأنكليزى البارد، بل كتلة مشتعلة من أفضل أنواع الذهب يلمع بصفاء بين الأنوار الأخف،

ومال آلان الى الخلف مستندا الى جوار غرفة القيادة، ينظر الى القمر بعينين هادئتين.

- يقولون ان القمر كالعذراء. من السهل قول هذا فى أوروبا، ولكن هنا، قرب هذه الشواطئ الأفريقية لا يبدو كالعذراء، أليس كذلك؟ أم علي أن أقول هي؟ انها امرأة غنية جميلة، مستعدة للحب.

وجلست نورما تستمع اليه بصمت، لا تعرف ماذا تقول، ونظر اليها، وشاهدت اللمحة الساخرة فى وجهه وهو يتابع:

- أو . . هكذا يريدنا الشعراء أن نصدق.

على كل، سأشعل الأنوار على السطح.

ونهض بخفة، وذهب ليشعل الأنوار الخضراء والحمراء التى ستضئ ((ميليسا)) طوال ساعات الظلام. ونزلت نورما لتغسل الأطباق. ثم تفحصت البوصلة، لتتأكد من المسار الذى وضع المركب فيه. وعندما عاد، فتح الخريطة على الطاولة، وأشار بأصبعه، ثم قال:

- سوف نصل الى سلسلة صخور((مارغريتا)) قريبا،

وسوف أسير باليخت قرب الشاطئ، فأنا أفضل هذه الجهة من سلسلة الصخور بدلا من جهة البحر.

وأدار المقود ليتجه باليخت نحو الشاطئ، وبدت شواطئ أفريقيا بالتدرج وهى تقترب تحت ضوء القمر. ووقفت نورما قرب آلان فى غرفة القيادة، قريبة منه لدرجة احساسها بحرارة جسده. الليلة كانت مخملية، زرقاء، قاتمة، ليلة افريقية، وهما يقتربان من الشاطئ، بدأت رائحة الأرض الافريقية تأتى اليهم مع النسيم، رائحة نار المخيمات والنباتات العطرة. .

رائحة كانت نورما تعرف بأنها لن تنساها أبدا.

- ما هى هذه البلاد؟

- الصومال. سنتمكن من مشاهدة الشاطئ قريبا.

وفى هدوء الليل، وصلت الى أسماعهما أصوات هدير الموج على الشاطئ.

وفى وقت قصير كانا على مسافة استطاعا منها رؤية صفوف أشجار النخيل التى تحد الشاطئ، وهى تبدو كالأشباح الفضية تحت ضوء القمر. وعندما أصبح اليخت على مسافة قريبة من الشاطئ أدار آلان اليخت الى الأمام ووضعه فى مسار شمالى بمحاذاة الشاطئ الافريقى . . .

وتقدم آلان ليقف قربها للحظة ثم قال:

- علينا أن نتناوب السهر، سوف ندبر هذا فى الغد.

ليس هذا فى الواقع ضروريا، ولكننى احب أن أكون آمنا.

وتركها بعد قليل ليصعد الى غرفة القيادة، ووقفت لوحدها تتأمل جمال هذه الليلة، والخط الساحلى أمامها. صوت بعيد قليلا جذب انتباهها، سعلة خفيفة أتت مع الريح، فى البداية ظنت أنه آلان، ولكنها سمعتها ثانية. زمجرة خشنة قادمة من الشاطئ،سببت لها القشعريرة فى مؤخرة رقبتها صاحت:

- آلان، تعالى واسمع هذا.

وما ان خرج الى السطح، حتى عاد الصوت ثانية، زمجرة خفيفة من على الساحل. ورفع آلان رأسه وعيناه ثابتتان، فهمست له:

- ما هذا؟

وانضم الى الزمجرة صوت آخر، وضحك آلان فجأة، وتوجه نحو غرفة القيادة وهو يقول:

- لنذهب ونرى ما هو. .يبدو أن رحلتك البرية لم تنته بعد، هذا اذا كنت محظوظة.

وحدقت الى البر، واليخت يقترب بهدوء، واقتربت الأصوات أكثر. فقالت بعصبية:

- هل الأمر آمن؟

- أجل. . . ابق عينك على الشاطئ.

- وعن ماذا أبحث؟

- عن الأسود.

وحدقت جيدا بالشاطئ،

كان على مقربة منه حتى أنها أستطاعت رؤية أشجار النخيل تتحرك، والقمر يضئ على الشاطئ. وسمعا الصوت ثانية واقشعرت بشرة نورما، كان هناك شئ مقلق فعلا حول هذه الأصوات. وشكرا لله أنهما على متن اليخت، وليس على الشاطئ ! وضحك آلان وكأنما قرأ أفكارها، وقال :

-المفترض أن تكون هذه الأصوات مخيفة،

الأسود تستخدم هذا الصوت عندما تكون تصطاد لتخيف الطريدة وتتجه فى الأتجاه الذي تريده. اصمتى الآن وابقي عينيك مفتوحتان.

ثم رأتهما . . . وتجمد الدم فى عروقها، بنصف رعب ونصف سرور. أسدان كبيران، يسيران ببطء بين أشجار النخيل نحو الشاطئ، وبصمت أنزل آلان الشراع،

ورمى المرساة. وسمع لسقوطها فى الماء صوت خفيف. وراقبي نورما الأسدين وهما يسيران فوق الرمال. على بعد أقل من مئتين يارد عنها. تحت ضوء القمر، جلدهما كان بلون الفضة المذهب. واعتقدت بأنها رأت الضوء اللوزى ينبعث من عينيها.

وخرجت من بين الأشجار ثلاث لبؤات لتنضم الى الأسدين فوق الرمال. . ووقف آلان بقربها يراقبان بصمت . . .

المخلوقات الضخمة أخذت تتقلب فوق الرمال، والذكور تنفض لبداتها الكبيرة. . ومثل القطط المنزلية أخذت تلعب، تعض بعضها وتضرب بمخالبها،

التى تستطيع كسر العظام، بلطف. ورقص قلب نورما لجمال المنظر، انه رائع، الرؤية الأمثل لشاعر متوحش. والضوء السحري أعطى المنظر لمسة غير حقيقية وكأنها الحلم.

ثم . . .وبصمت كما ظهرت ، عادت القطط الكبيرة الى ما بين الأشجار، تنادى بعضها من وقت لوقت بأصواتها المتحشرجة، وما ان أختفت الأسود، حتى أحست نورما أن يدها تؤلمها، فنظرت اليها لتجدها ممسـكه بيد آلان.

والتقت عيونهما فى الظلام، عيناها واسعتان ناعمتان، وعيناه سوداوان لا يمكن سبر غورهما. ثم . . . ترك يدها. واستدار ليرفع المرساة.

وتقدمت الى جانبه تساعده فى رفع الشراع ثانية، واصطدم كتفيه العريضين بها صدفة عدة مرات،وكأنها جزء من الأدوات التى على السطح.

وكأنما ذلك المشهد الغريب لم يحدث أبدا، واستدارت لتعيد النظر الى الشاطئ. وكان الشاطئ الفضى ساكنا، وكأنه مسرح مهجور.

- لقد انتهت المسرحية . . . هيا بنا نسير فى طريقنا.

وملأ الريح شراع ((ميليسا)) الطويل الشبيه بجناح النورس، وشق اليخت الرمادى طريقه فى البحر . . .

(نهاية الفصل الثالث)