منتديات همسات روائية
روايه هزيمة القمر من كنوز احلام
العدد رقم 19
الملخص
كانت عطلتها في كينيا قد تحولت إلي كارثة . فقررت نورما أن تصل الى وطنها , انكلترا عن طريق العمل على يخت آلان سان كلير . ولكن آلان كان رجلا جذابا جدا , ومركب صغير , ممكن ان يجمع بين شخصين معا , وربما لهذا السبب حذرها آلان قائلا :" لا تضعي في رأسك أية خيالات رومانسية عني !" ولكن هذا لم يمنع نورما من الوقوع في حبه .
ثم أدركت لماذا كان يبعدها عنه , عندما اكتشفت أمر جودي ويلفورد ! ..
الفصل الاول في غابة الوحوش
العاصفة كانت ما تزال تضرب التلال خلال فترة بعد الظهر , ولكن نورما تطلعت الى السماء الافريقية الزرقاء قبل أن تخرج , وقررت أن العاصفة ما تزال بعيدة عدة أميال .
ولكنها لم تكن كذلك .
الغيوم الراعدة المنذرة بالسوء , تجمعت مثل كرات من الصوف الناعم القذر في السماء وتكثفت بسرعة هائلة فوق تلال "سيرتيجتي" , ولم يعد الرعد صوت يأتي من البعيد بل أصبح دويا هائلا بعث الخوف في قلب نورما . فى مكان ما , لمعت السماء بالبرق والرعد الغاضب دوى عبر التلال والأدغال الصفراء الجافة . وارتعدت نورما ودفعت المفتاح في لوحة إدارة سيارتها الفورد . ودار المحرك ببطء ثم توقف وتمتمت بالصلاة , ثم حاولت من جديد ثم من جديد . أن تكون في قلب محمية طبيعية واسعة , تحتوى على الأسود والضباع , ليس المكان المناسب لهذا العطل .
إدارة المفتاح الآن أصبحت مجرد تكتكات لا طائل منها . فالبطارية كما يبدو قد استنزفت , وضربت نورما المقود بغضب . ما هذا الحظ المثالي السيئ ! لابد ان النحس يلازمها منذ فترة , ونظرت حولها الى الاجمة الجافة اللون , بحر من العشب الجاف يمتد هنا وهناك , الى جانب الأشجار الشوكية وكأنما تتوقع أن ترى عيون الأسود من خلالها .
ماذا ستفعل بحق الشيطان ؟ ليس مزاحا أن تعلق وسط طريق رملية في وسط "سيرنيجيتي" على بعد عشرة أميال من المخيم مع سيارة معطلة , وبوجود عاصفة تتقدم بسرعة هائلة . لابد أنها كانت مجنونة لخروجها وحدها . لقد تركت زملاءها الخمسة الآخرين يلعبون الورق في المخيم , لانها لم تكن راغبة فى إضاعة آخر يوم لها فى هذه المحمية الطبيعية سدي . فغدا سيعودون إلى "مومياسا" كي يصعدوا إلى متن زورق بيرت التجاري الكبير ويقلع بهم عائدين الى بريطانيا .
ونظرت إلى السماء ولم يفتها أن تلاحظ أن الوقت ما بين البرق وصوت الرعد قد بدأ يتضآءل , فالعاصفة في طريقها الى هنا . فهل ستستطيع العودة الى المخيم قبل أن تنفجر ؟ واستدارت في مقعدها لتنظر إلى الطريق من خلفها .. لاشئ .. لايوجد أي أثر لسيارة آخري على الطريق الترابية الضيقة , ولا أي شكل لحيوان بري . لاشئ سوي الأراضي الاستوائية المليئة بالعشب الجاف . والأسوأ من هذا كما ادركت نورما بمرارة , أن ما من أحد قد يفكر بالخروج في مثل هذا الطقس . ولن يكون هناك أية حركة سير على الطرقات بعد ظهر هذا اليوم , لا أحد فى الواقع سوى مجنون غبي يمكن أن يترك مخيمه .
- اللعنة !
وتذكرت التعليمات التى قالها لهم رئيس حرس المحمية , بأن لا تضع قدمها خارج السيارة ضمن أراضي المحمية . وأضافت :
- "سيرنيجيتي" ليست حديقة حيوانات , الادغال مليئة بالحيوانات التى تستطيع أن تهاجم البشر , فلا تخرجوا من سياراتكم مهما كانت الأسباب .
وسأله أحدهم :
- وإذا تعطلت السيارة ؟
- عندها تغلق نوافذ السيارة جيدا وتجلس ساكنا فيها . فستصل النجدة إليك عاجلا أم آجلا . فنحن نقوم بدوريات على الطريق بإنتظام , لذا فلا شئ يقلق . ولكن إذا خرجت من السيارة وحاولت أن تسير فكل ما سنجده منك بضع عظام فقط .
وقتها أصدرت نورما أصواتا تنم عن الرعب . ولكنها الآن وهي تتصب عرقا في السيارة , بدت لها كلمات رئيس الحرس تهديدية أكثر منها واقعية , فهي لم تشاعد حتى الان أي أثر لأي حيوان .
وعلى الفور اتجهت أفكارها إلى رالف كالعادة , والى بعض الحركات الخفيفة , ربما لم تكن منتبهة جيدا , ولكن ما عدا بضعة طيور وسحالي غريبة الشكل , كانت الغابة تبدو فارغة وكأنها آخر مخلوق حي على وجه الأرض , ودوى الرعد بقوة ومسحت العرق عن شفتها العليا .
كم مرة يا ترى يجوبون المنطقة بالدوريات ؟ مرة في اليوم ؟ مرة في السنة ؟ وتنهدت بيأس , لقد بدت لها فكرة زيارة أفريقيا : " كينيا ترحب بكم , بمحمياتها الطبيعية وشواطئها الجميلة " كأفضل طريقة للتهرب من تحطم قلبها على ريد رالف كلارك , ومن شكوكه التى حولت حياتها الى جحيم . لقد تخيلت أشجار النخيل والمشروبات الباردة اللذيذة , والراحة حيث تستطيع الجلوس ومراقبة الحيوانات وهي تنظر إليها ,وتصغي إلى ضربات الطبول . وليس هذا .. هذه الأراضي القاحلة التى تظللها الآن الغيوم العاصفة , وهذه الحرارة التى لاتحتمل , وبالطبع لم تكن تتصور أن تعلق في سيارة مستأجرة على بعد أميال من اللامكان اللعين هذا , دون امل فى النجدة ودون ماء ومسحت جبينها , وحدقت فى الأراضي الجافة من حولها بعينيها البنيتين المضطربتين .
فكرة بانها ستصبح مشوية مثل الكركند خلال يومين أو ثلاثة تحت حرارة الشمس أو أن تموت جوعا , أو أن تضربها صاعقة خلال الدقائق المقبلة , بدأ يقنعها بأن اللقاء مع حيوان متوحش وجائع أكثر إغراء من هذا . عشرة أميال مسافة بعيدة للسير , ولكن الطريق أمامها تبدو سهلة . وهي شابة كاملة الصحة لاتزيد عن الثالثة والعشرين , حسنا : اثنان وعشرون وثلاثة أرباع . إذا تبللت بالمطر فهذا على الأقل افضل من الحرارة التى لا تحتمل داخل السيارة . إضافة الى أن احدا لن يعرف أين سيفتش عنها .
وأخذت قرارها وانزلت ساقيها الطويلتين من السيارة ثم أقفلت الابواب , وبدأت السير فوق الطريق الترابية الحمراء باتجاه المخيم . كان الجو أبرد في الخارج . ونظرت خلفها الى السيارة الفورد الزرقاء , وهي تشعر بانها اتخذت القرار المناسب . وابتسمت ابتسامة كشفت عن وجه جميل ومدت ذراعيها .. وتصورت لو أنها بقيت في السيارة طوال اليوم ! كم ستكون نهاية ساخرة لفتاة في الثالثة والعشرين , تموت جوعا وراء مقود السيارة , سجينة داخل قفص خائفة من الخروج الى العالم الواسع الردئ . علاوة على ذلك فهناك الإثارة في السير عبر عشرة أميال من المحمية المليئة بالأسود . وسوف تروي قصتها دون إكتراث بالطبع وهي ترى عيني رئيس الحرس تتسعان بذهول وإعجاب وهي تخبره ببرود أن محميته الثمينة ليست خطرة كما يعتقد .
ولكن بعد أن أوصلها الطريق التراب الصغير الى وراء التلة واختفت الفور عن ناظريها , ووجدت نفسها وحيدة تماما فى أراض افريقية غير مأهولة , بدأ قلبها يخفق وبدت الرحلة التى أمامها طويلة جدا , وربما غير سارة . عشرة أميال ! مع كل هذه الاسود من حولها ! لقد شاهدتها تتمدد تحت الشمس قرب شواطئ بحيرة كبيرة . وبدت لها وكأنها قطط منزلية كبيرة . وتوقفت لتنظر إلى خلفها , مستعدة للركض بكل قواها عائدة الى القفص الحديدي المتحرك الصغير , بأبوابه القابلة للإقفال , وسقفه المانع للمطر ومقاعده المريحة , ودوي صوت الرعد من جديد . وابعدت الفكرة الجبانة عن ذهنها , وتابعت سيرها بشجاعة .
وتطلعت بذهول إلى التلال المنبسطة والاشجار الشوكية , وهي ضائعة عن العالم من حولها . وخق قلبها لشعورها بحرارة هذه الاجمات . واحست بشئ يقطع الطريق خلفها , انها واثقة بأنها سمعت صوتا . ووقفت متوترة , ترهف سمعها لتسمع تكرار الصوت . هل هي مخالب أم حوافر ؟ ربما يكون غزالا صغيرا . ولمعت السماء مجددا , ثم انفجرت ودوي الرعد اصبح اقرب . وتابعت نورما طريقها بقلق , وهي تشعر بضعفها أمام الغابة الواسعة . كانت قد اختارت أن ترتدي حذاء رعاة بقر وهو حذاء جميل طويل الساق اشترته من "مومباسا" ولكن الكعب العالي اخذ يلتوي داخل الرمال الحمراء , ومسحت العرق عن شفتها العليا ثانية , وهي تفكر ما إذا كانت الريح تحمل رائحتها , وما إذا كان هناك أنف حيوان أسود يشم بفضول هذه الرائحة الغريبة , المؤلفة من حرارة البشر وقماش والجلد والعرق وعطر "ديوريسيمو"؟
واتسعت الارض أمامها , وعادت تفكر برالف , كانا قد اتفقا على الانفصال لمدة ثلاثة أسابيع . وكانت ستمضى هذه المدة في أفريقيا , وسيتابع هو عمله في الوطن . فماذا سينتظرها ياترى عندما تعود ؟ مواساة رقيقة ؟ انا آسف يا حبيبتي , ولكنني لا استطيع ان اتابع معك ؟ أو ليس هناك شئ من الافكار الساخرة تتسلل إلى ذهنها عندما تفكر برالف ؟
ماهذا الصوت ؟ بالطبع لا يمكن لمخلوق ان يسمع وقع اقدامها فوق الرمال الناعمة ؟ فكل شئ لابد ان يكون محتميا تحت شجرة الآن . منتظرا قدوم العاصفة . كم يا تري سارت حتى الآن ؟ ربما ميل , وربما أقل . ونظرت إلى الوراء من فوق كتفها باضطراب . سيكون رائعا العودة الى شاطئ البحر .
في البداية كانت ستسافر إلى كينيا بالطائرة , ولكن عندما اكتشف رالف أن صديقه بيتر آشتون كان ينوي السفر بقاربه من انكلترا إلى افريقيا أصر على أن هذه هي الفرصة المثالية لها . وماذا تطلب أكثر , بيتر ورفاقه الأربعة يخططون لزيارة "سيرنيجيتي" .. وتستطيع الذهاب معهم , أليس كذلك ؟ ولم تكن نورما متحمسة في البداية , فهي لا تثق ببيتر ولا بالزمرة الفاسدة التى يسافر معها . إضافة إلى أن الرحلة البحرية سوف تضيع جزءا من وقتها الذى ستقضيه في "سيرنيجيتي " . ولكن رالف أصر وكعادتها فعلت ما طلبه منها .
الرحلة من بريطانيا كانت مريحة . واكتشف الخمسة شبان وشابات ، ان نورما ليست من طبقتهم ، وهذا ما جعلها تشعر بالسعادة ، لأنهم تركوها تفعل ما يحلو لها . فتمددت تحت الشمس ، قرأت القصص الرومانسية ، وراقبت الآخرين يمتعون أنفسهم بطريقتهم الخاصة . ولكنها كانت تتساءل ماذا سيقول والدها عن رفاقها الخمسة فى رحلتها . الخمسة المشهورين ... كما سمتهم فى نفسها .
على الرغم من السماء التى بدأت تظلم ، كانت الطريق أمامها تلتمع من الحرارة . وأحست بالحرارة الزائدة . ونظرت ثانية من فوق كتفها . وكان صعبا أن تبعد الشعور المخيف عنها بأن شيئا ما يراقبها . ربما كان من الأفضل أن تبقى فى السيارة .... هل سيكون لدى المشهورين الخمسة عقلا كافيا لبدء حملة تفتيش عنها ؟ ونظرت فى ساعتها . حتى الآنه ، لابد أنهم يد بدأوا خامس جولة من لعبة القمار فيما بينهم ، ويضحكون بهستيريا على نكاتهم السخيفة الخاصة . وابتسمت لنفسها : كان يلزمها هذه العطلة لتعرف تماما ما هى نوعية أصدقاء رالف . وعادت إلى النظر خلفها . قميصها "التى شيرت" كان مبللا ، ويلتصق بجسدها بشكل غير مريح ، عندما تعود إلى المخيم سوف تأخذ حماما ساخنا وتتناول شرابا باردا ، ثم ستطلب ، عصيرا غنيا من ....
صوت خفيف جعلها تلتفت بذعر . لابد أن شيئا هنا . شئ كان يتبعها بين الأعشاب المرتفعة ، ووقفت مسمرة فى مكانها ، وأذناها ملأتها رعبا . الضباع ! وفكرت برؤوسها الكبيرة البشعة ، وفكها القوى الكبير القادر على طحن العظام وكأنها البسكويت الهش ، وأسنانها القاطعة . لقد عرفت ان الضباع ليست كما هو الرأى السائد حيوانت تقتات ببقايا الجثث فقط ، بل أنها الحيوانات المفرتسة الأكثر قساوة ، ووحشية فى أفريقيا .
- أوه يا ربى ...
وتنفست بصعوبة ، ووجهها البيضاوى أصبح شاحبا من التوتر . عادت تصغى ...
البرق كان مثل شعلة من نار بيضاء ، والرعد يدوى فوق رأسها ، بصوت وكأن يد عملاق قد شقت السماء إلى نصفين . وحدقت نورما بقلق ، وبدأت أولى قطرات المطر الكثيف تنهمر ، تنتشر فوق الرمال الحمراء وكأنها بقع الدم . والطريق إلى المخيم يمتد دون نهاية فوق الأراضى الخالية المشؤومة . ما الذى دفعها للاعتقاد بأن أفريقيا كلها غابات من أشجار الموز المتمايلة ؟ هذه السماء الرمادية الممتدة الأطراف تبدو دون شفقة مثلها مثل الصحراء التى تحتها تماما ، والعشب فوقها جاف لا أثر للحياة فيه . حتى الأرض بدت ظمأى ، تشرب كل قطرات المطر الكثيفة التى تهطل ، وسارت إلى الأمام خائفة جدا ، تحت المطر المتزايد . وفى وقت قصير أصبحت مبللة تماما . وشعرها الأشقر الطويل ملتصق بوجهها ، يرشح بالماء على مؤخرة عنقها .
وهزت السماء رعدة أخرى . هذا الرعد لا يشبه الذى يحدث فى بريطانيا ، فهذا رعد متوحش ، بدائى ، عنيف جدا حتى وكأنه قادر على سحق العالم . وتقلبت العاصفة فوق الأفق من زاوية إلى أخرى ، فوق رأسها . ثم سمعت ذلك الصوت وراءها ثانية ، وهذه المرة كان أقوى من صوت المطر ، كان صوت تهشيم العشب ، ونظرت حولها ، هل كان هذا صوت المطر ، أو .... وبرز صوت شخير من بين العشب ، وبدأت تركض .
كان قلبها ينبض من حنجرتها ، ونفسها يخرج منها بألم ، ووقعت فوق الرمال الحمراء ونهضت ، ثم انزلقت من جديد ، المطر الشديد كان يجعل من الطريق مستنقعا ، وأخذ حذاؤها الأنيق ينزلق من تحتها . ونظرت إلى الخلف وتجمد الدم فى عروقها ... شكلين أسودين كانا يقفزان وراءها على الطريق ... الضباع ! .... وأسرعت إلى الارتماء بين الأعشاب المرتفعة ، لو أنها بقيت ساكنة هناك ، هل سيضيعان أثرها ؟ لا ... سوف يلتقطان رائحتها ، الرائحة البشرية المميزة التى ستقول لهما ان طعامهما اصبح قريبا منهما . وملأت الفكرة قلبها بالرعب . ووقفت على قدميها ، وركضت كالعمياء فى الوحل . مفتشة بياس عن شجرة أو أى شئ تختبئ فيه . ودون أن تشعر أخذت تصرخ باسم رالف .... " رالف ... أرجوك انجدنى .... "
ونظرت خلفها نظرة مجنونة ، كانا يتبعانها ! الشكلين الأسودين المخيفين ! رأساهما منخفضان إلى الأرض ، ويقتربان منها بثبات . وأحست باليأس ، لقد أصبحت مرهقة جدا ، ولم تعد تستطيع الاستمرار ، وسقطت على ركبتيها . وقلبها يخفق وكأنه سينفجر وفمها قد جفا من الخوف .
فجأة لمع ضوئين أمامها عبر المطر المنهمر ، وبدأ شكل أبيض كبير يظهر أمامها . وكاد قلبها يتوقف ، ثم عاد يخفق لكن من الفرح . انها سيارة ، رانج روفر ، تشق طريقها فى الوحل باتجاهها . وبآخر شعلة من الطاقة بداخلها ، وقفت على قدميها وأخذت تلوح . وانفجر الرعد ثانية ليصم أذنيها ، وتوقفت السيارة أمامها . وقفز منها رجل طويل يرتدى حذاء مرتفع الساقين ، وسترة جلدية .
وتعثرت فى مشيتها مندفعة إلى ما بين ذراعيه ، وأخذت تضغط وجهها على صدره الواسع ، وتمتمت بالشكر ، بعد أن لفتها ذراعاه القويتان . ثم أنهارت ساقاها وتمسكت به حتى أنه اضطر إلى حملها وجرها إلى السيارة ليضعها فى المقعد الأمامى ، وأغمضت عينيها فأحست أنها على وشك الاغماء ففتحتهما ،
وقال لها الرجل الأسمر الملتحى :
- أهلا بك فى السيارة .
- أحمد الله أنك أتيت !
وشهقت وأخذت تحدق بعينيه الرماديتين ، وقالت :
- لقد أنقذت حياتى ! كانت الضباع تطاردنى .... اثنان منها ...
- الضباع ؟
الصوت العميق كان غير مصدق لكلامها . وتبعت نورما نظراته ... وعلى بعد عشرات الأقدام تحت المطر ، كان يقف اثنان من الخنازير البرية الصغيرة ، ووجهاهما بديا سخيفان من الوحل والمطر . واستدارا راكضين ، نحو الأجمة ، فصاحت :
- أوه ...
- لا تبدى هكذا وكأن املك قد خاب . فقد كان يمكن بسهولة أن يكونا من الضباع .
وسارا مبتعدين ليلتف حول السيارة ويجلس وراء المقود ، مضيفا :
- ماذا كنت تفعلين هنا على كل الأحوال ؟
ونظرت إلى الوجه الملتحى بابتسامة ودودة :
- لقد تعطلت سيارتى ، فقررت أن أعود إلى المخيم سيرا .
- فى هذه العاصفة ؟ لوحدك ودون سلاح ؟
- حسنا ... لم أكن أعرف ما إذا كان سيأتى أحد لنجدتى هناك . وشكر لله أنك أتيت . المسافة ليست أكثر من عشرة أميال ، ولم أكن أعتقد أن العاصفة ستنفجر باكرا ...
- ليس عليك أن تدافعى عن نفسك ، إذا كنت تنوين قتل نفسك فهذا من شأنك .
وأجال النظر فيها بهدوء وأضاف :
- لقد أوقعت نفسك فى ورطة أيتها الشابة .
وأدركت فجأة أن سترتها الجلدية مفقودة فقالت بحزن :
- أوه ... سترتى ! لقد أوقعتها فى مكان ما على الطريق !
- عندما طاردتك الضباع ؟
واحمر وجهها لهذه السخرية الرقيقة :
- فيها كل مالى ... ومفاتيح السيارة .....
ورفع يده السمراء القوية :
- أوكي .. لقد وصلتني الرسالة , سوف نلقي نظرة.
وادار السيارة بلمسة , وسارت بهما فوق الطريق الرملي الأحمر كالدم . ونورما تحدق خارج النافذة . وهي تشعر ببعض الاضطراء لوجود هذا الغريب الهادئ قربها . وقالت :
- شكرا لأنك أنقذتني .. لست أدري ماذا كنت سأفعل لو لم تصل .
- لا شكر على واجب , لايمكن أن يجد الانسان غريبة جميلة تعانقه كل يوم .
ونظرت إليه بسرعة ولكن وجهه أو ما استطاعت ان تراه منه , كان هادئا , وسألته :
- هل أمضيت وقتا طويلا في التفتيش ؟
- لم أكن افتش ابدا . فى الواقع كنت في طريقي لمقابلة صديق لي .
أخلاقه كانت على ما يبدو لطيفة , واللحية الكثة أعطته منظرا متوحشا تقريبا , وبحذائه الطري وملابسه العسكرية المموهة , يمكن أن يكون جنديا أو حطابا . ولكن صوته كان هادئا ومتسلطا ويداه فوق المقود قويتان ومن الواضح تعودهما على العمل القاسي , ولكنهما لم تكونا خشنتنان , والتقت عيناه الرماديتان بعينيها ثانية , وفيهما لمحة ساخرة :
- أرجو أن تكوني مبقية نظرك على سترتك الثمينة .
وابعدت نظرها عنه ونظرت إلى الخارج وقد احمر وجهها .
- ها هي هناك !
وأسرعت بالنزول من السيارة مسرعة لالتقاطها , وانزلق حذاء رعاة البقر الذى ترتديه , فوجدت نفسها وهي تشهق جالسة على مؤخرتها بألم وسط بحيرة كبيرة من الوحل واكتست باللون الأحمر , وكافحت لتقف ونظرت الى خلفها نحو السيارة , والتقطت سترتها وتفحصت وجود المفاتيح , ثم سارت عائدة الى السيارة , وهي تمسك بذراعها الذى اصيب بالخدوش .
وما إن فتحت الباب حتى تفحصتها عيناه بقلق وقال لها بهدوء :
- هل لديك فكرة عن الحالة التى أنت فيها ؟
ونظرت إلى بنطلون الجينز الذى ترتديه وإلى الوحل العالق بكل شئ فيها , والسترة المتسخة على ذراعها , ومسحت شعرها الاشقر تبعده عن عينيها , ونظرت إليه .
- أنا آسفة !
- إنها ليست سيارتي .
ولكنها أحست بأنه يضحك عليها , وتابع :
- ولا أريدك ان تفسدي المقاعد فيها يا آنسة ..
- ليستر ... نورما ليستر .
- آنسة ليستر , أنا واثق بأنك ستجدين مكانا تجلسين فيه في المؤخرة , ربما فوق الإطار الاضافي ؟
وتسلقت المؤخرة بائسة . وحشرت نفسها بين علبة العدة والإطار الاضافي , وهي تشعر تماما كأنها كلب موحل أبعده أصحابه , وسألته :
- ماذا عن سيارتي ؟
- اعتقد انها مؤجرة ؟ الافضل ان تتركيها حيث هي .. واتصلي بالشركة من المخيم .
- أوه .. لقد أنقذت حياتي فعلا . لو لم تجدني الضباع لضربتني صاعقة .
- اوكي .. لنقل إنك مدينة لي بجميل . قولي لي من هو رالف؟
- عفوا ؟
- عندما رميت نفسك بين ذراعي كنت تهذين باسمه .
- أجل .. اعتقد هذا . انه .. انه خطيبي .
- آه .. ظننت انه قديسك المنقذ .
ونظرت إليه متفحصة عبر المسافة بينها وبين المقاعد , إ نه رجل ضخم عريض الكتفين , دون معدة بارزة . وعيناه اللتان تراقبان الطريق بدقة , كانتا كبيرتين ورماديتين بلون سفينة حربية , وكأنهما عينا صياد متمرس , أو بحار . أنفه مستقيم أنف نورماندي قوي ومتعجرف , وعظام وجهه قاسية . ولكن الجزء الاسفل من وجهه كما لاحظت , ملئ بلحية سوداء يخالطها اللون الذهبي .
- لقد ظننتك حارس المحمية في البداية .
ولم يرد عليها فقالت من جديد :
- ألست حارسا في المحمية ؟
- ماذا ؟ .. آه . لا . انا في عطلة هنا .
- وهل ستمكث هنا لمدة طويلة ؟
- لا .. أنا مسافر الليلة .
وقالت بصوت بدا عليه خيبة الأمل .
- أوه .. نحن مسافرون غدا .
- لقد كنت سخيفة جدا لخروجك وحدك في هذا الطقس الردئ . ألن يكون رالف غاضبا منك ؟
- لا , في الواقع , رالف في انكلترا . لقد أتيت الى هنا مع بعض الاصدقاء
- آه .. آخر رحلة عزوبية قبل الرباط الزوجي ؟
- ليس بالضبط , لقد قررنا أن ..
وتوقفت عن الكلام , انها ليست مدينة لهذا الغريب بأي توضيح .
- عطلتانا لم تكنا في نفس الوقت . هذا كل شئ .
وكانت عينا الرجل تراقبانها عبر المرآة الأمامية , وهز كتفيه دون مبالاة , وكأنه يقول إن هذا ليس من شأنه , وبدت أمامهما البوابة الخشبية لمخيم "بوبي" عبر الامطار , وأمامها التمثالين المشهورين لفيلين . ودلته نورما على الكوخ الذى تشاركه مع بيتر واصدقائه . كلمة كوخ كانت إشارة مهذبة الى منزل ريفي كالقصر يحتوي على أفخم وسائل الراحة التى يمكن لهذا المكان توفيرها , وبينما هو يساعدها للنزول من اللاندروفر , خرجت الفتاتان سينيثيا وجولي من الباب ,
وصاحت سينثيا :
- نورما حبيبتى أيتها العزيزة المسكينة ! ماذا حدث لك ؟
- لقد تعطلت السيارة ..
ولاحظت الفرق بين حالتها المزرية وأناقة الفتاتين اللتين كانتا تحدقان بمنقذها بفضول :
- هذا الرجل المحترم وجدني .
فردت جولي :
- هذا لطف كبير منه .
واخذت عيناها اللوزيتان تجولان بجسده الطويل الجذاب :
- أنا أدعي جولي بيركنز .
وصافحها بإختصار دون ان يتكلم , محدقا بهما مظهرهما المائع والذهب والماس يلمع عليهما . واستطاعت نورما ان تخمن تماما ما كان يظنه بهما .. عاهرتين ثريتين , لهجتهما المائعة ووجهيهما الفاسدين يعلنان بصراحة عمن هما . وخرج بيتر أشتون بدوره , ووجه الوسيم محمر منتفخ من الشرب . و أخرج سيكارته من فمه وحدق بثيابها الموحلة وقال :
- نورما , يا فتاتي العزيزة . ماذا حدث ؟ أين السيارة ؟
وتطوعت سينثيا للإجابة . وهي تبتسم :
- لقد تعطلت , وهذا السيد اللطيف أوصلها إلى هنا .
ونظر إليه بيتر وقال :
- هذا لطف منك , ادعي بيتر أشتون .
- آلان سان كلير .
وأخذ الرجل الملتحي يد بيتر ليصافحها على غير إرادة منه . وارتفع حاجبا بيتر :
- هل أنت قريب لآموري سان كلير ؟
- لا ..
- حسنا أيها الرجل العزيز . تفضل إلى الداخل لتشرب شيئا .
وقال آلان سان كلير بهدوء , وكان فى وجهه لمحة سخرية وهو يتفحص الجميع :
- أرجوك لا تزعج نفسك . أنا فى الحقيقة مستعجل . على أن أقابل شخصا بعد بضع دقائق .
وتمتمت جولي وهي تهز جفونها :
- أرجوك لا تذهب .. كوب قهوة فقط .. أرجوك ؟
وقال بيتر بإصرار :
- أجل تفضل يا رجل . فنجان قهوة بسرعة . على كل الشمس لم تغب بعد تماما , و ..
وتوقف ثم أشار الى الرجل بيده :
- لقد عرفتك أنت ابن جان سان كلير , أليس كذلك ؟
وهز رأسه , ثم نظر إلى ساعته .
- هذا صحيح .. هل تعرف والدي ؟
- لقد بني لي قاربي . جان سان كلير أفضل مصمم للقوارب في العالم . أنا مسرور لرؤيتك يا عزيزي . والآن انظر .. عليك أن تشرب شيئا معنا ...
- أخشى اننى لا استطيع . إضافة إلى أن نورما يجب ان تأخذ حماما ساخنا
وعلى الفور حدق بيتر وسينثيا بنورما , وهما يصيحان صيحة عطف زائف . وانسحب الرجل منهم , وصعد إلى سيارته ولوح لهم بسرعة , وقاد السيارة مبتعدا وتبعته الفتاتان بنظراتهما وهو يبتعد مبديتان الأسف .
وتمتمت جولي :
- من هو هذا الرجل الغامض ؟
وهزت سينثيا رأسها :
- حقا يا نورما , كيف استطعت التقاطه . إنه أكثر جاذبية من..
وصاح بيتر ضاحكا :
- هاي .. أنت لايجب أن تفكري برجل آخر يا سينثيا . انت معي .
لقد كانت سينثيا صديقته . وأمسك بذراعها بطريقة متملكة فالتفت اليه ضاحكة :
- بالطبع أنا معك . ولكن من هو ؟
- والده هو أكبر مصمم للقوارب في بريطانيا "مؤسسة سان كلير لبناء القوارب" إنها مؤسسة للهندسة البحرية . اما آلان فقد التقيته مرة من قبل فى لندن . إنه شاب لطيف ولكنني لم اعتقد بأنه يتابع مهنة أبيه . لدي فكرة انه يعمل فى مجال الطائرات . ربما طيار ؟ على كل .. إنه يبدو مستعجلا جدا . لندخل الآن ..
ونظرت جولي خلف اللاندروفر وقالت :
- يجب ان تعرفنا عليه عندما نعود إلى لندن . أنه يبدو كشخص يجب ان اتعرف اليه . مهما كانت مهنته .
وقالت سينثيا بابتسامة صغيرة :
- سيأكلك على الإفطار يا جولي ..
- وهل سيفعل ؟ أحب أن أري من سيأكل الثاني ..
وقال بيتر :
- في الواقع .. لا أظنه يستطيع الاحتفاظ بك يا عزيزتي . اذكر ان بعض الشائعات تقول بأن أعمالهم قد أفلست .
- يا للعار .. ربما لهذا السبب يربي لحيته ؟ ما قولك يا سينثيا أيمكن ان يكون متخفيا عن الدائنين ؟
- لايبدو وكأن الدائنين يطاردونه . على كل لندخل فقد ابتللت .
ودخل الجميع الى المنزل يتحدثون ويضحكون تاركين نورما واقفة باضطراب عند المدخل . ولم يكن احد منهم قلقا عليها .
وأخذت تفكر بعيني آلان سان كلير الرماديتين قاسيتان هادئتان . تقولان للعالم أجمع : " اللعنة عليك ! " ..
بالتأكيد لايبدو رجلا يطارده الدائنون . عندما تراه ثانية يجب ان تشكره بشكل لائق . وتنهدت وأخذت تنظر إلى مظهرها الموحل , سيكون حمام ساخن طويل نعمة من السماء , وأخذت تنظف حذائها من الوحل , ومدت ظهرها التعب الى الخلف وتبعت الآخرين الى الداخل .
يجب عليها حقا أن تشكره بشكل لائق . عندما تراه ثانية .
* * *
( نهاية الفصل الأول )