1
بديعة
****
تحايلت بديعة على ملائكة روحها الخيرة ،واختارت بإرادتها الحرة مصاحبة هاروت وماروت ملاكا السحر.
تعلمت فنونه السوداء على ايدى شياطين الأنس وأرادت تجريب ما تعلمته فى بنى ادم فاختارت الشاب الذى سوف يصبح زوجها وأبو ابنتها الوحيدة فتحية.
اسمه نور، كان يشبه رشدى أباظة بقامته الفارعة وبنيانه المتين وشعر رأسه الناعم والذى كان يثبته إلى الوراء فاستحال لونه إلى الرمادى بفعل الصابون والفزلين، كان عاطلاً عن العمل فامتهن البلطجة، وكان دائم الهرب من الشرطة فاستحالت سيرته إلى أسطورة بديعة الخاصة والسرية فوقعت فى عشقه، ولم يكن هو يشعر بها، لكنه جاء إليها "على ملا وشه" راكعًا و مدلها ومعترفا بحبه لها لما سحرت له عن طريق عبد القوى بائع الطماطم فى الظاهر والساحر الشرير صاحب الأعمال السفلية والتى دوخت بولاق الدكرور كلها، طلب منها " أتر " نور فأخذت تتحايل علها تعثر على حته من هدومه فيها ريحة عرقه، اتفقت بديعة مع بعض الصيع على التحرش بنور والإمساك بخناقه وهربدة هدومة، قالت من يجيئنى بحته من هدومة له عندى مكافأة.
وفى صبيحة احد الأيام، وبينما كان نور يمشى فى حارة على أبو حمد مختالا فخورا يقول يا ارض أنهدى، هاجمه ثلاثة شبان مفتولى العضلات، لكن نور الذى كان يفوقهم قوة، خلع هدومه فأصبح عاريًا إلا من الكلوت وطوح بقدمه فى الهواء كما كان يفعل بروس لى الذى شاهده فى فيلم الرأس الكبير حين عرضته سينما مرمر فجاءت فى محاشم الأول وسقط على الأرض فاقد الوعى، والثاني ضربه بقبضة يده فى وجهه فأنفجر الدم من انفه، والثالت أعطاه مقص رجل أوقعه ووقع فوقه وأخذ يضربه حتى صرخ " حرمتّ والنبى يا عم " ثم ارتدى هدومه ومضى.بديعة التى كانت جالسة فى بيتها الكائن بحارة على أبو حمد تنتظر أن يأتوا لها بأتر نور،عرفت بالواقعة،فازداد هيمانها به، وهمست لنفسها: والله لو كان ضربوه لكرهته.وفكرت انه لن يأتى بأتر نور سواها فكان ان ابتدعت خطة وهى ان تتعرف على أخته فهيمة فتعرفت عليها وصارت صديقتها الوحيدة، وفى احد الأيام، ذهبت معها إلى منزلها، لم يكن نور موجودا، أمه كانت جالسة بالقرب من شباك يطل على الحارة الضيقة، عجوز تعدت الثمانين وفقدت بصرها منذ أربعين سنة، قالت ان المليجى رحل ونور فى بطنها حتة لحمة لم تتشكل بعد، زينب ابنتها البكر، ونور جاء بعد رحيل والده بثمانية شهور.تركتهما زينب وذهبت لشراء باكو شاى من محل بقالة على أول الشارع.قالت بديعة أنها ذاهبة لشرب الماء من المطبخ، وتسللت إلى الحمام فعثرت على هدوم وسخة قرب الغسالة، أخذت تقلب فيها حتى عثرت على لباس نور فخبأته فى صدرها وعادت إلى أم نور التى عرفت ان اسمها تهانى.
عادت بديعة إلى بيتها وحين انفردت بنفسها أخرجت اللباس من صدرها وأخذت تقلبه فى يدها، كان ابيض كالحا ومبلولاً، قربته من انفها فشمت رائحة عفنه مع رائحة أخرى نفاذة أدارت رأسها وجننتها حتى أنها وضعته بين فخذيها ونامت عليه.
فى الصباح لم تستطع بديعة الذهاب إلى الساحر عبد القوى، كانت تشعر بكسل لذيذ فأخذت تتمطع.تذكرت لباس نور فقامت خبأته فى دولابها، وأحست انه كان معها طوال الليل.وقررت إلا تعطى عبد القوى أتر نور، فقط أعطته اسم أمه حين قابلته فكتب ورقة بدم الغزال وطلب منها أذابتها فى الماء ورشها على عتبة بيتهم وفى الأماكن التى يخطو فيها، فسهرت حتى قرب الفجر وتسللت وهى تحمل علبة صفيح ملآنه بالماء ورشتها كلها على عتبة بيته وفى الطريق التى يمشى فيها.
كانت تحلم بنور كل يوم، كان يجيئها فى انصاص الليالى ويظل معها حتى الصباح، وكانت تقوم وكل حته فى جسمها تؤلمها وكأنه كان يعصرها عصرا، وحلمت بديعة حلمًا غريبا لم تستطع تفسيره، دخل عليها ذات يوم أخوها الكبير حفنى يجر كلبا مربوطًا بسلسلة ورائه، وأخذ الكلب يزوم ويهوهو ولمحت دموعه تسيل على وجهه ونظر إليها باستعطاف وجلس تحت قدميها، وهى حالما رأت الكلب شعرت بدقات قلبها تتسارع وتعلوا مثل طبل، وأدارت وجهها خبأته استحياء، وقالت لأخيها حفنى:هل هان عليك أهل بيتك حتى تدخل عليهم شابًا غريبًا. وهتف حفنى مستنكرًا.شاب غريب.انه كلب وجدته فى الشارع فعجبنى شكله وصعب علىّ فأحضرته.قالت بديعة:انه شاب مسحور.وغابت لحظات عادت بعدها بطاسه ملأنه بالماء قرأت عليها بالسريالية ثم قالت أذا كان الله خلقك كلبا فكن كما أنت ، أما أذا كنت مسحورا فأرجع الى صورتك التى خلقك الله عليها . ثم رمتها فى وجه الكلب فعطس وانقلب شابا جميلا كان هو نور بعينه الذى ما ان وقع نظره عليها حتى وقع فى غرامها وتزوجها ودخل عليها فوجدها درة ما ثقبت ، ومطية لغيره ماركبت فأطلق مدفعه على قلعتها عتيقمها.كان هذا الحلم هو نفسه الحلقة التى سمعتها مساء الجمعة الماضية من ألف ليلة وليلة بصوت زوزو نبيل، لكنها لم تتذكر أنها سمعت ذلك من قبل، فقط الحلم وحده شغلها عدة ليال متواصلة، وخافت إن هى أخبرت أحدًا لشك فى قواها العقلية، وخافت أكثر ان يتحقق الحلم فينقلب نور قردًا أو كلبًا ولا تعرف كيف ترجعه إلى صورته الأصلية، لذا فقد قررت ملازمة عبد القوى الساحر علها تتعلم منه شيئًا يعينها على أيامها القادمة، وتعلمت الجلجلوتية "الصغرى والكبرى وكيف تربط محلولاً وتحل مربوطًا والطوالع وعلوم السيمياء والأبواب والعزائم والبروج والطبائع والطلاسم وأبواب المحبة والدخول على الحكام وضرب الرمل وخلخلة الهوا الكبرى وتعلمت شبشبة زعزوع وشبشبة ناصور وشبشبة أبو الرياح ومندل المرآة ومندل طيفور وفتح الكنوز، وفى خلال ستة شهور كانت تفوقت على أستاذها حتى أنها سخرته لخدمتها هى التى لم تدخل مدارس أو تتعلم القرأة والكتابة، لكنها حفظت كل ذلك على السماع، وفى خلال تلك الشهور والأيام، كان نور يتمكن حبه من قلبها حتى ملك كل حياتها فأقسمت ان حضر شيطانها فسوف تأمره أن يأت به مكبلاً وممسوخًا، وسوف يستعطفها فتعطف وتحن وتمن وتطلق صراحه بعد أن ترده بشرًا سويًا، حلمها الذى حلمت به ذات يوم، لكن نور العصى على شياطين الجن والمعوز من سحر بديعة هزمها ودخل السجن متهما بالسرقة.
بديعة لم تيأس أو تسلو حب نور، وحين علمت بالخبر من أخته ضربت كفا بكف وقالت كلمة لا يخجل قائلها:لا حول ولا قوة إلا بالله.وأرجعت ما حصل لنور إلى العكوسات، واتهمت شيطانها بالخيانة، وقررت ان تحارب معركتها حتى النهاية فذهبت إليه فى السجن، وهو الذى لا يعرفها ولم يرها قط ، سألته سؤالاً وهى تنظر إلى عينيه مباشرة:هل سرقت فعلاً؟ نور أخذ يتفحصها من قدمها حتى رأسها فوجدها طويلة بلا داع لذلك، وأكثر نحافة مما تتحمل عينه ووجد ان أنفها المدبب يعطى مشروعية لدمامة وجهها.اسمعى يا ست انتى، قال نور مشيرًا بازدراء لحظته بديعة.أنا لا أعرفك، ولكن أقسم بشرف أمى أنى لم أسرق، واننى برئ من هذا الأمر.
زاد عجبه حين سمع صوتًا يشبه نقيق ضفدع عطشان يقول له:أنا أصدقك، وسوف أعمل على أظهار براءتك، ولكن بشرط.سكتت وأخذت تنظر فى عينيه، وهو أطرق برأسه إلى الأرض مفكرًا فى شرطها ماذا عساه ان يكون، ومن هى أصلا حتى تتمكن من إخراجه؟
ان تتزوجنى.سمع نور جملتها الأخيرة لحظة انتهاء موعد الزيارة، وبينما كان يغادرها فكر فى جملتها بإمعان وأحس ان هذه المرأة توشك ان تحاصره فغمغم لنفسه:مش لو خرجت من هنا!.
لكن نور لم يمكث فى السجن أكثر من أسبوع خرج بعده حرًا طليقًا، أكثر من ذلك ان بديعة استطاععت تقديم الجناة الحقيقيين للمحاكمة، أما كيف حدث ذلك.فهو سرها الذى لم تطلع أحدا عليه، حتى أبنتها الوحيدة فتحية لم تعرف عنها شيئًا، شئ واحد كانت تعرفه فتحية، حكته أمها مئات المرات أمامها، كيف جاء نور صباح يوم أحد ليخطبها من أمها وأخيها الأكبر حفنى، وكيف أستسلم لكل شروطهما، والأغرب من ذلك أنه تزوجها بعد الخطوبة بعدة أيام.