2

12 0 00

2

نور

أنا لا أعرفه، فكيف أكتب عنه، هل أكذب؟أو أتخيل أحداثًا لم أعشها، أؤلف عن شخص عرفته وأنا فى السادسة من عمرى وكانت علاقتنا انه كلما رآنى ضرب يده فى جيبه وأعطانى نوعًا من البونبون يسمى نادلر فأفرح لذلك وأحبه وأتمنى مقابلته دومًا.

أسمى خيرى عبد الجواد، مؤلف قصص وروايات، من عرفنى فقد اكتفى، ومن جهلنى أقول له إجابة على سؤاله كيف أزج بأسمى فى هذه الكتابة هكذا عينى عينك وقد جرى العرف ان يكون الكاتب الراوى مخفيًا يحرك أحداثه من وراء مكتبه، لا احد يعرف فيما يفكر، أفكاره يطرحها على ألسنة شخوصه ، آماله وطموحاته وأحلامه يدونها على الورق من وراء حجب.أنا غير هؤلاء يا صديقى، أنا أكتب عن نفسى فى كل ما كتبت، ليس حبًا فيها إنما نفسى هى الوحيدة التى أعرفها وعشت معها وخبرتها فى كل أحوالها.وقديما قال أحد الفلاسفة أعرف نفسك، وها أنذا أحاول معرفتها.وكانت بديعة أقدر منى على معرفة نور وكيف لا وهى التى أحبته وتزوجته وأنجبت منه ابنة وحيدة اسمها فتحية سوف يأتى الحديث عنها فيما بعد، لذا، فسوف أكتفى بما قدمته بديعة عن نور فى الفصل الأول أما ما لم تعرفه بديعة، فهو ما سوف احكيه.

تزوج نور من بديعة بعد خروجه من السجن مباشرة، ورفضت أم نور ان يعيشا معها فى حجرتها فأخذته بديعة ليسكنا مع أمها وأخوتها، عاشا فى حجرة صغيرة لها باب منفصل عن الشقة يفتح علىبئر السلم بينما سكنت أم بديعة والتى كانت تسمى أم حفنى على أسمم أبنها البكر هى وحفنى ومحاسن وصديّقة فى الحجرة الأخرى.نور ظل عاطلاً عن العمل، وسجائره ومصروف جيبه كانت بديعة توفرهما له من معاش أبيها، كانت تسرق من بك أمها ما تيسر كلما سنحت لها الظروف، وكانت أمها تعرف لكنها تغاضت فى أول الأمر، ثم رأتها تسرق ذات يوم فواجهتها، وغضبت بديعة وكرهت أمها فى تلك اللحظة وتمنت ان تسخطها قردة، وقالت هى فلوس أبى ، ونور لا يشتغل فما حيلتى، تحبى أولع فى نفسى فيرتاح الجميع.وأم حفنى لم تأخذ بتهديدات بديعة ولا بصوتها العالى وقالت لابد من حل، وعلا صوت بديعة وأمها، وخرج نور على صوتهما ووقف يتفرج، ولم يكن بالمنزل غيرهم، وتجرأت بديعة ومسكت فى خناق أمها وقالت لها خنقتينى يا شيخة، ما تموتى وتريحينا من بخلك وقرفك.وأم بديعة صعبت عليها نفسها فضربت بديعة على وجهها بكف يدها، وخرجت عفاريت بديعة من عينيها فردت على أمها بقلم مثله، وجاء نور فزغدها فى كتفها فصوتت، ودفعتها بنتها فوقعت على الأرض وقدمها اليمين تحتها، صرخت:رجلى انكسرت.ومن شدة الألم أغمى عليها.وحملها نور وجرى وبديعة وراءه إلى مستشفى بولاق الدكرورالعام، وقرر الحكيم علاجًا يزيد عن واحد وعشرين يوماً وجبست رجلها واتهمت نور وبديعة بالاعتداء عليها.ونور الذى له سوابق هتف حسبى الله ونعم الوكيل فيكى يا شيخة، ورمى يمين الطلاق على بديعة التى وقفت مذهولة لا تدرى ماذا تفعل فى المصيبة التى حطت على رأسها.فلا هى تقدر ترجع لبيت أمها بعد ان طردتها هى وأخوتها، ولا هى على ذمة نور، ماذا أفعل يا ربى؟ تساءلت وأخذت تبكى، ومن بين دموعها تذكرت ان لها أقرباء فى نفس الشارع فذهبت إليهم وحكت حكايتها كما تخيلتها هى فبدت مظلومة، وتعاطفوا معها وبعد إلحاح منهم رضيت بالإقامة عندهم.

هنا أبدأ الحكاية وأنا على يقين مما حدث فى تلك الفترة، فقد كنت طرفًا فيها، ذلك لأن العائلة التى أقامت عندها بديعة عائلتى، كان أبى عامل البناء قد رضى بإقامة بديعة بين الأسرة كأحد أفرادها الذين تجاوز عددهم أربعة عشر فردًا، كان لديه ست بنات فلم يضره أن يزدن واحدة أخرى، كذلك أمى التى كانت تكبر بديعة بعدة سنوات رأت أن تعطف عليها بعد أن سمعت حكايتها.لم تكن بديعة تمت للعائلة بصلة اللهم إلا صلة الجذور، وذلك أنها من نفس القرية التى تقع فى محافظة المنوفية وتسمى" كوم الضبع"وكانت تنتمى لأحدى العائلات الفقيرة والتى لم تكن لها أرض أو زرع بل كانت تؤجر نفسها للعمل لدى الآخرين بأجر لم يكن يكفى للطعام فاعتمدت على ما يمنحه الأخر ون مما يفيض عن الحاجة.

أصبحت أنا أبن السادسة أرى بديعة أمامى فى كل لحظة، بل أننى كنت أصحو من نومى فى بعض الأحيان لأجدها نائمة بجوارى على سريرى بملابسها الداخلية وقد انحسر اللحاف عن جسدها الأبيض البض بينما كنت أشم رائحة عطرها وعرقها وكانت تبدو لى جميلة، وذات مرة، صحوت فوجدتها نائمة بجانبى كعادتها على ظهرها شبه عارية، كانت تضع إحدى ذراعيها تحت رأسها بينما ذراعها الأخرى طوحت بها قريبة منى وصدرها بدا مثل ربوة عالية بيضاء ومدكوكة، وقد باعدت ما بين ساقيها فانحسر الكلوت على احد جانبى فخديها فظهر شعر عانتها كثيفا واسود ناعمًا، مددت يدى فأمسكت أصابعى بعض شعرها وشددته، صرخت وقامت منتورة تتلفت حولها فى زعر، وبعد لحظة تنبهت إلى أن الفاعل لم يكن سواى فنظرت إلى وتبسمت ولفت ساقيها حولى تكاد تعصرنى ونامت مرة أخرى.

تعلقت ببديعة وتعلقت أكثر بمداعباتها لى.كنت أنا الوحيد الذى تسمح لى بتقبليها من فمها وكنت أحب ذلك لأستمتع بطعم احمر الشفايف الذى يشبه رائحة القرنفل.وفى كل يوم، كانت تسخن بستلة الماء على الوابور الجاز السكاتى الذى لم يكن سوى دانة مدفع عثر عليها أبى بعد الحرب فقام بمعالجتها لتصلح موقدًا، وقبل الماء تكون قد أتت بكسرونه ووضعت فيها بعض السكر والماء وتتركها حتى تغلى ثم تقوم بصبها على البلاط فتجمد قليلاً حتى تصير حلاوة لينة تفركها بأصباعها ثم تفردها على مواضع من جسدها تنزع الشعر منها، كانت عملية مؤلمة لأنى رأيت بديعة تصرخ فى كل مرة، وحين تنتهى، يكون الماء قد غلى فى البستلة.

فتضعها على الأرض وتضع الطشت النحاس الكبير فى منتصف الحجرة، ثم تخلع ملابسها وتجلس فى الطشت وتصب فوق جسدها الماء الحار بعد مزجه بالماء البارد، سمحت لى بديعة بالاستحمام معها مرة، ورأيتها تحك جسدها الأبيض باللوف بشدة حتى كاد الدم يتفجر منه.

بديعة أصبحت ركنًا أساسيا من أركان منزلنا، وبدا أن لا احد يستطيع الاستغناء عنها، أنا الذى كنت أنتظر مداعباتها لى والتمسح بها فى كل وقت فقد أدمنت رائحتها.وأمى التي حملت عنها بديعة بعض أعباء المنزل، وحتى أبى الذى كان يصحو مبكرًا للذهاب إلى عمله فيجد بديعة قد صحت قبله وجهزت فطوره.

لا أحد يدرى ما الذى كان يدور فى ذهن بديعة فى تلك الفترة، لكن أمى المريضة دومًا والمجهدة طوال الوقت بدأت تشعر بالخطر من بديعة، وأخذت مشاعر الغيرة تعصف بها، لكن ما الذى تفعله؟ أخذتنى ذات مساء وذهبنا سويًا إلى منزل نور، قابلنا أمه وسألتها أمى عنه فقالت أنها لم تره منذ أشهر ولا تعرف عنه شيئًا، ودعت على بديعة التى طفشت ابنها وخربت بيته.لكن أخته كانت تعرف فقد سمعت انه يعمل عرضحالجى على باب أحد أقسام الشرطة، واحد من الجيران شافه مرة هناك.لكن أين ؟لا تدرى.

خرجت أمى من بيتهم وهى مصممة على إيجاد نور بأية طريقة، فهذا هو الحل الوحيد. بيتى هيتخرب.كانت تغمغم وهى تسحبنى من يدى وتهتف قائلة:المره داخلة على خراب البيت.مستعفية وفاجره ولا حد حكمها.

شعرت بأزمة أمى وكنت أرى دموعها على خدها طوال الوقت فى صمت ولا أحد يدرى ما بها سواى، وفجأة أصبحت لا أطيق بديعة، كرهتها وبت لا أطيق رائحتها. ورأيتها للمرة الأولى إمرأة دميمة وأنها لم تكن جميلة فى يوم من الأيام، وأخذت اعقد المقارنة طوال الوقت بينها وبين أمى فانتصر لأمى.

بعد عدة أيام عرفت أمى مكان نور وأخذتنى وذهبنا إليه، كان يجلس أمام قسم شرطة على البحر، أمامه ترابيزة تظلها شمسية وقلم وعدة دفاتر وأختام، كان يرتدى جلابية ناصعة البياض فوقها جاكت بدلة أسود وكان أكثر تأنقًا عن ذى قبل، وعند رؤيته لى أخرج من جيبه أقراص النادلر وناولهالى.شرحت له أمى كل شئ من طقطق للسلام عليكم، وفى النهاية قالت له:تعالى خد مراتك ولمها فى بيتك يا بن الناس.كان نور منفعلاً وظهرت سنته الذهبية متألقة بانعكاسات الشمس وقال:دى عيلة وسخة والمره دى خرابة بيوت ابعدينى عنهم الله لا يسيئك.انشغل نور بعض الوقت بكتابة عرض حال لواحدة ست وانشغلت أنا بمتابعة الداخلين والخارجين من وإلى القسم، وكانت أمى جالسة مطرقة فى صمت.انتهى نور مما فى يده وقال لأمى وهو يرتب بعض الأوراق:شوفى يأم جمال دا موضوع مالوش حل، وأنا زهقت من الحتة كلها وربنا هدانى ولقيت عمل شريف ونسيت شقاوة زمان، وأنا لغاية دلوقت عمال أفكر أنا إيه اللى رمانى على العيلة الوسخة دى.أكيد عاملين لى عمل، وأنا متأكد، دانا حتى كرهت أمى وأختى اللى مالهمش غيرى وما شفتهمش من ساعة ما حصل اللى حصل تفتكرى دا طبيعى ؟ قالت أمى: يا نور يا خويا مصارين البطن بتتخانق وبيحصل اكتر من كده بين الراجل والست بتاعته، والطلاق خراب بيوت يا خويا. هيه اللى بعتاكى.قال نور فحلفت أمى بأيمانات المسلمين أنها جاءت من ورائها وقصدها الخير.سلم علينا نور وهو يقول ربنا يقدم اللى فيه الخير. قالت لى أمى ألا اخبر أحدا بأننا قابلنا نور.وحين رجعنا إلى البيت وجدت أمى بديعة نائمة على سريرها أبو عمدان بقميص النوم ولم يكن أبى موجودًا، فغضبت أمى وشخطت فيها وقالت: استرى نفسك يا مره، البيت فيه رجالة فقامت بديعة واتجهت إلى حجرتى وأغلقت الباب على نفسها.

بديعة اشتغلت لنا فى الأزرق فتشاجر أبى مع أمى وكاد أن يطلقها.كانت رائحة البخور تملأ البيت وكانت بديعة تغمغم طوال الوقت بكلام غير مفهوم وكانت ترش عتبة بيتنا بالماء الملون فيطأه أبى، وكاد يموت حين أعطته طعامًا كان معجونًا بدم العادة فتقيأه، ولمت أمى هدومها وسافرت إلى بلدتنا، وقالت أنها لن تعود إلا إذا مشت بديعة. وأبى قال أنا لا اجئ على الولايا وانكسف يكلمها، لكنه سلط عليها بناته يضايقنها، غير أنها لم تتضايق، وكشفت أختى حجابًا مختبئًا فى كيس المخدة التى ينام عليها أبى بعد فوات الأوان، ذلك انه أصيب فى جسده بحساسية جعلته لا ينام باليل أو بالنهار، وجلس فى البيت بلا عمل بينما جسده كان يبدل جلده طوال الوقت.وعلمت أمى بخبر مرض أبى فقالت دا ذنبي.وأسرها أبى فى نفسه التى صعبت عليه، ومع قلة حيلته ومصيبته التى جاءته من حيث لا يدرى كان يصرخ من شدة الوجع، وبناته كن يتناوبن على تغيير جلبابه وغياراته الداخليه كل ساعة، وكان جلده يخرج ملتصقًا بالجلابيه التى كانت تنز صديدًا وماء. بينما كان يلوك المضغ فى فمه قال أبى جرح السلامة كل يوم له علامة، وجرح الندامة التمس له طبيب.وجاء الطبيب وكتب له علاجًا وأوصى بعدم الاقتراب من البيض والفراولة.واتريق أبى بعد ذهاب الدكتور وقال لنا : مش لما نلاقى الغموس نبقى ناكل فراولة ! ومد بوزه وقال : هأو.

ونور الذى غطس بعد زيارة أمى له، ظهر فجأة يحمل فى يده كيس فاكهة. قال انه بمجرد سماعه بمرض أبى ترك ما فى يده وجاء فورًا. سلامتك يا عم محمد يا غالى.

وانتهزها أبى فرصة وفاتحه فى أمر بديعة. ما تردها يا نور وتريح الجميع. وبديعة التى ما ان علمت بمجئ نور حتى وقفت خلف الباب تتصنت وهى على سنجة عشرة فسمعته يقول: شوف يا عم الحاج هالله هالله على الجد والجد هالله هالله عليه. اللى ينكسف من بنت عمه ما يجبش منها عيال، واللى أوله شرط. ما هو أنا جاى أردها بس بشرط. كانت كل شروط نور عبارة عن شرط واحد، ان تتبرأ من عيلتها الوسخة وان كانت عيزانى تعتبرنى كل عيلتها، ودا اللى عندى|. تنحنح أبى ونادى على بديعة فجاءت وهى عاملة نفسها مكسوفة وقالت: ايوة يا حاج. مش تجيبى حاجة للراجل يشربها. قال أبى وأشار لنور فغابت بديعة دقائق وعادت بصينيه عليها كوب شاى وضعتها أمام نور الذى نظر إليها فرآها زى الفل فأعجبه شكلها.

نور جاى يردك يا بنت الناس وانتو ما لكوش غير بعض، بس له شرط. اللى تشوفه يا حاج، وسى نور شروطه كلها على عينى وراسى من فوق. قالت بديعة ونظرت بدلال لنور الذى ما ان سمع كلامها الذى ينحط على الجرح يبرد حتى هتف: شرطى ان أحنا نبقى فى حالنا لا تقوللى اهلك ولا أقولك أهلى، اهلك هما أنا، موافقة يا ستى ؟

أم حفنى بعد ان فكت الجبس عجزت، رجلها عقدت على الكسر وأصبحت لا تستطيع المشى عليها، وحين عرفت أنها لن تمشى أو تتحرك على رجلها مرة أخرى صوتت وبكت ودعت على ابنتها بديعة وزوجها نور أنها تشوف فيها وفيه يومًا اسود من قرن الخروب، وحفنى، ابنها البكر، كان طويلاً نحيلاً وجهه يشبه قساوة قلب بديعة، كان يعمل نقاشَا باليومية ،وعلى معاش والده الذى كان يعمل عطشجى بالسكة الحديد كان يستر أختيه فهيمة وصديّقة وأمه العاجزة ولم يفكر فى الزواج قبل ان يدخل البنات بيت العدل، ورغم ذلك، فإن حفنى وقع فى حب "صفاء" ابنة الناس الذين كان يبيض شقتهم فى شبرا من أول عينه ما وقعت عليها وحكايتهما طويلة ومعروفة ـ ليس هذا أوانها ـ .

نور العايق الشاطر ربنا نفخ فى صورته وهداه، استقام فى عمله أمام القسم وحبب فيه خلقه، وبين عشية وضحاها، شوهد يتردد على الجوامع يصلى الوقت بوقته ولم يعد يترك فرضًا ولا سنة، والسبحة استقرت بين أصابعه تعبث بها على الدوام، وخلال ستة اشهر أزداد وجهه بياضًا والقًا بنور الأيمان واسودت جبهته من اثر السجود وتمتع بشفافية جعلته يطرح على بديعة فكرة مصالحة أهلها وطلب السماح من أمها، إلا أنها رفضت بشدة وقالت يا نور أنت أهلى وكل ناسى وربنا يخليك لى.

وأذاقته تلك السنة ما لم يذقه طوال حياته من سعادة فاضت على روحه حتى طلعت تقابل ربا اسمه الكريم.أما كيف حدث هذا التحول لنور ؟فهو ما تكشف عنه كراسة كتبها بخط يده ووضعها فى ظرف وكتب عليه بالخط العريض لا يفتح إلا بعد موتى وإنا لله وإنا إليه راجعون .