(2)

10 0 00

(2)

وديان من الظلمات تتوالد في المدينة عندما لا تكون هناك كهرباء في معظم الليالي..

وفي هذه العتمات تتبدل حيوات الناس مثلما تتبدل الكثبان الرملية في عاصفة ليل وتزحف إلى الجهات، تتغير المصائر وتتهاوى أشياء وتتبدد أخرى..

في عزلتها وهي تجلس محنية الظهر أمام قدح شاي إزاء النافذة ولا يضيء الغرفة غير فانوس نفطي صغير تسمع صداح أغنية حب لفيروز.. يغمرها الصوت المطري الهارب من فراديس الأمس بالندى ترتجف بالحنين وتبدو الحروب كأنها لم توجد قط في هذا العالم.. وما عبرت نيرانها على جباه المدن الغافية ولا أطبقت مخالبها على عنق الزمان..

تردد مع فيروز......

رجعت في المساء كالقمر المهاجر

حقولك السماء حصانك البيادر..

أنا نسيت وجهي.. تركته يسافر

سافرت البحار لم تأخذ السفينة

وأنت كالنهار تشرق في المدينة

والريح تبكي في ساحتي الحزينة..

من أين يأتي الطيف الذي يدحض ليلها والأحزان...؟

وبحضور الليل والأسماء والعناصر

أعلن حبي لك واتحادي بحزن عينيك

.......

وينزل المساء ........

لا تتساءل حياة فالأغنية تدور في ذاكرة الروح... وتتماوج كل ليلة، هنا كانا يسمعان معاً وهنا كانت تهب عليهما رسالة السلام بصوت الغيوم والأمطار والريح الذي يتمازج مع صوت البهية فيروز...

يخيل لحياة أن الجوع تراجع إلى مغارات النسيان وأن صداح فيروز يزيح ساعة يعلو عقبات الضنك ويروي الوقت بنبع من الصلوات البهية مشرعاً نوافذ الليل على فجر ضوئي يهدئ أوجاع الفقدان..

يحدث ذلك لبرهة وجدٍ أو ساعة إشراق..

من أين يأتي الصوت الماطر في هذا الليل...؟

عندما تضاء المدينة، وتعود الحياة إلى واقعيتها.. تعرف حياة أنها لا تزال جالسة هناك أمام النافذة وجسدها يرتعد في انفعال الشوق والبرد..

تسمع أنين روحها يعلو....

تسمع:

سافرت البحار لم تأخذ السفينة

والريح تبكي.. تبكي في ساحتي الحزينة..

كان وجهها الجميل قد مسه الهزال وسكنت ريح الحزن في ساحته... ترتعد يخفق في جوانحها ذلك الحب الذي ما سكن يوماً للرجل الغائب...

أين أنت..؟ ماذا يؤلمك..؟

ما الذي تفكر فيه..؟

ما الذي تحلم به؟ تخشى أن نضيع منك أنا وميساء؟... لا.. لا تفكر حتى بهذا سننتظرك حتى نهاية العالم... لك أن تطمئن أينما كنت... أينما كنت..

وخزة ألم تمر في جنبها مثل سلك كهرباء.. ويصل الألم إلى عنقها.. ويتوضع في جانب رأسها.. تخاف أن تصاب بمرض من هذه الأمراض التي ابتكرتها الحرب لناس البلاد.. تخشى أن تموت قبل أن.......

لا.. ستصلي ليل نهار لكي تحفظ روحها في سلام العافية.. حتى يعود.. وسوف تبقى هكذا تحدق بالليل وهي ترنو إلى وجهها تصحبها فيروز كلما اعتراها الشجن في وحشة الصمت..

في أول الليل وآخره.. تتوالد الأحزان من بذرة الأحزان وتكبر خلال النهار.. تنمو الشمس وتورق تحت هبوب النسائم والمرأة ترسل عيون الفؤاد إلى سماوات الله تتعلق ببزوغ نجمة أو ترنو إلى إشراقة هلال..

أعمال كثيرة عليها أن تنجزها خلال الليل، ترفو سترة صوف هاجمها العث، وتكوي ثياب ميساء..

تهب ميساء من نومة قصيرة..

ـ أمي.. ماذا تفعلين؟

ـ انظري... ألا تبدو جديدة؟ ألا تعجبك هذه الحاشية من نسيج الصوف؟

سترتدينها في الغد.. ستبدو جديدة تماماً.. هيا جربيها.. هيا

تقبلها الفتاة وتسند وجهها إلى خدها البارد..

ـ لا تهتمي.. سنقاوم يا ابنتي.. سنجد كل يوم طريقة لنبقى على قيد الحياة..

لا تبكي.. عيب..

كم مرة رددتها لك.. هذا قدرنا ونحن أفضل ألف مرة من غيرنا.. في الأقل لدينا أمل بعودته.. وعلينا أن نحمي نعمة الحياة التي وهبت لنا.. لا تبكي.. أنت قوية وأنا أستمد قوتي منك يا حلوتي الصغيرة...

تعرف حياة أنها لا تردد هذه الكلمات لابنتها بقدر ما كانت تحاول التماسك وقد أضناها الجهاد اليومي في حياتها الحافلة بالتعب..

وعندما يداهمها الوهن وتخشى من انهيار مقاومتها. ترددها بصوت مرتفع لتسمع الجدران وأشجار حديقتها وعشب الصباح.. تريد أن تشاركها أشياء البيت في وقفتها وتسندها..

بعد سنوات عندما تكبر ميساء ويهجرها (زياد) إلى بلد بعيد، سوف تستعيد حياة ذكرى هذه الليالي وأغنية فيروز والكلمات التي كانت تتكئ عليها في لحظات الضعف الإنساني.. وسوف تردد في أَمْسِيَةِ الغد كلها..

الريح تبكي... تبكي في ساحتي الحزينة..

.....