(1)
كل شيء يسقط من الزمن، ولكن أين يسقط الزمن؟
من يجمع شتات الأيام والسنوات والدهور؟
كيف يقيس الحزانى مادة زمنهم؟
لا أحد يسأل وليس من إجابة فالأيام تقاس كل آونة بطريقة مختلفة..
تقيس الست حياة أيامها بالمرارة، أو بسلامة العقل الذي يتحمل ما لا يطاق، وتقيس الليالي بثبات القلب وقدرته على احتمال المصاعب ومراوغة العوز أو مغالبة الجوع..
تحسب عمر ابنتها التي بلغت الرابعة عشر بسنوات الفقدان..
ما عادت بحاجة إلى أدوات قياس الزمن...
فلا الساعات ولا التقاويم ولا المنبهات الرنانة قادرة على قياس الوقت وتحديد مادة الزمن..
قلبها وحده، قلب المرأة هو الذي يحسب الزمان على وفق إيقاع خاص لا تدركه الآلات ولا روزنامات القرون الجديدة ولا يمكن لسواه أن يلاحق نبض الزمان الخفي..
تقيس حياة الأيام بما يتراكم على عتبات بيتها من غشاوة الأحزان التي تتصدى لها وتكنسها مع ما يتساقط من ورق الشجر الذاوي...
كان يقول لها: كل شيء يحدث بالتناقل..
ـ كيف؟
ـ إذا تعرضت لكارثة أو تسببت أحداث معينة في تدمير معنى الحياة لديك، فاعلمي أن هناك أناساً في الجانب الآخر من العالم قد نالوا رفاهاً أو حظوا بثروة على أنقاض ما فقدت..
ـ أكاد لا أفهم.. ما معنى كل هذا؟
ـ يحدث الأمر دائماً بطريقة معكوسة في طرفي العالم، فما تحرمين منه يناله الآخر حتماً..
ـ أنت تبسط الأمور.. لا أظن أن الأشياء تحدث بهذه البساطة.
ـ هي هكذا يا حياة فإن أشعلوا حرباً هنا.. أو تسببوا في خراب جزء من العالم فإن أثرياء جدد سيظهرون هناك وتتنامى ثروات ورساميل الشركات في الجهة الأخرى من الأرض..
ـ لكن.. ألن يأتي يوم ينتهي فيه كلّ هذا؟
ـ سيحدث.... ولكن متى...؟
- ربما في زمن أولادنا.. ربما..
أحياناً يظن البشر أن الحروب ماتت إلى الأبد، وأن خضرة الحقول قد زاحت سواد الموت، ويتخيلون أن السلام قد فرد جناحيه على الدنيا، وينسون أن الحرب تختبئ تحت ضحكة الحياة
ـ لا تفزعني... لا بد أن تنتهي الحروب في يوم ما.
ـ سيحدث عندما يوجد الكثير من أمثالنا..
حين ولدت ميساء، بدأ قصف المدن بالصواريخ، كانت الصغيرة تحبو وتتعلم أن تقول كلماتها الأولى المقطرة من حاجة الإنسان للبقاء..
أخذتها أمها إلى طبيب وقال لها:
الصغيرة تبشر بنضج عقلي مبكر.. اهتمي بها.
قال الأب: ستكون كما أريد لها أن تكون، تحقق أحلامي التي لم أقطفها لأسباب لا أملك التحكم بها..
ستغرق المدينة في عواصف غبار أحمر وسينهمر رمل الصحراء المحاذية للمدن على المباني والأشجار، ولن يتبقى على أشجار المدينة من الطيور إلا ما لا قدرة لـه على الطيران بعيداً..
هجت أسراب الحمام والعصافير والزرازير وغابت الشحارير والبلابل منذ سقط أول صاروخ على بغداد.. لم يتبق من طيور الببغاوات الأنيقة بألوانها الزمردية وطيور الحب النزقة المحجوزة في الأقفاص..
هجت القطط إلى حين ثم عادت عندما أدركت بغريزتها البدائية أن الحرب ستطول..
أقامت عشيرة من القطط في حديقة البيت وكانت حياة تقدم لها بقايا الأطعمة وتتحمل ألاعيبها وخدعها المسلية..
عندما كبرت بدأت تلاعب صغار القطط وتطعمها أو تقف على مقربة منها وهي تتمدد في كسل لذيذ حتى الشمس وتلعق فراءها الناعم وهي مغمضة العينين.
تسمع حياة مواء قطة في الحديقة وهي عائدة هذه الظهيرة من المدرسة الثانوية مع ميساء، تبحث عن مصدر الصوت فتجد قطة مختبئة وراء كومة أغصان جافة وهي تلاعب عصفوراً مفزوعاً قبل أن تنقض عليه..
تضحك ميساء لفظاظة القطة فتقول لها الأم:
ـ هذه هي الحياة.. هي هكذا قائمة على الصراع..
بعد الغداء تنهمك بتصحيح كراسات الطالبات وتعثر على طرف أدرجتها الطالبات في دفاتر الإنشاء، انعكاسات لما تحدثهن به..
إنهن يستوعبن حكاياتي جيداً..
كانت قد حدثت البنات بطريقتها الشيقة عن أحوال الأسماء والأفعال والحروف وكشفت لهن عن عمل الضمائر الظاهرة والضمائر المستترة التي غيبها اسم متقدم مهيمن.
تقول لهن: عندما يرتبط الاسم بضمير من الضمائر المتصلة فإن الاسم والضمير يتلازمان ويؤثر أحدهما في الآخر إلى ما لا نهاية..
تسألها البنات عن أسرار القول وتدلهن على قوة الكلمات وقدرتها على تغير صورة الحياة..
الفعل يمكن أن يبنى للمجهول وعندئذ سيرفع المفعول به رأسه ويشمخ بهامته عالياً، بعد زوال مؤثرات الفعل عنه تقول لهن: الأسماء لا ينكسر حضورها إلا إذا استسلمت لغواية الجذب والجر أو إذا أضيفت إلى سواها ولم تكتف بذاتها مثلنا نحن البشر، إذا امتلكنا قدرة أن نتحكم بأنفسنا دون اتكاء على آخر فلن نتعرض للكسر أو للجر بالإضافة إلى سوانا..
تضحك البنات، تضحك الست حياة وتقول لهن:
باللغة يمكن إقامة أشياء عجيبة أو هدم أشياء أخرى.. هنا تكمن قوة الكلمات.
تسألها ابنتها بنوع من المشاكسة أمام الطالبات:
ست حياة، وإذا كان.. يعني إذا كانت إحدانا خرساء، ولا يمكنها نطق اللغة فماذا ستفعل؟
سيقودها حدس القلب..
عندئذ تشرق وجوه البنات: سيعتمدن مشورة القلب..
عند انتهاء تصحيح الكراسات تمضي الست حياة ساعتين في العمل خياطة في مشغل (أم نور) لإنتاج ملابس الأطفال حديثي الولادة، تنجز الست حياة خمس مجموعات كل مساء، قمصاناً صغيرة وأغطية رأس وأقمطة تناسب الأجساد اللينة الصغيرة التي خرجت إلى الدنيا تواً..
تقوم الست حياة عند انتصاف الليل بإعداد عجين خبز اليوم التالي فقد صار إعداد الخبز طريقة لقول سر الحياة.. صار أسلوباً للمكوث في الزمن..
تعرف الست حياة أن إعداد الخبز يمكن أن يقوم به آخرون.. أن يشترى حالياً من المخابز بعد أن عاد تشغيل محطات الكهرباء في بغداد، لكنها تواصل إعداده في البيت كجزء من وسائلها لمقاومة الحزن أو الفناء..
يقوم سر صناعة الخبز على فكرة اللقاح ذاتها التي تديم حياة الكائنات الحية من الأحياء والنباتات.. فهذه الخميرة التي تقتطعها النساء من عجينة الأمس، هي التي تنضج عجين الغد بأنزيماتها الفعالة.. خميرة يمتد عمرها إلى ما لا يعرفه أحد من عدد الدهور والسنين، تشبه خلايا الأسلاف التي تنتقل من جيل إلى جيل عبر الإنجاب لتدوم الحياة..
لا يدري أحد حين يتلذذ بقطعة خبز ساخنة هل انحدرت إليه الخميرة من بين يدي جدة عباسية أو خمرتها جارية جيء بها سبية من سمرقند أو بخارى أو أنها جاءت من بين يدي زوجة بابلية عجنت دقيق الشعير في آنية فخار مزوقة برسوم الخصب..
الخميرة التي تنقلت عبر العصور بين أيدي النساء في ليالي الأعراس ومهرجانات الخصوبة وأوان الحصاد والولادات وأيام الطوفان أو في نهارات مقاومة الغزاة حيث كانت النساء تخبئ جذوة نار الموقد لكي لا تخبو وتخفي خميرة الخبز في خوابي محفوظة داخل المعابد، لئلا يدنسها عدو فيفسد خبز السنين القادمات..