(3)
تحتفظ حياة طوال السنوات بمقاومة عجيبة إزاء الشائعة، إزاء الأشياء المتداولة لا تؤمن إلا بما تختبره نفسها وتجده مناسباً لحياتها..
شائعات تتطاير في أنهر الحصار عن معجزات تظهر..
يتحدث الرجال والنساء في أَمْسِيَةِ ضجرهم وهم ينتظرون اجتماعات مجلس الأمن لتقرير شيء ما بخصوص الحصار، عن ظهور أثيري للعذراء في كنيسة قرب أربيل..
أو يتناقلون أخباراً عن نساء أو رجال لديهم قدرات خارقة في هذه المدينة أو تلك في المدرسة تسمع حياة من المدرسات عن امرأة تعيش في قرية منسية بين وادي الثرثار والبادية الغريبة لديها قدرات فاقت كل من عداها وهي تشفي المرض وتفك السحر وتقرأ الطالع..
وسمعت أن الناس بدؤوا يتوافدون على القرية من أنحاء البلاد محملين بالعطايا والهبات أموالاً وذبائح وهدايا ثمينة..
ولكثرة ما شفى من المرضى بيديها تزاحم المرضى على القرية ولم يعد هناك متسع لهم فقام أحد سكان القرية بتوسيع بيته وأضاف غرفاً صغيرة في حوش الدار وجعلها نزلاً أو أشبه بخان المسافرين في القرون الماضية، كما تطلب ذلك افتتاح مطاعم للمشويات ومقاه تلبي حاجات الزوار..
وخصص أحد متعهدي النقل خطوط سيارات بين منطقة العلاوي في كرخ بغداد وبين القرية أسماها خط (أم حمزة)..
وتداول الناس أحاديث عن وجود بئر قديمة في بيت (أم حمزة) تفجرت بمياه عذبة بظهور رؤيا لشيخ صالح أخبر المرأة بأن مياه البئر قادرة على شفاء المرضى..
عصر يوم خميس قبل أن تذهب حياة إلى مشغل (أم نور) طرق الباب ضيوف من أهل زوجها قادمين من البصرة. الجدة الكبيرة أم غالب وابنتها أنيسة وابنها الأصغر مهدي..
حضورهم المفاجئ لم يدهش حياة إنما أسعد ميساء التي ازدهرت أفراحها بوجود أهل وأقارب يشاركونها لوعة انتظار الغائب.
احتضنتها الجدة ونشجت، عانقتها أنيسة التي بدت محمومة وقد أحيطت
عيناها بهالات بنفسجية، قبلها عمها مهدي وشاكسها، وانتهز انشغال أنيسة وأمه بالحديث مع ميساء عن مدرستها ولحق بحياة في المطبخ..
قال لها:
أنيسة مريضة ولا يرجى لها شفاء.. لم يتبق أمامنا سوى القبول بالعلاج الكيماوي، هي تجهل علتها المميتة، لم نخبرها أن السرطان تفشى في كبدها وجهازها اللمفاوي ورأينا أن نستنفذ كل وسائل العلاج حتى لا نندم ويلوم أحدنا الآخر... نريد أن نأخذها إلى (أم حمزة).
ـ أحقاً؟.... أنت تقول هذا؟
ـ لم لا؟... قد يحدث شيء.. ألا تؤمنين بالمعجزات؟... لا أريدها أن تفقد الأمل..
ـ متى حدث ذلك.. متى بدأ المرض؟
ـ منذ أشهر، قال أطباء البصرة إنها تعرضت لقدر كبير من الإشعاع حين قصف المستشفى الذي تعمل في مختبره..
ـ ولماذا لم تخبروني.... لماذا؟
ـ يكفيك ما لديك..
ـ وكيف تدبرتم أمر العلاج؟
ـ تعلمين أن أنيسة اشترت بميراث والدنا ذهباً.. نبيع كل فترة قطعة منه..
تعرف حياة أن والد غالب كان يعمل في تجارة الصوف بين بغداد وبلدات الشمال يبادل نسيج شعر الماعز ببالات الصوف المجزوز ويشتري اللباد الجبلي بعباءات النجف وأبسطة السماوة، تاجر جوال كتجار الخمسينيات.. وعندما نمت الثروة بين يديه افتتح محلاً في شارع الرشيد لتجارة الأقمشة الرجالية المستوردة من بريطانيا.. بينما أنشأ شقيقاه معملاً للصابون وفي الستينيات شيد هذا البيت الذي كان الجميع يقيمون فيه، ولكن عند نهاية الستينيات أفلس معمل الصابون فباعه الشقيقان ورحلا إلى البصرة وافتتحا محلاً لتجارة التوابل في سوق الهنود.
في السبعينيات تبدلت أحوال التجارة وتغير كل شيء... وحل الكساد بتجارة الأقمشة المستوردة عندها مرض والد غالب مرضه الأخير ورحل وباع الورثة المحل ووزعوا الإرث بين غالب ومهدي وأنيسة وأمهم واشترى غالب نصيب الآخرين في البيت الذي تزوجها فيه بعد سنوات.
تقول حياة وهي تسكب الشاي في الأستكانات ذات الحواف المذهبة:
ـ في الأقل كنت سأبحث لها عن طبيب مقتدر هنا..
ـ لم يتبق أمامنا غير هذه المرأة والعلاج الكيماوي.. أرجوك حياة.. لا تظهري أمامها اهتماماً زائداً بمرضها، لقد أخبرها الطبيب أنها مصابة بالتهاب الكبد الفيروسي الذي يستلزم فترة علاج طويلة..
ـ هل اقتنعت بما قيل لها؟
ـ حتى هذه اللحظة.... أظنها مقتنعة..
......
عندما سألت حياة في المدرسة عن أخبار المرأة الشافية (أم حمزة) أخبروها أنها ماتت مقتولة في بيتها منذ أشهر... ويقال إن أحد أبناء أخيها وكان يساعدها في شؤون شفاء المرضى يقيم في (حي البياع) ويبيع مياه البئر الشافية في زجاجات..
ـ أيعرف أحد عنوانه؟
ـ لا أحد يعرفه.. يقال إنه يتكتم على تجارته، يخشى أن يلاحق بتهمة الشعوذة.
.........
كانت أنيسة نائمة وقد ضمت ساقيها ووضعت ركبتها قرب صدرها بينما امتدت ذراعها خارج السرير، ترقبها حياة وهي تلتم وتتكور مثل طفل جنيني.
تسمع انطباق الباب فتعرف أن مهدي قد خرج..
تلمس جبين أنيسة الملتهب وذراعها، ترى الثياب ملتصقة بجسدها وقد تشربت عرق ليل الحمى بطوله..
تغير لها حياة ثيابها، وتقدم لها إفطارها..
تقول الجدة التي لم يغمض لها جفن طوال الليل:
ـ ابنتي حياة لا تنسي أن تعطيها دواءها...
عندما تعود ميساء وحياة من المدرسة يكون مهدي قد عاد وجلس يروي لأمه وأخته مغامراته في البحث عن الرجل بائع المياه الشافية:
ـ سألت عنه في شارع عشرين، طرقت أبواب بيوت وسألت حلاقين، وجلست في مقهى واستعلمت من صانع المقهى قيل لي اسأل المضمد (أبو عقيل) ولم أعثر على شيء، نصحني بائع الثياب المستعملة وهو يساوم امرأتين على ثمن سروال لطفلة:
ـ اذهب واسأل مصلح الراديوات (حميد لا سلكي)..
يجد محل (حميد لا سلكي) مغلقاً فيدله الأولاد على بيته في الزقاق الجانبي الموحل الذي تفوح منه رائحة نتنة وقد تناثرت على جانبيه أحشاء السمك والخضار المتعفنة..
يطرق الباب.. فيخرج رجل بدين بشاربين متهدلين
ـ مرحبا سيد حميد..
ـ أهلاً
ـ تعرف.. هذا الرجل.. الذي.. يعني... يبيع ماء البئر...
ـ ابن أخ المرحومة (أم حمزة)؟
ـ نعم هو..
ـ بابا روح لا تسأل عليه.. أخذته الشرطة قبل يومين.. اتهموه بقتل عمته.. كان يسكن هنا عندي.. أكرمناه واحترمناه.. تبين أن الرجل هارب... الله سترنا أنا وأهلي الحمد لله ما جرجرونا بالمخافر والتحقيقات..
روح بابا.. استر علينا... الله يستر عليك..
.........