9

5 0 00

9

سيدة القصور

فانبري له الحضرمي — وكان صديق عمارة الوفي — قائلًا: ما لك أبا كاظم

وعمارة؟! إنك في النيل منه والكيد له جدُّ متّهم … وإن كنت لا أعرف أسباب نقمتك منه

وحقدك عليه؟!

وهنا صاح ابن مهدي، وقد رأى الشر يتصاعد شرره: مه أيها الأخوان … فإننا

اجتمعنا للمحادثة والمحاضرة، لا للتنابذ والمهاترة … أعلمتم أن عمارة بن زيدان، قدم

منذ أيام وافدًا على محمد بن سبأ صاحب عدن؟ أتعرفون سبب هذه الوفادة؟ فأسرع

الحراني قائلًا: إنه قناص سديد الرماية، فلعله اشتم هنا رائحة صيد جديد، ثم قال

النيلي: إن عُمارة اليوم يا سيدي غيره بالأمس، فقد كنا نعرفه بالمدرسة العصامية بزبيد

فقيرًا مملقًا، يعيش عيشة طلاب العلم في عسر وشقاء، ولكنه بعد أن اتصل بأمير زبيد

ومدحه أغدق عليه، فأصبح صاحب الحول والطول، وصار موضع الشفاعات، وقاضي

الحاجات، ثم إنه تاجر فراجت تجارته، وسارت سفنه بين زبيد وعدن وجدة، لا تكاد

تنقطع في ليل أو نهار، حتى لقد قال له يومًا أبو عبد لله الحفائلي — وهو رأس العلم

والأدب بزبيد: تِهْ علينا أبا محمد، فقد أصبحت ولا مثل لك في الجاه والعلم والثراء! وليته

بعد أن أسبغ لله عليه هذه النعمة الطارئة شكر لله عليها بقليل من التواضع، أو أدى

زكاتها بشيء من اللطف والمجاملة! ولكنه صِلف متكبر مغرور — وإن كره الحضرمي،.

فأسرع الحضرمي وقال: كفى كفى أبا الحسن؛ لقد أكلتم لحم أخيكم ميتًا، ومزقتم

من الرجل وهو غائب ما تخرس دونه ألسنتكم وهو حاضر، إن عمارة لم يكن دعيٍّا في

جاهه، ولم يكن محدثًا في نعمته، إن عمه علي بن زيدان أكرم من نثر مالًا، وأشجع من

جرد سيفًا، وخاله محمد بن المثيب أشرف قومه، وسيد قبيلته، ولولا الجدب المحرق الذي

أصاب »مَرْطان « سنة تسع وعشرين وخمسمائة، فأهلك الحرث والنسل — ما احتاج

عمارة إلى السعي في الرزق، والتنقل في طلب المال، وما سمعنا مثل أبي الحسن النيلي

يلمزه اليوم بأن نعمته طارئة، وثروته محدثة. فقال ابن مهدي: إن عمارة رجل يجمع

كل صفات الرجولة، وقد حادثته بالأمس في دار ابن سبأ، فرأيت فيه علمًا وأدبًا ودهاء،

والذي قرأته في وجهه، واستنبطته من خلال حديثه: أنه رجل عظيم الآمال، كبير النفس،

طموح بعيد المدى، وهو يذكرني بالمتنبي شاعر كافور، وأرجو ألا تكون له مثل خاتمته.

ثم مُدت مائدة الطعام، وقام الغلمان بالخدمة، وقدمت الألوان الشهية، وأنواع

التوابل الهندية، فأكل القوم وشربوا، وهم يتنادرون ويتسامرون، ثم استراح الضيوف

بعد الأكل قليلًا، حتى إذا قاربت الشمس المغيب، ودّعوا ربّ المثوى وانصرفوا.

10