2
يبطئ الترام عندما يشرف على الميدان. نغادره ونعبر الطريق. يتوقف أبي عند الجزار. ضخم الجسم ذو شارب رفيع شديد السواد. يرتدي جلبابا أبيض ملوثا ببقع الدماء. يطلب أبي رطلاً مشفيًا يصلح لعمل "كمونية".
يشمرالجزاركمي جلبابه كاشفًا فانلة صوفية يميل لونها إلى البني. ينقل البصر بين قطع اللحم المعلقة في خطاطيف. ينتزع إحداها. يلقي بها فوق "أورمة" خشبية مستديرة. ينهال عليها بساطور عريض. يستبدله بسكين قصيرة يفصل بها اللحم عن العظام. يرفع قطعة من اللحم في الهواء أمام عيوننا. يطلب منه أبي إزالة الأختام والشغت. يضع القطعة في كفة الميزان النحاسي. ينقلها إلى الأورمة الخشبية. يتناول سكينا طويلة ذات نصل لامع. يقطعها أجزاء متساوية.
يستفسر أبي عن صحة أبيه المعلم "نصحي". يقول إنه لم يره من مدة. يتحاشى الجزار النظر في عيني أبي. يقول: الحمد لله.
أتسلل من جوار أبي. ألف حول الأورمة. يقرّب الجزار اللحم من حافتها. يبدأ في لفه بالورق الرمادي السميك. يزيح بيده قطعة فتسقط على الأرض. يتجاهلها. أريد أن ألفت انتباه أبي. لكنه يأخذ لفافة اللحم وأتبعه إلى الطريق.
أذكر له ما رأيت. يضحك ويقول إن الجزارين هكذا. ولا فائدة معهم. يكفي أنه يحصل دائما على القطعة التي يريدها. يقول إنه يتعامل مع أبيه منذ عشرين سنة. يأتيه خصيصًا من المنزل الذي ولدت به "نبيلة" في شارع "البراد".
ننتقل إلى حانوت اللّبّان. نشتري سلطانيتين من المهلبية. نعبر الميدان مرة أخرى. نتمهل أمام عربة تحمل كومًا عاليًا من الفول الحراتي الأخضر. يسأل أبي عن الثمن. يشتري رطلا. نتجه إلى شارعنا. دكان الخردواتي مغلق. يقول أبي إنه يغلق عادة عند صلاة العشاء.
نلج دكان البقال. الحاج "عبد العليم " خلف مكتب في نهاية الدكان تعلوه صورة كبيرة للملك. نحيف في معطف ثقيل، بني اللون،فوق جلباب من الصوف. حول رقبته كوفية بيضاء وفوق رأسه طربوش. تصدر عنه كل لحظة سعلة مبتسرة. ينهض واقفًا ليصافح أبي. يبدو أبي قصيرًا إلى جواره. يضع مشترياته فوق المكتب ويجلس على كرسي بجواره. أقف بين ساقيه.
أمامي على الحائط لافتة بخط يد ركيك: "الشكك ممنوع والزعل مرفوع".
يوجه أبي التحية إلى "سليم" الواقف خلف منصة البيع. يرتدي جلبابًا فوقه معطف أصفر يشبه معاطف السُعاة والفرّاشين. فوق رأسه طاقية صغيرة من الصوف. وجهه شديد الشحوب. يرد التحية بصوت خافت بارد.
يقول "عبد العليم": الواد "عباس" جاهز. تحب ينقل العفش بكرة؟ يومىء أبي برأسه موافقا: إياك ميكونش اتبهدل من السمنة والزبدة.
ـ لا. إطَمن. أنا كنت حاطط حاجتك علي جنب.
ينادي: "عباس". إنت رحت فين؟. إوعى يكون راح يشرب الهباب اللي بيأربعه. يظهر رجل أسود حافي القدمين في مدخل الدكان. عيناه حمراوان. يرتدي جلابية وطاقية قذرتين. تنبعث منه رائحة منفرة. يتحرك في بطء.
ـ تنقل باقي عفش "خليل" بيه من المخزن بكرة الصبح.
يتمتم عباس: مش فاضي.
يقول "عبد العليم" في حسم: دول كنبة وكرسيين وترابيزة.
يلتفت لأبي: ولقيت لك واحدة كويسة ساكنة قريب. تنضف وتطبخ وتاخد بالشهر.
ـ كام؟
ـ إديها جنيه.
يسأله أبي عن ساكن الغرفة المجاورة لنا. يداعب "عبد العليم" شاربًا رفيعًا. يقول إنه كونستابل في البوليس.
ـ متجوز؟
ـ لأ.
يطلب أبي من "سليم" عشر بيضات وخمسين درهم جبنة وخمسين درهم حلاوة وعلبة شاي "الشيخ الشرّيب" وقطعة صابون "نابولسي" وأخرى داكنة اللون للمطبخ.
يسأله "سليم" بوقاحة: على النوتة؟
يومئ أبي بالإيجاب.
يفتح "سليم" نوتة طويلة ويسجل فيها الطلبات. يحذره أبي: البيض طازة ولا ممشش؟
ـ طبعا طازة. عندنا كمان زبدة جاموسي.
يهز أبي رأسه بالنفي ويطلب رطلاً من السمن البلدي.
يسأل "سليم" بنفس اللهجة: معاك حاجة تحطه فيها؟
ـ لأ.
يصيح به أخوه: حطه في برطمان قزاز.
يجمع لنا مشترياتنا في كيسين من الورق يضمهما أبي إلى صدره. نغادر الدكان. أطلب منه أن أحمل أحد الكيسين. يرفض قائلا إنه سيقع مني. كتاب المطالعة. "سرحان"بين البيت والغيط.يضع البيض في جيوبه فيتهشم. يحمل الخروف بين ساعديه فيعجز عن السير. يجر البطة بحبل فتختنق.
نتجه إلى الحارة. أسأله لماذا لم يشتر الزبدة. أحبها بالعسل الأبيض أو الأسود. وأحب "المورتة" التي تتخلف عن تسييحها. يقول إن "سليم" يحشو كوز الزبدة بالملح ليغش في الوزن. وإن أخاه الحاج "عبد العليم" حذره أكثر من مرة بلا فائدة.
نتمهل في مدخل الحارة المظلمة. نخطو في بطء.ضوء خفيف من خصاص الأبواب الخشبية للبلكونات. شيش بلكونة المنزل المقابل لنا مفتوح. لكن المصراع الزجاجي مغلق والستائر مسدلة خلفه. نتعثر في مدخل المنزل. نصعد الدرجات القليلة المتآكلة. باب شقتنا المظلمة يمين السلم المؤدي إلي الطوابق العليا. إلى اليسار فجوة غامضة تؤدي إلى مخزن البقالة. أتجنب النظر نحوها.
يناولني كيسًا وهو يقول: إمسكه كويس. يفك أزرار المعطف ويزيحه جانبا. يبحث عن المفتاح في جيب سترته.يدس المفتاح في قفل الباب ويديره. يدفع الباب. أتشبث بمعطفه. ندخل في حذر.
يردد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. يفتش بيده حتي يعثر علي مفتاح النور. يلتمع الضوء الضعيف من مصباح كهربائي متسخ يتدلى من منتصف السقف.يطل المصباح على صالة بها مائدة طعام مستطيلة. نقف أمام باب حجرتنا المجاور للباب الخارجي. يستخرج أبي من جيبه مفتاحًا آخر. يتقدمني إلى الداخل. يضيء النور.
يضع كيسه فوق المكتب. أهم بوضع كيسي بجواره فيسرع بتناوله مني. يضعه بنفسه. أجلس فوق حافة الفراش الحديدي الكبير. إلي يميني باب البلكونة الصغيرة المغلق. أمامي الدولاب الخشبي المائل. يعتمد علي ثلاث كرات خشبية في حجم الرمان أسفل ثلاث زوايا. ضاعت كرة الزاوية الرابعة أثناء النقل فوضع أبي قطعا صغيرة من الخشب مكانها. والنتيجة أن الضلفة اليسرى لا يمكن اغلاقها بإحكام وتظل مواربة. إلى جوارها مشجب خشبي ثم باب الغرفة. إلى يساري المكتب مضغوطًا بين السرير وحائط الباب.
يخلع معطفه ويعلقه في أحد سواعد المشجب. يتبعه بسترة البزة. في عروتها قطعة مستديرة من البرونز كتب عليها "الجلاء". يضع طربوشه فوق قمة المشجب. تنكشف رأسه الصلعاء التي يحيط بها شعر يغلب عليه اللون الأبيض. يضغط فوقها طاقية من الصوف الوبري في لون الجِمَال ذات حواف عريضة مطوية إلى أعلى. يظل بالصديري الرمادي الصوفي ذي الزراير الخشبية. يرتدي روبه البني ويزرره بحبل رفيع أحمر اللون. يلف حول رقبته وصدره لفاعة عريضة من نفس قماش الطاقية.
أفك رباط حذائي وأضعه بجوار الباب. ألبس قبقابي محتفظًا بالجورب. أخلع البزة وألقي بها فوق ظهر كرسي المكتب. أضم إليها القميص والبلوفر. أرتعش من البرد. أرتدي البيجامة وفوقها البلوفر. يتناول كيسًا من القماش من فوق المكتب ويستخرج منه رغيفًا من الخبزالملدن. يقفز صرصور صغير أسود من الكيس.أتراجع بعيدا. يسألني إذا كنت أفضل الجبن أو الحلاوة. عيني على المكان الذي خرج منه الصرصور. أقول إنني لست جائعا. يلح علىّ أن آكل لأقاوم البرد. أكرر إنه لا نفس لي. يقول: أعمل لك بيض بالعجوة؟ أهز رأسي نفيا. يعيد الرغيف إلى الكيس.
أقوم بإعداد شنطة المدرسة. أتأكد من وجود ورقة النشاف وزجاجة الحبر. ألحظ أنه ما زال يرتدي بنطلونه وحذاءه. أسأله: مش حتقلع؟
يقول: أشوّح اللحمة الأوّل.
ـ متسيبها للصبح.
ـ بعدين تبوظ.
ينحنى ويرفع ملاءة السرير.أحذية وأطباق وصناديق وأوان معدنية. علبة الحقنة الشرجية الصاج. يجذب حَلّة معدنية. يبحث عن غطائها حتى يجده. يغادر الغرفة فأتبعه. يتناول لفافة اللحم ويفض محتوياتها في الحلة. يتجه إلى مدخل طرقة مظلمة في مواجهة حجرتنا. كنيف لا ينغلق بابه وتنبعث منه رائحة كريهة. حمام مغلق ثبت بابه بلوح من الخشب. حوض مياه من الصاج مثبت في الحائط تطل عليه حنفية. يغسل اللحم جيدا. يخطو إلى نهاية الطرقة حيث المطبخ. يدخله وأنا متعلق بملابسه من الخلف. يخرج علبة ثقاب ويشعل منها عودًا. يسقط الضوء على جانب من الحائط مبلل بالمياه. مائدة خشبية فوقها وابور كيروسين "بريموس". يفعص بقدمه صرصورًا أحمر كبيرالحجم. يضغط كباس البريموس عدة مرات ثم يشعل عود ثقاب ويقربه من الفونية. تتوهج النار. تستوي الحلة فوق النار. ألتصق به وأغمض عينى. تدلى "ست الحسن" جدائل شعرها الطويل من النافذة ليرتقيها الشاطر "حسن". وعند الظهر يظهر الغول قادمًا من بعيد. كتلة ضخمة أشبه بلفائف كبيرة من الشعر يطوحها الهواء تجتاح الفضاء وتنثر معها الغبار والعفار. يقف تحت النافذة ويصيح ب"ست الحسن":" دلّي شعورك الطوال، خدي الغول أحمد من حر الجبال".
الموقد يئز. تتنوع ألوان شعلته. يقلب اللحم بملعقة. يرفع الحَلّة ويتخلص من مائها في الحوض.
أسأل: لسه؟.
يقول أنه لا بد من غلي اللحم جيدًا للقضاء على الميكروبات.
يفتح برطمان السمن ويأخذ منه ملعقتين.يضعهما في الإناء. يقلب اللحم عدة مرات ثم يضيف الماء. يلقي به نتفة من الملح وأخرى من الفلفل الأسود. يغطيه.
يصحبني إلى الكنيف المفتوح لأتبول. أشكو من الرائحة فيقول إن السيفون تالف. أردد آية "الكرسي" كما علّمني. يدفعني في رفق لأصعد فوق قاعدة الكنيف الحجرية. أقاوم فيصعد معي ليقف بجواري. يمسكني من كتفي بينما أفك أزرار سروالي. أرفع نظري إلى الجدران. يسقط شعاع من ضوء الصالة الضعيف على بقع كبيرة سوداء. تتحرك إحدى البقع فجأة صاعدة إلى أعلي. أتشبث بملابس أبي. يقول: متخفش. ده "أبو شبت".
نعود الى المطبخ فيقلب اللحم ثم يضيف مزيدا من الماء.ينتظر قليلاً حتى تغلي. يطفىء الموقد. يحمل الحلة إلى الصالةوأنا ملتصق به. يتركها فوق البوفيه. نعود إلى الطرقة فيغسل يديه بالصابون.
ندخل الغرفة. يغلق الباب بإحكام. يهتز باب البلكونة بعنف. يقول أبي إنها رياح" أمشير أبو الزعابير". يتناول جلبابًا قديما من فوق الشماعة فيسد الثغرة التي تفصل بين الباب والبلاط العاري. يضع قطعة قماش أخرى أسفل باب البلكونة. يتأمل الفراغ بين الدولاب والحائط. يركع على الأرض ويتفحص المسافة الضيقة الفاصلة بين قاعدة الدولاب والبلاط. يجذب مصراعي الدولاب ويدقق النظر داخله. ينحني ويرفع طرف ملاءة السرير. يلهث من المجهود. يخلع الروب ويعلقه في المشجب. يتلو: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم".
أرتقي السريرالحديدي المرتفع. يتبعني. أزحف إلى مكاني بجوار الحائط. ينحني ويلف الأغطية حولي وهو مستمر في التلاوة. ينتهي من آية "الكرسي" فيتبعها بأخرى. يزداد صوته هدوءا وتخفت نبراته. يمسح علي وجهى بيده الدافئة. تنسدل جفوني في استسلام. يشم الغول رائحة الشاطر حسن فيقول: "ريحة انس لا منا ولا من الجنس".
يرفع يده فأفتح عيني. يعيد يده. أغلق عيني. يرفع يده من جديد فأفتحهما. ينتهز الشاطر حسن وست الحسن فرصة خروج الغول للهرب. تدهن ست الحسن كل شئ في القصر بالحنة وتنسى الطبل. يعود الغول وينادي على ست الحسن فتقوم الأشياء التي دهنتها بالحنة بدورها. يقول الغربال بصوت منغم جميل يوحي بحركته:" بتغربل بتغربل بتغربل". وتقول الرحاية: "بتطحن بتطحن بتطحن". يقول المنخل:"بتنخل بتنخل بتنخل". لكن الطبل الذي نسته يثأر لنفسه فيصيح:"خدها الشاطر حسن وطار"!
أتابع حركاته. ينتصب واقفًا. ينحني. يدعك ركبتيه. يخلع الشال الصوفي والروب ثم الصديري. يزيح حمالتي البنطلون عن كتفيه. يجلس على حافة السرير.يخلع الحذاء والجورب. يلبس جوربًا صوفيا طويلا. يرفع ساقه اليمنى ويجذب البنطلون. يثني الساق الثانية. ينهض واقفًا. يخلع الكرافتة والقميص. يظل بالفانلة الصوفية ذات الكمين والكلسون الصوفي الطويل. يدس قدميه في القبقاب. يعلق ملابسه في الشماعة. ينحني مباعدا ما بين ساقيه.يفك رباط حزام الفتق الذي يدور بوسطه وبين فخذيه. يجره يصعوبة ويلقيه فوق المكتب متنهدًا في ارتياح. يدعك ركبيتيه ثم يطلق جيصًا قوي الصوت.
يرتدي الجلابية الكستورالمخططة. يلف الشال حول كتفيه وصدره. يمد يده إلى فمه ويخلع أسنانه. يضعها في كوب ماء على المكتب. يشرب من قلة في صينية معدنية على الأرض. يمسح فمه وشاربه بظهر يده. يصب الماء في كوب به مسامير صدئة ليشرب المحلول على الريق. يرفع يديه الي رأسه ويضغط الطاقية. يخطو خطوتين ويمد يده بجوار الدولاب. يطفئ النور. يصعد إلى جواري. يبسط البطانية واللحاف. يستدير ناحيتي ويتأكد من إحكام الغطاء فوقي. تظل يده فوقي. يقترب وجه أمي المدور. تهدهدني مرددة الأغنية المنبعثة من الراديو: "نــام يا حبيب الروووح".