3

9 0 00

3

ـ "في جمال الربيع عيدك أقبل. أنت أبهي من الربيع وأجمل". نكرر النشيد خلف مدرس الموسيقى. يتدلي من جيب سترته العلوي منديل كبير ملون. سيصحبنا إلى قصر "عابدين" في عيد الميلاد الملكي. يعطونا ساندوتشات من جبن "الشيستر" الأصفر والحلاوة الطحينية. فيوم الاثنين نصف يوم. يكتب مدرس اللغة الإنجليزية التاريخ فوق السبورة. أرى المكتوب بوضوح بفضل النظارة. يبدأ الهَرَج في المقاعد الخلفية. يستدير المدرس ويتجه إلى كرسيه. ملابسه غالية وأنيقة. ثنية رجلَىْ بنطلونه عريضة حسب الموضة. منتصبتان فوق مقدمتي حذائه دون ترهل وتغطيان نعل الحذاء من الخلف حتي نقطة تماسه بالأرض. يقول دون أن يتطلع إلى أحد منا: اللي مش عاوز الدرس يتفضل بالخروج.

ينهض تلاميذ الصفوف الخلفية الكبار ويغادرون الفصل. آخذ مسدسي من الدرج وأتبعهم. الردهة الخارجية المطلة على الفناء خالية. الهدوء الشامل يرين على المدرسة. الطرقة خالية. أنحني لأمر أسفل نوافذ الفصل المجاور. فصل آخر. غرفة المدرسين. بابها مغلق. ألصق عيني بثقب المفتاح. طاولة مستطيلة يجلس في طرفها رجل عاري الرأس. أصلع. طربوشه أمامه فوق مجموعة من الكراسات. أتبين فيه مدرس العلوم. شكله غريب بلا طربوش أو شعر. يتناول إحدى الكراسات. يتطلع في استهجان إلى ركن الطاولة. تظهر في مجال رؤيتي عدة أيدي تلعب الكوتشينة.

ألحق بالتلاميذ على السلم. نتسلل إلى الفناء الخلفي حيث يجري بناء ملحق للمدرسة. يتوزعون خلف أكوام الرمال والتراب. يبسطون مناديلهم ويضعونها فوق أنوفهم ثم يربطونها خلف رءوسهم. أخلع النظارة التي ألصقت بي اسم " غاندي" وأربط منديلا فوق أنفي ثم أرتديها من جديد. أقرفص خلف كوم من الحجارة ومسدسي في يدي. فناء المدرسة السابقة تحيط به صفائح عريضة سوداء تحجب الرؤية. أشتري البطاطا والشطة من فتحة صغيرة في جانبها. نعثر على سلم ضيق بدرجات متآكلة تؤدي إلى أسفل. يقول تلميذ إن المبنى أصله قصر أمير. وإن في أعماقه بئرا مسحورا. نهبط خائفين. نصادف سحلية. تقول أمي إنها أميرة متخفية.

أظل في مكاني خلف كوم الحجارة دون أن يناديني أحد. يدق الجرس. نصعد إلى حصة اللغة العربية بخطوات متثاقلة. المدرس قصير القامة نحيفها. له رقبة طويلة ملفوفة بكوفية ثقيلة. يتحرك كتفاه باستمرار داخل بزته. نعرف أنه لم يتخل عن الجبة والعمامة إلا هذا العام.

أتبادل مكاني مع "فتحي" لأجلس إلي جوار "ماهر". لديه سلسلة مفاتيح وقلم حبر جاف ماركة "بيرو" وقلم أبنوس ماركة "ووترمان" وممحاة سمينة وطرية. يصفٌهّم أمامه علي سطح القمطر. يشرح المدرس قواعد المجرد والمْزيد والإعلال والإبدال وهو جالس. يتجنب الوقوف أمام السبورة بسبب قصر قامته. يطلب من أحد التلاميذ طوال القامة أن يكتب علىها "أمير الشعراء يخاطب الشباب".نفتح كتاب "المطالعة المختارة". نقرأ معه قصيدة "أحمد شوقي". يعنفنا على جهلنا. أكتب معاني الكلمات في كراستي. أخطئ في هجاء كلمة. أحاول إزالتها بممحاتي الرخيصة المتحجرة. أقترض ممحاة "ماهر" الطرية. يدق الجرس. أرفع غطاء القمطر. آخذ الكتب والكراسات التي أحتاجها لواجبات الغد. أضعها في حقيبتي "الفيبر". أعيد الغطاء إلى مكانه وأثبته بالقفل والمفتاح.

يلفحني الهواء البارد بمجرد أن أخرج إلى الطريق. أدفن عنقي في الكوفية وأنكمش في ملابسي. أجر قدمي في صعوبة. أمضي فوق رصيف المدرسة وأؤجل عبور الشارع الرئيسي حتي الميدان. ألمح قطعة مستطيلة من الحديد. أهم بشوطها بقدمي. أتذكر تحذيرات أبي من القنابل التي تنفجر بمجرد لمسها وتكون على شكل علبة دواء أو قلم أبنوس أو لعبة. أتأمل القطعة جيدًا ثم أبتعد عنها.

رصيف من الحصى الملون. فيلاّ مسورة بالقضبان الحديدية. أتلصص النظر من بين القضبان. مائدة خشبية ومقعدين في جانب من الحديقة. الباب الداخلي مغلق. أواصل السير. مدرسة اليهود. مبنية من الطوب الوردي اللون. لا يحيط بها سور خارجي مثل مدرستنا. ملصق يدعو إلى إغاثة اللاجئين الفلسطينيين. عبارة بطلاء أسود تقول: "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء". أخرى: "شُرُم بُرُم." نوافذ المدرسة في مستوى الشارع. تظهر منها قاعات كبيرة صفت بها موائد الطعام. التلاميذ يأكلون في ضوضاء. أواصل السير حتي الناصية ثم أستدير يسارًا. أمضي بجوار جدار المدرسة. يبدأ الطريق في الصعود تحف به الأشجار. تتفتح زهورها الحمراء والصفراء في بداية الصيف ثم تتساقط وتغطي الرصيف في الخريف. نهاجمها بالنبال لنصيد العصافير دون أن ننجح ولا مرة.

أصبح في مواجهة منزلنا السابق. من الطوب الوردي اللون هو الآخر.يتصدره باب حديدي. بجواره منازل قديمة متهالكة. أمامه منخفض أحدثته قنبلة أسقطتها طائرة ألمانية. أضع حقيبتي على الأرض وأستند إلى جدار المدرسة. يقع المنزل عند مفترق شارعين تفصل بينهما أرض فضاء مهملة مسيجة بقضبان معدنية. كانت في السابق مخزنًا للترام. ترتبط قضبان السياج من أسفل بقضيب عرضي مرتفع عن الأرض بمقدار شبر. نقف علي القضيب ونحشر أنفسنا بين الأعمدة ثم نصفّر ونسوق.

يتجه الشارع الأول إلى منطقة من العشش والثاني إلى مصنع طرابيش والساحة التي يقام بها المولد النبوي. عند نقطة الملتقى تصطف عربات الكارو ورءوس جيادها مدفونة في أجولة التبن. يتوحد الشارعان في واحد تنحدر أرضه قليلاً بعد منزلنا حتي تلتقي بالشارع المؤدي إلي الميدان. عند الناصية مشتل يبيع الورد.

يشغل مسكننا الطابق الأول وتطل نافذتان له علي الشارع. إحداهما مغلقة الشيش والأخري بالزجاج فقط. تنعكس عليه الأشجاروالسماءالزرقاء. أخط بإصبعي اسمي واسمي أبي وأمي في البخار الذي يغطي زجاج النافذة المغلقة. أتامل العمال المسرعين في اتجاه المصنع وقد حمل كل منهم غذاءه في منديل. بينهم أولاد صغار. تدوّي صفارة المصنع الصباحية فأغادرالمنزل. تستقبلني رائحة دخان المواقد والأفران. أرفع رأسي إلى النافذة فأرى أبي بطاقيته البيضاء المستديرة يتابعني من خلف الزجاج. أعبر الطريق إلى رصيف مدرسة اليهود. أمر بعجوز ذي عمامة حمراء كبيرة يعتمد على عصا في يده ويستند بظهره إلى جدار المدرسة. أعطيه مليمين كما علمني أبي. ألتفت إلى النافذة لأراه لآخر مرة. أعدل وضع شنطتي علي ظهري وأدس يدي الباردتين في جيبي سترتي. أشق طريقي بين التلاميذ اليهود المتدافعين. صبيان وبنات بملابس زرقاء. أدلف إلى الشارع الرئيسي المؤدي إلى مدرستي. تلفني الشبورة التي أحبها.

أحمل حقيبتي وأستدير متابعًا طريقي. أخترق ممرًا صغيرًا. دكان تخديم. ساتر من الخشب يترك فتحة صغيرة. تبدو دكة عليها فتيات. واحدة معصوبة الرأس ترتدي جلابية. بجوارها واحدة في ملابس الفلاحات. أصبح في شارع "فاروق". أنتظر إشارة عسكري المرور. أسيرمن أمام مخبز "عبد الملاك" وأجزاخانة "السبيل". أقرأ لافتتها: "المدير المسئول حلمي روفائيل". بضع خطوات ثم أدخل شارع "النزهة" المؤدي إلى منزلنا الجديد.