الفصل الخامس

6 0 00

الفصل الخامس

((وقت خاص للبكاء))

اخترقت ربيكا فناء مستشفى بارثولوميو، التي بنيت حديثا في لندن وتميزت بأروقتها النظيفة الملساء والمروج المحيطة بها.

حيّت ربيكا العاملين بالبهو ثم اتخذت طريقها إلى مكتبها المجاور للعنبر رقم 15 . لتحل محل الأخت آنيت فليمنغ التي ابتسمت لها قائلة:

"كل شيء هادئ في الجناح الغربي.كم أنا سعيدة أنك هنا. إنني متعبة!"

"يجب أن تتوجهي إلى فراشك، بدلا من أن تمضي نصف يومك مع باري موريسون، ألا يعرف أن ممرضات الخدمة الليلية في حاجة إلى النوم؟"

"أجد صعوبة في النوم خلال النهار، مادام جرس التيلفون يواصل الرنين وتثاءبت، ورفعت يدها لتغطي فمها، ثم استطردت تقول:

"أنت تعرفين طبيعته"

التقطت ربيكا من آنيت لوحة تسجيل حالة المريض اليومية، ثم قالت بجفاء:

"لحوح! يجب عليك أن تخبريه بأن يتمسك بأهداب الصبر!"

وضعت آنيت عباءتها على كتفيها، ثم قالت:

"هناك القهوة، إذا كنت ترغبين في احتساء فنجان منها، إن السيد هاليداي أمضى ليلة هادئة. والسيد بورتيوس قادم هذا الصباح لرؤية السيد ويلسون بنفسه".

تجهمت آنيت، وتطلعت إلى ربيكا التي راحت تدون التقارير، ثم استطردت قائلة:

"على فكرة، ذلك الولد دافيد فيليس كان طيّعا هذا الصباح".

"حسنا هل تظنين أن أمه سوف تأتي لرؤيته اليوم؟ ولد مسكين؛ إنها لا تكترث كثيرا لما يحدث له".

"أظن أن أما لأربعة أطفال، وبلا اب يأتي بقطع الحلوى، لا تعتبر حياتها نزهة خلوية".

"إنها حقا ليست نزهة خلوية. ولكن أين يوجد هذا الأب؟"

ابتسمت بمرارة، وقالت:

"لا تسأليني يا عزيزتي، إنه لا يتخذني موضعا لثقته. انسي الأمر. إننا لا نعمل هنا مصلحات اجتماعيات، وإنما ممرضات. بحق السماء! كدت أنسى. لقد جاءتك مكالمة تليفونية قبل أن تدخلي الغرفة".

تطلعت إليها ربيكا لاهثة الأنفاس:

"لا تقولي إن بول فيكتور طلبني ثانية".

"إنه هو!"

وتهاوت ربيكا على المقعد.وسألت:

"لماذا يصر على طلبي بالتليفون؟"

"أظن أنه يحبك!"

"إنني أكبر منه بست سنوات".

"حبيبتي. لا تخبريني بذلك. وإنما قولي له هذا".

"سأخبره، لماذا أسمح لنفسي بالخروج معه؟"

قالت آنيت بصراحة:

"لأنه وسيم...ويحبك!"

"إنه صبي!"

"صدقيني، أنت غبية يا ربيكا. ويجب عليك أن تكوني حازمة. فأنت تتساهلين معه، وتساهلك لا يجدي. ألا ترين ذلك؟"

"إنني معجبة به. هذا كل مافي الأمر. ولكنه جاد قليلا في عاطفته نحوي. في الوقت الذي أدرك فيه الهوة التي تفصل بين عمرينا!"

تحركت آنيت متجهة إلى الباب، وهي تتطلع إلى ربيكا في شك:

"إنها ليست مسألة فارق السن، ولكن هناك شيء آخر هذا الشيء يمنعك من أن تتخذي موقفا إيجابيا تجاه أي رجل يلاحقك".

انحنت ربيكا فوق التقارير، وقالت:

"ما العمل، يا آنيت!"

"لا شيء!إن آجلا أو عاجلا سوف تتخذين قرارك تجاه شخص بجدية!"

"لماذا أتخذ قراري؟"

"أنت ترغبين في الزواج. وفي أن يكون لديك أطفال أليس كذلك؟"

هزت ربيكا كتفيها، وقالت:

"ربما لا أكون من النوع الذي يصلح للزواج؟"

"بالطبع. انت من النوع الذي يصلح للزواج بحق السماء. ألم أرك في صحبة الأطفال الذين يقيمون في عنبر 6؟ أنت تماما من هذا النوع!"

"ألا تنوين الرحيل؟"

ضمت آنيت عباءتها حول جسمها، وقالت:

"أنت دائما ساخطة، هل تعرفين ذلك؟"

ابتسمت ربيكا وقالت:

"أعرف ذلك".

تطلعت آنيت إليها فترة وجيزة، ثم غادرت الغرفة. وبعد رحيلها ذهبت ربيكا لتعد لنفسها فنجانا من القهوة، وبينما هي تحتسي قليلا منها، راحت تفكر في بول فيكتور مرة ثانية. إنه كما قالت آنيت شخص لحوح، وبرغم ان ربيكا معجبة به، إلا أنها كانت تتمنى أن يعرف أنه يبدد وقته معها هباء وفي وسعه أن يلتقط من يشاء من الممرضات وهو يقوم بدراسة الطب هنا في مستشفى بارثولوميو. ولكن لسبب غير مفهوم اختارها هي بالذات. كان طويلا، نحيلا، جذابا، تعرفت إليه من خلال آنيت وباري موريسون الذي كان يكبرها بعدة سنوات، ويعمل مديرا للمستشفى ويعرف بول منذ ايام الدراسة. وكان قد دعاها وآنيت وبول لتناول العشاء معه ذات مساء، وقد حققت الدعوة نجاحا كبيرا في التقارب بينها وبين بول. إذ قبلت دعوته للخروج معه وحدها في ليلة أخرى. وقد أدركت ألا جدوى من الخروج مع أحد. وحاولت أن تؤكد قرارها لبول، فقد أصبحت ببساطة لا تهتم بالرجال، وتتمنى ألا يهتموا بها.

وفي ساعة متأخرة من النهار، رافقت الجراح بورتيوس في جولة بالعنبر عندما التقت ببول فيكتور، كان واقفا مع زملائه طلبة الطب. فلوح لها بحماسة من وراء ظهر بورتيوس، مما أشاع شعورا عاما من المرح بين الطلبة. فضغطت ربيكا على شفتيها ، نافذة الصبر. وقد أدركت أن آنيت كانت على حق عندما أشارت عليها بأن تكون حازمة مع بول، وتخبره بأن يقطع علاقته بها.

وعندما رحل الجراح، وعادت ربيكا إلى مكتبها، وراحت تتحدث إلى هيئة الممرضات، سمعت طرقا على الباب، فتوجهت رئيسة الممرضات جانيت ويليامز لتفتحه، فاتجهت نظراتها إلى ربيكا وقالت لها بارتباك:

"إنه السيد فيكتور".

نهضت ربيكا من مقعدها غاضبة ،وصاحت قائلة:

"بول، يجب أن تتوقف عن هذا المسلك!"

تردد بول، ودخل الغرفة وهو ينظر إلى رئيسة الممرضات ويليامز، ثم قال:

"ربيكا...أريد أن أراك. ألم تبلغك مكالمتي التليفونية؟"

"أجل. بلغتني رسالتك، ولكن الأمر الذي لا تدركه هو أننا هنا في مستشفى وليس في مركز مقابلات".

"رويدك. لا تكوني عنيفة.متى يمكنني رؤيتك؟"

"لقد أخبرتك يا بول. إنني لا أستطيع رؤيتك. ليس لدي الوقت".

امتقع وجهه. كان صبيا وسيما، شعره أسود، وعيناه زرقاوين وأغلب الممرضات كن يرينه شابا مغريا، ولكن ربيكا كانت مجروحة من تجربة سابقة منذ ثلاث سنوات من هذا النوع العاطفي.

سألها:

"لماذا؟ لقد انتهت ورديتك في السابعة والنصف. ألا نتناول سويا شرابا؟"

ووجدت أنه من الصعب عليها أن تتحدث معه أمام جانيت ويليامز.

فتنهدت وقالت له:

"حسنا، حسنا، سنتناول شرابا. سأضطر إلى الرجوع إلى شقتي لأبدل ملابسي وسأقابلك في الغريديرون في الثامنة والنصف".

وأشرق وجهه بالضياء وقال:

"عظيم! سأراك!"

واختفى من الغرفة . وأغلقت جانيت الباب وراءه بحزم. وألقت نظرة على ربيكا. فرأتها تهز رأسها بائسة!

قالت ربيكا:

"ماذا في وسعي أن أفعل؟إنه شخص يصعب التعامل معه!"

تنهدت جانيت وقالت:

"أظن أنه وسيم لماذا لا ترغبين في الخروج معه"

"لا أعرف، أعتقد أننا مختلفان، فضلا عن أنني أكبره سنا!"

"إن السنوات لا تعني شيئا هذه الأيام، إنني لن أدعها تعترض طريقي، ما دمت أميل إلى الشخص".

"ليس الأمر بهذه الصورة، إنني لا أرغب في التورط مع أي شخص!"

"أنت تفعلين ما هو أسوأ، يقولون إن أسرته تعوم في بحر من المال".

مالت ربيكا برأسها، وقالت:

"المال لا يثير اهتمامي!"

"أحقا ما تقولين؟ إنني أتساءل... لماذا؟"

"أوه. بحق السماء، دعينا نغير الموضوع، هل هذا ممكن؟ كفاني الحديث عن بول فيكتور. في الوقت الحاضر!"

كانت شقة ربيكا، تقع بالحي القديم، في الطابق العلوي لأحد المساكن المشيدة على الطراز الفكتوري. وكان الدفء والهدوء يغريانها بأن تقيم فيها بعد يوم كله إجهاد. وباختصار. كان البيت الذي تجد فيه ربيكا نفسها.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، كانت في حاجة إلى مرفأ. لقد عرفت في غضونها الكثير عن نفسها. وكانت تحتاج إلى وقت كبير لكي تتغلب على المحنة الأليمة التي مرت بها في فيجي. وأطلت على الماضي، فوجدت أن أديل في حاجة إلى الشفقة. كما أنها تجد من الصعب عليها التفكير في علاقتها ببيير سانت كلير، بأية صورة من الصور. لقد بذلت جهدا لنسيانه وساعدها عملها على ذلك. ومع ذلك، فهي لا تنكر أنها ظلت تكابد آلام المحنة وهي مستلقية على فراشها في الظلام.

وأعدت لنفسها شطيرة خلال الفترة التي كانت تستعد فيها لمقابلة بول.

فحصت ثيابها ولما كانت ليالي أكتوبر باردة فإنها اختارت ثوبا أزرق اللون يتخلل قماشه خيوطا من الصوف يبعث الدفء في جسمها. وأرسلت شعرها الطويل على كتفيها. فبدت أطرافه ملتوية خفيفا إلى أعلى. وكان مكان اللقاء يقع في منتصف المدينة، وبعد واحدا من الفنادق التي تقدم الوجبات السهلة، وعندما دخلت ربيكا إلى البهو، وجدت بول جالسا، ودعاها للجلوس، فامتثلت لأمره وهي تتغاضى عن عينيه الزرقاوين اللتين راحتا تتفرسان فيها من رأسها إلى قدميها. وطلب لها بول شرابا، بينما قالت هي:

"إنني أحب هذا المكان. وأنت؟"

هز بول كتفيه وقال:

"حسنا. وإن كنت أفضل الذهاب إلى برينس إدوارد لتناول الطعام هناك".

"أظن أنك لم تفهم أنني رتبت لقاءك هذا المساء، حتى أستطيع أن أطلب منك على انفراد بعيدا عن مكتبي بالمستشفى بأن تتوقف عن مضايقتي!"

اتكأ بول بمرفقه وارتكز بذقنه على راحته وتأملها مليا، وقال:

"أنت لطيفة للغاية!"

"حسنا. صدقني يا بول. أن تتكلم هاتفيا ست مرات ليلة أمس، وجئت بنفسك هذا الصباح، بدون أن تضع في اعتبارك من من الأشخاص قد يكون موجودا في مكتبي! ماذا كنت تفعل لو كان موجودا السيد بورتينوس أو السيد لاتيمر فضلا عن الدكتور هاردي!"

"كنت سأختلق قصة تتلائم مع أكثر العقول شكا".

ارتشفت ربيكا شرابها، وقالت:

"ألا تهتم كثيرا بما طلبته منك، بألا تقابلني ثانية!"

"لا يهمني كثيرا. إن ما أعرفه الآن هو أنك موجودة الليلة معي".

"بول. أريد أن تعرف شيئا، وهو أنني أكبر منك بست سنوات تقريبا. وليس هناك شيء مشترك يجمع بيننا!"

"هل هذه هي الحقيقة؟"

"حسنا. أريد منك أن تكف عن مطاردتي. إنني معجبة بك. وأظن أنك صبي وسيم. ولا أريد أن تتورط مع أي شخص آخر"

"هذا ما أسمعه دائما. دعينا من هذا وأخبريني. إنهم يقولون أنك خضت تجربة حب غير سعيدة، هل هذا صحيح؟"

"من يكون هم؟"

"الناس. وأغلبهم من الرجال!"

هدأت أنفاس ربيكا، وقالت:

"من المؤسف أن هؤلاء الرجال إذا عجزوا عن فعل شيء، فإنهم يتندرون بالحديث أكثر مما تفعل النساء!"

"بعضهم يفعل، وبعضهم الآخر لا يفعل. ولكني لاحظت أنك لا تنكرين الواقعة".

"ولماذا أنكر؟ إنه أمر لا يخصك. مهما كانت حقيقة الواقعة، فإنني لن أحاول إرضاء فضولك".

"حدثيني عن نفسك. إنني مهتم بك، ولست فضوليا".

"ليس هناك شيء أخبرك به. إن المكان بدأ يزدحم بالوافدين. أليس كذلك؟"

"إذا دعينا نذهب لتناول طعام العشاء".

"لست أنوي الرحيل معك إلى أبعد من باب هذا الفندق!"

تنهد بول وقال:

"لماذا؟ ماذا يعيبني؟"

"لا شيء! ليس هناك عيب فيك. ببساطة، أنت تبدد وقتك هباء معي".

وعندما نطقت بذلك، انتابها إحساس غريب ينذر بالشر، فقد سبق أن قالت هذه الكلمات من قبل. لبيير سانت كلير!

مال بول نحوها وقال:

"دعيني أكون أنا الحكم.ليس هناك رجل آخر في حياتك. أنا أعرف ذلك. دعيني أنعم بصحبتك. ولن أسألك أن تمنحيني شيئا لا ترغبين في إعطائه".

سألت نفسها:لماذا لا تقبل صداقته؟ بعد أن كشفت له عن موقفها بوضوح.

تنهدت وتطلعت عاليا، ثم قالت:

"حسنا. يا بول".

"حسنا. ماذا؟"

"حسنا. سأتناول طعام العشاء معك".

"أحقا ما تقولين؟ هذا رائع".

أمسكت ربيكا بذراعه، وقالت بهدوء:

"فقط بشروطي".

هز بول رأسه، وقال:

"موافق".

أمالت ربيكا رأسها وفكرت. إنها لم ترتكب وزرا، إذا... علام الشعور المنذر بالشر يتزايد في داخلها، إنه مجرد إحساس، ولكنها لا تستطيع أن تجد له سببا. هل يعزى ذلك إلى أنها استعادت أحداث فيجي أمام عينيها؟

ولدهشة ربيكا. حققت صداقتها مع بول نجاحا طيبا. ولم ير أحدهما الآخر في كثير من الأحيان، وإنما تركا مقابلاتهما تبدو طبيعية، وكان هو قارئا مجيدا، وميولهما الأدبية متشابهة. وفي الصيف يمارس التنس والسباحة كما تمارسها هي أيضا، وأخبرها أنه زار مع ابيه أغلب دول العالم واستمتع بدفء الشتاء فيها، في حين أن ربيكا لم تشر في حديثها معه إلى الفترة التي أمضتها في فيجي، وإن كانت هي قد حدثته كثيرا عن نفسها. وكان بول يقوم أحيانا بزيارتها في شقتها وقد حرص كل منهما على تجاهل كل التقولات التي يتغامز بها بعض الزملاء في المستشفى. فيما عدا آنيت فليمنغ، فقد كانت وحدها تعرف حقيقة العلاقة. وشجعتها عليها لأنها كانت تدرك أن بول قد يهز مشاعر ربيكا ويدفعها بعيدا عن حياة العزلة التي تحياها.

وذات ليلة. التقى بها بول في سيارته عقب خروجها من العمل، وكانت أمسية ممطرة من أمسيات نوفمبر. والسماء تنذر بتساقط الثلوج. فاتفقت معه على تناول العشاء قبل أن يتوجها إلى السينما، وأمام طبق من اللحم والبطاطا، قال لها بول:

"اكتشفت اليوم أن ممرضة خالتي تعرفك"

فزعت ربيكا وقالت له:

"ممرضة خالتك! من هي؟"

"شيللا ستيفنز"

وتعجبت ربيكا فلم تتذكر في البداية أنها تلك الفتاة التي شاركتها العيش في شقة واحدة. الفتاة التي كانت ستتزوج بيتر فيلدمان. هزت ربيكا رأسها غير مصدقة، وأفاقت من شرودها. وسألته:

"كيف حالها؟"

"بخير. كنت أتحدث معها عن عملي في المستشفى. وجاء ذكر اسمك في معرض حديثي، وأخبرتني أنها شاركتك المعيشة في شقة واحدة".

ترددت ربيكا قبل أن تقول:

"أجل... اشتركنا سويا في شقة واحدة. أظنها قد تزوجت!"

"لا أعرف تماما. إنني ألتقي بها بين الحين والآخر. إنها فتاة طيبة".

أسندت ربيكا رأسها على راحتها. وقالت:

"هي كذلك. إنه عالم صغير؛ شيللا ستيفنز. كم أود رؤيتها!"

"وهي ترغب في رؤيتك أيضا! أخبرتها بأنني سأرتب هذا اللقاء"

"إنها فكرة طيبة منك".

"إذن من الأفضل أن تحضري إلى بيتي".

حدقت ربيكا في وجهه، وسألت:

"بيتك!"

"طبعا. إن خالتي تعيش معي، ومع أبي، أمي ماتت. لقد أخبرتك بذلك".

"أعرف، ولكن لا يمكنني الحضور إلى بيتك، أعني، شيللا ممرضة خالتك".

"هذا أمر لا يهم".

"إنه يهمني... يا بول، إن لدي شقة، وفي وسعها أن تأتي عندي".

"ألا ترغبين في رؤية بيتي؟"

"لا تكن غبيا. إنني أعرف أن بيتك يقع على بعد أميال كثيرة من الجانب الآخر من لندن".

"وماذا في ذلك؟ لديك بضعة أيام إجازة، يمكنك أن تقضيها بعيدا عن لندن. أنا أحب أن تأتي معي".

رأته ربيكا يهبب بها بألا ترفض طلبه، فتنهدت وقالت:

"صدقني يا بول. ظننت أنك تعرف أن علاقتنا..."

توقفت عن مواصلة الحديث عندما أخرج بول سيكارة أشعلها، وأطلق حلقات الدخان من فمه، قائلا لها:

"إنني أعرف كل شيء. كل ما أريده منك أن تأتي معي. بحق السماء، ما الخطأ في مسألة حضورك؟ أنت تعرفين. بأنني لا أخدعك. إن صديقتك هناك في بيتي!"

ضغطت ربيكا شفتيها. وقالت غير مطمئنة:

"إنني أصدقك، ولكن. إنه...حسنا، أسرتك".

"ستكون هناك خالتي فقط أبي مسافر إنه يمضي أوقاتا قليلة في انكلترا. كما أنني أحب أن تشاهدي البيت الذي اشتراه أبي منذ خمس عشرة سنة. البيت على طراز عصر جورج الخامس. ويعد تحفة فريدة مشيدة على الأرض".

"إنني لا أعرف يا بول. ولكنني سأكره أفراد أسرتك. إذا لاح في عيونهم انطباع خاطئ تجاهنا".

"ولماذا يفعلون ذلك؟"

"لا أعرف. وانما أشعر".

وصمتت قليلا. ثم استطردت تقول:

"لو كنت تعيش في كريكلوود، لما اكترثت كثيرا ،ولكن أن تكون صاحب بيت من طراز جورج الخامس!"

"انتظري يا ربيكا، ماذا أفعل إذا كانت أسرة أبي وأسرة أمي قد حققتا ثروة طائلة من الصناعة؟ إن وجه العملة لا يعنيني كثيرا ولذلك تركت المنزل ونلت شهادة الطب. إن الطبيعة والكيمياء يستهوياني..التحقت بالجامعة. وأنا أرغب في أن أكون طبيبا. وليس مجرد ممارس عام، وإنما أخصائي، أنا مهتم بأمراض الأطفال.أقول لك ذلك حتى تعرفي بأنني أذهب بك إلى سان سوسي لكي أعمي بصرك بثروت وممتلكاتي. أو أحاول اقناعك بالوسائل المادية".

"أنا آسفة، سأذهب بالطبع ولكن سان سوسي، أي بدون متاعب. هذا الاسم غير مألوف!"

ارتشف بول بقية الشراب، ثم قال:

"إنها فكرة أمي. هذا الاسم يماثل تماما وجهة نظرها في الحياة".

أحست ربيكا في صوته وهو يتحدث إليها، وشعرت بالشفقة نحوه. وكان من الواضح أنه يعيش في بيت لا تكتنفه أسباب السعادة برغم توفر أسباب الرفاهية!

بعد أسبوع. استقلا السيارة إلى سان سوسي. وقد خصص إجازة نهاية الأسبوع لكي يمضيها بصحبة ربيكا. ومن المحتمل أنه قد خطط من أجل قضاء الليلة في بيته، ولكن مهما كانت مراميه، فإن ربيكا قد عقدت عزمها على العودة في نفس الليلة، أو إذا اقتضت الظروف فسوف تستأجر غرفة في فندق لتنام فيها ليلتها.

وعندما بلغا قرية لينسلو، سارا في طريق خاص حتى بلغا بابا حديديا مكتوبا عليه خاص، فتوقف بول وغادر السيارة وفتح الباب الحديدي، ثم عاد وقاد السيارة إلى الداخل، وتوقف ثانية ليغلق الباب وراءه. وحينما استقر وراء عجلة القيادة لينطلق بالسيارة في الممر الخاص، قال لربيكا:

"كما ترين. أنا رجل فلاح. دائما أغلق الأبواب ورائي!"

ابتسمت ربيكا. وطفقت تتطلع حولها باهتمام. فرأت آلاف الأفدنة من المراعي على جانبي الممر. وعند نهايته رأت البيت يقوم كالطود أمام عينيها. وقد تميز ببرجيه الشامخين على جانبيه، والأعمدة قد شيدت على طراز كورنثي وتقع عند الدرجات المؤدية إلى مدخل البيت مما أعطى المبنى مظهرا إغريقيا.وقد وقفت أمامه سيارة مرسيدس. سألها بول:

"هل أعجبك المنزل؟"

"إنه يبدو كالهيكل الإغريقي!"

"أعتقد ذلك. عشت فيه طويلا حتى أصبحت لا ألاحظ ذلك!"

أوقف بول سيارته أمام درجات السلم المؤدي إلى المدخل، وغادرت ربيكا السيارة، وجاء ليمسك بيدها ويقود خطواتها، فامتثلت لرغبته، وسارا إلى الداخل.

وعندما بدأ بول يخلع معطفه، ويساعد ربيكا على التخلص من سترتها، ظهر خادم عند باب الصالة.وحياهما بأدب قائلا:

"أسعد الأوقات يا سيدي".

"مرحبا جيليان، أين الآخرون؟"

"خالتك والممرضة ستيفنز في جناحهما يا سيدي. أوه! لقد عاد أبوك من أمستردام".

"هل وصل حقا؟"

"ألم يكن من الأفضل لنا أن نأتي إلى هنا. عندما لا يكون أبوك في البيت؟"

"بحق السماء.لا. لم أكن أتوقع وصوله.هذا كل ما في الأمر. إنني في الواقع سعيد بعودته. فإنني أرغب في أن تقابليه".

"حسنا. هذا إذا كنت أنت متأكد من أنه لن يضيق بوجودي".

"يتضايق! أنت أول فتاة صديقة لي أحضرها إلى هنا!"

تناول جيليان معطفيهما، وسألهما:

"هل تناولتما طعام الغداء يا سيدي؟ أم تحب أن تعد السيدة جيليان لكما وجبة؟"

"لقد تناولنا طعامنا يا جيليان. على فكرة يا ربيكا. إنني أقدم لك جيليان مدير البيت. إن أجداده كانوا يعيشون هنا منذ القرن التاسع عشر. عندما كانوا يخدمون آل هارموندسي. أصحاب القصر الأصليين".

صافحت ربيكا مدير البيت، وأخبره بول بأنه سيصعد إلى الطابق الثاني بصحبة الآنسة ليندسي ليحظى برؤية خالته، ثم سأله:

"أين أبي الآن؟"

"في المكتب. لقد أحضر معه السيد بريانت، وعلى ما أعتقد أنهما يقومان بدراسة المشروع الأسترالي".

أفسح لهما جيليان الطريق حيث اخترقا الردهة وارتقيا درجا حلزونيا يؤدي إلى رواق له سور حديدي.

وتوقف بول أمام باب، وطرق طرقة خفيفة ثم دخل الغرفة وتبعته ربيكا.

كان الصمت مخيما على الغرفة، فصاح بول قائلا:

"خالتي! خالتي أديل. هل أنت موجودة؟"

تجمدت الابتسامة على شفتي ربيكا عندما سمعت صوت مقعد متحرك يدور. وشاهدت امرأة تتحرك نحوها وقد بدا جسمها أكثر نحافة مما تتذكره أن ذاكرتها لا يمكن أن تخطئها؛ إنها أديل سانت كلاود؛ وفي لحظة شعرت ربيكا ببوادر غيبوبة، فالذكريات تجمعت فجأة في رأسها وأصابت عقلها بالشلل، ولكنها تحاملت على نفسها. ورأت أديل تتطلع إليها مليا.

وكان من الواضح أنها كانت تستمتع بسرور بالغ وهي ترى وقع المفاجأة التي أفزعتها، ويبدو أن أديل كانت تعرف مسبقا بقدوم الفتاة. فأخذت تقترب بمقعدها منها، وبادرتها قائلة:

"حسنا. حسنا يا بول. إذن هذه هي الفتاة التي حدثتنا عنها كثيرا!"

******************

6- لقاء الأنهار بالبحر

تجمدت ربيكا في مكانها وتطلع بول نحوها بأستغراب وأجاب :

- اجل .

ثم سأل ربيكا بنبرة رقيقة :

- هل انت بخير يا حبيبتي ؟ يبدو على وجهك الشحوب .

كان يريد ان يهدئ من روع ربيكا .

فأمسك مرفقها بيده التي بعثت الدفء والطمأنينه الى قلبها .

ولأول مره شعرت انها في أمس الحاجة اليه . وأخيرا قالت :

- انا مندهشة لمقابلة خالتك . هذا هو كل ما في الأمر . ان كلا منا تعرف الأخرى من قبل يا أنسة سانت كلاود . اليس كذلك ؟

- هل تعرفينها حقا يا خالتي آديل ؟ هل تعرفين ربيكا ؟

قلبت أديل شفتها السفلى ويبدو انها اخذت بمبادرة ربيكا في الهجوم عليها فأجابت أخيرا :

- اجل هذا صحيح . كانت ربيكا ممرضتي في فيجي .

دهش بول بالمفاجأة وقال :

- يا الهي . يالها من مفاجأة لطيفة .

تطلعت اديل الى ربيكا مليا وقالت :

- اجل اليس كذلك ؟ انك مشرقة يا ربيكا وربما كنت نحيلة قليلا .

اخذت آديل تراقب ربيكا بعينين باردتين ، في الوقت الذي كانت تتمنى فيه

ربيكا الفرار. ولم يكن السبب أن آديل أفزعتها، وإنما لأنها كانت

ببساطة لا ترغب في أن يكون لها شأن بأي فرع من فروع هذه العائلة .

قطع بول الصمت المخيم . وسأل :

-«أين شيللا؟ إنها و ربيكا صديقتان منذ عدة سنوات ".

- احقا ما تقول ؟ شيء جميل ! ستعود حالأ. أظن أنها تقوم الآن بجولة مع الكلاب ".

ثم التفتت إلى ربيكا، وقالت لها:

" تعالى يا ربيكا واجلسي إلى جانبي وأخبريني ماذا كنت تفعلين طوال هذه

السنوات ؟

ترددت ربيكا. فلم تكن تحدوها أدني رغبة في الجلوس إلى جوار آديل أمام

بول ، ولكنه شجعها على أن تتقدم إلى الأمام ، فامتثلت لرغبته وجلست على

طرف مقعد إلى جوار آديل . وفى هذه اللحظة خيل لربيكا أن الزمن قد تراجع

ثلاث سنوات إلى الوراء، فانتابتها رجفة هزت كيانها. وأدركت آديل هذه

الرجفة ، فقالت لها:

- هل تشعرين بالبرد يا ربيكا؟ سأطلب من جيليان أن يشعل النار فى

المدفاة ".ورده قايين

"هذا شيء لا يهم ".

وتطلعت إلى بول الذي كان يشعل سيكاره . وتطلعت أديل بدورها الى نحو ابن اختها وسألته :

- أين أبوك ؟

- لم اره بعد . أخبرني جيليان بأنه موجود في مكتبه . سمعت انه احضر معه بريانت .

- أجل . كانا فى أمستردام سويآ".

وحولت رأسها وسلطت عينيها على وجه ربيكا واستطردت تقول :

- يجب أن تخبر أباك بأن ربيكا هنا. أنا متأكدة أنه يرغب في مقابلتها ثانية . لقد

أصبحا صديقين عندما زارا فيجي . انت تذكرين بيير سانت كلير . اليس كذلك

يا ربيكا؟

جحظت عينا ربيكا غير مصدقة ، ورأت الحقد يبرز في عيني اديل

وتساءلت . إن اسم والد بول هو فيكتور وليس سانت كلير. وشخصت

بعينيها نحو بول ، ولكن لسوء حظها كان يتطلع إلى القادم الذي دخل لتوه إلى

الغرفة . وكانت فتاة جذابة ذات شعر أحمر، وترتدى زيأ أبيض بسيطأ، وعلى رأسها

قبعة ، فحياها بحرارة .

" أهلا شيللا. انظري يا ربيكا من التي أتت ".

ولكن ربيكا كانت تشعر بأن ساقيها لا تقويان على حملها، وإغماءة

تغشاها، عندما فكرت في أن بيير سانت كلير هنا، فى هذا المبنى. عليها أن تفر

هاربة . قبل أن تبدو حمقاء في أعين الآخرين .

ولم تدرك شيللا التوتر الذي كان يعتري ربيكا فى هذه اللحظة ،

فاجتازت الغرفة إلى حيث تجلس هي و آديل . وقالت مبتسمة :

: مرحبأ ربيكا. كم هو مفرح أن نلتقي ثانية بعد كل هذه السنوات !

تحاملت ربيكا للوقوف . وابتست ابتسامة واهنة فى وجه شيللا ستيفننز:

" أوه شيللا! عندما أخبرني بول بأنك ممرضة خالته ، لم أصدق ذلك . كيف حالك ؟

قالت ببساطة :

" أنا بخير. إن الآنسة سانت كلاود ليست مريضة متعبة . كما تعرفين بنفسك.

تجهمت ربيكا وقالت :

- أوه . أجل . أنت تعرفين أنني كنت ممرضتها فى فيجي" .

ورده

- أجل .. . أعرف.

ثم انحنت شيللا على مريضتها وراحت تسوي المساند التي تسند عليها

ظهرها. وتسألها إن كانت تشعر بالراحة . ثم انتصبت بقامتها، وأردفت تقول :

- إنني أنا والآنسة سانت كلاود صديقتان . أليس كذلك ؟

ردت آديل :

- أجل ... تمامأ.

تشبثت ربيكا بحزام حقيبتها. وسألت :

- منذ متى وأنت تعملين هنا يا شيللا؟

- منذ ثمانية عشر شهرأ.

وأضاف بول قائلأ:

- عندما ماتت أمي، عادت خالتي آديل إلى انكلترا لتقضي فترة من الوقت

كان ذلك قبل أن تلحق شيللا بالعمل هنا. أليس كذلك يا خالتي؟

ابتلعت ربيكا ريقها بصعوبة ، وبالطبع شاع الاضطراب في تفكيرها. إن

أم بول ماتت ، وإذا كان بيير هو أبوه . وعندئذ ترنحت ربيكا وحاولت أن

تمسك بيدها ظهر المقعد حتى لا تفقد توازنها، ولاحظت شيللا محنتها . فسألتها:

- هل حدث شىء يا ربيكا؟

وفى الحال بدا الاهتمام على بول الذي صاح بدوره قائلأ:

- هل حدث شئ ، يا ربيكا؟

ووضع ذراعه حول كتفيها لمساندتها، واستطرد يقول :

- هيا بنا نخرج لنتنشق الهواء. جو هذه الغرفة اصبح فاسدأ.

هزت ربيكا رأسها موافقة . ولكن آديل تدخلت قائلة:

- ألا تظن أنه من الأفضل يا بول أن تصحب شيللا صديقتها. أنا متأكدة

أن لديهما الشيء الكثير الذي يتجاذبان فيه الحديث . ولا تنسى أن ربيكا قد

أتت لرؤية صديقتها.

تردد بول قليلأ. وتمنت ربيكا أن تجد عذرأ تستطيع به الخروج مع

بول بدلأ من البقاء مع صديقتها شيللا. ولكن تفكيرها لم يهدها إلى هذا

العذر.

سألها بول :

- هل هذا ما ترغبين فيه يا حيبتي؟

- أنا ... أنا أعتقد ذلك.

ثم أرخى ذراعه من حول كتفيها. وتركها وهو يقول :

- أمرك يا خالة آديل . سأذهب لرؤية أبي. ثم نلتقي جميعأ لتناول الشاي سويأ.

ووقع نظر ربيكا على ملابس ثمينة عما اعتادت أن ترتديه شيللا منذ

خمس سنوات خلت ، وتساءلت عما إذا كانت شيللا قد تأثرت بجو الرفاهية

المحيط بها.

جلست ربيكا وقد أحست بأنها استطاعت أن تخفف من عبء جسمها على

ساقيها. بينا راحت شيللا تعد القهوة . وتقول لها:

- أظن أن فنجانأ من القهوة سوف يبعث الانتعاش إلى نفسك . هل صدمت لرؤية

آديل مرة ثانية ؟

مدت ربيكا أصابعها وراحت تتحسس مسند المقعد. وكأنها تبحث عن

. شئ تقوله ، ثم قالت أخيرأ:

- أعتقد أنها كانت صدمة لى.

قالت شيلا:

- كانت فكرة آديل أن تحتفظ بشخصيتها سرأ عليك . وعندما اكتشفت أنني

أعرفك ازداد اهتمامها بالأمر!

ضغطت ربيكا على شفتيها. وفكرت فى أن اديل لابد شعرت بالسعادة

عندما سنحت لها الفرصة لترى ضحيتها مرة أخرى. يا للمفاجأة ! بول ابن

بيير ! برزت هذه الحقيقة أمام عينيها، فحطمت كل الآمال التي تمنت أن تتحقق في المستقبل .

سألتها شيللا:

- ألا تسألين . هل أحب التمريض الخصوصي.

هزت ربيكا رأسها بالايجاب ، فقالت شيلا بحماسة :

- أحبه كثيرأ. كل شخص هنا. حنون . وصديق !

قالت ربيكا وهي تضغط على مخارج الكلمات :

- هل تعرفين والد بول ؟

- بيير؟ طبعأ!

تضرج وجه ربيكا بلون الدم فأن

شيللا قد نطقت اسمه عن عمد

وكأنها واثقة بمعرفتها به ، وكانت شيللا تقود بدراسة كل ما يطرأ على وجه

ربيكا.

قالت ربيكا:

- ظننت أنك متزوجة الآن من بيتر!

- بيترفيلدمان ؟ هل تتصورين أنني يمكن أن أتزوج منه بعد إيماءتك التي أدارت

رأسه إليك . أليس كذلك ؟

- ماذا تقصدين ؟ كنت أظنك تحبين بيتر.

استدارت شيللا لتصب القهوة ، وقالت :

- على الأقل كنت أظن أنني أحبه . لم يدر بخلدك أنك تسخرين من شخصي

أليس كذلك ؟ يا إلهي. إن بيتر ليس من النوع الذي يحب التورط في

العلاقات السرية إذا أبديت له ذلك . كان وجهه دائما يعبر عما يكابده.

و ر د ة ق ا ي ي ن

سيطرت شيللا على ملامح وجهها، و ناولتها فنجانا من القهوة الساخنه .

وسألتها بأدب :

-هل تحتاجين إلى سكر؟

- صدقيني. إنني لا أعرف ماذا أقول . ظننت . كل واحدة منا ظنت.

- أعرف . أعرف . دعينا نترك هذا الموضوع نهائيأ. وسأقبل تصرفك البطولي الذي

أقدمت عليه.

ضغطت ربيكا على شفتيها، وقالت :

- إني اسفة .

- لا داعي للأسف . أنت قدمت لى خدمة ، فقد عرفت بعد ذلك أنني لن أنعم

بالسعادة مع رجل مثل بيتر فيلدمان . إنه رجل سهل القياد. وأنا أفضل رجلأ

يكون سيدأ لبيته.

مالت ربيكا ورشفت قدرأ من القهوة ، وحذت شيللا حذوها.

وعندما سمعتا طرقأ على الباب ، استدارت كل منهما تلقائيأ نحوه في وقت

واحد، ولوهلة خشيت ربيكا أن يكون بيير هو الطارق ، ولكنها وجدت

بول الذي قال لها ببرا،ة :

هل هواجتماع مغلق . أم أنني أستطيع الانضمام إليكما؟

بدا تعبير دافىء على وجه شيللا وهي تقول له :

- هل تحب أن تشرب قليلأ من القهوة يا بول ؟

«لا. إنما كنت أمزح . في الواقع إن الشاي معد في غرفة خالتي آديل . وطلبت مني

ان أحيطكما علمأ بذلك.

ثم تطلع الى ربيكا بحنان . وسألها:

- هل تشعرين بتحسن الآن ؟

كانت ربيكا فى الحقيقة تشعر بأنها على شفا الانهيار، ولكنها حاولت أن تخفف من هذا التوتر فابتسمت قائلة :

- أشعر بتحسن كبير . شكرا لك .

- حسنا .

وعندئذ جذب بول يد ربيكا. فوقفت على قدميها، وعندما وصلا إلى

الغرفة ، قال بول :

- أخبرت أبي أننا وصلنا ولكنه لم يلاحظ لأنه مشغول مع توم في المشروع

الاسترالي.

ابتسمت آديل وقالت :

- لا عليك يا عزيزي، فهناك وقت كثير يمكنك أن تلتقي به فيه . أظن أنكما

ستمكثان لتناول طعام العشاء معنا.

بدأت ربيكا تقول :

- أ وه . .. . لكن .

حينمأ قأطعهأ بول بحزم قائلا :

- أجل . يمكننا البقاء. وفى الواقع إنني أتساءل عما إذا كان من الممكن أن نمضي

إجازة نهاية الأسبوع هنا. ما رأيك يا ربيكا؟

- لا يمكن يا بول !

تطلعت إليها آديل بعينين فاحصتين . وسألتها:

- لماذا؟ بول أخبرني بأنكما قد حصلتا على إجازة نهاية الأسبوع.

تطلعت ربيكا إليه متوسلة أن يتدخل ، وقالت بتلعثم :

- اننا, أوه ... بول .

ولكن بول كان لا يريد مؤازرتها، فترك الأمر معلقأ، وأحست شيللا

بالتوتر، وأرادت أن تخفف من حدة الموقف ، فقالت :

-أظن أنك وجدت صعوبة فى أن تتلاءمي مع الحياة فى انكلترا من جديد بعد

أن عشت فى فيجي؟

تنهدت ربيكا وقالت :

- أعتقد أنني تلاءمت مع جو انكلترا.

قالت آديل ساخرة :

- إنني لا أستطيع فهم سبب قرارك بالرحيل يا ربيكا. ظننت أنك أحببت الحياة

في فيجي.

حاولت ربيكا ان تبدو غاضبة حتى تخفي اضطرابها. وهي تقول :

- لقد تعبت من العيش في مكان محدود .

والتقطت شيللا خيط الحديث ، وقالت :

- لم تسنح لي الفرصة بزيارة جنوب المحيط الهادي. أظن أن الجو هناك رائع !

قالت ربيكا:

- أجل رائع .

وأدار بول دفة الحديث إلى السؤال عن صحة خالته . ثم تطرق إلى دراسته

في مستشفى بارثولوميو، ثم نهض واقفأ وقال :

- ما رأيك يا ربيكا في أن نقوم بجولة في المنطقة المحيطة بالمنزل ؟ لقد بدأ

الظلام يزحف . وأريد أن أريك جانبأ من المكان.

عضت ربيكا شفتيها. فقد كانت تود الرحيل . ولكن بدا واضحأ أن هذا

المكان ليس من النوع الذي يبدي فيه المرء هذه الرغبة . وخاصة أن بول له

حليف مثل خالته آديل ، تؤازره في رغباته ، ولذلك ابتسمت وقالت :

- أجل . أرغب في القيام بجولة .

وسارا في الممر حتى بلغا السلم الحلزوني. عندما خرج رجلان من الباب الذي

يقع تحتهما. فتجمدت ربيكا في مكانها وتراجعت بظهرها إلى الحائط ولم يدرك

بول تراجعها. وإنما أسرع يهبط الدرج . وهو يتوقع أن تتبعه . وعندما بلغ البهو،

شد انتباهه وجود والده فقال له :

- هل فرغت من عملك ؟

و ر د ه

كانت ربيكا قد لمحت بيير سانت كلير وهو يدورعلى عقبيه ، و يبتسم

لابنه ، فقفز قلبها فى صدرها. واهتز كيانها... كان بيير يرتدي ثوبأ أسود، وقد

خط الشيب رأسه وبدا لها جذابأ كسابق عهده ، وإن كان أكثر نحافة . وتذكرت

الماضي عندما اختليا فى غرفتها فى فيجي. وشعرت بصلابة صدره تضغط على

صدرها .

يا إلهي لا تدعه يتطلع إلى أعلى ويراني. يا لحماقتها ففي لحظة سوف يتلفت

بول حوله ليقدمها إلى أبيه ، وعندئذ. كتمت زفرة ندت من صدرها. فمن

الواضح أن بول لم يوضح شخصية رفيقته عندما أخبره . بنبأ وصولهما ولكن

ماذا يهم ستلتقى به وجهأ لوجه آجلأ أو عاجلأ.

رأت من الأفضل لها أن تتمسك بالهدوء، وألا تقبع فى هذا المكان ، وتبدأ فى

الهبوط وعندما شرعت تضع قدميها على درجات السلم رأت بول يلتفت حوله

بحثأ عنهأ. وقال مبتسمأ:

- تعالي يا ربيكا. أريد أن تقابلي أبي مرة ثانية ..

وسواء، ذكر بول لأبيه أنه أحضر الفتاة التي يعرفها أم لم يذكر، لأن

ربيكإ تجهل حقيقة الأمر. إلآ أنها أحست وهي واقفة فى البهو أن عيني بيير مسلطتان عليها. ولم تتطلع إليه حتى أصبحت على مقربة منه فرأت البرود يشوب عينيه . والصرامة تعلو فمه . وأخذ يهز رأسه غير مصدق ما يرى!

ولكن بول جذبها إلى الأمام ، ووضع ذراعه على كتفيها، وقال :

- حسنأ يا أبي. أنت تذكر ربيكا ليندسي . أليس كذلك ؟ .

وجدت ربيكا نفسها مضطرة إلى أن تتطلع إلى بيير، وأحست بصدمة

عندما رأت القسوة واضحة على ملامح وجهه . وأخيرأ قال :

- أجل . أتذكر ممرضة آديل !

مدت يدها لمصافحته ، ولكنها سحبتها بسرعة . كانت لمسته تشيع فى أعماقها

حلاوة تشوبها المرارة . وانتابها التوتر عندما حاولت الكلام عن أول شئ تبادر إلى

ذهنها. قالت :

- لكن اسم فيكتور قرين لاسم بول . وليس سانت كلير.

تكلم بيير قائلأ ببرود:

- اسم ابني بول فيكتور سانت كلير. وعندما التحق بهيئة المستشفى، وجدوا

اسمه طويلأ. فاضطروا لاختصاره . ..

ارتجفت ربيكا من نظرات بيير. وقالت :

- أوه ! نعم ... بدأت أفهم . ..

-

ولم يلاحظ بول رجفة ربيكا إذ تحول يتحدث إلى الرجل الآخر قائلأ:

- ربيكا. دعيني أقدم لك توم بريانت . ساعد أبي الأيمن . توم دعني أقدم لك

ربيكا ليندسي. إنها تعمل أيضأ في المستشفى، وكانت سابقأ ممرضة آديل ، وقد

التقت بأبي عندما كان يقوم بزيارة فيجي . ..

صافحها توم بريانت بحرارة ، وقبض براحته على أصابعها النحيلة ، وعلق

على ذلك ضاحكأ، وتجاوبت مع روحه المرحة بشغف . ولجأت الى ذلك حتى

تتجنب تحليلات بيير النافذة ، ووقفا طويلأ يناقشان عملها في سانت

بارثولوميو وأخيرأ قال بيير:

- اقترح الدخول إلى المكتبة . وتناول بعض الشراب ! . .

قال بول :

- كنت أنوي مصاحبة ربيكا لترى المنطقة المحيطة بالقصر . ..

أبدى بيير ملاحظته ، قائلأ:

- ولكن الظلام يسود المكان . آقترح تآجيل ذلك حتى الصباح . ..

تطلع بول الى ربيكا، وقال :

- اننا نستطيع أن نفعل ذلك في الصباح . ..

أطبقت قبضة يدها، وقالت :

- لقد نسيت يا بول . إنا لن نكون هنا فى الصباح.

تطلع إليها بيير طويلأ وقال :

- بالتأكيد. دعاك ابني لقضاء إجازة نهاية الأسبوع . بالاضافة إلى أن الضباب

أفذ يسود الجو وأصبح من الجنون قيادة السيارة ليلأ في طريق العودة إلى

لندن.

تجمدت شفتا ربيكا. تطلعت إلى بول الذي قال لها ببراءة ملحوظة :

- لا تلوميني. فلست مسؤولأ عن سوء الأحوال الجوية.

- ولكنني غير مستعدة . ألا تستطيع حقأ العودة إلى المدينة ؟.

- ولماذا نعود؟ يوجد هنا العديد من الغرف ..

قال بيير فجأة بنبرة متبرمة :

- أظن أن المناقشة قد انتهت بصدد هذا الموضوع . لا يمكنك الرحيل الليلة وعليك

بقبول دعوة المبيت هنا. والآن هيا با نتناول الشراب ..

ضغطت ربيكا على شفتيها. وساءها أن تجد بول يتخذ هذا الأسلوب

ليحقق رغبته بدون أن يفطن إلى أن بيير يرى أن ربيكا تسلك مسلك

الأطفال . ولم يكن فى وسعها أن تفعل شيئأ. فسمحت لبول بأن يأخذ بيدها.

ويقودها إلى المكتبة وهي تتلوى من غضبها المكبوت .

فتح بيير سانت كلير الباب . وكان عليها أن تمر به أثناء دخولها الغرفة .

وشعرت أثناء مرورها بأن ساقيها لا تقويان على حملها.

أجلسها بول بجوار المدفأة . وقدم لها كأسأ من الشراب ، بينما أعد قدحين أخرين له و لتوم بريانت . أما بيير فأعد لنفسه كوبأ كبيرأ من الشراب . وقد بدا واضحأ أن تماسكه قد اهتز هذا الأصيل .

كانت ربيكا سعيدة بكأسها لأنها أتاحت لها أن تركز اهتمامها فيه.

وأخيرأ قالت :

- لم أكن أتخيل المكتبة على هذه الصورة ..

ابتسم توم وقال:

- إنني من رأيك . فإن مثل هذه المكتبة أصبح نادرأ..

تقدم بيير ليقف إلى جوار المدفأة . وقد أعطى ظهره لها، ثم قال بخشونة:

- قررت أن أبيع المنزل !.

تطلع توم إليه فى دهشة . قائلأ:

- أحقأ اتخذت قرارك ؟ حسنأ. إنك تكلمت عن ذلك كثيرأ..

هز بيير كتفيه قائلأ:

- إنه مبنى كبير قليل النفع باهظ التكاليف . بالاضافة إلى أنني لم أهتم يومأ

بالمكان ..

تطلع بول إلى ربيكا ثم قال:

- ولكن أمى اختارت سان سوسي ، وفي حياتها كانت تقيم الحفلات هنا. كانت

تحب كل أسباب الترفيه . أليس كذلك يا أبي؟.

ألقت ربيكا نظرة سريعة على بيير. وتساءلت كيف يكون رد فعل كلام

بول عليه ، ولكن يبدو أن بيير كانت له وجهة نظر تختلف عن ابنه ،

ووجدت نفسها تفكر في جنيفر سانت كلير.

والتقط توم خيط الحديث مرة ثانية . وراح يتحدث إلى بول . وكانت

ربيكا تشعر أن بيير يرمقها بين الحين والآخر. وتساءلت عما يدور بتفكيره

الآن ، وأي عالم بناه لوجودها هنا، فشعرت فجأة برجفة . وهي تفكر في أمره . ما

دامت جنيفر قد ماتت . فهل ينوي الزواج ثانية ؟ ومهما تكن صورتها في نظره ،

فإنه يبدو واضحأ أن ما شعر به نحوها في فيجي أصبح أمرأ منسيأ، وكل ما

تجنيه الآن . أن تتجرع كأس آلامها!

وقطع حبل تفكيرها صوت طرقات الباب . وعندما قال بيير ادخل دخل الى الغرفة جيليان , ووجه حديثه الى سيده بينما كان يحدق في بول , وقال :

- الغرفة الخضراء معدة يا سيدي . هل السيدة الشابة ستمكث هنا الليلة ؟

- ورده قايين -

تطلعت ربيكا الى بول غاضبة بينما كان بيير يجيب قائلا :

- اجل يا جيليان . ان الأنسة ليندسي ستمضي الليلة هنا . وربما كان من الأفضل ان تريها غرفتها الآن .

نهضت ربيكا على الفور , وكانت لاترغب في البقاء . وأنما تريد ان تبتعد عن الغرفة , ان لم تكن عن البيت كله ولكن هذا الأمر كان مستحيلا بالأضافة الى انها ستبدأ الفرار من جديد .

اخيرا قالت :

- شكرا يا جيليان . احب ان اتوجه الى غرفتي .

بدا القلق على بول وقال :

- ربيكا !

ولكن ربيكا تطلعت اليه بأزدراء وقالت بأيجاز :

- سأراك فيما بعد يا بول . اسمحوا لي .

غادرت الغرفة وتبعها جيليان ثم طلب منها ان تتبعه .

وبذلت جهدا في ان ترسم ابتسامة على شفتيها تحية للخادم المسن . انه لم يكن خطأه , وما ذنبه لكي تعامله بخشونة؟ اخترقا البهو . ومرا خلال باب مصنوع من خشب البلوط ادى بهما الى ممر خلفي , فأدركت ربيكا على الفور انهما في احد البرجين . ثم بدأ جيليان يرتقي السلم الحلزوني وتبعته ربيكا وهي تتوقف بين حين وآخر لتلقي ببصرها عبر النوافذ الضيقة المتناثرة . حتى بلغا منبسط الدرج ووقف جيليان امام احدى الغرف ودفع الباب . وطلب منه ان تتقدمه في الدخول .

.عندما جالت ببصرها . بدأ السرور عليها . فقد كانت غرفة جذابة ومضاءة بمصابيح أعلى الحائط والسجاجيد

المنتشرة في أرجاء الغرفة من اللون الأخضر،

والستائر من القماش المطرز.

راقب جيليان الانطباعات التي ارتسمت على وجهها. وقال:

- حمامك ملحق بهذه الغرفة ، ولحسن الحظ أن الغرف مستقلة الواحدة عن الأخرى.

ولذلك يمكنك أن تعتبري هذا الجزء جناحأ خاصأ بك.

- الغرفة رائعة ، شكرأ.

هز جيليان رأسه قائلأ:

- إنني سعيد بأنها حازت إعجابك يا آنسة . هل تريدين شيئا آخر؟

- لا أظن . ما موعد العشا؟

- عادة . في السابعة والنصف . السيد سانت كلير يتناول كأسأ في المكتبة قبل

أن يتناول طعامه . يمكنك أن تنضمي إلى الأسرة هناك في السابعة والربع .

- هل أسلك الطريق . الذي أتيت منه ؟

- لا ليس ضروريأ. انظري.

قادها عائدأ إلى منبسط الدرج وأشار إلى بابين . وقال :

- هذا باب حمامك ، والباب الآخر يقودك إلى البهو العام ، وهذا هو الطريق المعتاد

سلوكه إلى المبنى الرئيسي .

- أوه . فهمت . شكرأ لك.

هز جيليان رأسه ، وقال مبتسمأ:

- هناك ماء ساخن إذا رغبت في الاستحمام . والآن أتركك .

ابتسمت ربيكا بدورها شاكرة . وعندما غادرها أغلقت الباب ، والقت بنفسها

على الفراش ، ودفنت وجهها بين راحتي يديها. وبعد قليل نهضت و توجهت إلى

الحمام . واغتسلت بالماء الدافىء واستعادت نشاطها. ولم تحاول أن تفكر فيما قد

يحدث في المساء. إنه موقف يتعين عليها مواجهته واجتيازه ، ولا أهمية لما قد ينجم من مأساة .

ورده قايين..

ومع كل هذا لم تستطع أن تمنع نفسها من الفكير في بيير سانت كلير. كان

عذابأ تكابده ، وذهولأ تعاني منه كلما فكرت فيه ، وكلما حاولت أن تكف عن

التفكير فيه، كانت تشعر أنه يعيش في عقلها الباطن . كان الألم يعتصر أحشاءها

بول قال إن أمه قد ماتت ، ومعنى ذلك أن بيير أرمل . وتذكرت قسوة وجهه

وهو يطلع إليها عندما التقت به بعد الظهر. وأدركت أن هذه الحقيقة لا تعني أي

شئ لديه كما تعنيها هي. بل على العكس، لقد عاملها وكأن وجودها في هذا

البيت يعد مأساة .

وتساءلت عما يكون رأية في العلاقة التي تربط بينها و بين ابنه ، كما تساءلت

عن دور آديل ، وهل خططت لكي تكشف لبول عن علاقتها بأبيه ؟ وفزعت

عدما تخيلت الروح المدمرة الي تعربد في أعماق آديل .

عادت إلى غرفها. وفجأة سمعت طرقأ عل الباب ، فقالت :

- من . من بالباب ؟

- آنا بول !

- ماذا تريد ؟

- افتحي الباب أريد أن أراك.

- لا. لم أفرغ بعد من ارتداء ملابسي. سأراك على مائدة العشاء.

- لكنني أريد أن أشرح لك.

- ليس هناك شئ يحتاج إلى شرح . ارحل يا بول .

- أوه ، أرجوك يا ربيكا . أريد أن أراك !

ترددت ربيكا. ثم وقفت ، وارتدت سروالا ثبتت أزراره ، ووضعت شالأ على

كتفيها. ثم توجهت إلى الباب ، وفتحت ، فرات بول أمامها جذابا فى زي

العشاء الأسود. قالت له :

- أنت تعرف أنه ليس لدي ثوب للعشاء،. صدقنى. هل خططت لكل هذا؟

- لم أخطط شيئأ. كيف أخطط لمجئ، الضباب ؟

تنهدت ربيكا وقالت :

- في أي0حال . كنا نستطيع أن نمكث في القرية .

قال بول بجفاء :

- كنت تثيرين الأقاويل علينا.

- لا يهمني كثيرأ.

- لماذا تكرهين البقا، هنا؟ هل هي خالتي؟ أعرف أنها مثيرة للأعصاب في بعض

الأحيان .

- لا. لا. ليس الأمر كذلك . ولكن هل كان أبوك يعرف بقدومي؟

- كيف يعرف ! كان في أمستردام .

- أوه ... صحيح !

- ما الخطأ يا ربيكا؟ يبدو عليك التوتر والحدة منذ لحظة قدومك إلى هنا. هل

هناك خطأ ارتكبته ؟

- بالطبع لا. الساعة الآن السابعة والربع . حان وقت العشاء .

اقترب منها بول ، وقال :

- أنت جميلة . هل تعرفين ذلك ؟

سارت ربيكا نحو الباب ، وقالت :

- بول ، ليس الآن .

- ما عيبي؟ أنت تتجمدين كلما دنوت منك .

- ظننت أن كل واحد منا يفهم الآخر.

- حقأ! ما تقولين ؟ حسنأ يا ربيكا، إنني آسف لقد أفسدت عليك إجازة

نهاية الأسبوع . أليس كذلك ؟

لانت ربيكا بعض الشئ وقالت :

- لا . لا ز لست انت الذي افسدها انما انا .

وردة قايين.

ومدت يدها لتتعلق بذراعه واستطردت تقول :

- هيا بنا ننضم للأخرين .

************************

7- عودة غير منتظرة...

كانت المكتبة غاصة بالجميع ، وفجأة تحولت ابصارهم لرؤية القادمين.بول وريبيكا اديل ، وشيللا،وتوم بريانت، وبيير وكان وجه توم هو الوحيد المبتسم فأحست ربيكا بسعادة لوجوده.

كانت اديل تجلس على مقعدها المتحرك، وتبدو مستمتعه بسرور دفين يجيش في اعماقها ، أحست ريبيكا بثورة نحوها. ولكن برغم كل شيء كانت عينا ريبيكا مشدودتين الى الرجل الاخر!

كان بيير سانت كلير وسيما في ثوب العشاء الانيق الغالي ويتم كل جزء في كيانه عن رجل ناضج , ودهشت ربيكا لانها مازالت اسيرة نزقها في ان تعامله بالاسلوب الذي انتهجته سابقا. كانت تبدو كالغريبة، برغم انه في يوم ما احتواها بين ذراعيه وبتها عواطفه الملتهبة!

وبدأت اديل الحديث قائلة:

"آه اخيرا اقبلت يا بول . ظننا انك لن تأتي"

وكانت كلماتها تلمح الي ريبيكا التي تضرج وجهها بلون الدم. ولم ينقذها من هذا الموقف الا بيير الذي سأل:

"هل ترغبان في الشراب؟"

فتطلع بول الى ريبيكا رافعا حاجيبيه متسائلا، فطلبت كاسا . ولكن بيير لم يلتفت اليها . وانما اعد الشراب لهما. واسرع بول ليحمل الكأسين من ابيه . وكانت شيللا تحتسي كلآسها ، وهي تتطلع بدهشة الى ريبيكا التي راحت تتساءل عما يدور في خاطر شيللا.

اشعل بيير سيكارا، عندما قال نوم يريانت:

"الضباب يزداد كثافة . هل كان احدكم في الخارج؟"

قال بول باهتمام:

"لا، هل الضباب كثيف حقا؟ اظن انك ستضطر الى البقاء هنا يا توم "

قال بيير وهو يأخذ نفسا عميقا:

"سيبقى توم . كيف تسير الامور في المستشفى يا بول؟ هل اقضيت بالخبر الى هاريسون؟"

"اجل وقد اهتم به ، وتساءل عما اذا كان المشروع عمليا ام لا؟"

اقترب توم بريانت من ريبيكا ، وقدم لها سيكارة ، ثم قال مبتسما:

" يبدو عليك القلق . هل من المحتم عليك ان تعودي الليلة الى المدينة؟"

ثم نظر الى اصابعها وسألها:

"انت لست متزوجة ؟ انه امر يدهشني"

عضت ريبيكا على شفتيها . وقالت:

" الزواج ليس كل شيء".

اوما توم برأسه موافقا ، وقال:

" اجل فانا نفسي لست متزوجا . وعملي يشغلني تماما . وليس من السهل ان اجد امرآه ترضى بحياة الترحال التي اعيشها"

"لن تشعر المرأة بضيق اذا كانت تحيك".

"انت تتكلمين باحساس ، هل هذا نابع من تجربتك الشخصية؟"

" اعتقد ذلك؟"

شعرت ريبيكا بسعادة عندما وجدت الشراب قد بعث الدفء في اوصالها. وراحت تدور باصابعها على حافة الكأس، ثم قالت:

" انت تعرف والد بول منذ فترة طويلة اليس كذالك؟"

" اجل وانت التقيت به منذ فترة ايضا. عندما زار اديل في فيجي اصحيح هذا؟"

" اجل هذا صحيح."

وجالت ببصرها في ارجاء الغرفة . حيث وجدت ان احدا لا يتابع حديثهما . كان بول يتبادل الحديث مع خالته بينما كان بيير يقدم كأسا اخرى الى شيللا ، التي راحت تتطلع اليه بعينين ناعستين استآثرتا ببصره لفترة طويلة. واحست ريبكا بقلها يدق عاليا ، فأشاحت بوجهها بعيدا وفكرت في ان بيير لم يتورط في علاقته مع شيللا ، ومع هذا لم لا يرتبط بها؟ وعلام تدهش؟ انها كانت مجرد ممرضة اديل عندما جذبت انتباهه واغمضت عينيها فترة وجيزة . وعندما فتحتهما رآت توم يتطلع لها باهتمام واضح ويسألها:

" هل انت بخير ؟ لقد با الشحوب على وجهك فجأة هل تشعرين بيضيق ؟"

" شعرت باغماءة خفيفة!"

" هل انت متأكده انك بخير ؟ راودني الظن بانك عانيت من توتر الاعصاب في الفترة الاخيرة ، لعلك بذلت جهدا كبيرا في عملك. انني اتصور ان عملك يتطلب فتاة صغيرة"

" انني اجد التمريض مهنة مجزية احيانا تكون ساعات العمل طويلة ومرهقة، ولكنني لا اشعر بضيق"

"ولكن ما حكاية الحفلات التي تشترك فيها الممرضات؟ فهمت ان هناك العديد من النشطة الاجتماعية داخل المستشفى"

" اخشى ان اقول ان هذه الحفلات لا تجذبني . انني عزوفة واميل إلى الوحدة واحب الاستماع للموسيقى والقراءة

وفي هذه اللحظة اقتربت شيللا من ريبيكا وقالت لها بصوت صاخب

"اوه مهلا" ياربيكا لقد اعتدت على التسلية بالحب وقد اقمنا عشرات الحفلات في الشقه التي عشنا فيها سويا"

" كان ذلك فيما مضى ياشيللا "

" اعرف ذلك ولكن الإنسان لايتغير تماما" وفي فيجي فهمت انك اعتدت على الخروج قليلا"

شخصت ريبيكا ببصرها نحوها لبرهة قصيرة ، ثم حولت نظراتها الى اديل التي دفعت بمقعدها المتحرك لتنضم اليهما قالت ريبيكا:

" اظن انك اخطأت يا شيللا ، انني لم اخرج مطلقا عندما كنت اقوم على تمريض الانسة سانت كلاود".

ضيقت اديل مابين عينيها ، ثم قالت:

" حسنا ، ربما ليس كثيرا ، اليس كذلك يا ريبيكا؟"

ثم تطلعت الى توم واردفت قائلة:

"هذا يتوقف على من يكون الداعي طبعا".

واحست ريبيكا بالموت يداهمها، هل تنوي اديل ان تشير الى اسم بيير في معرض حديثها! وكان بيير نفسه يصب لنفسه كأساا اخرى، وقد بدا وكانه في عالم مختلف عن باقي المجموعة في حين انضم بول اليهم، ووضع ذراعه فوق كتفي ريبيكا مما سبب لها ضيقا كبيرا ، وسأل ببساطة:

"ما الموضوع!"

وخيم صمت غريب استغرق وقتا قصيرا ، وفجأة دوت طرقة على الباب ازعجتهم وكان القادم جليليان، اتي ليخبرهم بأن العشاء قد اعد ، فأطلقت ريبيكا زفيرا عبرت به عن ارتياحها.

تولى بيير امر مقعد اديل فدفعه امامه وغادر المكتبة ولما كان توم مستاثرا بالحديث الى ريبيكا ، فقد وجد بول نفسه مضطرا الى السير مع شيللا ، وكان العشاء معدا على مائدة كبيرة يمكن ان تستوعب ثلاثين ضيفا على الاقل، وقد اضطرت المجموعة لان تحتل جزءا منها حتى يسيل خدمتهم.

كان من الطبيعي ان يجلس بيير على رأس المائدة والى اليسار اديل ، وتوم الى يمينه وجلست ريبيكا الى جوار توم بينما احتل بول مقعدا في مواجهتها بين خالته وممرضتها وادركت ريبيكا ان المكان لم يعجبه فشعرت بشيء من الارتياح.

كان الطعام شعيها . وبرغم الاضطراب العصبي الذي انتاب ريبيكا الا انها راحت تتحدث الى توم ، وتلتهم الطعام بلا وعي. وعقب الانتهاء من تناول الطعام. انتقلوا الى غرفة الجلوس لاحتساء القهوة. وشد انتباه ريبيكا خزانة تحتوي على بعض النفائس ، فسارت نحوها وراحت تتامل باعجاب مجموعة من قطع الشطرنج النادرة ، وعندما احست بان شخصا ما يقف الى جوارها . وكانت تتوقع ان يكون بول او توم. ولكن حين تطلعت اليه. وجدت انه بيير وعلى الفور انتابها التوتر الذي شاع الاضطراب في اوصالها . سألها بصوت بارد

"حسنا ، ما رأيك في منزلي؟"

"انه جميل للغاية"

"هل هذا هو رأيك؟ كنت اتوقع ان يكون انطباعك مختلفا. اخبرنتي ، هل كنت على علم بوجودي في المنزل في اجازة نهاية الاسبوع؟"

" ماذا تقصد؟"

"ماقلته لك ، هل كنت تتوقعين رؤيتي . او كنت تأملين في التأقلم بجو البيت قبل عودتي؟"

ارتعش جفنا. ريبيكا وقالت بصوت غاضب:

"انني لم اكن اعلم انه منزلك حتى قابلت اديل".

" هل تتوقعين ان اصدق كلامك؟هل من المعقول ان ابني بول لم يشر الى اسرته في حديثه معك؟"

"انه اشار بالفعل ولكن ليس بالاسم"

"هل تتوقعين مني ان اصدق انك لاتعرفين من يكون بول!"

"انني لا اكترث كثيرا بما تعتقد!"

"بالطبع انت لاتعرفين شيئا عن هاليداي!"

زوتريبيكا ما بين حاجبيها في حيرة، وسألته:

"هاليداي؟من يكون هاليداي؟"

"دعينا من هذا الان"

ثم راح يجول ببصره بينالحاضرين . وعندما تاكد ان احدا منهم لايتابع حديثهما، استطرد قائلا:

"هل تظنين انك وحدك صاحبة الحق في معاملتي بقسوة؟"

التهبت وجنتا ريبكا لهذه المواجهة . وقالت

ارجو ، لا اعرف سبب كلامك معي بهذه الطريقة جئت الى هنا لمقابلة شيللا هذا هو كل مافي الامر هل كنت تظن انني سوف اتي وانا اعلم بوجود اديل هنا؟"

وراح بيير يتفحصها فترة طويلة ، ثم قال بمرارة:

"انني اجهل لعبتك، ولكنني ارفض ان اصدق ان دوافعك بريئة كما تدعين".

ابتعلت ريبيكا ريقها بصعوبة وتساءلت ...ترى مالذي قالته اديل بعد رحيلها عنها. وقطعت اديل حبل تفكيرها . قائلة:

"بيير، بيير... دفت تسألهمالحديث الذي استآثر بكما؟ ان بول قد نفذ صبره تماما ، اليس كذلك ياعزيزي؟"

سارت ربيكا في تكاسل عبر الغرفة وجلست قرب بول بينما قال بيير "كنا نتحدث عن الشطرنج واخبرت

ربيكا التي كانت مستقرة على ركبتيها بينما انشغل الأخرون بمناقشة موضوع بيع سان سوسي وانتهز بول الفرصة فسألها

"اخبريني ياربيكا إلى اي مدى كانت معرفتكِ بأبي في فيجي"

حدقت ربيكا فيه غير مصدقة وهزت كتفيها قائلة:

"معقولة للغاية"

ثم صمتت قليلا". واردفت تسأله:

"متى ستعود إلى المدينة غدا؟"

"خالتي آديل اخبرتني ان ابي كان يعرف انك تعملين بمستشفى بارتولو ميو هل رأيته منذ ان رحلت عن منزل خالتي آديل؟"

ضمت ربيكا راحتيها بقوة وقالت بصدق

"بالطبع لا"

وصمتت وراحت تتساءل . مالذي تنوي آديل ان تفعله الان؟

قال بول

"اعتقد انه اكتشف الأمر عندما اتصل بالمسؤلين في المستشفى عند بدء تدريبي بها ودهشت عندما تبينت انه لم يحاول رؤيتك على العموم خالتي آديل كانت تقول إنك انت وابي كنتما اصدقاء"

" لن اعبأ بما تقوله خالتك عني . فربما تكون قد شعرت بضيق عندما لستقلت من خدمتها"

"لماذا فعلت ذلك"

"خالتك ليست بالشخصيه السهله التي يمكن ان يتعامل معها الإنسان

ابتسم بول وزال عنه القلق الذي ارتسم على وجهه وقال:

"تساءلت كثيرا" عن السبب وكان من المستحسن ان تخبريني بسابق معرفتها بك

حتى يكون في استطاعتي تحذيرك"

قالت في ارتياب:

آه...اجل"

وحتى لو عرفت ربيكا هل كانت ستأتي؟ إنه احتمال مشكوك فيه ومع كل هذا كيف يتسنى لها ان تعرف

ان والد بول هو بيير سانت كلير؟

وجاءت شيللا لتجلس بجوارها وهي تتطلع إلى ربيكا عن عمد وسألتها:

"هل لديك قميص نوم او بيجاما؟ إنني استطيع ان اعيرك إحداها"

انتاب ربيكا إحساس دفين بأن شيللا تعرف تماما" ماحدث بينها وبين بيير في فيجي فابتسمت قائلة:

"يمكنني ان اتدبر الأمر وشكرا على العرض الذي تقدمت به؟"

"لاداعي للشكر متى تنوي العودة إلى المدينه يابول؟"

"اظن.... سترحل في الصباح ... واشك ان ربيكا سترضى بالبقاء فترة اطول"

قالت ربيكا:

"يجب ان ترحل بأية حال إن نوبتنا تبدأ صباح الإثنين"

قالت شيللا:

"العمل بالمستشفى ... كم هو كريه لااعرف كيف تتحملين العودة إليه ياربيكا إنني لااحب مثل هذا العمل"

قال بيير بصوت ساخر:

"لأنك لاتحبين الأشياء المادية في الحياة"

وجذب صوته نظر ربيكا فتطلعت إلى وجهه ولم تعترض شيللا على كلماته وإنما انفجرت ضاحكة ضحكة رقيقة وقالت:

"فعلا" ولم لا؟ انت تدفع لي راتبا" وجعلتني انغمس في حياة الترف"

ضغطت ربيكا على شفتيها عندما ابتسم بيير لوقاحة شيللا وقال ساخرا"

"استطيع ان احرمك منه"

عندئذ نهضت شيللا وراحت تتطلع إلى وجهه عن قرب شديد وقالت له بدلال:

"ولكنك لن تستطيع هل في وسعك ان تفعل؟"

منحها بيير ابتسامة متراخية وقال:

"لا لن استطيع هل ترغبين في الأشتراك في مباراة بريدج؟ إن مريضتك تصر على الانضمام إليها"

تطلع يير إلى ابنه وربيكا ثم سأل:

"وماذا عنك يابول؟"

لا.... شكرا"

تجهم بيير وقال متلعثما"

" وانت... ياربيكا؟"

قالت وهي تشيح بوجهها عنه:

"إنني لا العب"

"هيا بنا نذهبإلى المكتبة ابي لديه جهاز تسجيل يمكننا ان نستمع إلى بعض الأغاني"

وافقت ربيكا على اقتراحه ونهضت لتغادر معه الغرفه

كان الجو في المكتبة إلى السرور عندما راحت ربيكا تستمتع بالنظر إلى اكوام الاسطوانات

وهي جالسة على الأرض وإلى جوارها بول ولكنها نهضت واقفة عندما حاول ان يدغدغ عنقها بأصابعه

وسارت إلى النافدة ومسحت الرذاذ الذي يكسو الزجاج ورات الضباب يملأ الفضاء في الخارج حتى استحالت

رؤية شجرة كانت قريبة من المنزل كما احست ان الضباب قد وقف حائلاا بينهما وبين الزمان والمكان واصبحا

يسبحان في فضاء بلا هدف او غاية يسعيان إليها

تنهدت ربيكاثم اغلقت الستائر في اللحظة التي رن فيها جرس التلفون توجه بول للرد واستمع للمتحدث الذي افضى اليه برسالة بعدها تبدلت سحنته وتجهم تجهما" شديدا" واخيرا" قال:

"حسنا" حسنا" سأخبره"

ووضع السماعة مكانها وعندئذ رفعت ربيكا حاجبيها متسائلة فهز رأسه عابسا" وقال:

"إنه هارمان ناظر زراعة والدي يخبرنا بوجود حادث تصادم بين سيارة ولوري عند مطلع الطريق بالقرب

من الحدود الشمالية"

تقدمت ربيكا نحوه وقالت :

"امر مريع هل اصيب احد هل استطيع ان اقدم اية مساعدة؟"

"يجب ان اخبر والدي يعتقد هارمان ان احد الرجال قد مات واظن ان ثلاثة اشخاص قد اصيبوا في الحادث"

"سأتي معك"

"لامانع"

وفتح باب المكتبة فوجد ان الجماعة منهمكين في اللعب قال بول:

"هناك حادث تصادم عند مطلع الطريق هل سمعت رنين التيلفون إنه هارمان الذي افضى بالنبأ

ويقول إنهم ارتطموا بالسور ودارت السيارتان عدة دورات فوق الأرض وان احد الرجال مات"

ولم يحتمل بيير المزيد فانتفض واقفا" على قدميه والقى بأوراق اللعب وصاح:

"هيا بنا"

قالت ربيكا:

"سأتي معكم إنني ممرضة وفي وسعي ان اقدم المساعدة"

ونهضت شيللا بدورها وقالت:

"وانا ايضا" ممرضة"

تطلع بيير إلى شيللا فترة طويلة وقال:

" من المؤسف ان تفسدي ثوبك فضلا" عن ان آديل قد تحتاج إليك"

ثم حول بصره إلى ربيكا وقال لها

"هل تحتاجين إلى معطف بول اذهب إلى الخبركمطبخ واطلب بعض المصابيح من جيليان هل اخبرك هارمان بأنه استدعى الاسعاف او رجال الشرطة

"اجل بالطبع استدعاهم قبل ان يتحدث إلينا

"حسنا" هيا بنا ونزلوا درجات السلم المؤدي إلى الساحه الامامية حيث كانت تقف السيارة المرسيدس

وفتح بيير الباب وامر ربيكا بالدخول والجلوس في المقعد المجاور لمقعده فامتثلت لامره وتساءلت عما إذا كان بول سيحتج لجلوسه في المقعد الخلفي ام لا؟

واقبل بول ينزل الدرجات بسرعه لينظم إليهما وفتح الباب الخلفي ليجلس وراءهما

ودبت الحياة في المحرك ودوى عاليا" واتخذت السيارة طريقا" جانبيا" غير الأرض الفضاء وقال بول:

"هذا الطريق كان ممرا" خاصا" بجياد الركوب حتى قام هارمان بتوسيعه بواسطة سيارته اللاندروفر

ركز بيير على قيادة السيارة بينما كانت عينا ربيكا مسلطتين على يديه وهما تقودان وتمنت ان تلمس هاتين اليدين

مرة ثانية وان تضمهما وتتحسسهما برفق ويبدو ان بيير شعر بما يدور في خاطرها فرفع بصره نحوها

وشعرت بسعادة لغياب الضوء في السيارة وإلا لقرأ التعبير الذي ارتسم على وجهها او تورد وجنتيها

واحبت انه بدأ يبطئ في قيادة السيارة عندما قال بول:

"لقد وصلنا تقريبا" هذه هي المنطفة"

واشار هرمان إلى ان السيارتان ارتطمتا بالأشجار

هز بيير رأسه وسأله:

"هل عرفت شخصية الركاب؟"

"اجل ميشيل ميردث وديانا هيوارث"

عض بيير شفته وقال:

"فهمت إنه ميشيل الذي"

"اجل"

"ياإلهي.... هذا الأبله"

" من المحتمل ان يكون قد مات"

"ولكن زوجته لم تمت وهي وحدها التي سوف تتحمل وطأة المصاب اليس كذلك؟"

هز بول رأسه وقال:

"اعتقد ذلك"

من الواضح ان الرجل الميت كان يقف في صحبة امرأة اخرى ليست زوجته

وهذاسبب ضيق بيير وكيف له ان يصدر حكما" بإدانة الرجل الميت

وتسائلت : لماذا لاترضى بديلا" عنه من بين جميع الرجال الذين عرفتهم؟

واقتربت السيارة من نور مصباح السيارة المحطمة وبرز رجل من خلال الضباب واقترب

منهم واجتاز قطعة من الحديد كانت منذ وقت قريب سيارة ميشيل ميردث الفاخرة وغادر بيير سيارته

وحذا رفيقاه حذوه وانضما

"ماذا حدث"

وراح هارمان يروي لهم سائق اللوري يعاني من اضطراب شديد وهو الآن يتناول الشاي الذي قدمه له

ثم اردف يقول

اظن ان ميشيل قتل على الفور"

وراح هارمان يمسح راحته فوق جبينه وكأنه يريد ان يمحو من ذاكرته صورة الدماء التي شاهدها وتقدمت

ربيكا وسألت:

"وماذا عن المرأة هل هي على قيد الحياة"

قال بيير فجأة:

"إن الآنسة ليندسي ممرضة ويمكنها ان تلقي نظرة على ديانا اين هي؟"

"هناك"

وقادها هارمان واجتازا السيارة المهشمة إلى حيث كانت ترقدجثة نصفها على الطريق ونصفها الآخر على الحشائش وقد بلل الضباب ثوبها وكانت ربيكا تعرف جيدا" ان الجسم لابد ان يظل دافئا" حتى تصل عربة الأسعاف وعلى ضوء المشاعل والمصابيح التي احضرها بول استطاعت ربيكا ان ترى امتقاع لون وجهها وعندما ركعت وامسكت بيديها احست بهما مجمدتين صاحت ربيكا في الرجال وقالت:

"اين البطانيات! بيير احضرها من المقعد الخلفي لسيارتك!"

امتثل بيير لطلبها ،بينما اخذت ريبكا تفحص الفتاة فرأت جرحا في رأسها ينزف دما على الارض، وقد برزت عظمة من ذراعها تقع فوق مرفقها تماما. بالاضافة الى بعض الندوب الصغيرة، وانتفاخ بجوار اذنها فقامن ريبكا بمسح الدماء من فوق وجهها بمنديلها ، وحاولت ان تصنع منه ضمادة تضغط بها على الجرح لتمنع النزيف.

وعندئذ عاد بيير بالبطانيات فأخذت تدثرها بها . وهي تأمل ان تأتي سيارة الاسعاف سريعا . وكان من الواضح وجود كسر في ساقها الى جانب بعض الاصابات الداخلية التي لايمكن الكشف عنها في هذا الضباب الكثيف.

وتوجه بيير للتحدث مع السائق اللوري ونهضت ريبيكا وسألت :

"اين يوجد الرجل الاخر؟"

اجاب هارمان بقلق:

"موجود في سيارته يا انسة انت لا ترغبين في رؤيته . اليس كذلك؟ اليس هناك شيء يمكنك ان تفعليه من اجله".

"ربما . ولكن يجب ان اتاكد اولا".

قادها هارمان الى حيث يوجد حطام السيارة والقت عليه ريبيكا نظرة وتركته . عندما تبينت الا جدوى من مساعدتها. وفي هذه الاثناء دوى صوت بوث سيارة تعلن عن قدومها . فانضم اليهم بيير وقال:"

"يبدو ان سيارة الاسعاف قادمة من المستحسن ان يذهب سائق اللوري الى المستشفى انه مضطرب للغاية."

هز هارمان رأسه بأدب وقال

"اجل ياسيدي يمكنك ان تعود الى المنزل ودع الامر لي"

قالت ريبيكا:

الاسعاف قد يحتاج الى مساعدة"

تنهد بول وقال:" هيا بنا ياربيكا انني اتجمد . ليس لدينا شيء اخر يمكن ان نفعله"

تضايق بيير من سلزك ابنه وقال له

"ان شئت ان ترحل . فخذ السيارة وسأعود مع ريبيكا في سيارة هارمان احنى بوك ظهره وقال:

" الجو رهيب ، يمكننا احتساء بعض الشراب حتى يبعث الدفء في اجسادنا"

ضغطت ربيبكا شفتيها وقالت :

" اذهب انت يابول ، وسابقى انا هنا عد الى البيت كما قال ابوك"

"ماذا تريدين ان تؤكديه بوجودك هنا؟ انت عاجزة مثل الاخرى"

توردت وجنتا ريبيكا وقالت:

"لاتكن احمق ، يا بول"

ثم جلست في جوار ديانا هيوراث واردفت تقول:

"لا ارغب في تركها هذا كل مافي الامر!"

تمتم بول بطفولة ، وقال:

" حسنا سوف تتجمدين هنا"

ثم سار نحو السيارة وهو يدمدم، فتطلعت الى وجه بيير القلق فقال "يجب ان اعتذ نيابة عن ابني"

وتركها وذهب ينتظر وصول سيارة الاسعاف وجرت الاحداث سريعا

اذ وصل رجال الشرطة وعندما عرف المفتش شخصية بيير ، اسرع باتمام الاجراءات وجاء رجال المطافي ليرفعوا بقايا جثة ميشيل ميرديث من بين حطام السيارة . وبعد قليل رحلت سيارة الاسعاف بالقتيل والمصابين وكان اللوري غائصا في حفرة تقع على جانب الطريق ، فقام رجال الاطفاء بمساعدة هارمان وبيير على رفعه . ودهشة ريبيكا عندما رأ بيير يسند كتفه الى مؤخرة اللوري ليسهم في دفعه الى الطريق العام ، فالتطقت انفاسها ، ولكنها وقف واجمة عندما رأت بيير يخرج من الحفرة ويدعك كتفه بيده ثم التفت الى هارمان يسأله:

" اين سيارتك اللاندروفر، ساعيدها لك غدا"

قال هارمان باحترام:

"انها تقف هناك ياسيدي ، سابقى حتى ينتهي المسؤولون من مهمنهم وسأوافيك بتقرير كامل في الصباح"

"حسنا ... هيا نرحل ياربيبكا"

سارا في صمت حتى بلغا السيارة واحست انه قد ارهق نفسه في دفع اللوري فثارت الشكوك في علقها سألته:

"هل انت بخير؟"

"بالطبع . ونت هل تشعرين بالبرد؟"

تنهدت وقالت:

"لا ، لا اشعر بالبرد فالمعطف يدفيئني بيير هل انت متأكد من انك بخير؟ يجب ان تخبرني اذا كنت تشكو من الم؟"

"وماذا ستفعلين؟"

"انا ممرضة"

"بالطبع انت ممرضة ! لقد نسيت!"

تنهدت ريبيكا وكان من الواضح ان بيير لن يفضي لها بما يحس من الم.

وتساءلت مالذي يجبرها على الشعور بالضيق على العموم ان شيللا في انتظاره بالبيا ولا ريب انه سوف يستشيرها اذا كان يشعر بأي الم يجب عليها ان تتوقف عن مثل هذا التفكير فهذا يقيدها كثيرا

واوقف السيارة عند البيت ودخل عبر باب يؤدي الى البهو توضع فيه الاحدية وادوات لعب الغولفواجهزة رياضية اخرى.

انتظرت ريبيكا ان يخلع بيير معطفه ولكنه لم يفعل . وانما اشار الى باب يفضي الى الصالة الرئسية وفجأة قال لها :

" واصلي السير"

ضغطت ريبيكا على شفتيها وسارت نحو الباب ، ولكن فجأة ادرات رأسها تنظر وراءها ، وتوقفت انفاسها عندما رأت الالم على وجهه وصاحت بفزع:

"بيير ماهذه البقعة التي تلطخ معطفك؟"

مس شعره براحته مسا رقيقا ثم قال نافذ الصبر:

"بحق السماء اذهبي هل تظنين انني ارغب في ان تريني على هذه الحالة اذهبي!"

الفصل الثامن ((الحقيقة الكاملة))

تجاهلت ربيكا أمر بيير فتوجهت إليه، ولمست البقعة التي لطخت معطفه، فأحست بسخونة لزجة، وصاحت قائلة:

"بحق السماء. ماذا فعلت؟"

"إنني في غنى عن شفقتك. إنه مجرد جرح. هذا كل ما في الأمر. اللوري اللعين مزق جلدي"

"أرجوك، انزع معطفك، دعني أرى الجرح".

تردد بيير فترة ثم فك أزرار معطفه، وسحب ذراعه السليمة منه وكشف الألم الذي ارتسم على وجهه عن صعوبة سحب ذراعه الأخرى من الكم الآخر.

فزعت ربيكا من كمية الدم المتدفق من الجرح. ولكنها لم تتفوه بكلمة، لأنها أدركت أن أية كلمة تصدرها قد تدفعه إلى منعها من مواصلة علاجه. وأخيرا خلع قميصه، وعيناه تراقبان ملامح وجهها. كان صدره أسمر اللون، نامي العضلات، وحاولت ربيكا ألا تبدو مضطربة أثناء الكشف عن كتفه، ولكن كان من الصعب عليها أن تتماسك عندما أحست بحرارة بشرته.

كان الجرح في الجزء العلوي من ذراعه، وبرغم النزيف الشديد إلا أن الجرح لم يصب الشريان التاجي. وأخيرا قالت ربيكا:

"إنني محتاجة إلى ماء ومطهر وبعض الضمادات. هل يوجد منها شيء في البيت؟ يجب أن يفحصك طبيب".

"هناك خزانة إسعاف موجودة في الحمام. هل يمكنك الذهاب إلى هناك؟"

"أعتقد ذلك".

"أوه. هل أطلب من شيللا أن تفعل لي ذلك؟"

وشعرت بأنه يحرجها وهو في أشد حالات ألمه. ورفع ملابسه ووضعها فوق كتفه السليمة، وأشار عليها بأن تتقدمه في السير عبر البهو، وعندما بلغا سلم البرج قال لها:

"سنسلك هذا الطريق، لا أريد أن ألفت نظر أحد إلي".

"كما تشاء".

سبقته ربيكا في صعود السلم، وهي تجول ببصرها حولها من حين إلى آخر، لتتأكد من خلو الطريق. كان شاحب الوجه ، وعيناه عابستين، وكانت تعلم أنه لا يهتم كثيرا بمساعدتها له، وتساءلت: هل من الممكن الحصول على حقنة للوقاية من التسمم، في الوقت الذي كان لا يهتم هو فيه بشيء. أما هي فكانت حريصة جدا على حياته.

ترنح بيير عندما بلغ آخر درجات السلم، فقالت له:

"غرفة نومي هنا، امكث هنا، وسأذهب لإحضار الضمادات. فقط أخبرني أين أذهب!"

"أشكرك، ولكنني أفضل الذهاب إلى غرفتي".

صمت قليلا وهو يحارب موجات الدوار التي داهمته، ثم استطرد يقول:

"إنها ليست بعيدة!"

نطق ذلك وتهاوى على الأرض. فتوقفت أنفاسها، وركعت بدورها على ركبتيها إلى جواره، فوجدته فاقد الوعي. وكان واضحا أن كمية الدم التي فقدها إلى جانب القوة التي استنفذها في دفع اللوري قد سلبته طاقته لدرجة الغيبوبة.

وأدركت أنها لا تستطيع أن تنقذه وحدها. فعادت تنزل درجات السلم بسرعة،وأخذت تبحث عن المطبخ. ووجدت جيليان فطلبت إليه أن يستدعي طبيب السيد سانت كلير، ثم تعاونا سويا على حمله إلى غرفة النوم التي أعدت خصيصا لربيكا، وأخذت تنظف الجرح حتى يصل الطبيب، وكان جيليان يمتثل لأوامرها، بدون أن يطرح عليها أيةأسئلة، كان متفهما ومتجاوبا ويساعدها مساعدة سريعة وفعالة.

وعندما وصل الطبيب، سألت أديل عما يجري، وخرج بول إلى الصالة وواجه ربيكا بحدة قائلا:

"جيليان يقول أن أبي فاقد الوعي. في غرفتك!"

توردت وجنتا ربيكا، وقالت:

"هذا صحيح! بول. إنها قصة طويلة، لا أستطيع أن أرويها الآن. لقد جرح في الحادث، ثم انهار".

هز بول رأسه، ودفعت اديل مقعدها المتحرك، لتسمع آخر الحوار الذي دار بينهما، ثم الت:

"لماذا لم تخبريني فورا، بدلا من أن تأخذيه بهذه الطريقة المستترة؟ أنت لا شيء في هذا البيت يا آنسة، ولا تعتبرين واحدة من أفراده. فلا تظني أن من حقك إصدار الأوامر هنا".

تنهدت ربيكا، ووصل الطبيب، وودت أن تصحبه لكي تكون موجودة أثناء فحص بيير، وتشرح له ما حدث، قالت:

"لا أريد إزعاجك. كان يساعد الرجال على رفع اللوري من الحفرة، فتمزقت كتفه. وتهاوى وهو يصعد درجات السلم".

قال بول غاضبا:

"إلى غرفتك؟"

"لا. بالطبع لا، بحق السماء. هذا ليس الوقت أو المكان الذي نتجادل فيه حول ما حدث. يجب أن أصعد اسمحوا لي".

كان باب غرفة نومها مفتوحا، ودكتور مورتيمر يفحص الجرح، وكان بيير يتطلع إلى الطبيب.

صاح بيير في اللحظة التي دخلت فيها ربيكا الغرفة:

"يا إلهي. يا مورتيمر. إنك تبدد وقتك هنا. إنني لا أريد طبيبا".

وهنا التفت الطبيب إلى ربيكا، وسألها عما إذا كانت قد ضمدت الجرح، وعن حقيقة ما حدث.

ولكن بيير صاح قائلا:

"لقد أخبرتك بما حدث. إنه جرح في كتفي".

وفي هذه اللحظة وصل بول وشيللا، ووقفا مشدوهين عند باب الغرفة، فضغط بيير على شفتيه وصاح:

"ارحلوا كلكم. إذا كنت محتاجا لطبيب، فإنني في غنى عن جمهور المشاهدين!"

قال بول:

"إنني أتدرب لكي أصبح طبيبا، وشيللا ممرضة".

قال دكتور مورتيمر

من فضلكم. هذه السيدة سوف تساعدني. وسأتحدث معكما فيما بعد".

غضب بول وغادر الغرفة بصحبة شيللا، وصفق الباب وراءهما. والتفت بيير إلى ربيكا وقال:

"يمكنك أن تذهبي أنت أيضا. إنني لا أحتاج إلى ممرضة".

تجاهله دكتور مورتيمر وقال لربيكا:

"ناوليني حقيبتي من فضك. لا تألهي به، بيير ليس بالرجل الذي يرضى بالاعتماد على شخص آخر".

رفع بيير عينيه إلى السماء، ولكن ربيكا شعرت بالارتياح لحديث الطبيب، ومع هذا أحست أن بيير يكرهها. وعندما أنهى الطبيب من مهمته، دفع بيير ساقيه نحو الأرض. وانتصب بقامته تمهيدا لمغادرة الفراش، ولكن ربيكا أدركت من امتقاع وجهه أنه لم يستعد بعد صحته تمامت، بينما وضع دكتور مورتيمر يده بحزم على كتفه السليمة وقال له:

"يجب أن تستريح في الفراش. لقد فقدت كمية كبيرة من الدم، واذا تصرفت بحماقة، فإنني سأحتجزك في المستشفى".

هز بيير رأسه رافضا الامتثال لتعليمات الطبيب، ونهض واقفا على قدميه فترنح قليلا، ثم عاد إلى الرقاد وقال متبرما:

"حسنا. حسنا. سأمتثل لتعليماتك".

التفت الطبيب إلى ربيكا، وقال لها:

"سأراك غدا. هل ستبقين هنا حتى الغد؟"

"يجب أن نعود، بول وأنا، غدا إلى لندن".

"مفهوم. ولكنني غير مستريح لمنظر الجرح، فما رأيك؟"

"ماذا تعني؟"

"ماذا كان يحمل اللوري الذي دفعه بيير؟"

"لا أعرف. ولا أكاد أتذكر الاسم على جانبيه. لا بد أن هارمان يعرف".

"سوف نرى. إن تنظيفك الفوري للجرح بمطهر، ربما حال دون إصابته بتسمم وفي أي حال سأحضر غدا للكشف عليه. كل ما كنت أريده هو أن يظل الجرح تحت بصرك".

"انت تعرف أن الآنسة ستيفنز ممرضة".

"ممرضة آديل؟"

"اجل".

"إذا سألتني عن هذه الشابة، فإنني أقول إنها موجودة هنا لسبب واحد، وهو أن تقتنص الفرصة الكبيرة!"

شعرت ربيكا بالبرودة تنشب أظافرها في أمعائها، وسألته:

"ماذا تقصد؟"

"الأمر واضح. أليس كذلك؟ إنها جاءت إلى هنا بعد وفاة جنيفر، وحيثما يوجد بيير، تكرس جهودها من أجله. وليس لمريضتها. هذا ما لاحظته عندما زرت آديل".

"مفهوم. ومع هذا. يمكنها ان تقدم بعض المساعدة".

ابتسم مورتيمر لأول مرة، وقال:

"انا أخبرتك. سأعود ثانية، حتى أتأكد من أنه معافى تماما".

بعد ان رحل دكتور مورتيمر، دخلت ربيكا إلى غرفة الجلوس لتواجه الآخرين. وكانت تتمنى أن تتجنب هذا الموقف، وتتوجه إلى فراشها مباشرة، ولكن هذا السلوك كان غير معقول، وفي نفس الوقت كانت السيدة جيليان تعيد تنظيف فراشها فرفعت الملاءة الملونة بالدماء وأكياس الوسائد، واستبدلتها بأغطية نظيفة بعد أن وجه بيير إلى غرفته، وساعده جيليان على الرقاد في الفراش.

وجاء الآن دور ربيكا لكي تتلقى الأسئلة، وكانت أديل كعادتها هي التي بدأت بالحديث، قائلة:

"حسنا يا آنسة. نحن في انتظار تفسير لما حدث. قولي لنا ماذا تأملين تحقيقه بإخفاء ما حدث عنا؟ أن تفوزي بفرصة لصالحك مع زوج شقيقتي؟"

تهاوت ربيكا جالسة على مقعد واسع، وهي تشعر بأن ساقيها لا تقويان على حملها، وقد انتابها دوار، ولم تقدر على التطلع إلى بول، وقالت:

"إن كل شيء حدث سريعا".

أشعل بول سيكارة وجذب نفسا عميقا، وقال مقاطعا كلامها:

"هل تقولين إن ما حدث لم يستغرق سوى لحظة قصيرة؟ إنني أريد أن أعرف كيف حدث ذلك؟"

قالت ربيكا وهي تحدق فيه:

"لقد أخبرتك، إن اللوري كانت به شظية معدنية بارزة، مزقت كتف والدك".

وراح بول يحملق في طرف سيكارته، وهو يقول:

"أعتقد أنك ظننت بان وجودك هنا سوف يتيح لك فرصة ثانية لكي تأسريه بعينيك".

صاحت ربيكا وفي صوتها نبرة يائسة:

"بول".

ارتسمت علامات الخجل على وجه بول، وهو يقول:

"حسنا. إذا كان الأمر على هذه الصورة فإنني شغوف لمعرفة مدى علاقتك بأبي في فيجي".

تنهدت ربيكا، ولم تستطع أن تحجب الحيرة التي بدت على وجهها، وتطلعت بوجه غاضب إلى آديل، وتساءلت عما يمكن أن تكون قد قالته عنها في غيبتها، وشعرت بأن شيئا لم يؤذيها بعد كل ما حدث فقالت:

"ولم لا تسأل خالتك؟"

وتقدم توم بريانت إلى الأمام، ولم تلاحظ ربيكا وجوده، إلا عندما قال:

"مهلا يا بول. كف عن هذه الحماقة. أظن أن ربيكا قد أدت واجبها نحو والدك وكما قال دكتور مورتيمر إنه خاط الجرح باثنتي عشرة غرزة، ولا أظن أنك مستاء لعدم استشارتك قبل استدعائه. يا رجل اشكرالسماء، لأن الإصابة لم تكن أخطر من ذلك".

قال بول بلا حياء:

"لا بد أن تتكلم هكذا. يا توم!"

قال توم وقد نفذ صبره:

"أوه كفى، قل لي ماذا حدث؟ لماذا تطالبها بأن تقوم بإبلاغك عقب الحادث مباشرة؟ ماذا كانت ستفعل أكثر مما فعلت ربيكا؟"

قاطعته آديل فجأة:

"إن بول ابن بيير ؟"

"وماذا في ذلك؟"

رفعت آديل كتفيها بعصبية وقالت:

"أنت تحاول أن تجعل من ربيكا بطلة. أليس كذلك يا توم؟"

نظر إليها باستعلاء، وقال بسخرية:

"حسنا. بما أنكم جهة مكونة من ثلاث أشخاص. فلا بد أن يميل ميزان العدل إلى جانبكم. أليس كذلك؟"

احمرت وجنتا آديل خجلا، وقالت:

"حسنا انتهى الامر. وليس أمامنا شيء يمكننا أن نفعله الآن".

وتطلعت إلى ربيكا مليا، وقالت لها:

"سترحلين غدا!"

نهضت ربيكا واقفة. وقالت:

"بل سأرحل الآن!"

وغادرت الغرفة. قبل أن يتفوه أحدهم بكلمة. وعندما بلغت الصالة، أسندت ظهرها إلى الحائط وشعرت بوهن يسري في أوصالها. وكان من الحماقة أن تدع أي شيء تقوله آديل يثير أعصابها. ولكن آديل نجحت في مهمتها!

سارت قليلا في الصالة عندما سمعت بابا يصفق ورائها، وألقت ببصرها سريعا. وتوقعت أن ترى بول، ولكنها رأت توم بريانت، فشعرت بارتياح بالغ. على الأقل كان هو الشخص الوحيد الذي آمن بأن ما فعلته كان صوابا.

قال لها:

"تعالي إلى المكتبة. أنت منزعجة، ولا يمكنك أن تأوي إلى الفراش بهذه الحالة.

يمكننا أن نحتسي شرابا. سيساعدك على الاسترخاء"

ترددت ربيكا قليلا ثم ابتسمت، وقالت:

"لا مانع..شكرا".

أعد توم الشراب، وجلسا على مقعدين متقابلين، وكانت ربيكا تحتسي شرابها، عندما سألها:

"اخبريني ماهي علاقتك ببول بالضبط؟"

"ليس بيننا أية علاقة. إننا مجرد صديقين، هذا كل مافي الأمر".

"مفهوم، وطبعا بول لم يعرف أنك تعرفين أسرته".

"كلا".

"أظن أنك لم تكوني على علاقة طيبة بآديل!"

"كانت الحرب بيننا خفية طوال العام".

"إنها شخصية ليس من السهل التعامل معها. فهي تكن لي العداء ولكل شيء في الحياة، حتى أسرتها. وهي ضد كل شخص يجرؤ على مناقشتها!"

قالت ربيكا ببطء:

"اعتدت أن أشفق عليها، ولكنها لا تريد الشفقة، على الأقل مني!"

"لا. لم تشعر بالشفقة مطلقا. وهي انسانة حقود، ولو أنها تخلصت من حقدها بطريقة صحية، لأصبحت شخصية مختلفة تماما، ولكنها لا تستطيع..إنها لم تغفر لبيير زواجه من جنيفر، كما أنها لم تغفر لجينفر فعلتها. إن أفراد أسرة كلاود لا يهتمون بشيء إلا بأنفسهم فقط!"

"لماذا تخبرني بكل هذا؟"

"لدي إحساس بأنك شغوفة لمعرفة ذلك".

"كنت. ولكنني في الحقيقة أصبحت لا أهتم لشيء. أليس كذلك؟"

"لا، ليس كذلك!"

"ماذا تقصد؟"

"إنني أتذكر بيير منذ ثلاث سنوات، عندما عاد من رحلته التي قام بها إلى باساواسي".

"ماذا حدث؟"

"أجل. شيء ما حدث هناك. لم أكتشف كنهه، ولكن الليلة عندما رآك في الصالة. كل شيء عاد إلى ذاكرتي!"

واعتدل توم في جلسته، بينما ارتجفت ربيكا قليلا، وقالت:

"فهمت".

"إذا كنت تشعرين بالعزاء الآن، فلا بد أنك وجهت له لطمة خفيفة وجميلة هناك. لأنه ظل شهورا يعيش في جحيم. لا يستطيع العمل، والسماء وحدها تعرف كيف عاش حياته بعد ذلك".

"كان متزوجا، أليس كذلك؟"

"متزوجا؟ حسنا. يمكن أن تسميه هكذا. ولكن جنيفر لم تكن زوجة. إذا كان هذا ما تقصدين حقا!"

وقفت ربيكا وقالت له:

"هذا شيء لا يعنيني. منذ متى وأنت تعمل مع والد بول؟".

تنهد توم وقال بتعجب:

"لا أعرف. ربما عشرين سنة. ولكن ما أهمية ذلك؟"

ثم استطرد:

"هل أخبرتك آديل بشيء عن أختها؟"

"أخبرتني بانها كانت تحب بيير، وجاءت جنيفر واختطفته منها!"

"وهل صدقت كلامها؟"

"أليست هذه هي الحقيقة؟"

"طبعا، لا. هل رأيت بيير وآديل معا؟"

"لا أعرف، أعتقد أن آدي كانت أكثر نشاطا عندما كانت شابة".

"فعلا، كانت نشيطة، ولكن ليس إلى الحد الذي تقد فيه صداقات مع الشبان، وكان هذا سبب كراهياتها لشقيقاتها، كن يخرجن دائما في صحبة رجال مختلفين. وكان الأمر قاسيا عليها، لأنها لم تستطع أن تتخذ لنفسها صديقا".

"حسنا، في أية حال، إذا كانت آديل تحب أن تتصور أنها جذبت انتباه بيير ذات مرة، فهل هذا الأمر هام؟"

"إنه هام. مادام كل ما قالته عنه لا يعدو ان يكون سلسلة من الأكاذيب!"

"انظر يا توم. إن ما حدث بيني وبين بيير في فيجي، أمر انقضى من أمد طويل، كنت في حياته مجرد تسلية، واحدة من النسوة العديدات في حياته، على ما أعتقد!"

"هل تعتقدين ذلك؟ إن بيير له أخطاؤه. أنا أعرف ذلك، ولكنه ليس حيوانا!"

رشفت ربيكا شرابها على مهل، وقالت:

"توم، أنت صديقه الأثير، ولكن لا تطلب مني أن أثق برجل يقيم علاقة مع امرأة أخرى، بينما له زوجة تعيش في بيته".

"لا تتسرعي في الحكم عليه. من الواضح أنه ليس لديك أية فكرة عما يجري له".

"حسنا، جنيفر. انجبت له ابنا، أليس كذلك؟"

*****************

9-الشاي يغلي بمرح

استيقظت ريبيكا في صباح اليوم التالي ، وغادرت غرفتها الى البهو الرئيسي، حيث وجدت في الصالة فتاة منهمكة في تنظيف المدفأة وسعدت برؤية شخص غيرها ، ووصلت حيث تقف الفتاة وسألتها:

"من انت؟"

"انا اليزابيث هل تعرفين متى يقدم طعام الافطار؟"

"السيدةجيليان عادة لاتعد طعام الافطار لاحد سوى السيد بيير عندما يكون في المنزل ، الانسة اديل وممرضتها تتناولان الطعام في جناح الانسة اديل اما السيد بول فإنه نادرا ما يهتم بالطعام لانه يفضل الاستغراق في النوم."

"متى يتناول السيد بيير طعامه في الصباح؟"

"السيد بيير لا يستيقظ عادة قبل التاسعة."

"اوه اخبريني ، اين اجد الطباخة؟"

"السيد جيليان؟ انها في المطبخ هل ترغبين في رؤيتها؟"

"اجل هل يمكنك ان تريني الطريق؟"

"اجل يا انسة"

واتبعت ريبيكا ارشادات الفتاة ومرت من باب يؤدي الى ممر يفضي الى المطبخ، وعندما دفعت الباب . وجدت السيدة جيليان منهمكة في اعداد اللحم والسجق فوق الموقد ، فتطلعت المرأة العجوز في هشة عندما رأت ريبيكا امامها ، وقالت:

"انسة ليندسي؟ هل يضايقك شيء؟"

"لا اطلاقا هل يمكنني ان احمل صينية طعام السيد بيير اليه في غرفته؟"

ازدادت دهشة السيدة جيليان ، وتوردت وجنتاها ، وقالت متعلثمة:

"حسنا ، انا ، انا لا ارى اي مانع ، هل تحملينها الان؟"

راحت ريبيكا تراقب السيدة جيليان وهي تعد الصينية وبعد ان انتهت من مهمتها سألت ريبيكا:

" وماذا عن افطارك؟ ماذا تحبين من الوان الطعام"

"انا لا اشعر بالجوع في الصباح ، وسأكتفي بقليل من القهوة عندما اعود.

ثم ابتسمت ريبيكا ، وحملت الصينية والان عليها ان تواجه اللحظة الصعبة

وسألت السيدة جيليان وهي تسير نحو الباب:

" اخبريني ، اين تقع غرف السيد بيير؟"

وبدت الدهشة بوضوح على وجه السيدة جيليان التي كانت تظن ان ريبيكا كانت تشارك بيير النوم في غرفته ، واستطاعت ريبيكا ان تبلغ الغرفة بسهولة تبعا لارشادات السيدة جيليان وطرقت الباب ، ولكنها لم تتلق اية اجابة ، فادرات المقبض ، ودخلت الغرفة ، واغلقت الباب وراءها.

وجدت بيير مازال مستغرقا في النوم ووجهه شاحب اللون ووضعت الصينية وتوجهت لتزيح الستائر جانبا . وتطلعت اليه في فراشه ، فوجدته اكثر شبابا وجاذبية وخفق قلبها حتى كاد يقفز من حلقها . وعرفت انها احبته . ومازالت تحبه.

ازعجه الضوء الخافت الذي سرت اشعته الى الغرفة وتململ في فراشه قبل ان يفتح عينيه ، وعندما رأى ريبيكا ، حملق فيها غير مصدق وصاح بها متسائلا:

"ريبيكا!"

ويبدو انه استعاد وعيه ، فغير من نبرة صوته ، واستطرد يقول :

"بحق السماء ، ماذا تفعلين هنا!"

سارت ريبيكا نحو الفراش ، ولاحظت نقاء الضمادة الموضوعة على ذراعه ، فقالت:

" صباح الخير يا بيير، لقد احضرت لك طعام الافطار . كيف حالك هذا الصباح؟"

ارتفع بيير بجذعه وارتكز على مرفقه فسقطت الاغطية حتى وسطه وقال لها ببرود:

"لماذا قدمت الى هنا؟ انني لا احتاج الى اية نصيحة طبية منك؟"

"انني لم احضر من اجل ان اعطيك اية نصيحة ولكني اريد ان اتحدث معك"

تمتم قائلا:

"اذن ،تكلمي!"

ضغطت ريبيكا على شفتيها ، وقالت متعلثمة:

"انا ، انا اريد ... ان ... اخبرك .. بأنني اعرف كل .. شيء عن جينفر!"

قال بمرارة:

" حقا!"

"اجل اديل اخبرنتي انك . انك كنت عازما على الزواج منها . ولكنك هجرتها وتزوجت اختها جينفر ثم .. ثم ".

حملق بيير في وجهها غاضبا ، وقال:

"صه! هل تظنين انني اكترث بما اخبرتك به اديل؟ لقد قلت لك ذات مرة انني لا اهتم بتقرير اخت زوجتي عني؟"

"ولكن الا ترى انني صدقتها؟"

"اجل ، فعلت . صدقتها ، ولم تستمعي الس . صدقتها لانك كنت جبانة ، وكنت خائفة من التعبير عن عواطفك ، وكنت اسيرة لضيق افقك ، كنت خائفة من الوقوع في الحب ، الا اذا كان محاطا بكل الضمانات والان جئت الى هنا لتقولي لي انك تعتذرين عن كل شيء تفوهت به ، وكل مافعلته . ماذا تتوقعين مني؟ هل اقول لك ريبيكا ، انني غفرت لك؟ هل اقول لك ربيبكا انت بعثت السعادة الى قلبي؟ هل اقول لك ريبيكا ، انا حر الان ، فهل تتزوجينني؟ الجواب لا!"

وانزلق بجسمه وترك الفراش . فرأت انه كان ينام شبه عار فأشاحت بوجهها عنه فتمتم قائلا:

"اترين انك اشحت بوجهك لانك خائفة . صديقيني . لديك كل الاسباب لخوفك!"

ضغطت ريبيكا على راحتيها ، وكان عليها ان تعرف انه لا جدوى من ان تجئ الى هنا ، او ان تشرح لهذا الرجل القاسي انها وقعت فريسة بين يدي تلك المرأة الحقود لتي لم تتمتع باية ثقة بقدرتها على جذبه اليها .

وبخطوات مضطربة ، سارات ريبيكا نحو الباب ، ولكنه اسرع ووقف امامها ، ومنعها من الهروب من هذا الاذلال . وقال بخشونة:

"لحظة اريد ان اقول لك شيئا قبل ان ترحلي ، هل تنوين الاستمرار في رؤية ابتي؟"

"حيث اننا نعمل سويا في نفس المبنى ، ارى انه من المستحيل الا اراه"

"عليك اللعنه . اليس هذا ما اعنيه . وانما اسألك ، هل يحبك؟"

"لا بالطبع "

"لماذا بالبطبع لا؟ انت ... انت دائما امرأة مرغوبة! كم رجلا بثك حبه منذ ان ..."

قاطعته ريبيكا غاضبة.

" كيف ... نجرؤ على ان تقول هذا؟"

ولم يلحظ بيير ثورتها . اذ انشب اصابعه في كتفيها ، وجذبها نحوه وهي تقاومه ، وشعرت بصلابة عضلات صدره ، فحاولت ان تطلق سراح نفسها في يأس مميت. وبعد لحظات تراخت مقاومتها ، وتعلقت به ، ولم تتصور انه قد مضت ثلاث سنوات منذ احتواها بين ذراعيه وكأن ذلك حدث بالامس, وشعرت ان الم العذاب الذي كابدته قد تلاشى عندما بدأ يضمها بعاطفة محمومة.

وبمجهود كبير ، انتزعت نفسها من بين ذراعيه وهي تدرك انها قد المته في جرحه فقد كانت تعي انها في حاجة الى الهروب منه قبل ان يغريها دفئه على الاستسلام له:

وفتحت الباب . بدون ان تجرؤ على النظر وراءها وجرت بجنون عبر الممر المؤدي الى البهو، حيث استطاعت ان تقف وحاولت ان تستعيد بظهرها اليه . كان من الحماقة ان تذهب اليه، بل ان اكبر حماقة ان تسمح له بلمسها ، لو لم تكن معزولة في هذا المكان لاستطاعت ان ترحل على الفور من هذا المنزل ، تعود الى لندن ،

وبدأت ريبيكا تهدئ من روع نفسها . وكانت الساعة قد جاوزت العاشرة ، وحان الوقت لان تبحث عن بول لتعرف منه ماينوي ان يفعله ، وتمنت ان يوافق على الرحيل قبل الظهر ، فهي لا تستطيع ان تقابل بيير ثانية

وعندما نزلت الى الطابق الاول ، وجدت بول في انتظارها فسألها

" هل تناولت طعام الافطار؟

|"لا ، لا اريد اي شيء . هل انت مستعد للرحيل؟"

"انا مستعد ، وانت ؟"

" هل هناك سبب يدعوني الى عدم الرحيل؟"

"ظننت انك مصرة على رؤية أبي قبل رحيلك"

توردت وجنتا ريبيكا بحمرة قانية وقالت:

" اوه لا، لا، هل رأيته انت؟"

هز بول رأسه وقال:

" اجل رأيته"

" كيف ... كيف حاله؟"

"انه يشكو من الم في كتفه. سيطلب من شيللا تضميد جرحه"

احست ريبيكا بطعنة نجلاء تنفذ الى امعائها وقالت:

"هل ينوي ان يفعل ذلك"

" اجل ولم لا ؟ انها ممرضة كف، انك تتصرفين وكأنه مريضك"

"الا نرحل؟"

"الا ترغبين في رؤية شيللا وخالتي، لتقولي لهما وداعا"

"لا"

"حسنا ... السيارة في الخارج على اهبة الاستعداد للرحيل"

سارت السيارة في طريقها وقد تلاشى الضباب . وكانت اشعة الشمس تحاول ان تسلل من بين ثنايا السحب ريبيكا ان الطريق طويل وهما عائدان الى لندن واخترقا القرية . واتخذا سبيلهما تجاه ضواحي لندن، وتوقفا لتناول الطعام في احد المطاعم القائمة على الطريق . وحول مائدة الطعام . قال بول:

" الا تعتقدين انك مدينة لي بتقديم بعض التوضيح؟"

"بالنسبة لاي شيء؟"

"ان خالتي اديل اخبرتني بما تظن انني يجب ان اعرفه"

تماسكت ريبيكا . ومنعت نفسها من الغضب، فهي لن تتيح الفرصة لاديل

لكي تثيرها فسألته:

"وماذا قالت لك؟"

"قالت إنك وابي كنتما عاشقين عندما زار فيجي"

شعرت ربيكا بغضب عارم فكيف تجروء على تشويه سمعتها بهذا الاسلوب المهين؟ وابتلعت ريقها وقالت:

"لا.... لم اكن وابوك عاشقين هل تصدقني؟"

"اجل اصدقك"

"هل تصدقني انا مندهشة"

قال غاضبا"

"لماذا تقولين هذا؟ لقد اخبرتك بأنني اصدقك انا اعرف خالتي إنها تبالغ احيانا"

"تقول إنها تبالغ إن خالتك شخصية حقود مثيرة للمتاعب صدقني إنها الحقيقه"

بدت الحيرة على وجهه وقال:

"إنها لاتقصد الأذى"

"هل تظن ذلك وعلى العموم هناك شيء اريد ان اوضحه لك إنني انا وابوك لم نكن عاشقين

وإنما كان الواحد منا ينجذب إلى الأخر حدث هذا منذ ثلاث سنوات في فيجي"

"لكن ابي كان متزوجا" هل تقصدين بأن هذا الأمر لايعني شيئا بالنسبة اليك... لكل منكما؟"

"بالطبع يعني شيئا" اوه إنها قصة طويلة ولكن بإختصار إن خالتك شجعتنا

وحرصت على ان لاتخبرني بأن والدك بيير كان متزوجا"

هز بول رأسه وقال:

"كنت اعلم انهما ليسا على وفاق وكان هذا شيئا" عاديا" كثيرا" مايحدث ولكنني لم

اظن ولم اتخيل ان يخونها ابي إنك لم تعرفي امي؟"

هزت ربيكا رأسها بالنفي فتنهد بول واستطرد يقول:

"ياله من موقف لاعجب إذن في ان تتحول إلى رجال اخرين"

قالت ربيكا غير مصدقة:

"اكنت تعرف؟"

"اجل هل هناك مزيدا؟"

صاحت قائلة:

"لا لا مزيدا بول دعنا نغير الموضوع لقد انتهى الأمر الآن انتهى منذ ثلاث سنوات امك ماتت وابوك على قيد الحياة دعنا ننفض ايدينا من هذا الامر هل هذا ممكن؟"

"لا استطيع ان ادع الموضوع من هذا الذي اخبرك به؟"

"توم توم بريانت"

"مفهوم"

كان الوقت بعد الظهر عندما وصلت السيارة بهما إلى منزل ربيكا وقالت له:

"لن استطيع ان ادعوك للدخول يابول إنني ارغب في الاستمتاع يليلة هادئة"

"هل اراك غدا"

"لا اظن ذلك يابول"

هزت رأسها في استسلام وقالت:

"حسنا" يمكنك ان تأتي لتناول الشراب معي في المساء إذا احببت"

"شكرا"

وبعد ثلاث ايام اصيبت ربيكا بأنفلونزا وعزت ذلك إلى الطقس في بادئ الأمر ولكن الحقيقة كان الاكتئاب الذي اعتراها هو السبب وما ان اقبل عليها مساء الثلاثاء حتى شعرت بأعراض مرضية تنتابها

انتهت من عملها في الوقت المعتاد وعادت إلى شقنها لتعد وجبتها المسائية لقد تخلصت من بول في الليلة

السابقة ولكنها لم تجد عذرا" يعفيها من مقابلته فقد احست بقشعريرة تهز اوصالها ولم تستطع ان تتحدث هاتفيا" لتعتذر عن استقباله حتى لايظن بها الظنون وتركته يأتي حتى يرى الأمر بنفسه.

وصل بول في التاسعه واستقبلته ربيكا وراى من الدموع المنهمرة من غينيها ووجنتيها الملتهبتين بان مرضا"

قد داهمهما صاح قائلا؟"

"ياإلهي يجب ان تلازمي الفراش الاتدركين ذلك؟"

"اجل ولكنك كنت قادما" ولم ارغب في ان اعتذر لك ثانية؟"

"ادرك ذلك"

ووضع يده على جبينها يتحسس حرارتها واستطرد يقول:

"إلزمي الفراش وسأطلب مانلي الكهل ليأتي لفحصك"

"لا إنه مجرد برد يحتاج إلى ملازمة الفراش... ليس الأمر خطيرا" كما تتصور هل يضايقك ان ترحل؟"

"ربيكا ليس لدي اي دافع للبقاء صدقيني ولكن الافضل ان اراك في فراشك قبل ان ارحل اين المطبخ ؟

سأحضر لك زجاج ماء دافيء وشرابا" ساخنا" هل لديك اي اقراص مسكنة؟"

"بصدق إنني ادبر امري لاتحاول ان تطبف معي اسلوب معاودة المرضى في فراشهم إن لدي بطانية وابريقا"

كهربائيا" استطيع بسهولة استعمالها"

"حسنا" سأذهب ولكنني ساعود غدا" لاتغادري فراشك إلا إذا شعرت بأنك قد عوفيت تماما"

"شكرا" يادكتور فيكتورا"

وعضت ربيكا على شفتيها فقد اعادت الكلمات كل شيء إلى عقلها وإلى وجه بول كما بدا من ملامحه

ورافقته إلى الباب وانتظرت حتى رحل.

وفي صباح الأربعاء ازدادت حالتها سوءا" ووجدت صعوبة في التنفس وكان من الواضح انها تعرضت

للبرد عندما وقفت وسط الضباب ليلة السبت وجاهدت حتى غادرت الفراش وطلبت المستشفى هاتفيا"

وصل الدكتور مانلي وقام بفحصها ووجد كل جزء في جسمها معتلا" يشكو الأوجاع وضربات الألم تنهال على رأسها وتشعر بالدوار كلما حاولت النهوض وقرر ان يحملها إلى جناح العزل في المستشفى وامضت عشرة ايام

بين الحياة والموت فقد تحولت الانفلونزا إلى نزلة شعبية كما توقع دكتور مانلي ولولا العقاقير التي تناولتها

لما بقيت على قيد الحياة ولم تعرف ربيكا مايدور حولها او الوجوه التي زارتها فقد كان شفاؤها هو الذي ينهش وعيها.

وذات صباح استيقظت وشعرت ان الحمى قد زالت عنها وانها لم تعد تسبح في بحر من العرق كما اعتادت

وعندما رفعت رأسها لتنظر حولها احست ان الألم قد زال ايضا" وان جسمها قد اصبح خفيفا" فتناولت قليلا" من الطعام وشعرت انها تستعيد قوتها وفي نهاية الأسبوع الثاني اتى بول لرؤيتها واحضر معه باقة من الورد

فقالت ممرضتها:

"زهور في ديسمبر كم انتِ محظوظة"

ولم يتحدث بول مع ربيكا عن شؤونه وإنما دار الحديث حول مرضها وبعد رحيله جاءت ممرضتها وقالت لها:

"لم اكن اعرف انكش تعرفين بول فيكتورا"

تنهدت ربيكا وقالت:

"لقد خرجت معه عدة مرات"

رفعت الممرضة حاجبيها دهشة وقالت:

"حقا" خرجت معه حقا"؟ والآن؟"

"اظن ان الأمر قد انتهى لماذا تسألين؟"

"إنه لايبدو من النوع الوفي"

"إننا مجرد صديقين"

"إذن كل شيء على مايرام علمت انه امضى سهراته مع صديقة لي عدة مرات "

رفعت ربيكا حاجبيها ودهشت للأرتياح الذي اعتراها عندما سمعت ذلك فحتى هذه اللحظة كانت تظن انه متورط في علاقته بها لدرجة انه لايستطيع الفكاك منها ولكن حديث اللمرضه ازال إحساسها بالذنب نحوه وشعرت بالارتياح لأنها قطعت كل الخيوط التي تربطها بأسرة سانت كلير

مضت اربعة اسابيع قبل ان يسمح لها بالعودة إلى البيت وكان ذلك في منتصف شهر ديسمبر حيث الأيام بارده

والشقة خاوية وخالية من اي انسان يمكن ان تتحدث معه فيما عدا جارتها التي تقطن تحتها والتي جاءت واشعلت لها النار في المدفأة وكانت ربيكا قد احضرت معها بعض الطعام وهي في طريق العودة واحست بالأسترخاء

عندما رأت المقلاة فوق الموقد وغلاية الشاي تصفر بمرح وتمنت الاتعود إلى المستشفى وتساءلت هل هي صادقة في رغبتها ورأت ان من الخير ان تعود فكلما اسرعت بالعودة كان افضل.

وفي منتصف المساء وبينما كانت هي تشاهد التلفزيون رن جرس الباب فتنهدت وتركت مكانها بتراخ

وكانت متعبة من مجهود إعداد الطعام وتمنت ان يكون الطارق جارتها ولكنها عندما فتحت الباب رأت رجلا"

غريبا" يقف امامها" فأجفلت لرؤيته وتشبثت بالباب في عصبية واضحة وتساءلت عمن يكون وهل

يعرف انها تعيش وحدها وتمنت في هذه اللحظة ان تظهر جارتها لتقف إلى جوارها تأملته فوجدته طويلا" نحيلا" متوسط العمر يضع نظارة على عينيه سألها:

"آنسة ليندسي؟"

قدم لها الرجل بطاقة:

"إليك بطاقتي لقد ارسلني السيد سانت كلير"

"السيد سانت كلير"

ثم تطلعت إلى الرسالة وقرات فيها:

دانييل ف. هاليداي

مخبر خصوصي.

تطلعت إلى الرجل بدهشة ثم تحولت حيرتها إلى غضب إذن بيير اطلق التحريات وراءها لقد سألها في سان سوسي إن كانت تعرف هاليداي والآن هاهي قد عرفت من هو فحملقت في الرجل بعينين اغرورقتا بالدموع

كيف يجروء بيير على ان يجري تحرياته عن إنسانة يظن انها لاتناسب ابنه؟

صاحت بغضب:

"ارحل عني لااريد ان اتحدث معك"

والقت البطاقة في وجهه وبدأت تغلق الباب ولكنه قال:

"آنسة ليندسي.... انتظري... إنكش لاتفهمين"

"اذهب بعيدا" عني قبل ان استدعي رجال الشرطة لالقاء القبض عليك "

وبدفعة قوية اغلقت الباب ويسألها ان تفتح حتى يدرك ان مايحاول ان يقوله ل يضيع هباء ويقول لها ان لديه اشيئا" عاجلا"

يريد ان يفضي به إليها وبدلا" من ان تستجيب له دارت على عقبيها وسارت إلى غرفة الجلوس وجعلت صوت التلفزيون عاليا"

ولما يئس الرجل رحل فاعادت الصوت إلى درجته المنخفضة ولكنها اكتشفت انها ترتعد بالغضب والشقاء إذ كيف يجروء على ان يفعل ذلك

ومم يخاف واي اسرار يريد ان يكتشفها بالتأكيد هو يعرف ان بول سوف يتورط بعلاقته مع امراءة لن تستطيع ان تمنحه إلا القليل الايعرف هو ذلك ولم تعد هي بدورها اي شيء

هزت كتفيا وحاولت ان تستغرق في مشاهدة المسرحية التي يعرضها التلفزيون ولكن الأفكار كانت تطارد رأسها

ولم تعد تعرف مايدور حولها فإذا كان بيير قد استخدم مخبرا" خصوصيا" يتحرى عنها فلا بد انه الان قد تلقى كل ماكان يريد معرفته ولابد ان يعرف كل شيء عن شيللا وصديقها بيتر فيلدما هذا إذا لم تكن اديل قد اخبرته بقصة محرفة وحيث شيللا موضوع ثقة اديل فلابد ان يكون الامر سهلا عليهما بأن يصيغا القصة بما يتلائم مع اهوائهما وكان سببا اخر يدعوها إلى احتقارهما.

نهضت ربيكا واقفه في اضطراب واضح فلو انها استمرت في مواصلة التفكير بهذه الطريقة فلاشك انها ستصاب بالجنون فتوجهت إلى المطبخ لاعداد فنجان قهوة وقررت ان تتوجه غدا إلى رئيسة المستشفى وتسألها ان تعود

للعمل فالعمل وحده ولاستغرق فيه يستطيع ان ينقذها من الجنون.

**********************

الفصل العاشر والاخير

10- وترقرقت الدموع...

في اليوم التالي توجهت ريبيكا الى رئيستها ، وتلقت منها صدمة اخرى، كانت الرئيسة رقيقة وحنونا، ولكنها حازمة قالت وهي تضع مرفقيها على المكتب:

" عزيزتي ريبيكا ، انت شفيت من نزلة شعبة قاسية ، ولا استطيع ان استدمك مرة ثانية حتى تتماثلي للشفاء تماما ، ونصيحتي لك ان تنتظري حتى يأتي العام الجديد انت في اجازة الان ، وتعالي لرؤيتي في اخر شهر يناير/ كانون الثاني"

جحظت عينا ريبيكا غير مصدقة ، وقالت:

" تقولين نهاية شهر يناير/ كانون الثاني؟"

" اجل، لو كان الوقت صيفا لاقترحت عليك ان تمضي شهرا على شاطئ البحر ثم تعودي الينا وكلك نشاط ولكن في مثل هذا الجو البارد القاسي ، فإنني اخشى عليك من الانهيار اذا ما بذلت جهدا . انني لا اقصد ان اكون قاسية معك. وانما اريد ان تكوني في تمام الصحة عند عودتك".

خرجت ريبيكا من غرفة الرئيسة وهي تشعر بالتمزق . وقد تبددت امالها في ان تعود الى حياتها العادية في الوقت الحاضر على الاقل ولاحت الاسابيع امامها خالية من اي عمل سوى ان تعيش في دوامة التفكير وعندما عادت الى شقتها ، انفجرت باكية، واستلقت في فراشها، وهي تحملق غائبة الوعي في سقف الغرفة وتساءلت عما اذا كانت ستعود الى حالتها البيعية مرة اخرى.

وزارتها انيت فليمنغ في المساء ، وكانت صدمة لها عندما رأت مظهر صديقتها ، فصاحت بها قائلة:

" لاتحزني يا ريبيكا هكذا ، لمجرد انك لم تعودي الى عملك. كنت اظن انك ستقدين قيمة الاجازة ، وخاصة خروجك في الصباح في الجو البارد يضر صحتك"

" ولكن ماذا افعل؟ ليست لي اسرة مثلك ، ولاحتى صديق!"

"لماذا لا تأخذين اجازة ؟ يمكنك ان تذهبي في رحلة الى الخارج، ستكون مثيرة لك"

جلست ريبيكا في مقعدها ، وقطبت جبينها. انها فكرة وكما اقترحت انيت ستحملها الرحلة بعيدا عن انكلترا بعض الوقت، وفي اي بلد تزوره ستكون مجرد سائحة مجهولة سألت انيت:

"اين اذهب؟"

"في هذا الوقت من السنة ، يحسن بك ان تذهبي الى شمال افريقيا او البحر الكاريبي. هل ميزانيتك تسمح بالسفر الى هذا المكان البعيد؟"

"لم لا ؟ انا لا اخرج كثيرا، ولا انفق من مالي الا النذر اليسير على ملابسي، بالطبع استطيع السفر".

وعندما رحلت آنيتآراحت ريبيكا ظهرها الى المقعد ، وفجأة انتابها تفكير عميق ، فلو انها سافرت الى الكاريبي ، فإن فرصة مقابلة شخص تعرفه ستكون قليلة . لوهلة تذكرت توم بريانت قد اخبرها ان بيير يمتلك بيتا في جامايكا، لذلك اتخذت قرارا بالا تضعف وتذهب الى هناك.

وخلال الايام القليلة التالية ، جددت جواز سفرها ، وامضت لياليها منهمكة دراسة افضل الاماكن التي يمكن ان ترحل اليها ، ثم بدأت تهتم نفسها فصففت شعرها واشترن بعض الملابس الجديد.

وعند نهاية الاسبوع جاءتها رسالة من مكتب المحامين في لنكولن تفيدها بانها واحد من المستفيدين بالوصية التي تركتها الانسة اديل مارغريت سانت كلاود!

اذهلت الانباء ريبيكا ، ولم تتصور ان اديل ماتت هكذا سريعا ، وبرغم انها لم تكن تحبها الا انها لن تتمن الها الموت حقا، ولم تصدق ان الطاغية المجنونة التي تسببت في شقائها تموت حقا . وقد اخبرها الطبيب الذي يعالج اديل في فيجي بان النوبات ستقضي عليها ذات يوم اذا تعرضت لاي انفعال شديد.

وتحدثت ريبيكا الى مكتب المحامين هاتفيا، وحدد السيد بروم الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم التالي موعدا لمقابلتها، وعندما دخلت مكتبه وجدته شابا، وعرفت منه صباح اليوم التالي موعدا لمقابتها، وعندمادخلت مكتبه وجدته شابا ، وعرفت منه بأن والده محامي الانسة سانت كلاود وقد عهد اليه بأتمام الاجراءت الخاصة بهذا الموضوع ، وشكرته ربيبكا وانتظرت بفارغ الصبر ان ينتهي سريعا واخيرا قال:

" كما تعرفين ، الانسة سانت كلاود تمتلك فيللا خارج سوفا بجريزة فيجي واعتقد انك عملت ذات يوم هناك كممرضة للانسة سانت كلاود اليس كذلك؟"

" اجل لمدة سنتين"

" حسنا لدي نسخة من وصية اديل الاخيرة وقد اوصت بترك الفيللا لك ، ومبلغ كاف يمنح لك سنويا"

وتجاهل بروم الدهشة التي ارتسمت على وجه ريبيكا ، واستطرد قائلا:

" واذا ماقررت بيع الفيللا، فأن المنحة السنوية ستتوقف صرفها لك ، وتلوجه الى جهة خيرية!"

"لايمكن ان تكون جادا ، هل تقصد انها تركت الفيللا ... لي؟"

" ولم لا يا انسة ليندسي؟ هذا واضح وضوح الشمس، ولن ادخل في تفصيلات اخرى ، وانما ثقي بان الفيللا اصبحت ملكا لك".

مسحت ريبيكا جبينها يبدها في اضطراب ، وقالت:

" لقد ظننت .. اعني ... انها عاشت في لندن فترة طويلة، وتصورت انها باعتها".

" اوه لا لم تبعها ، وهناك امرأة من فيجي .. على ما اعتقد ترعى شؤون الفيللا"

صاحت:

" روزا! انها روزا! ولكن هل قالت اديل لماذا تركت الفيللا لي؟"

"لايمكنك ان تذهبي الان وتبحثي الامر، ثم عودي غدا . او بعد غد ، واعطيني تعليماتك"

نهضت ريبيكا بعصبية ، فوقعت منها حقيبتها وقفازها ، والتقطتها وهي تدمدم. ثم سارت الى الباب ، وفتحه بروم بدوء فخطت خارجا، توقفت في الطريق وادركت انه من المستحيل ان تتخذ قرارها قبل ان تدرس كل الاحتمالات التي دفعت اديل الى ان تقدم لها الفيللا. وان الامر اشبة بكابوس، واذا هي نحت جانبا حقيقة كراهية اديل لها ، فإنها تركت الفيللا، وهذا يدعوا الى الدهشة والاستغراب، وماذا هي فاعلة لها؟

هناك حلول عديدة يمكن ان تتخذ قيها قراها ، وفي وسعها ان تعود الى المحامي وتخبره بانها ترفض قبول الفيللا، وان يقوم ببيعها ويوجه المال كله إلى الجهة الخيرية ز وفي وسعها أيضاً ان تحتفظ بالفيللا و المال ، وأن تتردد عليها كلما تاقت لزيارتها ز أو تفعل ما فعلته أديل فإن امامها سنوات طويلة فيمكن أن تعيش بعض الوقت في انكلترا ، ثم يستقر بها المقام بعد ذلك في فيجي . إنها لن تعمل . فإن المال الذي تركته ىديل للانفاق على الفيللا وعليها ، سيكفيها . وفي غمكانها أن تعمل عملاً خاصاً أو في مستشفى ، وسوف يساعدها دكتور مانسون في العثور على عمل ، وبدء حياة جديدة .

هناك فكرة واحدة راحت تؤرقها ، وهي ان بيير يعيش في انكلترا ، وستكون الفرصة ضعيفة في ان تلقاه مرة أخرى ، ولكن لماذا تفكر في ان تسنح لها الفرصة ثانية وهو يحتقرها ؟ وحتى لو أنها التقت به ، فغن هذا اللقاء ماهو إلا إذلال لها ولا تظن أنها ستقف أمامه مكتوفة اليدين .

نامت بصعوبة في تلك الليلة ، وأرادت ان تفظي بالأمر لشخص تثق به ، ولكن أين هو هذا الشخص ؟ فكرت في بول ، ولكنها طردت الفكرة من رأسها . فقد بدأ يتخذ حياة جديدة له ، ولا فائدة ترجى من أن تشده اليها مرة أخرى . وهناك أنبت التي تعرف قليلاً عن حياتها الماضية ، ولكنها لا ترغب في أن تعترف بهذا لها .

ظلت ربيكا حائرة في اتخاذ القرار السديد وتساءلت هل من الحماقة ان تلقي بالمال الذي تركته لها آديل لمجرد الانتقام منها أم تقبله ؟ وعندما أشرق الصباح ، رأت أنها لا تستطيع أن تغير الماضي ، وأنه من الغباء أن ترفض

ما قدم لها ، ومهما كانت دوافع آديل ، فإنها لا تستطيع أن تتأكد مما ترمي إليه .

و أبلغت السيد بروم قرارها بقبول الفيللا و المال ، وأنها تنوي ان تطير إلى فيجي في نهاية الأسبوع القادم . قبل حلول عيد الميلاد بثلاثة أيام ، فقد رأت ان تمضيه في بيتها الجديد ، وإن لم تكن قد قررت العيش هناك إلى الأبد ، فهذا الأمر يحتاج منها غلى مزيد من الوقت لتتخذ فيه قرارها النهائي .

وانقلبت ربيكا لتنام على بطنها ، وراحت تحفر رمال الشاطئ [اصابعها ، وتستمتع بحرارة الشمس التي ألقت أشعتها على ظهرها وكتفيها ز وكانت منذ قليل قد سبحت في أعماق المياه الدافئة للمحيط الهادئ وهاهي الآن ترقد على شاطئها ، وخصلات شعرها الحريرية قد شاعت فيها الفوضى ، ولكنها لم تكترث ، فليس هناك أحد يراها سوى روزا .

مضى يومان على وصول ريبكا إلى فيجي ، وغداً عيد الميلاد ز وكانت قد أمضت اليومين في السباحة والاسترخاء في أحضان الشمس ، فلوحت بشرتها بسمرة لامعة ، وكانت روزا قد رحبت بوصولها ، ولم تناقش مع ريبكا أسباب ترك آديل للفيللا لها ، وتركت الأمر إلى وقت آخر. أما الآن فإنهما تتبادلان الضحكات و الطرائف ، وذات يوم كانت ربيكا مستلقية عندما شهدت روزا قادمة نحوها وهي تحمل ملفاً ، فانتصبت بقامتها :

"ماهذا ياروزا ؟"

"إنها رسالة يا آنسة ، وصلت منذ دقائق قليلة ، ورأيت أن أسلمها لك سريعاً فلعل بها أمراً يهمك معرفته ."

ارتجفت ربيكا ، وتناولت المغلف ، وعرفت أنه محول من عنوان منزلها في لندن ، فلم يكن أحد يعرف أنها رحلت عن انكلترا ، سوى جارتها التي تركت لها العنوان الجديد .

عادت روزا إلى الفيللا ، بينما أخذت ربيكا تفض الرسالة ، ولم تتصور من يكون الشخص الذي كتب إليها . ولكنها ابصرت في نهاية الخطاب اسم شيللا ستيفنز . وبدأت تقرأ :

عزيزتي ربيكا .

في الوقت الذي تقرأين فيه رسالتي ، ستسمعين أنك ورثت فيللا آديل ، ولكنني كصديقة ، أرى من واجبي إبلاغك بأن آديل لم تترك لك شيئاً ، بل على العكس ماتت بدون أن تكتب وصية .

ارتجفت أصابع ربيكا ، ولكنها حاولت أن تتماسك ، ثم واصلت القراءة .

في الحقيقة ، إن الفيللا لم تكن تخصها ، وإنما هي ملك بيير سانت كلير فقد اشتراها منها عقب عودتها إلى انكلترا . وهو صاحبها منذ ذلك الحين ، أما سبب أنها آلت إليك ، فهو أن بيير . لسبب ما ، يشعر بالذنب للآسلوب الذي عاملك به ، وقد اختار هذا الحل لراحة ضميره . وربما أحس أنها الوسيلة الوحيدة التي تغادرين بها الوطن وتخرجين من حياته وتفكيره ، وفي أية حال فبوصفي صديقة قديمة لك ، فكرت أن أضع الحقيقة كاملة بين يديك .

المخلصة

شيللا.

ألقت ربيكا الرسالة جانباً ، وراحت تحدق في البحر بلا وعي .

شيللا تعرف تماماً أن ربيكا لن تقبل هدية من بيير ، مهما كانت وافعه ، وكان من المفروض أن تصلها الرسالة قبل رحيلها حتى لا تغادر لندن ، ولكن نظراً للضغط الشديد في الأيام التي تسبق عيد الميلاد ، لإغن الرسالة قد تأخر وصولها . وهكذا وجدت ربيكا نفسها قد انفقت مالها للحضور إلى فيجي ، وكانت هي في غنى عن هذه الرحلة باهظة التكاليف .

نهضت واقفة ، وسارت في طريقها حتى دخلت الفيللا . وراحت تقول لنفسها إنها لطمة قاسية وجهتها شيللا لها ولاعجب فإن الفتاة لم تغفر لها أبداً أنها قد حولت قلب بيتر فيلدمان عنها . أما عن بيير وأسباب أعطائه الفيللا لها ، فإنها لا تفهمها بتاتاً . هذا إذا لم يكن يرغب في أن يزيحها من طريقه كما قالت شيللا في رسالتها .

ارتدت سروالاً من القطن ، وبلوزة بلا أكمام ، ثم توجهت إلى غرفة الجلوس ، وألقت بجسمها على مقعد ، وراحت تقرأ الرسالة ثانة ، وعندما أقبلت روزا ، ناولتها إياها وقالت لها :

"اقرأيها يا روزا ."

مسحت روزا يديها في مئزرها ، ثم التقطت الرسالة ، وبدأت تقرأ في صمت . ولما انتهت منها رفعت وجهها والحيرة بادية على ملامحها ، وسألت :

" ماذا يعني هذا ؟"

" يعني أن الفيللا ليست ملكاً لي ، وإنما ملك السيد بيير سانت كلير ."

" تقصدين ... تقصدين انك لن تعيشي هنا ؟"

" طبعاً ... سأعود إلى لندن بأسرع ما يمكن !"

قالت روزا وقد أصيبت بخيبة أمل :

" آنسة ليندسي ... لماذا تسافرين والفيللا قد أعطيت لك هل يهم من يكون الشخص الذي أعطاك إياها ؟"

" لاأستطيع أن أقبل هدية ... من ، من السيد سانت كلير !"

" هذا شيء رهيب ، غداً عيد الميلاد . ولايمكن أن ترحلي في يوم العيد ."

جمعت ربيكا شتات فكرها ، قد نسيت أن غداً يوم عيد الميلاد وعليها أن تنتظر حتى تتنهي إجازة إلينك . وكان غريباً أن تشعر بالارتياح عندما تلبين ان البنك مغلق ، فقد شعرت أن ترك الفيللا أصبح امراً بغيضاً غلى قلبها . وامضت الليلة تبكي ، وبللت وسادتها بالدموع ، ولم تستطع أن تنكر إغلى أي مدى تحطم قلبها .

وفي صباح عيد الميلاد ، قدمت روزا هدية لربيكا ، وعندما فتحتها وجدت قرطاً مصنوعا من الودع وجميل التصميم ، وأهدتها ربيكا بلوزة أحضرتها من انكلترا ، وفي العشاء أعدت روزا ديكاً لكي تدخل السرور إلى قلب ربيكا التي أصرت أن تشاركها الطعام احتفالاً بالعيد ، وبعد ذلك توجهت ربيكا إلى الشاطئ ، واستلقت فوق الرمال الدافئة وتساءلت ماذا ستفعل عندما تعود إلى لندن ؟ إنها لا تستطيع العودة إلى العمل ، وفي نفس الوقت أنفقت كل أموالها في رحلتها إلى فيجي ، ورأت أن التصرف المعقول هو أن تظل في الفيللا لمدة أسبوعين وكأنها تمضي إجازة حقيقية ولكنها وجدت أنها لا تستطيع ان تفعل ذلك ، فهي لا تقبل أي شيء من بيير ... لا نقوده ... ولا شفقته !

كان الهدوء يسود المكان . إلا من بعض أصوات الموسيقى التي كانت تتردد هناك ، وأدركت أن فريقاً من الناس ممن يسكنون إحدة الفيللات يقيمون حفلاً يتبادلون فيه النخب والحديث والضحكان و الحب ، وترقرقت الدموع في عينيها ولكنها لن تستسلم لها ، ولن تضعف أمام الشفقة على نفسها ، ولن تكون حمقاء مرة أخرى .

وتناهى إلى مسامعها وقع خطوات فوق الحصى ، فانتصبت بقامتها ، فقد كان الظلام يحيط بها ، وحاولت أن تهدئ من روع نفسها . وأنها مخطئة في ظنونها ، ولكن شعورها كان صادقاً ، فعندما جالت ببصرها حولها ، رات رجلاً يخرج من وراء الأشجار ويسير نحوها ، وقفزت واقفة ، ولكنها ثبتت في مكانها عندما ألقى القمر بكامل ضيائه على وجهه ، فكشف عن جاذبية بيير سانت كلير ، وفي الحال أدركت قلة الثياب التي ترتديها ، وشعرها الأشعث ، وكما حدث من قبل ... رآها في وضع غير لائق !

تمتم قائلاً :

"مرحباً ربيكا. إنني آسف أن الوقت متأخر ... هل يمكن ان نتوجه إلى الفيللا ؟"

قالت بخشونة :

" كيف لي أن أدعوك إلى الفيللا وأنت تعرف أنها ملك لك ... وانني لا أملك أن أردك عنها ؟"

" إذن أنت تعرفين ؟"

تحولت ربيكا لتسير نحو الفيللا وهي تقول :

" أجل ... أعرف ."

وحاولت ان يبدو صوتها هادئاً وهي تستطرد قائلة :

" اسمح لي ... أن أذهب لأبدل ثيابي ."

قاطعها قائلاً :

" دقيقة من فضلك ."

أطيقت أصابعه القوية على ذراعها ، وأدار جسمها حتى واجهته ، فرأت الغضب بادياً على وجهه ، وملامحه صارمة ، فظنت أنه يريد ان يصب انتقاماً فوق رأسها .

فقال بقسوة :

" اردت أن أتحدث إليك حديث إنسان متحضر ، بعيداً عن سمع روزا وبصرها ، ولكن حينما بدأت تتكلمين معي بهذا الأسلوب . فقدت صبري معك ."

سألته وهي تبذل جهداً كبيراً في ألا يبدو الاضطراب عليها :

"أخبرني ، لماذا أتيت إلى هنا ؟ هل وافاك مخبرك الخصوصي بتقرير عن أفعال رهيبة ارتكتبتها ؟ أم أنك غيرت رأيك في أن تمنحي الفيللا ؟ لاداعي لأن تقلق ، أنا لن أمكث هنا . أفضل أن أحتفظ باستقلالي ، ولا أقبل مواقف الاحسان ."

" لماذا تفعلين هذا؟ لماذا تتكلمين هكذا كأنك تكرهينني ؟ أنا أعرف أنك تحبينني!"

حاولت ربيكا أن تتخلص من قبضته ، وقالت له :

" كيف عرفت ذلك ؟ هل أخبرك هاليداي ؟"

" رييكا ... اسمعيني ."

" لا ؛ اسمعني أنت ! إنني لا أريد فيللتك أو أحسانك ، او أي شيء يمت لك بصلة . هل تفهم ؟"

حدقبيير في وجهها لحظة ، وفجأة أمسك بها ، وقاومته ربيكا في بادئ الأمر ، ولكن حصون دفاعها تحطمت أمام ضغط ذراعيه . وهي تعرف أن العاطفة قد تكون أبلغ من الكلمات أحياناً ، وليس من السهل عليها أن تتحدى سيطرته ... وسيادته ، واستمرت بين ذراعيه فترة طويلة ، وعندما رفع

التفتت نحوه وقالت :

"ولكنني عرفت . عندما اكتشفت ..."

ضاقت عينا بيير وقال مقاطعاً كلامها :

" لايمكنك اكتشاف الأمر إلاّ بتدخل احدهم . قلت لي انك لن تقبلي الفيللا .

كيف لي أن اؤكد لك بأنه ليست لدي اية دوافع خفية ! وخاصة إنني جئت غلى هنا .

وغضبت منك ثم بثثتك حبي . أنا أعلم انها ليست الطريقة التي تقنعك بأن دوافعي هي حبي لك وغيرتي عليك . هيا بنا نذهب

إلى الفيللا حتى لا تصابي بالبرد . وسنواصل حديثنا ونحن نحتسي الشراب إذا عبرت لي عن كرم ضيافتك ."

" وكيف استطيع ان أرفض طلبك !"

وأسرعت ربيكا تسبقه إلى الفيللا . ودخلت غرفتها وارتدت ثوباً قطنياً يبرز جمال بشرتها الذهبية . وحينما دخلت غرفة الجلوس ، وجدته واقفاً بجوار النافذة ،

فاعدت له شراباً ، وبعد أن ناولته غياه ، قال بهدوء :

" أريد أن أخبرك بأن الممرضة ستيفنز فصلت من وظيفتها قبل وفاة آديل بأسبوع .

تقلصت أصابع يدي ربيكا . وأحجمت عن أن تصب لنفسها شراباً حتى لا يكتشف وقع المفاجأة عليها . وقالت له بلا اكتراث :

"مفهوم !"

سالها بدهشة :

"مفهوم ماذا ؟ ألا تحبين معرفة السبب ؟"

" إذا احببت ان تخبرني به ."

" حدث عندما كنت مريضاً أن تصورت شيللا وهي تضمد جرحي انها ... كيف اصوغ الكلمات ؟ أجل ... إنها مفتونة بي . ولا أدري كيف فتنتها ؟ ومع ذلك ...

كان علي أن أصدها . فأنا أحببت امرأة واحدة ... ولم تكن شيللا ستيفنز هي تلك المرأة ."

" ما زلت لا أرى أن هذا الموضوع له صلة بآديل ."

" ألم تدركي الصلة بعد ؟ ربما لا أكون واضحاً في كلامي ، ولكن يبدو أن الآنسة ستيفنز كانت قد قبلت الوظيفة لأسباب تختلف عما توقعناه . فحينما احست أنها فشلت

في أن تفوز بي ، راحت تتحين الفرصة لكي تثير اليأس في نفس ىديل التي أصبحت لا تحتمل النوبات التي تصيبها ، حتى دهمتها نوبة حادة . لم أجد أمامي سبيلاً إلا ان أطرد

الأنسة ستيفنز في الحال ن وبرغم أننا استطعنا استخدام ممرضة أخرى ، إلا ان الانفعال كان شديد الوقع على آديل ولم تحتمل الاصابة بنوبة أخرى فأودت بحياتها ."

صمت بيير قليلاً ، وأدركت ربيكا خلال صمته أن شيللا لم تبعث لها بالرسالة إلا بهدف أن تحطم سعادتها . وتطلعت إليه فرأته يذرع الغرفة في قلق ، ثم استدار ليقول :

" كان من الطبيعي ان القي اللوم على نفسي ، وأقول لو لم أكن قاسياً على الفتاة التي عاملت آديل برفق ن لو لم اتسبب في رحيلك عن فيجي لتغير الموقف تماماً .وكنت قد تحدثت إلى طبيب آديل .

فأكد لي أن صحتها تدهورت منذ عودتها إلى انكلترا ، ولا يملك احد ان يفعل لها شيئاً ."

" ولماذا عادت آديل إلى انكلترا ! هل طلبت إليها أن تعود ؟"

" بالطبع لا . وإنما هي التي أصرت على العودة لحضور جنازة جنيفر . وتمسكت بالاقامة في البيت . وعندئذ شعرت بحماقتي بالسماح لها بالحضور ."

" يبدو أنها كانت من النوع الذي يسعده ان يمزق سعادة الناس ."

" سعادتك على سبيل المثال ؟"

" إن شؤوني ليست مهمة ."

" ولكنها تهمني أنا ."

دفعت ربيكا شعرها إلى الوراء ، وقالت :

" كيف تقول ذلك ، وأنت قد نسيت وجودي . منذ رحلت عن فيجي ، إلى اليوم الذي قمت أنا فيه بزيارة سان سوسي مع بول ."

" هذا ليس صحيحاً . ألم أسألك وأنت في سان سوسي . هل تعرفين شيئاً عن هاليداي ؟"

قلبت ربيكا شفتيبها و قالت :

"مخبرك الخصوصي ؟"

توجه بيير نحوها وجذبها نحوه حتى وقفت أمامه تماماً . وأمسكت يداه كتفيها بقسوة . وقال لها بخشونة :

" حقاً . يبدو انك لا تقبلين اي تفسير بدون ان تعارضيه . ولذلك يجب ان اكون صريحاً وواضحاً معك واخبرك بأنني ماجئت إلى هنا إلا ودوافعي كلها شريفة .

انا لست وحشاً فتتصورين انه مادام قد فشل في ان ينالك بطريقة ما . ولكن عندما رحلت الى انكلترا وأنت متمسكة بمبادئك الاخلاقية . كرهت تصرفك .

ولم لا ؟ لأنني احببتك ... لأنني اريدك ؟ وكان اثمي الكبير هو انني لم استطع الزواج منك ، اما اثمي الصغير فهو ان جنيفر لم تكن لي زوجة يوماً ما ."

اشاحت بوجهها جانباً وصاحت :

: آوه ، بيير ، اتركني ."

استمر بيير ممسكاً بها وهو يقول :

" آوه ... بيير ! اهذا كل مايمكن ان تقوليه ! انني اريدك ان تعرفي الى اي مدى تسببت في ايلامي . ولهذا السبب لم اتبعك الى انكلترا .لاجبرك على الخضوع لي.

وانما اغرقت نفسي في عملي ، ولنه لم يكن علاجاً شافياً لي ، وكان توم بريانت يدرك ذلك ويمكنك أن تسأليه اذا لم تصدقي كلامي ... لقد نجحت في تحطيمي !"

أغلق عينيه لمدة وجيزة ثم استطرد يقول :

" وكان علي ان اعرف مكانك ، وماذا تعملين . لذلك استخدمت هاليداي ليتحرى اخبارك . وخلال تحرياته ذهب الى المستشفى حيث كانت تعمل الممرضة ستيفنز ،

ويبدو انها استغلته كما استغلها هو اما كيف حدث ذلك ، فدعيني اروي لك ، فحينما ماتت جينفر ، وجاءت آديل الى انكلترا ، نشرنا اعلانا نطلب ممرضة . وفي الحال تقدمت شيللا ، وكانت قصة هاليداي ، ثم حدثت أمور عديدة

بعد ذلك ، لما ماتت زوجتي ، كان من المستحيل أن ابحث عنك ، وعندما اراد بول ان يلتحق بمهنة الطب ، رتبت الامور لكي ينظم الى هيئة اساتذة سانت بارثولومير ، واختلقت سبباً لكي اشترك في شؤونهم ، ولا يمكنك ان

تتصوري مبلغ الفزع الذي انتابني عندما اكتشفت ان ابني تورط في علاقة

مع ممرضة تدعى ربيكا ليندسي ."

وضعت ربيكا راحتها على جبينها ، وقالت :

" اذن كنت تعرف طوال الوقت !"

" طبعاً ... عرفت كل شيء عنك ، وكان هدفي ان اقدم لك حياتي عندما تاتي اللحظة المناسبة ، ولسوء الحظ شاءت الظروف ان تحول دون تحقيق ذلك . وبعد وفاة اديل استطعت ان اجد الوسيلة التي تمكنني من مساعدتك ، ومساعدة نفسي .

كانت الفيللا ملكاً لي اشتريتها من اديل لعد ان عادت منم فيجي ، واردت ان اعطيها لك ، ولم اتصور انني استطيع زيارتك ورؤيتك ، واكشف لك عن ان نواياي لم يكن القصد منها ان تكوني عشيقتي."

" ولكن ..."

" لا تقاطعيني ... انت ستمضين هنا عدة اسابيع حتى تسعيدي صحتك . ولايمكنني لقاؤك وبالأمس كنت في كانبرا وتلقيت رسالة عاجلة بعث بها لي توم من لندن وقال انه اكتشف بطريق المصادفة ان شيللا ستيفنز قد علمت من بول بعزمي على

إهدائك الفيللا ، وانا اعرف نواياها جيداً . وتوقعت ان تحاول من جانبها ان تعكر صفو حياتك . كما فعلت حينما حاولت ان تفسد العلاقة بيني وبينك . فاخبرتني بانك كنت السبب في تحول خطيبها بيتر فليدمان عنها ."

فزعت ربيكا وقالت :

" ولكن لم تكن لي به اي علاقة ؟"

قاطعها بيير وقال مبتسماً:

" اعرف ذلك ، انني ادرك تماما انك تعيشين في سبات عميق عندما يتطرق الحديث الى موضوع ممارسة الحب ."

اشاحت بوجهها خجلاً ، ولكنه جذبها نحوه ، وتمتم قائلاً :

" هل عرفت الان سبب وجودي هنا ! انني اعرف انك لن تسمحي لنفسك بقبول شيء فاخر مني ، وكان لزاماً علي ان آراك واخبرك ."

ومال بجبينه نحو جبينها ، وهو مدرك لشدة اضطرابها وهي ترتجف كالورقة بين يديه . وهمست قائلة بدون ان تجد رباطاً لافكارها .

" والان ؟"

قال بهدوء :

"انت صاحبة الامر ... وضعت كل اوراقي على المائدة . هل ترغبين في ان تأخذينها كلها ؟"

" انت قلت ان بول قد تحدث الى شيللا ... ماذا يعرف عنا ؟"

" كل شيء ... كحان يجب علي ان اخبره ."

" اخبرتك ذات مرة بانني لا استطيع ان احب بدون اي ضمان . فهل هذا سبب تقديمك الفيللا لي ."

تنهد بيير وقال :

" الضمان الوحيد هو الحب ذاته ، وبدونه لايوجد اي ضمان آخر ."

" انني راحلة غداً ."

سألها وهو يراقبها عن كثب ؟

"هل انت عازمة على الرحيل ؟"

" ظننت انك ستشعر بالاسف لرحيلي ."

" اسف ؟ انا احبك ... انا محتاج لك . صدقيني انا لم احب امرأة آخرى ... معك اشعر بانني عدت صغيراً ثانية . انت الانسان

الوحيد الذي اهتم به في عالمي المجنون ، واريد ان تكوني زوجة لي ... تحمل اسمي ... وثروتي ... وتشاركني حياتي بحلوها ومرها ."

التفت ذراعاها حول عنقه وراحت تمتم فرحة .

" انت تعرف انني احبك . اذا استطعت ان تنسى كل الاشياء التي قلتها لك ، فانني لا اطلب اي شيء آخر منك . لكنك خضت زيجة مدمرة .

ولا اريد ان تخاطر مرة اخرى ."

قال لها :

" ليس هناك مخاطرة بالزواج منك . فانا بدونك لا اعدو ان اكون نصف رجل . وقوعة بلا قلب ... او روح ."

" وماذا عن بول ؟"

" سيعتاد على الموقف ، انه مازال شاباً الدنيا امامه . ام نحن فليس لدينا اي وقت نضيعه .

هل تتزوجينني ؟ انا واثق انني استطيع ان ارتب عقد القران بصورة ما ، ثم نقيم بعد ذلك حفلاً لزواجنا يشهده العالم كله . فانا لا استطيع ان احتمل فترة خطوبة طويلة ."

وراحت ربيكا تدفن وجهها في عنقه . وتوالت الافكار على عقلها . وتمثلت امام عينيها مشروعات كثيرة . وفكرت باسف فيما فعلته شيللا معها ، ومحاولتها الفاشلة

لافساد حياتها ، وودت ان تقدم لها الشكر ، لانه لولا تدخلها ، لظلت اسابيع طويلة هائمة بدون ان تنعم سريعاً بالجنة بين ذراعي بيير

تمــــــــــــت