ـ 2 ـ
اختلط الفرح بالخوف في تلك الليلة. وكلّما قطع الزمن ساعة، كان يُقَرّب موعد زيارتي لأهل أمل. وفي هذه الزيارة النوعية، سأتعرَّف على والدها، وأطلب يدها منه.
انشغلتُ بالقراءة، وتسجيل مذكّراتي، لعلّ ذلك يخفف ارتباكي. هجستُ بأمور المستقبل، ورتَّبتُ الكلام المناسب حين مواجهته.
كانت البداية الأولى لإعلاني المكشوف عن حُبّ أمل من أصعب الولادات الروحية. وهذا اليوم بالنسبة لي يختلف عن بقية الأيام.
اعتدت أن أفتح النافذة صباحاً، وأستقبل الشمس فرحاً، وأشرب القهوة في الشُرْفة المُطلّة على حديقة صغيرة مهجورة. وفي هذا اليوم "عُطْلة رسمية" استرخيت في سريري. اكتفيت بتكرار الأسئلة الدائرة في رأسي، المتغلغلة في قصص قديمة، تحكي عن الخوف الذي يربكني، فأنا أكره زيارة الأقبية والبيوت التراثية الواطئة. أحاول دائماً أن أتجاهل الأحياء القديمة وزواريبها، وأخالف كلّ الذين يدعون للحفاظ عليها، رغم أنّها واسعة، فسيحة، غرفها كبيرة، وسقوفها عالية، لكنّها تضجُّ بالناس وتعدّد العائلات...
أعود إلى السؤال الذي أرهقني: ماذا سيحصل في مساء هذا اليوم؟ هل يا ترى تكون أمل نهضت من نومها باكراً، وفي الموعد ذاته؟ وهي الأنثى الوحيدة في المنزل تعيش إلى جانب والدها الأرمل منذ عشر سنوات، وأصبحت بالنسبة إليه كظلّه، وكلّ شيء في حياته!
رجل في الثالثة والسّتين من عمره. تقاعد من عمله. يقضي معظم أوقاته في مقهى المتقاعدين. أمَّا أمل المدرّسة لمادة اللغة الإنكليزية، فهي المسؤولة عن نظافة المنزل وترتيبه وغسل الملابس وكيّها، وعن الطّبخ وسواها من الأعمال البيتية. كيف سيتخلَّى عنها، وبهذه السهولة يتقبَّل فكّ هذا الرباط! أتصوّر أنّه سيعقّد الأمور، وسيلزمني بشروطٍ قاسية يمكن أن تدفعني مُكْرهاً إلى الإحجام عن هذه الخطوة أو تأجيلها، علماً أنني أصبحتُ في الثانية والثلاثين، وأملك بيتاً متواضعاً، وراتباً شهرياً، وأعيش وحيداً. وهذه أحد الأسباب الموجبة، لاندفاع أمل نحوي، فلا حماة تناكدها، ولا أخت عانساً تراقبها، ولا أب يحاسبها على كلّ حركة تقوم بها. كل الشروط التي حدّدتها أمل متحقّقة، قبل أن نخطو خطوة واحدة. كنت صريحاً معها، فأنا في سنٍ لا يسمح لي بالتلاعب بعواطف الناس، فهي تريد أن تكون حُرّة، ومن حقّها أن لا يزاحمها أحد في بيتها الزوجي.
دار حوار طويل في لقائنا الثاني حول هذه النقاط، ومسائل أخرى، عن (مفهوم الحرية) مثلاً. اختلفنا من حيث الجوهر، واتفقنا على القشور. وكلّما حاولتُ نزع قشور البصل التي تُغلّف مفهوم الحرية، عادت من جديد، واستعادت موقفها القديم في النقاش الحامي، الذي كان يدور في غرفة المدرّسين. وكانت الآراء تتعدّد وتتباين. منهم مَنْ يقول: يولد الإنسان حُرّاً، لكنَّ الإنسان نفسه هو الذي يفرض القيود على حريته، فيسنُّ القوانين. ويقول آخر: الإشكالية في الأنظمة، وفي الغزو الثقافي. وقالت مدرّسة: الحجاب أفضل حلّ للمرأة، والمرأة مُلك للرجل... مكانها البيت، وينبغي أن تظهر بمظهر لائق، وتتبرّج أمام زوجها فقط، لإغوائه، وإبقائه قريباً منها، وكي لا يلتفت لغيرها، فهو المالك الوحيد لهذا العقار الأنثوي.
كانت أمل الأكثر قُدْرة على استيعاب "الموضة" التي تعدُّها جزءاً هاماً من حرية المرأة، والحرية كما تراها تبدأ من الخارج نحو الداخل. وخالفتها مدرّسة الرياضيات، قائلة: على العكس، تبدأ الحرية من الداخل فهو معقّد جدّاً، لتصل إلى الخارج، أي تبدأ من انفتاح العقل، فهنا القيادة المركزية لكل العمليات، وفي كلّ أوقات الحرب والسلم.
أوضحت أمل أنَّ المسألة الجوهرية هي في القوانين التي تقيّد وتكبّل المرأة، بينما الرجل الذي تكبّله بعض القوانين، والعادات السّيئة، المسكونة فيه، تُحبط كلّ طموح ومسعى للإلغاء أو التعديل، لكنّه، أي الرجل، يظلّ أكثر حرية من المرأة، فيخرج، ويعود، ويتنقّل، ويتحرَّك متى يشاء، بينما ما يحصل للمرأة أسوأ بكثير!
سكتتْ تداعياتي. توقَّفت عن الجريان واستقدام مقطوعات قديمة من حكايات أمل الاستهلاكية، ومواقف الآخرين والمراوغين أصحاب الوجوه المتعدّدة... الشيء المهمّ الآن، والأكثر صعوبة وتعقيداً، هو امتلاك الجُرأة، وتبديد الخجل الذي يعتريني أحياناً، ويمنعني من الإدلاء بموقفي. وهذا ما كان يحرمني من قول رأيي، وقول الحقيقة، عندما تجتاحني الرغبة في منع مَنْ يحاول أن يُدبّج كذبة، ويمرّرها بسهولة، ويدّعي مفتخراً، ويقول: إنَّ الكذب هو الشيء السائد اليوم، كما الشعار الذي يتردّد دائماً (بوس الأيدي ضحك على اللّحى).
أفرغتُ جُعْبة أفكاري الزَّاحفة في فراغ لا نهائي. أقنعتُ نفسي بأنَّ الهدف الرئيس الآن هو إنجاز مهمتي دون عراقيل كبيرة، حتى وإن طلب العمّ عبد الله والد أمل أن أكون "صهر بيت" نسكن معاً في منزل واحد، سأتقبّل الأمر بارتياح وهذا شرط من أبسط الشروط وأسهلها، عندئذٍ سأكلّف مكتباً عقارياً بتأجير بيتي إلى عائلة خليجية، واستثماره كلّ صيف، وبذلك يزداد دخلي، ويتحسَّن مستوى حياتي، وأتخلَّص من ديوني المتراكمة، والمزاحمة على القروض من مصرف التسليف الشعبي، لاستكمال تجهيز غرفة النوم، وتأمين تكاليف الزواج.
تنازعني أمران أحلاهما مُرّ، فمن جهة أخذ القلق يتمشّى بحرية في شراييني، كأنّه يستحمّ في دمائي، ولا أملك القوة على مواجهته، وكان الخوف يكشّر عن أنيابه، يرنُّ نباحه في أُذني، فأكتم أنفاسي، ريثما تتطاير الأوراق الصفراء، وينتهي خريف هذه الزيارة بأقلّ الخسائر من جهة أخرى.
حدثت تبدّلات جريئة، فخفت صوت اضطراباتي، وأنا أغلق الباب، وأنطلق فرحاً إلى الشارع أبحث عن سيارة أجرة للوصول في الموعد المحدّد، وهذا سيخلّصني من تشتتي، والبلبلة التي عصفت بي، ومن أول الطريق سأكون صادقاً. فالمواعيد الدقيقة هي مقدمة صحيحة، للمقولة الدارجة، بأننا لا نحترم الوقت. سأخالف آراء الناس، سأكون دقيقاً وصارماً مع الزمن.