ـ 4 ـ

7 0 00

ـ 4 ـ

رغبتُ في السَّير على الأقدام. قلتُ: جميل مساء دمشق في هذا الفصل من عام 1990. سأنطلق من بيتي الكائن في آخر شارع هاشم الأتاسي. وعندما أصل الدَّوار. سأتجه نحو اليمين، ثم أنحرف شرقاً، وسأصل إلى حيّ العمارة بعد نصف ساعة.

دارت هواجسي دورة واحدة، ونحن نترك "الكافتيريا" خلفنا ليلة البارحة، ونقطع "ساحة التحرير"، وننحرف بعدها إلى اليمين، وتكون على يسارنا "محطة الجدّ" للمحروقات.

دفعتني أمل، وهي تتأبّط ذراعي، فدخلنا زقاقاً طويلاً مستقيماً، سيلفُّ بنا إلى دمشق القديمة. توقفنا قليلاً عند بائع عرانيس الذُّرة، واشترينا عرنوسين...

قالت أمل: لا تنسَ الموعد غداً، نحن بانتظارك!

قلت: كلّ شيء في كفَّة، وموعدنا في كفَّة... سيحتل مكانة خاصة، فكوني مستعدة لأي طارئ، وأية تبدلات في موقف أبيك.

تركت أمل تلج مدخل بيتها في الساعة التاسعة مساء، عدت إلى منزلي مُحمَّلاً بتباشير الغد، وأحلامه.

أطفأت الأنوار. فتحت النافذة المطلة على الحديقة كعادتي، التي أصبحت مأوى للسكارى والمشردين. أشعلتُ سيجارة. بدأ الفأر يلعب في عُبّي. مزقتُ من ذاكرتي المخطط الأول لبرنامج الزيارة. صححتُ خطّ السير، ونقطة الانطلاق والوصول. وكان همّي الأكبر هو كيف سأواجه العم عبد الله، ومن أين سأبدأ الكلام؟

عادت طقوس البارحة. حضرت طازجة، بكل اختلاطاتها ورونقها وفحيحها وصمتها سمعتُ كلاماً كثيراً عن أبيها، عن طباعه، حياته اليومية، نفسيته، وعن الاحتمالات التي يمكن أن تقف في طريق مستقبلنا... قالت: إنَّ والدها أسرَّ لها ما في أعماقه من أحاسيس... وحاولت بإلحاح ليَقْبل طلبي لأَنّني كما قلت لـه: أحبّه!.

قال والدي: أنتِ تفصّلي وأنا ألبس يا بنتي، لماذا تبكين؟ ومسح دموعي. ثمَّ بدأ يتأمّلني، ويخز روحي بعواطفه. يتساءل: ستتركينني... سأكون وحيداً يا أمل لم يبق لي في الدنيا سواك... لم يبق حولي أحد... أختك تزوجت وهاجرت.. أخوك تزوج وسافر إلى الخليج. لم أره منذ عشر سنوات، وأنت! وأُمُّك رحمها الله تركتني وبكّرت في رحيلها!

تراخت تداعياتي. انتفض شرودي، وبصعوبة لملمتُ أشلاء أفكاري، وتساءلت: أين المشكلة؟ رضي أم لم يرضَ! وافق أم لم يوافق! هي إرادتنا وَحدها... سيوافق حتماً، لأنّه عندما يعرف أنّها تخرج معي، يطمئن عليها، ويُسرّ، فهو إذاً يتابع تفاصيل حياتها اليومية. وأمل أيضاً لا تخبّئ عنه شيئاً، فهي تحترمه وتقدّره وتجلّه، وهكذا تَربّتْ على الصدق، وهي الآن في نهاية العقد الثاني من عمرها، ومدرّسة محترمة، نشيطة، محبوبة من طالباتها ومديرتها، تعي ما تقول. تقرأ الصحف، تتابع بعض الدوريات والروايات العربية والعالمية. أنا أعرف بعض التفاصيل عن يومياتها وسلوكها، ومناقشاتها، وتباين مواقفها في عديد من المسائل مع أبيها وزملائها وزميلاتها. كثيراً ما كانت تلخّص لي مضامين الكتب التي تنتهي من قراءتها، فتسرّني، وتوفّر عليَّ الجهد... علماً أننا نصل بعد المناقشات الطويلة إلى سكَّتين متباعدتين. وتتّهمني بتصلّب موقفي وعنادي، وبأنّني رجل خشن، رغم اعترافها بنضارة شبابي وأناقتي. وفي كلّ مرّة تحاورني، تسمع كلاماً جديداً، وتعترف بأنّها امرأة غيورة، لكنّي لم ألحظ غَيْرتها. وعدتُ إلى ذاكرتي. ألهمتني الفطنة أنَّ ما قالته صحيحاً. تذكرت، ونحن نقطع الشارع في نهايات امتحانات العام الدراسي أنّها تراجعت إلى الوراء خطوتين، عندما سلَّمت عليَّ مدرّسة أقل جمالاً منها. التقينا مصادفة، ونحن ننتظر الإشارة الضوئية لنقطع الشارع وبعد اعترافها بمبدأ الغيرة وعدم التخلي عنه أصبحت أتجنب مثل هذه المواقف المُحْرجة. وعندما انتصف الليل توالدت أفكار جديدة، ظهرت بأشكال وألوان متغايرة عن المألوف. خربشت بطباشيرها على سبورة ذاكرتي وأحلامي، فأنتجت معرضاً تشكيلياً، لم أحسب لـه حساباً بأنَّ لوحاته ستُعرض، بهذه السرعة... اختلاطات هاجسية قَدِمت زاحفة، فضّيعتُ كل حساباتي التي ظلّت تمشي معي وترافقني طوال هذه السنين، ثمَّ تعبر في أضيق ممرٍّ، وفي هذه الليلة، بينما كنت بأمسِّ الحاجة إلى الهدوء، وصفاء الذهن.

أقنعتُ نفسي بأنَّ في الإعادة إفادة. أذهلني انفجار، يبدو أنّه بعيد عنّي، فتسلَّقتُ السُّلّم إلى سطح البناية. كانت ألسنة اللَّهب تتصاعد، تتخلّلها الأدخنة من الجهة الشرقية... تدفعها الرياح القادمة من محطة للمحروقات في منطقة الأزبكية.

بقيتْ أفكاري حبيسة بين جدران الصمت والهدوء المسكون بأنفاس النوم. وكاد النُّعاس يلفظ آخر آهاته، يحثّني على العودة إلى الشاشة الصغيرة.

فتَّشتُ في عديد الأقنية والأقمار. فأنا أوَّلَ مَنْ امتلك "الديجتل" بين جيراني ومعارفي. ومن قناة إلى قناة، وجدتُ فيلماً فرنسياً، سحبني معه من بدايته إلى نهايته. تسمَّرتُ أمام الشاشة كتمثال، وكلّما كانت الأحداث تقترب أو تتقاطع معي ازداد شوقي لمعرفة النهاية.

كانت عشيقة البطل، كأنّها تحكي قصة أمل، قصة تلك الطالبة في جامعة السوربون، القادمة من الريف الفرنسي... الفتاة الحالمة بعالم آخر يخلَّصها من عنف الأب، المتوهج حماقة، والأم الحنون.

قلت بصوت مسموع أخاطب روحي الحائرة: هذه أحوال الدنيا... لكلّ فتاة قصة، ولكلّ حالة خصوصيتها، لكنَّ أمل تختلف بأمور كثيرة عن الفتاة الفرنسية... أنا أعرف أكثر من أبيها حالتها، لقد رافقتها تلك الرحلة التي لم تنتهِ بعد. وأقنعني سفر الحُبّ الطويل، بأنَّ ما يجري في فرنسا، يختلف بمواضع ومواقع عديدة، عمّا يجري عندنا!

الصباح الوردي في هذا اليوم يختلف عن صباحات الأيام السابقة اللَّقيطة، فلا رياح تهزّ نوافذ البيت، وتلقي بأوراق الأشجار في الشرفة، ولا غبار يتسلّل عبر "الأباجورات" إنّه طقس معتدل. تغطي الغيوم جزءاً من السماء، ومن الحي والحديقة... وتختفي تحتها بعض أحلامي، وبعض مفرداتي المكرورة التي لا حاجة إليها الآن. وبين غيمة وغيمة كانت خيوط الشمس ترسل دفأها وحُبّها، ويشرق وجهها أحياناً، يضيء عتمة روحي.

كعادتي حملتُ قهوتي الصباحية. ركّزتُ قعدتي في الشرفة، أنتظر بفارغ الصبر، زوار الأقنعة والقَناعات المتحجّرة. ربّما غشّني المظهر الخارجي لوالد أمل، ربّما هكذا خلقه الله، قشرة متكلّسة، جامدة، جافة، لعلَّه يكون شفافاً.... سأحاول معرفته. أتمنى أن يكون قلبه كقلب طفل، كما قالت أمل عنه، لكنه يقسو عليها يُشْبعها كلاماً قاسياً في ساعة غضبه.

وعندما تكررت هذه الأغلاط، وساءت النوايا، ازدحمت الأسئلة في وجهه، كأنه لم يصدق أنه سيصبح وحيداً! كيف تنقطع هذه النُسغ، ويمرح اليأس والصمت في بيت ظلَّ فترة طويلة يعتزُّ بأُنسه؟ كيف وكيف، ولماذا؟ دفعتْ أمل إلى تجرّع السُّم، ففقد الأب صوابه، غامت أحلامه في أغوار الندم، فاعتذر منها، وهو يصلّي فوق رأسها في المستشفى. حَمَدَ ربّه لأنَّ السّم الذي تجرّعته كان غير كافٍ للموت!

مسح دموعه ودموعها. قبّل جبينها. حاولت أمل ألاَّ تلتقي عيناها بعينيه. أتذكر الآن كيف تركها تسترسل بملذّات الخوف، وخرج وهو يفتّش عن المسوّغات لمواقفه السابقة واللاّحقة، فأرخى ستائر بصره فوق بلاط الممر الطويل، النظيف. حاولتُ ألاَّ أصطدم معه، فلذتُ عنه في زاوية، ودخلت غرفة أمل، أنثر فوقها ورد الكلام. أفتح قلبي لها، علماً أنَّ علاقتنا كانت حديثة العهد، فأسرَّت إليَّ، وفتحت كل النوافذ، وفضحت كل الأسرار، في جعبتها الملأى حتى الطوفان.

لا داعي الآن لنبش الكلام الذي لا يروق لي في هذا اليوم، لكنّي لم أقدر إلاَّ أن أعيد الماضي بلحمه ودمه وعظامه، لأعيد ما عرفته، وما سمعته عن عبد الله، وهي طقوس تتكرر لاهثة، تصطف قبل أن أخطو خطوة واحدة في هذا المساء اللَّعين!...