-4-

7 0 00

-4-

مشــــاعر وليـــدة

أمضت كريستينا ليلة مليئة بالقلق ونهضت في الصباح تغشى ذاكرتها أطياف كوابيس مرعبة . فتحت عينيها خائرة القوى غير أن أشعة الشمس المنبعثة عبر الستائر أعادت إليها بعض حيويتها . وأعلن القرع الخفيف على الباب وصول يولالي تحمل كوباً من عصير الفاكهة الطازج ، وبعض الخبز ولزبده وإبريق قهوة حارة شعرت كريستينا ببعض الحرج وهي تتمدد فوق الفراش . لم يسبق لها أن تناولت فطورها في السرير ، إلا في حالة مرضها . وبدت يولالي مستاءة هي الأخرى وألقت عليها تحية الصباح بلهجة شبه عدائية . وما أن غادرت يولالي الغرفة حتى ألقت كريستينا نظرة عاجلة على المنبه الذي جلبته معها من إنجلترا . لا يزال الصباح في بدايته فقررت البقاء في غرفتها مدة ساعة أو ساعتين طالما أن السيدة براندون لا تحب النهوض باكراً كما علمت منها.

أنهت فطورها ، وارتدت بنطلوناً ضيقاً قصير الأكمام ، ثم رتبت سريرها ، وأسرعت بالعدو في اتجاه الحديقة عبر السلم الخلفي . وقادتها قدماها إلى الشجيرات الكثيفة عند أطراف الحديقة فلمحت ممراً ترابياً يؤدي إلى الشاطئ . كان الهواء يترنح بهمهمة النحل وحشرات أخرى وترامى إلى مسامعها همس الأمواج تداعب الشاطئ البعيد .

حثت الخطى ، متفادية الجذور الجافة البارزة ، حانية رأسها مخافة شبك شعرها في الأغصان المتدلية . كان ممراً ضيقاً وبدت الشجيرات الكثيفة تمتد أمامها مثل نفق داكن اخضر لا تخترقه أشعة الشمس .

وأخيراً وصلت إلى بقعة الرمال الفضية المنحدرة برشاقة نحو المياه المزبدة ورفعت وجهها تتأمل بامتنان ، تخال أنها تقف وحيدة في عالم هجره أهله ، ولم تعد تسمع سوى تغريد عصفور سعيد وصوت مياه البحر الحالم . انه شاطئ مثالي هادئ ، خاطبت نفسها ، ولا بد لها من انتهاز الفرصة غداً فتجلب ملابس السباحة ، وتنعم بدفء الموج اللذيذ . خلعت حذائها ومشت حافية إلى حافة المياه فلامست قدميها بنعومة رقيقة . ثم بدأت تمشي على الشاطئ ، والنسيم العليل يداعب شعرها ويبعث في شرايينها حياة جديدة ، طارداً بقايا ليلتها البائسة .

وخالت أنها الآن قادرة على تحمل كل المصاعب التي تواجهها في موطنها الجديد وحتى ثيو ستعرف كيف تتعامل معه ، مهما كانت نوياه . علت فمها ابتسامة وهي تفكر في ثيو ، ذلك الفتى الدمث الأخلاق المرهف الشعور ومع ذلك قررت انه لا يلائمها أن تتزوج أحد اقرب إلى مزاجها ، وتصورها لمواصفات الرجل ، رجل المستقبل ووجدت نفسها تفكر في ديفلين براندون ، فاجتاحها مشاعر غامضة وكأنها ترفض إصدار حكم نهائي عليه .

كانت غارقة في أفكارها ، تمتع أذنيها بهدير الأمواج فلم تنتبه إلى صوت إيقاع مكبوت يرتفع وراءها وعندما تبينته قليلاً ، احتارت في معرفة مكان انبعاثه ثم أدركت بهلع انه إيقاع حوافر حصان يعدو فوق الشاطئ . نظرت وجلة ممتعضة تعلن حظها السيئ ورأته بقامته الطويلة يمتطي حصاناً أسود اللون ضخماً كان عاري الصدر ، داكن البشرة يفيض رجولة ورقة . أين المفر الآن؟ فكرت كريستينا لتركض مسرعة إلى الأشجار ، فهي ملاذها الوحيد .

أدركت انه يلاحقها عمداً ، فضاعفت من سرعتها . زلت قدمها والتوى كاحلها التواء مؤلماً دفعها إلى إطلاق صرخة ألم موجعة وتهاوت على الرمال بائسة تمسك قدمها .

شد ديفلين لجام حصانه وقفز برشاقة عنه ، مندفعاً نحوها وهتف :

- هل جننتِ يا كريستينا..؟

كان يتوقد غضباً وأدركت مدى جنونها وهي تحاول الهرب على هذا النحو . كانت نزوة صبيانية لا يجوز أن تخضع لها بعد نضوجها وما هو عذرها؟ لا شيء سوى عنادها ورفضها مواجهته ، وها هي الآن تنبطح أرضاً وتخسر ما تبقى من كرامتها.

حاولت النهوض ، فتهاوت لا تستطيع حراكاً . انحنى ديفلين براندون بجانبها وراح يتفحص باهتمام كاحلها بإصبعه ، فأغمضت عينيها بقوة . قالت بجفاف :

- سأكون بخير بعد برهة قصيرة

وقف على قدميه معلناً في تهكم :

- يفرحني أن اسمع رأيك الحكيم . بدأ كاحلك بالتورم كما ألاحظ . لابد من غسله بالماء البارد وربطه . سآخذكِ إلى حجرة المركب لمعالجته .

وكأنها أصيبت بصدمة عنيفة صاحت :

- كلا! ( ثم غيرت لهجتها ) اعني ... اعني شكراً على مساعدتك ولكن سأكون بخير إذا ما استرحت لبضع دقائق هنا .

استشاط غيظاً :

- يالك من مخلوقة عنيدة . اعرف كم يصعب عليك الاعتماد علي مرة ثانية ولكن لا خيار لديك . وأعدك بالاهتمام بكاحلك ولا شيء غير ذلك ، إذا كانت الشكوك تساورك .

انحنى ليساعدها على النهوض ، فاشتعلت حقداً وغرزت أسنانها في يده بسرعة البرق . شتمها وسحب يده وقد لطختها بقع حمراء غائرة دامية . جلست كريستينا صامتة متوجسة تشعر بالذنب . نظرت إليه وكلمات الاعتذار ترتجف فوق شفتيها فرأته يبتسم قليلاً :

- ما معنى هذا العض ، هل صدر مني ما يغضبك؟

غصت حنجرتها :

- أنت .... أنت ....

- انكِ قليلة الحياء ، ولا بد من تلقينك بعض الدروس في كيفية التعامل مع الآخرين

وفجأة انكب فوقها وحملها إلى حصانه . أقعدها فوق السرج وامتطى الحصان وراءها ، قطعا مسافة قصيرة خالتها كريستينا أميالاً تتلوها أميال . يا لها من لحظات حرجة انعقد خلالها لسانها وهي تصارع أحاسيسها الغريبة . تجمدت فوق ظهر الحصان لا تجرؤ على الآتيان بأية حركة ، كان راكباً وراءها وكأنه لا يبال بما يدور في داخلها من صراع رهيب . لا شك انه رجل جذاب وتدرك ذلك من أعماق قلبها ، لكنها لن تفصح بأي شيء . لا ، لن تخضع لوسامته ، لن تبوح بعواطفها المتأججة .

تمهل الحصان قليلاً ، ووقع نظرها على مركب فخم يتهادى قرب الشاطئ وقرأت اسمه المطلي بإتقان : عذراء القمر . لم تكن معتادة على امتطاء الخيول من قبل فأحست بالإعياء وظل كاحلها يؤلمها بشدة . حمدت لله عندما ترجل ديفلين وحملها وأنزلها عن السرج وبدأ الحصان يعدو مبتعداً عن الشاطئ .

سألته :- لماذا فعلت هذا؟

قال :- إن الإسطبل في ارك اينجل وهو يعرف طريق العودة . مارك سيهتم به .

لم تصدقه . انه لا يسكن في ارك اينجل ورأت كوخاً صغيراً قرب تله رملية . ترى هل يعيش في هذا المكان؟ سألت نفسها حاولت أن تمشي ، فأخفقت إخفاقاً مزعجاً حملها بين ذراعيه واخذ يصعد بها السلم الخشبي . دخل غرفة كبيرة مبعثرة الأثاث تغطي أرضها بطانيات مزخرفة الألوان . ورأت في الزاوية مقعداً خشبياً تتكوم فوقه بعض الأقمشة تستر شيئاً ضخماً تحتها .

فتح باباً داخلياً فوجدت نفسها في غرفة النوم ، حيث ألقى بها فوق السرير . توارى عن نظرها لبعض الوقت ، فعرفت انه يجلب بعض الماء وضمادة . عادة يحمل إبريقاً وصندوق إسعاف وقال آمراً :

- ارفعي أطراف بنطلونك إلى أعلى . هيا وإلا طويتها أنا .

فأذعنت لأوامره صامتة . وأخذت تراقبه بحذر وهو يعلب دور الممرض والدكتور خف الألم الموجع وقد لف كاحلها ضماد متين ، قالت بامتنان : شكراً .

ابتسم بعذوبة : - حاولي الوقوف الآن .

وأمسك بيدها ، وتحاملت على نفسها حتى لمست الأرض بخفة . وقفت منتصبة رغم إحساسها ببعض الوجع وتمتمت :

- إنني بخير الآن . يجب أن انصرف .

أشار نحو الباب :

- كما ترغبين . ولكن القهوة الآن جاهزة إلا تريدين شيئاً ساخناً؟

- شكراً من الأفضل أن اذهب . ستفتقدني السيدة براندون .

ألقى نظرة سريعة على ساعته :

- في هذا الوقت؟ ما بالك ، هل تخافين مني؟

توردت وجنتاها : - ما الذي تقصده؟ لم يخطر ...

قال وهو يلتهمها بعينيه :

- يوجد مشط في الدرج أنصحك بالاعتناء بمظهرك سأتدبر آمر القهوة . انضمي لي ساعة تشائين .

استدار وخرج . ياله من وغد! خاطبت كريستينا نفسها ما الذي يدبره لها؟ يا ليتها لم تخرج إلى الشاطئ . إنها الآن أسيرة نزواته الشريرة . كان العراف على حق انه إبليس بعينه ، إبليس الذي يعذبها بأساليب ملتوية و يهزأ منها كلما حاولت مقاومته .

وقفت أمام المرآة تسرح شعرها ، وتفكر في وضعها . قررت أن تشرب القهوة فتهدأ أعصابها قليلاً ، وتتمكن من التفكير بوضوح اكثر . توجهت إلى غرفة الجلوس . كان ديفلين يجلس في الزاوية يحمل إبريقاً وبعض الفناجين . استنشقت نكهة القهوة وكأنها فخ لاصطيادها ، فجلست على طرف المقعد ، متمنية أن يظل بعيداً عنها وبدا للوهلة الاولى منهمكاً في احتساء القهوة ، فاطمأنت .

أخذت تتمعن في الغرفة . رأت صفاًً من البنادق قرب الجدار المجاور لها وبعض أدوات صيد السمك . كان كل شيء يدل على مكان لا اثر لذوق النساء فيه .

تنحنحت : - هل تعيش هنا منذ مدة طويلة؟

- منذ أربع سنوات ، منذ وفاة أهلي .

حملقت فيه كريستينا بدهشة . غاب عنها للوهلة الأولى انه ابن مادلين شقيقة السيدة براندون ، تألمت لحاله بدون أي مبرر . سألته بعفوية :

- وتسكن هنا وحدك؟

قال وهو يقهقه :

- ياله من سؤال! لا تتوقعي مني أي جواب .

وتابع وهي تشعر بالإحراج : - علاوة على ذلك ، لا شك أن عمتي قد ألمحت أمامك إلى حياتي المتحررة الصاخبة . واعتقد أن هذا هو سبب فرارك مني على الشاطئ .

رمت بشعرها إلى الوراء :

- لم افر منك . كنت أتمتع بالبحر والهواء ، ولم اكن ارغب في رؤية أحد .

قهقه عالياً :

- انه تصرف لا يليق بسكرتيرة ، إذا كنت ستمارسين أي عمل .

فغرت فاها : - ماذا تقصد يا سيد ديفلين؟ إلا تصدق إنني سكرتيرة؟

استطرد هازئاً :

- لا أظن ، لأنني اعرف عمتي جيداً . إنها إنسانه ذات شخصية مستقلة ومستبدة ولم يسبق لها أن احتاجت إلى مساعدة أحد .

وضعت كريستينا كوبها على الطاولة الصغيرة ، وشبكت أصابعها مضطربة :

- يبدو لي أن خلافاً ما نشأ بينك وبينها . لا اعرف ما هو ، ولا علاقة لي بذلك . لكنها ربة عملي ، وعاملتني بكل لياقة ، وأشعر بالحب والولاء لها . ربما كنت على حق فهي لا تحتاج إلى سكرتيرة ، ولم تعرض علي العمل إلا حرصاً على كرامتي وحفاظاً على صداقة قديمة ...

توقفت عن الكلام ، وهو يحدق فيها وكأنها مجنونة . قال متجهم الوجه :

- ما هذا؟ ما هي هذه الصداقة القديمة؟

بلعت ريقها قائلة :

- كنت أعيش مع عمتي ، وربة عملي الآنسة غرانثم غريس . ماتت منذ بضعة أسابيع ولكنها كتبت إلى السيدة براندون قبل وفاتها ، وأعتقد إنها طلبت منها الاعتناء بي . لذلك جاءت إلى إنجلترا وعرضت العمل علي والبقاء في هذا المكان .

بدا وكأنه لم يسمع كلمة قالتها :

- ولكن أنصحك بالعودة إلى إنجلترا وهذه نصيحة صديق .

تفجرت غضباً :

- لا احتاج إلى نصيحتك أو نصيحة أي إنسان . ولا يمكنني العودة إلى إنجلترا الآن بدون أي نقود .

قال بهدوء :

- يا لها من ورطة!

ردت بكبرياء :

- إنها ورطتي أنا . اعرف أن الوضع صعب ولكن علي تلبية رغبات السيدة براندون.

قال مهدداً :

- إذن ابقي عند عمتي ، وتحملي وضعك ولكن إياك أن تجئ إلى باكية صارخة عندما تسوء معك الأحوال .

وقفت متثاقلة على قدميها وقالت بصوت مرتجف :

- أنت آخر من أفكر في اللجوء إليه يا سيد براندون آسفة لإزعاجك لن ترى وجهي بعد اليوم .

مشت نحو الباب ، فأحست بيديه تمسكانها بفظاظة :

- لماذا لا تعضين الآن؟

استعادت صوابها ، وصرخت مبتعدة عنه ، والخجل يغمرها :

- يا لك من وغد أيها الإبليس اللعين!

وأطلقت ساقيها للريح ، تعدو هاربة رغم آلام قدمها . كانت تتلوى آلماً عندما بلغت سلم الحديقة المؤدي إلى شرفتها . ولم تعثر على حذائها الذي خلفته وراءها قرب الشاطئ ، فصعدت حافية القدمين . شعرت بنعومة السجادة وهي تدخل غرفتها وارتمت فوق سريرها .

استلقت منهكة ، لا تجد تفسيراً لمغامرة طفولية تخوضها مع رجل لا يحترمها تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها . رن جرس الهاتف بشكل متواصل . رفعت السماعة :

- الو .

وهدر صوت السيدة براندون :

- كريستينا؟ هذه ثالث مرة اتصل بك أين كنت؟

اعتدلت كريستينا ترفع عن وجهها شعرها المشعث :

- ذهبت في نزهة قصيرة . أنا آسفة هل كنت تريدين شيئاً؟

- تعالي إلى غرفتي فوراً .

وأقفلت العجوز السماعة بعنف .

بدلت كريستينا ملابسها بسرعة لتخفي آثار نزهتها المشؤومة وسرحت شعرها وخرجت تكاد تجري .

هزت كريستينا برأسها صامته . إنها نصيحة من السهل تنفيذها ، خاطبت نفسها .

قضت كريستينا ساعة من الزمن تملي عليها السيدة براندون بعض الخطابات وكانت في معظمها تافهة المضمون ، كما اكتشفت ، تدور حول أعمال خيرية أو تلبية دعوات اجتماعية وهذا كل شيء .

من الواضح أن السيدة براندون لا تحتاج إلى سكرتيرة ولن تجد عملاً يشغلها طوال اليوم . فكرت كريستينا .

جلست في المكتبة تكتب الرسائل على الآلة الكاتبة . راحت تستعيد آراء ديفلين حول شؤون المزرعة ، والمصاعب الاقتصادية في جزر الهند الغربية .

وجدت نفسها توافق على ما ذهب إليه ، مع إنها لم تكن خبيرة اقتصادية . تذكرت مقالاً قرأته في إحدى المجلات يناقش هذه النقطة ومن زاوية مشابهة .

أنهت كتابة الرسائل وهمت بالصعود إلى الطابق الأعلى لتطلب من السيدة براندون التوقيع عليها . لكنها ظلت مسمرة على الكرسي تغرق في لجة من القلق والاضطراب .

ماذا تفعل؟ سألت نفسها . هل تعود إلى إنجلترا ... وكيف؟ لا يمكنها البقاء في منزل مغلف بالأسرار والمشاكل ويقطنه أناس غريبوا الأطوار .

وماذا عن ديفلين براندون؟ إن مشاعرها إزاءه مشوشة ومتناقضة . انه الشيطان . عرف كيف يدبر لها مكيدة تلو الأخرى . ويتقرب إليها حتى خال إنها استسلمت له بكل جوارحها يا لبؤسها!

تلك كانت غلطة مشؤومة . لن تكررها أبداً . قررت أن تستمر في العمل في ذلك المنزل مهما كانت المصاعب .