-2-

4 0 00

-2-

رحلـــة إلى المجهـــول

فتحت كريستينا شباك غرفتها ، وخرجت إلى الشرفة تستنشق الهواء المنعش ، وتتمتع بحرارة الشمس الدافئة . وأخذت تراقب الفناء الداخلي للفندق الذي يتوسطه حوض سباحة ذو ألوان تتلألأ زرقة مخضرة كالفيروز . استاءت السيدة براندون من تأخر طيارتها إلى المارتينك بعد ظهر ذلك اليوم ، لكن كريستينا لم تشعر بأي انزعاج . لم تكن في عجلة من أمرها لركوب الزورق والإبحار إلى جزيرة سانت فيكتوار الصغيرة . لا باس من قضاء بعض الساعات في المارتينك والتمتع بمناظرها . أوت السيدة براندون إلى غرفتها ، وأشارت على كريستينا بالمثل لكنها لم تعبأ بنصيحتها . إنها لم تستوعب بعد كل هذه التطورات الجديدة في حياتها ، ولم تزدها رحلة الطائرة إلا شوقاً لاكتشاف هذا العالم الجديد.

لم تكن كريستينا تعرف الشيء الكثير عن المنزل أو المزرعة حيث ستعيش بعض الوقت . كل ما تعرفه أن الأخت مادلين وزوجها لقيا أجلهما عندما غرق مركبهما قبل سنوات قليلة ، وبدون أن تلم بتفاصيل هذا الحادث . تأكدت من شيء واحد . أن السيدة براندون تماماً كما قالت ، حادة الطباع ، سريعة الغضب ، اكتشفت ذلك بنفسها أثناء التسوق في لندن ، وعبر أسلوبها في التعامل مع موظفي الفندق ولم تدع أحداً يفلت من لسانها وأوامرها عندما توجهتا إلى المطار للإقلاع إلى المارتينك . مرت نصف ساعة وهي تهبط سلالم الفندق العريضة ، حيث خلعت ملابسها التي ارتدتها أثناء الطيران ، وارتدت تنورة قطنية قصيرة قرمزية اللون ، وقميصاً ابيض عقدت ذيله حول خصرها وأرخت شعرها فوق كتفيها ، فبدت اكثر نضارة واصغر عمراً إن السيدة براندون اقترحت عليها ارتداء ملابس صيفية وشجعتها على شرائها عندما كانت بلندن ، وها هي تنفذ أوامرها .

اشترت كريستينا دليلاً سياحياً ، وأخذت تطوف في الشوارع تقلب النظر في البيوت ذات الهندسة العجيبة ، وتتوقف قليلاً أمام كاتدرائية شاهقة ، أو محلات العطور أو اللعب والدمى . واشترت دمية صغيرة تزينها أزياء المارتينك الشعبية ولاحظت أن الأزهار تنتشر في كل مكان ، وتتدلى من الشرفات بألوانها الصاخبة المرحة وتدافع الباعة يعرضون عليها باقات الزهور المختلفة . تابعت السير إلى أن شعرت بالجوع . تمنت لو تدخل مطعماً لتناول بعض الطعام التي كانت تترامى رائحته الذكية إلى انفها . تذكرت تحذيرات السيدة براندون المتكررة وضرورة تناول الغداء في الوقت المحدد ،

عندما قررت العودة إلى الفندق ، سرعان ما اكتشفت صعوبة ذلك إذ لم تعد تعرف طريق العودة . أتذهب عبر هذا الشارع وتنعطف يساراً عند تلك الزاوية ، أم تسير في الشارع الموازي؟ وأخذت تخرج من شارع وتدخل في آخر .

وتحولت رحلتها السياحية إلى كابوس رهيب . أبطأت الخطى وهي تحدق حولها مرتابة . سمعت صوت طفل يبكي بكاء متصلاً وكأنه يمزق جوارحها المتعبة وارتفع وراءها وقع أقدام المارة ، فاطمأنت قليلاً أنها عثرت أخيراً على أحد تسأله عن طريق العودة إلى الفندق ، وحتى بلغتها الفرنسية المحدودة ولكن ما أن استدارت حتى تجمدت الكلمات في حنجرتها . كانوا ثلاثة صبية .

رأتهم يتوقفون على بعد خطوات قليلة وينظرون إليها ابتسموا بصمت ، وأدركت كريستينا مدى ذعرها وعجزها لأول مرة في حياتها . إنها حرب أعصاب ، خاطبت نفسها مرتاعة . فكرت أن تطلق ساقيها للريح لم يكن لها إلا الهرب ، وهي لا تستطيع التراجع إذا ما فاجأتها نهاية ذلك الشارع شبه المعتم . وفجأة تقدم أحدهم فأمسك بها ورماها أرضاً . أغمضت عينيها مذعورة ، وانطلقت صرخات استغاثاتها تدوي في الشارع المقفر . فتحت عينيها ثانية ، فأحست بصمت رهيب يخيم حولها . واستدارت ليقع نظرها على رجل طويل القامة يقف وراءها . أرادت أن تشكره لكنها قالت بفزع :

- لقد ذهبوا !

قال بهدوء :

- طبعاً . هل أنتِ بخير؟

كانت لغته الإنجليزية سليمة لاعيب فيها ودون لكنة أو لهجة غريبة . سألها :

- ما الذي تفعلينه في هذا الحي؟ هل يعرف أهلك أنكِ هنا؟

- أنا هنا مع ربة عملي .

تمعن في قسماتها قليلاً :

- ربة عملك؟ اعذريني . لم اعتقد انكِ في سن يسمح لك بالعمل . احزر! هل أنتِ ممثلة أم عارضة أزياء؟

كان يسخر منها . هكذا افترضت كريستينا ، فأسرعت بالإجابة :

- أنا اعمل سكرتيرة ، أرجوك يجب أن أعود الآن ثمة من ينتظرني .

- بدون شك . ماذا تفعلين بالضبط كسكرتيرة؟ هل تكتبين على الآلة الكاتبة؟

ازدادت غضباً . لماذا يتصرف بهذا الأسلوب الفظ؟ هو الذي بادر إلى مساعدتها ولم تطلب منه إنقاذها . قالت :

- قليلاً . نعم أجيد الكاتبة قليلاً.

- قليلاً ؟ إذن لابد أن مواهبك تبرز في أمور أخرى .

صاحت وهي تلقي نظرة على ساعتها :

- يا للويل . داهمني الوقت . هل تستطيع أن تدلني على الطريق العودة إلى فندق بوهرنيه؟ لقد ضللت الطريق كلياً .

قال هازئاً :

- كيف ستعودين بدون محفظة يدك؟ لقد نهبوها . كل ما كانوا يريدونه منك بعض النقود لا غير .

ازداد هلعها ، فحاولت إخفاء مشاعرها وقالت :

- لا بأس . هل تدلني على الطريق الفندق من فضلك؟

أمعن في سخريته :

- سيري في اتجاه الشوارع التجارية ، فأنتِ على مقربة منها الآن . انعطفي يساراً ثم يميناً وستجدين نفسك في الشارع الرئيسي . حاولي تجنب الأزقة والحواري الضيقة فهي غير آمنة أجمالاً .

انتحى قليلاً ، وابتعد عنها . ظلت كريستينا تراقبه حتى توارى عند الزاوية المحاذية وكم كانت سعادتها عظيمة عندما اكتشفت دقة توجهاته ، حيث وجدت نفسها أمام مدخل الفندق بعد دقائق معدودة فأسرعت الخطى إلى السيدة براندون قبل أن تفقد صوابها وينفذ صبرها .

وما أن همت بدخول بهو الفندق حتى لمحت مجموعة من السياح يتزاحمون ويتابعون شيئاً ما يدور هناك . تغلب عليها فضولها فقررت اكتشاف الحدث الهام الذي يستحوذ على انتباه الجميع . تقدمت قليلاً إلى أن تبينت زنجياً يجلس مقرفصاً على الأرض ويرمي عظاماً يابسة في الهواء ثم يلتقطها وهو يتمتم كلمات تنذر بالويل والثبور انه عراف يقرا البخت ، خطت خطوة إلى الأمام . ووقفت أمامه مذهولة ورأت رجلاً ينقده بعض الدراهم ، ثم يشكره . ساد صمت مزعج . لم يتقدم زبون جديد . فلتجرب حظها ، عساها تتبين ملامح مستقبلها الغامض . التقت عيناها بعيني العراف ووجدته يبدأ في قذف أصداف براقة ، ويومئ لها لتجلس قربه , أطاعت أوامره وكأن قوة سحرية تجذبها إلى سماع كلماته . تململ قليلاً . فرك جبينه وما لبث أن قال :

- عليك الاحتراس والحذر يا آنسة . أني أرى شراً في طريقك كوني حذرة من ابليس أرك . أينجل اللعين في آرك أينجل .

ثم نهض بغتة ، وجمع الأصداف والعظام ، وغادر مسرعاً ، متجاهلاً احتجاجات السياح . وقفت كريستينا محمرة الوجنتين ، مضطربة ، تركض كالمجنونة نحو الفندق ، و كلماته تتردد في أذنها : كوني حذرة من ابليس.

كانت تعاني من صداع رهيب عندما شدت الرحال في اليوم التالي للذهاب مع السيدة براندون إلى جزيرة سانت فيكتوار وهي لا تزال تتذكر عبارات هذه العجوز اللاذعة وتأنيبها لها لتأخرها وتعرضها لمشكلات كانت في غنى عنها.

واستعادت أحداث يومها الفائت ، وخاصة مقابلتها لذلك العراف وقراءته لحظها لا بد انه يتبادل المعلومات مع أحد موظفي الفندق حول النزلاء ، ولا شك أن السيدة براندون اشهر من أن تعرف ، فكرت كريستينا . الكل يعرف أين تسكن واسم منزلها . فكان من السهل معرفة مكان توجهها . إنها مسالة في غاية البساطة ومع ذلك كيف تفسر كلماته؟ ما الذي يقصده بالتحديد؟ وأخذت تتساءل بقلق عن الدافع الذي حمل السيدة براندون للسفر إلى إنجلترا والبحث عنها . فصحتها سيئة وتعاني من التهاب المفاصل ، ولا تكف عن تعاطي الأقراص والمسكنات ، مما يعني أن قلبها في حالة سيئة أيضاً . وإذا كان هذا هو الوضع ، تابعت سلسلة أفكارها ، فلماذا لم تكلف أحداً غيرها للقيام بالسفر إلى إنجلترا في رحلة طويلة مضنية كهذه؟ وتمنت لو تستطيع إقناع نفسها بعاطفة السيدة براندون الجياشة ، وإنسانيتها المفرطة ، ولكنها لا يمكنها أن تصدق كل ذلك بعد أن اختبرتها عن كثب.

إذن هناك سبب ملح دفع السيدة براندون إلى رؤيتها شخصياً ، مع أنها لا تعرف ما هو هذا السبب الملح لبؤس حياتها . وصلت إلى أرض المارتينك تفيض حيوية وغبطة وتخال إنها تعيش اسعد لحظات حياتها وها هي تجلس في هذا المركب حزينة ، مشوشة الأفكار ، تلمح جزيرة سانت فيكتوار فلا تترك في نفسها إلا انطباعاً مغلفاً بالأسرار والحيرة . همت بمغادرة المركب محاولة تعزية نفسها وتعليلها بمفاجأة سارة جديدة . قررت أن تشاؤمها لا يليق بها ، وربما كان إحساساً خاطئاً لا صحة له , فلتنتظر حتى تتضح الأمور اكثر . كانت تنتظرها على رصيف الميناء سيارة فخمة ، يجلس وراء مقودها رجل اسود يرتدي بزة رسمية ولاحظت تبدل طبيعة السيدة براندون ، وظهور دماثة لطيفة في تصرفها إزاءها ، وهما تتوجهان نحو السيارة .

ورأت السائق يرفع قبعته وتوجه صوبهما بابتسامة عريضة :

- الحمد الله على السلامة يا سيدتي . ويا آنستي.

أعطته السيدة براندون عصاها ، وصعدت إلى المقعد الخلفي قائلة :

- شكراً يا لويس باركك الله .

ولاحظت كريستينا السائق يلف بطانية حريرية حول ساقي السيدة براندون رغم رطوبة الجو الحار . جلست في المقعد الأمامي كما أشارت عليها ربة عملها . وانطلقت السيارة ، و كريستينا تعشر بالحر الخانق ، تمني نفسها بحمام ماء بارد وبعض المرطبات فور وصولها . لم تجد ما يلفت النظر في منطقة الميناء سوى مجموعة من المباني الصغيرة المسقوفة بألواح من الصباح المضلع ، ويعلو معظمها الصدأ والغبار . وكانت الشوارع المتفرعة من الميناء ضيقة ومزدحمة بالدراجات . ولاحظت كريستينا أن الأرصفة تتكدس فوقها أكشاك الفاكهة والخضار وتغص كل بقعة بالأولاد والصغار وشتى الحيوانات . وأبدت إعجابها بمهارة لويس وهو يشق طريقه عبر هذا الزحام وما هي إلا لحظات حتى وصلوا إلى طريق واسع ، مستقيم ، لا يعكر صفو هدوئه شيء ، فتنفست الصعداء ثم تبين لها أن هذا الطريق ليس اكثر من طريق ترابي تتخلله الحفر ، فتهتز السيارة يميناً وشمالاً رغم مهارة لويس في القيادة . وبعد أن قطعوا بضعة أميال صعدت بهم السيارة إلى طريق مرتفع ، وتراءى البحر لكريستينا من البعيد ، بلونه الأزرق العميق ، يكاد يعانق الأفق بعفوية أخاذة . نظر إليها لويس مؤكداً :

- سوف تشاهدين مناظر اكثر جاذبية .

ومضت بهم السيارة في طريق أخر يتوسط حقولاً زراعية . يعمل فيها عدد من الأشخاص . ورأتهم كريستينا يلوحون بأيديهم ، وتصورت بدون أن تلتفت وراءها السيدة براندون تهز رأسها لرد التحية . وفطنت انهم الآن على أطراف المزرعة التي ذكرتها لها ربة العمل . كانت حقولاً شاسعة ، تمتد إلى مسافات بعيدة ، بنيت بها مجموعات من المساكن لإيواء عائلات العمال ، كما افترضت ، كأنها عالم صغير وسط عالم آخر ، و ارتابت كريستينا من ضخامة هذه المزرعة . لم تعرف في حياتها سوى الريف الإنجليزي وجماله الوديع ، وها هي تصطدم بالحر اللاذع ، والتربة الظامئة ، والأشجار والنباتات الغريبة الشكل والبراعم . أحست أنها في غابة موحشة لم تروضها الحضارة بعد . تناولت منديلاً ومسحت عرق جبهتها ووجهها . وكانت السيارة الآن تجري بمحاذاة الشاطئ ورماله الفضية ، وأمواجه المتهادية بنعومة ، يلامسها نسيم البحر العليل ، ولكن الحر داخل السيارة براندون التي تعشق الحر مهما كانت درجته . لا بد انهم اقتربوا من نهاية الطريق ، عللت كريستينا نفسها ..

سترخت في مقعدها ، مغمضة عينيها ، ومحاولة تناسي محنتها ، واهتزاز السيارة فوق الطريق الوعر . وما أن همت بالطلب من لويس للتوقف ، حتى وجدته يخفف سرعته ، وينعطف فوق طريق بدا لها ناعماً كالحرير بعد أهوال الأميال السابقة فتحت عينيها قليلاً ، واكتشفت انهم يمرون تحت قوس من الأشجار الخضراء المنعشة .

وهتف لويس وكأنه أحس بمعاناتها :

- سنصل بعد لحظة قصيرة .

انعطف بالسيارة فوق طريق منحدر ، فظهر المنزل يتراءى أمامهم ، تظلله الأشجار الوارفة .

كان مطلياً باللون الأبيض ، ويتكون من طابقين كبيرين تحيط به مصطبة عريضة وترتفع فوقها شرفة يزينها درابزين حديدي أمام الغرفة العليا . توقفت السيارة أمام درجات المصطبة ، ولمحت كريستينا امرأة طويلة القامة تنتظر عند الباب الأمامي للترحيب بهم ، ويدل فستانها الأسود ذي الشال النظيف انه مدبرة المنزل . تنفست كريستينا بعمق وهي تحس بتوترها يتلاشى تدريجياً ، نظرت إلى مدبرة المنزل وابتسمت بحياء ، لكنها لم تجد أي تجاوب . وتوكأت السيدة براندون على عصاها ، ومشت بتمهل وهي تهتف :

- سيدة كريستوف هل كل شيء على ما يرام؟

ردت مدبرة المنزل بصوت خفيض :

- كل شيء على ما يرام . لا توجد أية مشكلة.

وقفت السيدة براندون فوق المصطبة لاستعادة نفسها ، ثم أشارت نحو كريستينا التي كانت تسير وراء لويس وهو يحمل الحقائب :

- اقدم إليك الآنسة بينيت . سيدة كريستوف ، هل تلقيت برقيتي؟

قالت السيدة كريستوف وهي تتفحص زائرتها الجديدة :

- نعم تلقيتها ... وأعددت لها غرفة . أهلاً بك في ارك اينجل يا آنسة بينيت .

وتوجهوا جميعاً إلى الداخل كانت القاعة الاولى فسيحة مربعة الشكل مبلطة بألوان زرقاء وخضراء وبدا لكريستينا أن جميع الغرف الرئيسية تفتح أبوابها على هذه القاعة ، وتبين لها أن الطابق العلوي يأخذ شكل صالة عرض واسعة وانتصب عند أقدام السلم اللولبي تمثال رخامي لشاب في ريعان الصبا يعتمر درعاً معدنياًَ ويمسك برمح طويل يهم أن يطعن به حيواناًَ مجنحاً يرتمي عند قدميه وكان الشاب إياه يمد جناحين رائعين مخضبين بالذهب .

تقدمت منها السيدة براندون شارحة :

- هذا هو ملاكنا الحارس يا آنسة بينيت والذي تحمل المزرعة اسمه ارك اينجل أو الملاك الحارس .

أجابت كريستينا بتعجب :

- صحيح؟

- ألم اقل لك أن وراء اسم المزرعة قصة طريفة؟ إنها تعود إلى القرن السابع عشر عندما بنت أول عائلة بيتاً هنا وشرعت بزراعة قصب السكر . كانوا يستخدمون العمال العبيد في تلك الأيام ، كما تعرفين . وجلبت مجموعة من العبيد مرضاً وبائياً وانتشر المرض في كل الجزيرة كانتشار النار في الهشيم . كان مرضاً كالطاعون واخذ الناس يموتون كالذباب . و هكذا تضرع سكان الجزيرة وهو في مرحلة اليأس إلى هذا الرمز – الملاك

وسألتها كريستينا باهتمام ودهشة :

- وهل نفعت صلواتهم؟

أجابت السيدة براندون بانزعاج :

- زال الطاعون بعد مرور أسبوعين . وظن الأهالي أنها كانت معجزة بحق . ومنذ ذلك الحين ونحن نسمي المزرعة ارك اينجل . إن التمثال قديم جداً ، أحضرته العائلة معها من فرنسا كعربون وفاء ( وفجأة تبدلت لهجتها ) اصعدي إلى الطابق الأعلى وستدلك السيدة كريستوف على غرفتك .

شكت كريستينا في كل كلمة سمعتها . إنها قصة خرافية ، خاطبت نفسها ثم مشت وراء قامة مديرة المنزل عبر البهو وممر تعلو قنطرة حيث تؤدي إلى جناح خلفي وتوقفت السيدة كريستوف قبل نهاية الرواق أمام باب خشبي مزودج وفتحته .

أخذت كريستينا تجول بنظرها في الغرفة وهي لا تكاد تصدق عينيها . كان السقف مطلياً بلون عسلي لامع وكذلك الحيطان أما السجادة والستائر الحريرية فكانت تميلان إلى الصفرة وأدركت لتوها أن هذه الزخرفة الفخمة فوق مستوى موظفة قد لا تمكث مدة طويلة . لاحظت السيدة كريستوف دهشتها فقالت :

- ألا تعجبك الغرفة يا آنسة؟

أجابت بتردد :

- على العكس تماماً إنها اجمل غرفة رأيتها في حياتي ولكن هل تنوي السيدة براندون تخصيصها لي؟

نظرت إليها السيدة كريستوف وكأنها توبخها :

- إن السيدة براندون تترك هذه التفاصيل لي . ولكن أؤكد لك أنها ستوافق على اختياري . لقد جلب لويس حقائبك . سأطلب من يولالي مساعدتك على فتحها ( ثم حدجتها هنيهة قبل أن تغادر مرددة ) لكن الظروف دائماً تتغير أليس كذلك؟ ربما كان من الأفضل لك الاستعداد لأي طارئ يا آنسة .

أوصدت الباب بهدوء تاركة كريستينا في مملكتها الصغيرة وكان أول ما فعلته الاستحمام وترتيب ثيابها في خزانة الحائط العريضة .

خرجت إلى الشرفة ولمحت عن يسارها سلماً حديدياً يؤدي إلى الحديقة ، وبركة سباحة طويلة مستطيلة الشكل . وامتدت في كل النواحي مروج خضراء تختلط بعد مسافة شاسعة بشجيرات مزدهرة ونباتات برية كثيفة الأوراق وبعد ذلك يبدو منبسطاً جميل المظهر .

لم تمر دقائق معدودة حتى سمعت رنين الهاتف في غرفتها فأسرعت ترفع السماعة قائلة :

- ألو . كريستينا بينيت .

سمعت زفيراً وأصواتاً خافتة ، ولكن لم جيبها أحد . صاحت بحدة :

- نعم؟ من تريد من فضلك؟

سمعت ضحكة مكبوتة وكأن صوتها المذعور أدى إلى النتيجة المرجوة ازداد توترها :

- هل تكف عن هذا المزاح وتخبرني ما تريد؟

ثم سمعت دقات خفيفة على الباب . استدارت مرتاعة ، فرأت الباب ينفتح ببطء . دخلت فتاة تناهزها في العمر . بدت بالغة الجمال بشعرها الداكن وعينيها السوداوين وبشرتها الضاربة إلى السمرة ، ابتسمت الفتاة ابتسامة بريئة عفوية كاشفة عن أسنانها البيضاء السوية :

- تفضلي بالنزول إلى المكتبة لاحتساء الشاي أو ربما تفضلين أن أجلبه لك إلى هنا؟

قالت كريستينا بعجلة :

- كلا سأنزل بنفسي . لا بد أنك يولالي؟

برقت عيناها متسائلة وهي ترى سماعة الهاتف فيد يد كريستينا :

- نعم أنا يولالي . ولكن هل تريدين شيئاً آخر؟

أحست كريستينا بحرج شديد :

- لا ولكن رن جرس الهاتف ولم يجبني أحد .

استأذنت يولالي وأخذت سماعة الهاتف تتحرى الأمر بنفسها وضعت أذنها على السماعة لحظة ثم استدارت صوب كريستينا :

- لا يوجد أحد يا آنسة . هذا هو هاتف المنزل الرئيسي ومن السهل الاتصال برقم خاطئ .

لم تقتنع كريستينا :

- ولكن لا أحد كان يتكلم لم يكن هناك صوت أي صوت أنه تصرف سخيف .

قالت يولالي ببرودة :

- ربما أخطأت الظن . لا يوجد أحد في هذا المنزل يتصرف هكذا.

ومشت نحو الباب ، متوقعة من كريستينا السير وراءها ولم يخب ظنها . لحقت بيولالي عبر الممر ، متجهة إلى السلم الرئيسي وهي تبحث عبثاً عن موضوع ما للتحدث إليها .

وكان وضعها في المنزل غامضاً . أنها الآن مجرد ضيفة ولكنها أتت إلى هنا لتعمل هل أساء تصرفها إلى أحد؟ فكرت كريستينا . لم تتعرف إلا على لويس و السيدة كريستوف ويولالي . لا يمكنها تصور أحد من هؤلاء يعمد إلى ممارسة ألاعيب سخيفة ضدها في يومها الأول .

بلغتا أسفل السلم . وحدقت كريستينا في التمثال مرة أخرى وفوجئت باكتشاف شكل جديد للحيوان المستلقي عند قدميه . لم يكن تنيناً كما ظنت من قبل بل يشبه شكلاً بشرياً . وقررت انه قبيح المظهر ويثير الاشمئزاز .

عبرت يولالي القاعة ، تنتظر بفارغ الصبر أمام الباب في الجهة المقابلة . وضعت كريستينا يديها في جيبي تنورتها وقالت مستفسرة :

- يولالي ... أخبريني من فضلك من هو هذا السيد الذي تدوسه الأقدام؟

وقبل أن تتفوه يولالي بكلمة ، أرتفع صوت بدا مألوفاً لديها ، هز كيانها هزاً :

- انه إبليس يا عزيزتي إبليس نفسه .

رأت صاحب الصوت يقف عند المدخل الأمامي وعرفته رغم ملابسه الجديدة . أن عينيه لا تزالان تتماوجان بذلك اللون الفضي الذي لفت نظرها وهو يقف هناك في ذلك الزقاق الضيق بعد تعرضها للهجوم . قال بلطف :

- هل كنتِ تتوقعين أن يكون كائناً آخر؟