4

8 0 00

4

من النافذة الصغيرة المقّوسة للطائرة البوينك أحدق في الفراغ الهائل، حيث بدت كوّة مفتوحة على ثقب عميق في ذاكرتي.. تتدّفق منها الأحداث بما عشته من أيامي الأخيرة قبل الهرب من العراق.. لم يبق في قاع الذاكرة، سوى طيف رباب.. المرأة التي تجذبتني نحوها بعد مرور أكثر من عشرين سنة.. بطلة روايتي المخطوطة التي تركتها لدى صديقي علي عبد الهادي بندر.. رباب كبُرت عبر السطور والفصول حتى تحوّلت شيئا فشيئا الى حقيقة ماثلة أمام عيني، لا أستطيع الفكاك من شبحها مطلقا.. ولا أستطيع إخبار المحيطين بي بما أنا عليه.. غدت حقيقة من لحم ودم ورائحة تتفصّد عبر الفصول حتى تحولت الى طيف حلو يلاحقني في برلين، في كل زاوية ومكان من الشقة تحاول أن تنافس القطة (سيسو) الكئيبة على الاستقرار في حضن ذاكرتي.. في شقتي البرلينية أعيش عزلتي البلورية التي اختارها لي القدر.. الى أن حلّت رباب كجن صالح نطّت من بحيرة ذاكرة ورق المخطوطة.. بدأت تتجسّد أمامي وتناديني مثل حورية بحر هائج لإنقاذها من جحيم بغداد.. حتى قرّرت أخيرا الربط بين ذاكرة ورق مخطوطتي وحياتي، وعليّ مواجهة الواقع بقلب رجل ينتصر لحبيبته ويحل عليها مثل سوبرمان في لحظة نحس، لينقذها مما هي فيه..

الطائرة الآن تدخل مطّبا هوائيا جديدا يخلخل إيقاع نظام تدفق أحداث الماضي من ذاكرتي.. أغمض عينيّ لأحلم بها.. يندفع سيل جديد من تاريخي هناك.. أأنا مجنون فعلا يعيش بذاكرة متضخّمة ويصبح أسيرها؟ أم بَطرُ مثلما صنّفني فريقان من الأصدقاء في مقهى برلين عرب سنتر؟؟.. المهم سأصل الى بغداد ولو كانت حقل ألغام أو جبهة مستعرة بين أكثر من فريقين متحاربين.. لا يهم فالموت في شقتي وحيدا مع قطتي (سيسو) وشبح رباب ليس أفضل من الموت في شوارع بغداد الدامية، أو حتى العودة الى برّاد الجثث إن من استدعت الحاجة أجلها.. فالموت واحد. سأغمض عينيّ أكثر لأستعيد الشريط المفقود من ذاكرتي هناك.

أذكر أن العمل في المركز يبدأ في إخراج الجثث وتوزيعها حسب العناوين المرفقة بعد قدوم سيارات (تاكسي السخرة) ووقوفها على باب مركز تسليم الجثث بالطابور.. مع أوراق كشف الاصابة المرفقة التي تتحول الى شهادة وفاة رسمية بلون أزرق، بينما النسخة الأخرى باللون الأبيض نحتفظ بها كنسخة حفظ وإحصاء.. أحيانا يتم التسليم مباشرة لذوي الجثة بكل رشاقة في ساعات فوضى الجثث الخارجة والداخلة في ساعة حمراء من ساعات الهجوم المقابل..

كل يوم وبعد الساعة الواحدة ظهرا ينتهي عمل البرّاد.. نذهب نحن حضيرة من الفصيل الخفر بالدور الى الاستحمام والتطهّر من النجاسة المفترضة.. نزيح ما عُلق بنا من دماء للتّطهر.. نغتسل برش الماء ثلاث مرات على الرأس ومثلها على الجسد.. كنت اُغني في أثناء التطّهر.. أكلكلُ بأغنية "اولولو عين الشمس ما تحماشي" لشادية لأتخلص من هاجس التوحّش، أو أدندن لنجاح سلام بأغنية (غزالي هارب غزالي) محاولا الشعور بوجودي الآدمي هنا وأطرد الفكرة الكلبية من رأسي. الجنود في أثناء التدريب يمزّقون الكلاب ويأكلونها، حتى تكتمل دورة الحياة عندما يتحول الجنود الى جثث وتأكلهم الكلاب في براري الحرب. اترنّم بأغانٍ منسية جميلة مع رش الماء والاغتسال، قيل للبعض منّا سبع رشّات أو تسع للتطّهر مع ثلاث بسملات وتكبيرات وحوقلات.. نخلع الكمامات والقفازات المطاطية ونلقيها في سلّة القمامة، ثم نوقد البخور الهندي لنطرد زنخ الروائح اللزجة، أو نضع قليلا من قطع الفحم في طاسة للماء لامتصاص الروائح.. نستريح على أسرّتنا في غرف النوم المرفقة بغرفة البرّاد.. نسينا أن لنا حاسة للشم بشكل نهائي، لا نشّمُ أية رائحة معلنة إلا رائحة لحم الكنغر المطبوخ في قصعة الطعام.. لكننا نرى ذوي الموتى يضعون أيديهم على أنوفهم أو يتنقّبون في يشاميغهم في فتح البرّاد.. فتعود لنا ذاكرتنا.. فنشعر اننا في دوامة رائحة تزكم الأنوف.. اوف كل هذا مرّ عليّ؟؟ مستحيل!..

للمرة الثالثة نتعرّض الى مطبات هوائية.. يعلن كادر الطائرة عبر مكبّر الصوت من عدم الخوف فنحن نمر بمطّب جوي عابر، هذه المطبّات الهوائية تصادفنا كثيرا في تلك البقعة من الفضاء.. يوصينا بشد الأحزمة والاسترخاء التام.. ما أن نخرج من المطب الهوائي حتى تستقر الطائرة.. تعود ألوان الوجوه الى طبيعتها.. وتسيل دفقات أخرى من سيل الذاكرة بالمعاودة الى مركز التسليم الرهيب: في آخر الليل يذهب (جندي الشغل) بعد أن جمع المخلفات المتروكة من سلة القمامة، كانت المخلفات بقايا متروكة ومفرومة أو متهّتكة دون أسماء أو أرقام تذكر حتى فقد الموت دهشته تماما، يتوجّب علينا اختراع جثة لمفقود ما من لملمة بعض الأعضاء الزائدة وتسليمها لأحد القادمين لنا وفق أوامر السيد الرائد مشتاق.. في تسميتها وعنوَنتها، نكتشف عن طريق الصدفة أنه كان يطعمها لكلاب متوحّشة خلف مدفن المركز.. في المساء كانت تتجمع حوله فيترك الكيس الأسود مفتوحا ويهرب.. عُوقب جندي الشغل (عبد الرزاق) وتم نقله الى مهنة أخرى، بصفة (قلاّع)، إذ يقتصرعمله من الصباح حتى الليل بقلع مسامير خشب صناديق العتاد الحربي لصناعة توابيت في شعبة نجارة المركز.."ايباه منذ زمن وصنبور الدم مفتوح في هذه البلد ولا أحد يفكر في غلقه"

كل هذا وأكثر في خزّان ذاكرتي ويقول عنّي صديقي في بغداد علي عبد الهادي بندر " أخ ناصر.. الغربة لحست ذاكرتك.. لا أستطيع الإفادة من مخزونك اللغوي المتبّخر في حل الكلمات المتقاطعة مستقبلا".. يمر شريط الصور دون فبركة أو تقطيع فنّي، وقد ساعد التحليق في السموات في سيل التدفق المكثّف لما مر بي في العراق.. ولكن ماذا عن رباب؟؟ حبيبتي؟؟ صحيح أني نسيت أخبارها.. لكن لو بقي يوما واحدا فقط من حياتي، سأخبرها اني أحببتها بقوة، لم أنظر لها يوما مثل جثة برّاد مطلقا.. يقولون القلوب سواقي.. ترى هل أحبتّني مثل حبي لها؟؟ حرارة أو برودة اللقاء المرتقب في بغداد هو الذي يحدد ذلك، والذي دفعني من المانيا حيث أحزمت حقائب العودة لأصل اليها.. طبعا هي الآن أصبحت كبيرة السن، وأنا كذلك لكن الأمر هيّن على المُحب، وحب الكبار أكثر حرارة وشغفا وجنونا..

لتزجية الوقت مما تبقى من زمن رحلة الطيران، أعود لنبش الماضي بأبرة نبش الذاكرة: أذكر كنّا نقوم أنا وصديقي علي لنلعب لعبة الزار، للحصول على رقم السبعة المحظوظة لاستعادة لعبة الطفولة.. رمية لي وأخرى له حتى يتبدّد الوقت ويحل الظلام، نذهب للنوم بعيون مفتوحة حالمين في الحياة خارج محيط المركز.. أحلمُ بالتخطيط للهرب والهجرة وعلي عبد الهادي يحلم بوطن حر لشعب سعيد وحل الكلمات المتقاطعة.. لا يمكن تصوّر حياة مركز الجثث من دون دور فيها لصديقي.. كل مكعب هو عبارة عن زار من زاريّ اللعبة.. مكعبان كل وجه مرصّع بنقطة سوداء أو أكثر بصفوف منتظمة.. من واحد حتى الستة.. في أول ساعة صباحية من العيد الصغير.. نخرج نحن جوقة (المُعيّدين) في صباح أول أيام العيد.. كنا في بغداد قبل النزوح الى السليمانية، يخبرنا الآباء أنه (عيد الصائمين) تهرّبا من العيدية، أما العيد الآخر فهو العيد الكبير، فيقولون أنه (عيد الحجاج) أيضا ليهربوا من إصرارنا في طلب عيدية الدراهم.. رغم ذلك نخرج بجيوب مملوءة بالخردة متوجّهين نحو ساحة الكرنفال الكبير في ساحة المدينة المركزية.. كانت لعبة السبعة المحظوظة هي الأكثر غواية لنا صغار جوقة أيام العيد.. يقول علي :"هذه اللعبة تقسم عالم أعمارنا الى عالمين متشابهين في الظاهر مختلفين في الباطن".. الشاطر من الجوقة هو المحظوظ الذي يفوز بالرقم سبعة.. أحد المكعبين يظهر نقطة سوداء.. والآخر يظهر النقاط الست، فيصرخ مهرج لعبة السبعة المحظوظة عبر بوقه عن هذا الفوز الذي لايتكرر في كل عشرة أعياد أو أكثر.. مهما تقلّبت المكعبات لا تلتئم على هذا النحو المحظوظ.. أنا أخذت عالم تحت السبعة وهاجرت الى المانيا، وعلي عبدالهادي بندر بقى هنا يقلّب أيامه في عالم فوق السبعة.. حتى قال قولته الشهيرة "أعوامنا العراقية هنا تشبه أعوام الفيل.. أكثر من أبرهة وأكثر من عام وأكثر من فيل "

عدت من جديد أبحث عن السبعة المحظوظة قال: "العمر ما يسوه غربة بعدْ، والوطن لا يمكن ان يكون حرأ والشعب لم ينل سعادته"..

سارت بنا الأيام في عالمين رماديين برائحة التفاح المتعفّن هنا أو هناك.. حيث قال علي مرة بهذا الصدد ما يشبه الشعر: "الخطى عرجاء.. زار الأيام يتقلّب على وفق نزق الشياطين"..

جاءت مضيفّة الطائرة ذات المؤخرة المثيرة البارزة مع ضيق تنورتها، تدفع عربة الخدمة المتأرجحة ..دغدغت برقّة مقدمة أنفي بإصبعها.. قالت: " أستاذ هل تريد مشروبا ساخنا أم باردا"..

* * *