3

7 0 00

3

أنا علي عبد الهادي بندر ينادونني في مركز الجثث (أبو الجرايد).. حيث كنت مدمنا على قراءة الصحف اليومية وحل الكلمات المتقاطعة بيسر.. دخلت في سجل المراقبة اليومية لأمن المركز كشيوعي، وعليّ الحضور الأسبوعي لحضيرة الأمن للمسائلة.. الحياة عندي كلمات متقاطعة ولديّ مخزون كبير من الكلمات ومرادفاتها.. الكلمات المتقاطعة تمرين لتنمية وإحياء مستودع مرادفات اللغة وأضدادها.. أما صديقي هذا الطائر الآن في الأجواء والعائد الينا.. الذي سبقني في الكلام فهو كاكه ناصر بلحمه وشحمه وطريقة تصوراته وكلامه، مثل ما ذكر بالضبط صديق معُتّق برائحة الماضي بذاكرته الملحّة..

أنتهت حرب الثمان التي خضنا جانبا منها معا منذ (23) سنة ولم تنته ذاكرته من ايقاف الشريط.. تحقق حلم كاكه ناصر في الهرب والافلات من فرن الحرب وبّراد الجثث المُجمدة، هاجر الى المانيا عندما كانت حرب الثمان في عامها الخامس وعلى أوجّها، أخبرني في ليلة عجفاء من ليال مركز الجثث وبسرّية تامة.. بعد أن دثّر جسمه ورأسه معي بنفس البطانية قال لي بهمس مخيف: "صديقي علاوي أنا يروح غدا في إجازة بعد ما يرجع.. سألتحق ببقيّة أهلي في المانيا.. احتفظْ لي بمخطوطة مالي في بيت مالك" تحسّست بسبابتي عينيه المبللتين بدمعه الدافئ.. تذوّقته كان دمعا مالحا" وددت القول له، لكن صوتي تكسّر في حنجرتي، خرج من فمي متقطّعاوحارق مع زفير حار " أتتركني مع وحشة هذه الجثث كاكه ناصر ؟"..

لحظة واحدة مرّت بسرعة للأسف أدركت إنها كانت سنوات تبخّرت من أصابع كفي.. سنوات كفرط حبيبات الرمّان، مرّ العمر برمشة عين من أجل تراب وطن أجرد وأملح.. "أيباه لدينا الكثير من تراب الوطن والقليل من الحياة الآمنة للعيش الرغيد".. متى نبتسم لك يا وطن ولا تضحكنا عليك؟ أهلي هناك يحبّون الموت أكثر من حبّهم للحياة، يحتقرون الحياة ويقدّسون الموت.. لعزاء الميت قدسيّة واحتفالات أكثر من ولادة طفل لأحدهم..

أتصلت بناصر بمنفاه في المانيا قلت له: "إذا تريد أن تأتي الى بغداد، فتعال في الشتاء.. صيفنا جمرة مستعرة بكف مجنون.. تحت ظل المفخخات ونزق الحكومات المراهقة، البلد جحيم لا يطاق مع انحسار تيار كهرباء الحكومة وطفح تيارات أخرى، الأجواء مجنونة وحارة جدا.. يوميا الشمس تنزل وتتغّدى معنا. تعالْ في الشتاء فالأمر أهون الشرين، أترك قطتّك (سيسو) الكئيبة في المانيا، الناس في بغداد لا تطيق بعضها فكيف تريد منها أن تطيق القطط الكئيبة؟؟ ".

يحاول كاكه ناصر مثل العراقيين المهاجرين العودة المؤقتة الى البلد، لممارسة لعبة الذكريات المفقودة وترميم ما فُقد منها مثل جماعته المغتربين، كذلك استلام مخطوطة روايته التي تركها معي وهرب من الخدمة.. قلت له" نعم موجودة" طبعا كذّبت عليه لقد نسيتها تماما..

غالبا ما تنشف وتشّح ذاكرة المغتربين بعد إستهلاك يومي وحلمي لخزينها الوشيك على النفاد.. فيحاولون العودة للتزوّد بالوقود الوطني، ناصر الكردي بطران.. أي مخطوطة وأي رواية.. جرثومة البلد تصيبهم بخيبات كبرى، ثم سرعان ما يعودون الى أوطان المنافي، مختصرين بذلك إجازاتهم.. ومكتفين بالصور وأصابع الباميا اليابسة والسمك المجفف التي أخذوها معهم..

الغريب العجيب في سلوكية ناصر الكردي التي أتذكرها الآن، إنه يهوى الزهور والعناية الفائقة بزراعتها.. شغوفا بأنواعها النادرة وعطورها الآسرة وبعكس اهتماما الجنود في المركز.. أي تناقض هذا بين رائحة الجثث وحديقة ناصر البريّة خلف المركز؟؟ يعرف مواسم زراعتها واسمائها والعناية بها.. خلف بناية مركز تسليم الجثث كان يذهب الى حديقته.. الحديقة تُسقى من مجرى ماء عبر انبوب حديدي يصل اليها من براد المركز الذي يبزل الدماء وبقايا اللحم البشري.. بعض الأيام أذهب معه لأتعرّف على تلك الحديقة وأشنّف أنفي لروائح الورد.. عطور الورود بدت باهتة الطعم رغم صورتها الجميلة فقد غلبت عليها صور وروائح الجثث، أصاب بالزكام لفرط حساسية الرائحة الغريبة كالمتذوّق لتفاحة متعفّنة.. قال لي ناصر مرة ما :" هذا النوع الأصفر هو الأوركيد إنها وردة رقيقة وخجولة جدا.. أما هذا النوع الفاتح والمتوّج بتويجات صغيرة هو ما يسمى شقائق النعمان.. وهذا النوع يدعى زنبق وهذا النرجس البري وهذا القرنفل وتلك في الزاوية البعيدة هي السوسن" وهذه بألوان قوس قزح تدعى عصفور الجنّة..

كان مغرما بالروائح " سألته من باب الإثارة:" ترى هل ندخل الجنة يا ناصر؟" ابتسم ابتسامته خجولة وغامضة وقال:" أعتقد ابتعدنا عنها كثيرا فنحن نوغل كل يوم في توسيع برّاد الجثث.. وتقليص مساحة الحدائق.. نحن نقتل ونحيي بإسمه العظيم.. وتحت راية الله أكبر.. قلت له:أعطني مرادفا للجنّة بخمسة أحرف.. قال: " فردوس.. الحياة هنا شبكة من كلمات متقاطعة ".

* * *