6

7 0 00

6

هكذا بالصدفة حدَثَ في يوم معلوم من شهر شباط عام 2007، وبعد مكالمة هاتفية مع ناصر الكردي الذي أصر على القدوم الى بغداد لطبع مخطوطته التي أودعها عندي قبل أكثر من عشرين عاما خلت.. اضطررت للصعود مجددا الى بيتونة منزلي بعد سنين طويلة فاصلة من باب البحث والاستطلاع في جولة التفقد والترتيب.. في يوم اشتدّت به تفجيرات المفخخات ، في اليوم الذي انتشرت به السيطرات الوهمية وتكالبت خناجر الطعن لثور بغداد الجريح من كل حدب وصوب.. فضلّت البقاء داخل قفص البيت هو الخيار الأفضل ، سأستغله للبحث عن مخطوطة كاكه ناصر.. تطلّب الأمر أن أتوقف عن عملي في موانئ البصرة كمخلّص بضاعات وأستمر في البحث عن مخطوطة ناصر الكردي..

في البيتونة ثمة بقايا من قناني صندوق حليب وفردة قندرة معقوفة البوز ودواشك قطنية ممزقة.. ثمة آثار خرائط تبّول عليها.. على جدران البيتونة قلائد باميا وسمك مجفف، وثمة صناديق بلاستك وكراكيب أخرى.. كانت البيتونة مستودعا للفوضى واستعادة الذكريات المالحة، مثل تاجر مفلس يقلّب دفاتر قديمة.. رحت أنبش بشغف جنطة حديدية عتيقة مخسّفة فيها رائحة حرب عفنة وذكريات معتّقة تشبه رائحة سراديب القبور والتفاح المتعفّن، "أيباه إنها حرب الثمان وتلك خميرتها".. أنا مستمتع برائحة الحرب المعتّقة بالتربان ورائحة البراد المركزي وجثثه الموميائية مستعيدا رائحة التفاح المتعفّن.. عثرتُ في الحقيبة على دزينة شفرات حلاقة (لورد الملكية) وباكيت جكاير سومر (ابو الكيس) وقرص هويتي وحربة بندقية كلاشنكوف تصلح لطعن الخاصرة.. كانت هويتي القديمة مضحكة بتفاصيلها أيام تحت السبعة مثلما هي مضحكة أيضا أيام فوق السبعة.. عثرت على المخطوطة الضائعة لصديقي ناصر رشيد وتحتها كلمة (رواية)، كان كل اسبوع يلّح عليّ بمكالمة أو يرسل رسائل في البريد الالكتروني الايميل أو رسالة ال sms للتذكير بالمخطوطة، حتى وجدتها في حقيبة عسكرية داخل الحقيبة الحديدية.. رائحة المخطوطة تعيد لي نسيج الحكاية من جديد، بين ثناياها تراب ناعم من تراب الوطن.. ضحكت بسرّي كثيرا على تراب الوطن الحر والشعب الباسم السعيد ولعبة الكلمات المتقاطعة.. خفت أن يسمعني المتشدّقون في الوطن الحر ويبصقون على وجهي ويعدّوني غير مبدئي..

خدَمَ ناصر معي في الساتر الأول في شرق البصرة ضمن قاطع الفيلق الثالث.. نُقلنا معا لإحالتنا الى جنديين غير مسلحين في مركز تسليم جثث الجنود الموتى خلال المعارك.. يسمى آنذاك مركز تسليم الشهداء/ف3.. ناصر كان يعاني من كآبة انفعالية حادة وفق تقرير اللجنة الطبية المحال لها.. أما أنا فقد كُتب بكتاب الارسال ووفق تقرير اللجنة نفسها التي أوصت الى إحالتي الى جندي غير مسلح مثل كاكه ناصر.. (قصر بصر استكماتزمي أكثر من ثمانية ديوبترات في كلتا العينين).. هكذا أصبحنا صديقين متلازمين دائما في ظل رائحة جثث الحرب.. كان يسميني (أبو الجرايد) لكثرة ما كنت أتابعه بشغف من الصحف المحلية وحل الكلمات المتقاطعة في صفحات كل جرائد الحرب التي تقع بين يديّ.. بعكسه ناصر الذي كان يغوص عميقا في كتب الأدب والفلسفة والتاريخ ثم يبدأ في الليل بتمضّغ كآبته..

ناصر كتب مخطوطته في دفتر رسائل اشتراه من سيارة ايفا روسية تسمى (التحفية) وهي حانوت الجيش المتنقّل.. ثم سهر عليها لأكثر من سنة يكتب مشروع روايته في غرفة نومنا قريبا من رائحة الكافور الممزوجة برائحة الجثث، حتى تعفّنت رائحة المخطوطة واصبحت برائحة التفاح المتعّفن..

"اقتنعت واهتديت".. ما معنى ما كتبه ناصر الكردي في تلك الجملة التي بدأ عتبتها في مخطوطته؟ "والله ما أعرف".. حتى في معيشتي بالقرب منه في المركز، كان يقول لي كلاما لا أدرك مقاصده، هو كثير التذمر وكثير التأمل ويفلسف الظواهر بطريقة عميقة.. يقرأ في آخر النهار وفي ساعات الفراغ.. عندما ننهي عملنا في تنضيد الجثث في البراد أو نرزمها ونرقمها أو نغلفها بالنايلون.. يدوّن في آخر الليل في دفتره فصولا من روايته، تذكرني جملته تلك ببلاغة القلق والايمان لديه أو صراعهما في عوالم تحت السبعة..

أنا طبعا أختلف عن صديقي ناصر الذي انقطعت أخباره ثم عادت مع الايميل والموبايل والتواصل الالكتروني الجديد.. ازداد ولعه في الذكريات التي شكلّت ما تبقى من حياته.. أما أنا فغير مهتم بشيء نافع عن الأرض والوطن والتأريخ والذاكرة، سوى إنها مفاهيم بالية المعنى في عالم فوق السبعة بعدما تبخرت يقينياتي العليا..

يضعف الأيمان كثيرا في داخلي عندما أرى منظر بقع الدم المتيبسة على زجاجة أمامية لسيارة متشظّية ومثقبة لمغدور بكاتم، كذلك منظر طفل يلهو بسيارة بلاستك في تشييع جنازة أبيه، ذبابة سوداء كبيرة كطائرة هليكوبتر تطّن بصوت مبحوح أو ترقص على وردة يتيمة لحديقة الطب العدلي في محفل انتظار جثة مغدور لتسقيطها من سجل الأحياء، أو منظر فص مخ أبيض على دشبول سيارة حكومية لقاضٍ حكومي يرتدي بدلة كحلية ومصور الفضائية يوجه الكاميرا ويشيح بوجهه.. بقع دم متيّبس على جريدة لا تغطّي جثة رجل طويل القامة يرتدي بنطلون كابوي رأسه على الرصيف وجسده في الشارع في يوم غائم كثير الجثث المغدورة يحمل مع اقرانه بسيارة بيكب تابعة الى أمانة بغداد.. نظارة طبية متشظية (كعب استكان) لمعلم اللغة العربية مرمية على حافة الرصيف في صباح مفخخ بسلسلة تفجيرات دامية، أنا أكره أيامي في عالم فوق السبعة وناصر الكردي يحب ذكرى أيامه في عالم تحت السبعة.. منظر الشعر الأشقر المصبوغ منفوشا بعبثية لامرأة أربعينية يصيبني بالغثيان والانفعال الداخلي.. أصبت بعدوى كآبة ناصر الكردي الانفعالية التي أورثها لي وأنهزم الى برلين في موطنه الجديد.. جنّته الأرضية كما يصفه وهو يعيش مع قطتّه سيسو.. لكن بالمقابل يزداد الايمان بالعدم في داخلي عندما أكره الوطن بترابه وتأريخه..

رغم كل إغراءات الدول المانحة للهجرة التي فتحت أبوابها للعراقيين لا أستطيع الخروج من الوطن وأعتبره خطوة إضافية نحو الموت.. كل من عمل ولو كان زبالا أو طباخا في السجون الأمريكية أو القوات المحتلة الأخرى يستطيع بيسر التوجّه والعيش في وطن جديد.. ومع كل ما يحدث هنا أجد لذة سرّية لا أدركها للبقاء في بغداد ربما حالة اليأس والقنوط وإنتظار موعد الموت، لا أعرف مديات هذه اللذة في البقاء داخل حقل الألغام هذا والعفن الحياتي.. حتفي هنا في وطن غير حر وشعب لا يبحث عن سعادته مفقودة الى الأبد.. الناس مشغولة هنا في السياسة والدين والتاريخ، وسرعان ما يختلفون على كل تلك المفردات.. غالبا ما يكون الاختلاف داميا...

* * *