5

9 0 00

5

الطائرة التي أقلّتني من دبي الى بغداد تابعة الى طيران الامارات، ولو فكرت بالمجيء عن طريق تركيا في الخيار الآخر، أيضا ستكون سفرتي لمرحلتين للوصول الى جمرة بغداد.. عموما فكل رحلة من مرحلتين ستكون ثقيلة ومتعبة، أختصر جمرة بغداد بمخطوطتي وبطلتها رباب التي جذبتني من عالمي البرلينين الى عالما.. الرحلة الأولى من المانيا الى دبي والثانية من دبي الى بغداد. حجزت تذكرتي في مطار برلين بجوازي الألماني.. والرحلة الثانية بجوازي العراقي لاضمن تأشير الخروج، وحيث يتوجّب علي إبراز جوازي العراقي في مطار بغداد وتأشيرة الدخول الى الجمرة الدافئة.. هكذا أوصاني أصدقائي المغتربين في برلين الحبيبة..

وصلتُ بغداد ولم أصلْ.. أشم رائحتها معفّرة بالأتربة والبارود والدخان الاسود المتصاعد الى السماء أجده قريبا من نافذة الطائرة.. الدم يختلط بالتراب يترك رائحة خاصة أستعيدها في هذه الساعة لتلك الجثث التي تأتي الى المركز وزمتها بيديّ.. لم أًصل بعد أرض البلد ولم أقبّل ترابه كما يفعل البعض المتهافت، في المطار سأبرز لموظف الجوازات وثيقة جوازي العراقي الجديد نوع A)) كما أوصاني بركات، الوثيقة التي أثبتُ فيها عراقيتي وبلغتين عربية وكردية.. كل شيء هنا بقطبين متنافرين وبلونين متضادين..

لم أصل بعد فالطائرة ظلّت معلّقة تدور فوق مطار بغداد بدائرة متكاملة.. المنظر تحتي ثابت لم يتغير لكنه يقترب مثل كاميرا معلّقة ببالون.. كأن الطائرة متوقفة في الأجواء.. تملكّني الخوف لحظتها وارتعشت رعشة وقف على أثرها شعر يديّ: "الخوف من ضرب الطائرة بصاروخ كاتيوشا من المنطقة الساخنة المحاذية للمطار.. أدركت أنها تنزل بشكل لولبي فوق المطار" أخبرني بذلك رجل الأعمال المصري الذي تحدّث أخيرا وهو يجلس بقربي..

أذهلني منظر بغداد من الجو.. وحتى أزيل التوتر أخرجت صورة قطتي (سيسو) متأملا عينيها الحزينتين كثيرا، حتى أزيل التوتر والارتباك.. تبدو بغداد من الطائرة هادئة مستسلمة الى قدرها يحيطها ضباب مشوّش.. تتلقّى الطعنات كثور في مضمار مصارعة الثيران.. أثقلتها طعنات خناجر مصارع ثيران نزق ومراهق ومعربد سكير، المصارع يغوي الثور المتِعب المسكين والمترنّح بالخرقة الحمراء، فيتناوله مصارع آخر بطعنة خاطفة على الفخذ فيجثو الثورعلى قائمتيه الخلفيتين.. يفاجئه مصارع آخر بطعنة رمح أخرى ليهوي بكامل جسده ويتلطخ وجهه ودمه بالتراب.. أهذه بغداد أم مقاديشو ؟؟

عينا الثور تدمعان، عيناها هي ذاتها عينا الثور الجريح الذي خارت قواه وأثقلته الطعنات.. لا أعرف بالضبط كيف تمّت المواءمة بين مشهد الثور الجريح وبغداد الجريحة.. أحّس بعينيّ المدينة المسكينة والمتخيلة في ذاكرتي.. تحدّق مليا بعيني قاتلها دون أن تتفّوه بكلمة عتاب منذ سنين طويلة.. فيشتاط قاتلها المتمّهل بالطعن غضبا لصمتها المُدمّر له، حيث توقّفت لغة الكلام تماما.. ماذا تريد أن تقول؟ فالدهشة أخرستها ولم تستعد عافيتها بعد.. مازالت الطعنات مستمرة حتى هذه الساعة. فريقان من الأبناء اقتسما المشهد البغدادي المسّور والمخطّط بالدم.. وثمة فريق آخر يتفرج ويصفق خارج حلبة الصراع.. انها لعبة الدم التي جذبت الفريقين.. في لعبة مصارعة الثيران في الشوارع والأزقة..

حزينة كانت بغداد وكئيبة بل كانت مستكينة لقدرها.. تتلقى طعنات الخناجر وهي بين يدي (ثَوّار- مُصارع) متوحّش عنيف وجلف من أجلاف صحراء لم يرَ الماء في حياته.. الماء سلام ومدنية ووئام.. لا تقوى بغداد المدينة شبه الصريعة إلا على النظر بعين دامعة وقلب كسير.. تتكّلم بعينيها كلاما لا يفقه طاعنها منه أي شيئ.. كإنها خجلة مما عُلِق بوجهها الكالح من أتربة ودخان ورماد ودم.. كيف أستطيع أنا الأعزل الوحيد أن أزيل عنها كل تلك الآثار الرهيبة والكدمات التي خلّفها المصارعون على جسدها ووجهها والكدمات وسيل من ثقوب ونزيف في جسدها؟ صبيّة حالمة بجدائل من سعف النخيل حاصرها الأجلاف بالخناجر.. دختُ دوخة أولى وأنا في بداية المشوار البغدادي.. ربما ستتحقق نبوءة صديقي بركات في تصوير لحظة اختطافي ونيلي الشهرة ولو متأخرة وأنا أسجل حضوري المتأخر في اليوتوب وال CNN ، من خلال إظهاري بشريط في اليوتوب أو على قناة الجزيرة حاملا جوازي كأي جاسوس.. أطلب من المستشار شرويدر اغلاق سفارته.. لكن من دون فائدة فالطلقة كانت أسرع.. أودّع حياتي الى الأبد بطعنة رحمة من مصارع الثيران وهو يكبّر تكبيراته كل مساء.. مصارع الثيران النزق يكبّر فوق جثتي..

*

غدت روحي محروقة مثل حلاوة ليل من جحيم أرض بغداد الثكلى التي لم تزل تحترق حتى هذه الساعة، أتنفس بقايا من دخان حرب الثمان العالق في رئتيّ، وفي أنفي رائحة التفاح المتعفّن لبّراد الجثث، دخان أسود يلطّخ وجهي.. تقول الأخبار أن هذه الأجواء الملبّدة بالدخان الأسود هي نتيجة انفجار أول لشارع المتنبي.. كما قالت آخر أخبار طعن المفخخات للثور الجريح في ساحة ميدان الطعن والرهانات السرية، تنبؤات الغد تحوم فوق سماء بغدادية ملبّدة بالخوف والترقب.. بدا الثور البغدادي خائر القوى مترنّحا لكثرة الطعنات والجمهور يصفّق ل(ثوّارها) المنتشي بانتصاراته وقد عوّدنا الجمهور هنا بالصراخ والتصفيق.. ينهض الثور المسكين ويسقط ثم ينهض مرة أخرى تحت عنف التصفيق.. وجه الثور ملطخ بالتراب والدم، ثم يسقط بطعنة جديدة تحت موسيقى التصفيق والهياج.. عينان مفتوحتان حزينتان الى الأبد..

أخبرني رجل الأعمال المصري الذي بدأ يطرد خوفه بالثرثرة.. يجلس بجانبي في طائرة دبي – بغداد في الرحلة الثانية والمكملة: "أنت عرائي مش كده.. العرائيين بتوعكم مرحيين بطبيعتهم، بس هو مرح مخلوط بشوية حزن يا أخي.. الله يكون بعونكم". سرعان ما تتضّح غرائبية الحياة العراقية بعد النزول على الأرض، بعد كل انفجار مفخخ سرعان ما تعود الحياة وتُمسح آثارها ونسيان ما حصل.. النسيان نعمة العراقيين الأولى على هذه الأرض العجفاء.. دموعهم على أطراف جفونهم.. فقد أثخن القاتل طعنا بجسد ميت"..

عليّ إتمام مراسيم تأشيرة دخول بغداد قبل حلول الظلام وقطع الطرق وحظر التجوال كما اخبرني المصري والاتصال مجددا بالأخ صديق الحرب "علي عبدالهادي بندر أبو الجرايد .. كلا ربما سيزعل من تسميته بأبي الجرائد"..

وقبل أن تلفحني رياح السموم على باب المطار.. وقعت فريسة سهلة لسوّاق التاكسيات.. وضعوني بحلقة مقفلة وأنا لا اقوى على الأختيار الحر.. سأتصل بعلي عبدالهادي ليخبرني خريطة طريق آمنة للوصول الى العمق البغدادي المتجمّر، كان قلبي يخفق بسرعة وأصابعي ترتعش من دون رغبة لتقبيل التراب الوطني قبل ان أقبّل حلمي الازلي رباب.. " يمعود كلاوات تقبيل تراب الوطن".. تذكرت كلام صديقي علي عن لحظة النزول وقذفت صم التراب من أرض المطار.. سائق التكسي كان يثرثر كثيرا معي في الطريق الى الفندق عن صورة بغداد الحالية، حيث سرعان ما جعلته منفلتا بالكلام عندما سألته عن حال بغداد: " بغداد حارة تنطّطْ من الحر نحن في آذار كيف ونحن في تموز؟ أرواحنا فائرة ذائبة ومسحونة من شدة الحر ودنو الشمس" بغداد منطقة ساخنة يقولون عنها.. اشتركت عليها وتظافرت فيها الطبيعة والبشر ورفعت درجة الحرارة الى أقصاها.. نحن الخبر الأول في نشرات الاخبار وتلك نعمة"..

من نافذة السيارة المنطلقة برشاقة لتجاوز الاختناقات.. كنت أراقب بخوف وحذر آثار طعنات الثور الجريح بقايا لهياكل سيارات وعربات عسكرية محطّمة ومحروقة.. غالبا ما يبدأ إيقاع التفجيرات المتتالية عند الصباح يتصاعد مع إشتداد الحرارة وتصريحات القطبين المتناقضين.. المفخخات والتغييرات البيئية المجنونة تدّخلتا بمزاج الناس وجعلتهما أكثر حساسية من الواقع.. تجاوزنا افغانستان واليمن وباكستان في عدد المفخخات وتلك نعمة.. أجد الناس هنا تعاني من الاستفزاز من أي صوت أو جلبة تحدث.. رغم إنهم اعتادوا على تقبّل فكرة الموت بحيوية والاستسلام لفكرة القدر.. البقاء في قيد الحياة هو الصدفة الأغرب والاستثناء الأعم، الموت هو القاعدة والحقيقة الراسخة.. يقول السائق المرح: "ماكو هيجي.. بسرعة تعود الحياة الى مرحها وطبيعتها وكأن شيء لم يكن.. مصيبتنا عمي اننا نعتاد بسرعة على غرائب أنواع الموت.. مثلا أنا لا أنام اذا ما أسكر كل ليلة.. نص عرق عصرية خالص حتى أتحمّل فكرة العراق، هو لا ينهضم بسهولة.. لا يغرّنك لحيتي هذه.. أنها مخصّصة للسيطرات الحزبية والاسلامية فقط حبيبي"..

بعد كل حادث للموت الجماعي.. يأتي عمال النظافة والمطافئ ويزيحون بسرعة فائقة آثار السيارة المفخخة وهشيم الزجاج وبقايا اللحم البشري النابض ببقايا الحياة من الارصفة.. فرقة خاصة لازالة الحرائق.. سافرت العام الماضي الى بيروت وشاهدت وسط بيروت أثر انفجار مفخخة قتل الرئيس الحريري.. متروكة على حالها.. يقولون هذا شاهد للأجيال.. ولو فعلنا مثل أهل بيروت هنا في بغداد، لازدحمت شوارعها ومقاهيها وساحاتها كلها بشواهد عدوان المفخخات والعبوات واللاصقات النافذات.. والله قضية يا أخي حتى نشرات الأخبار العالمية ملّت من القضية العراقية وذكرها"..

تركت حديث المفخخات العراقية وجعلته نزهة أو عادة أدمن عليها البعض هنا.. قلت للسائق المرح: "اُريد أن أتصل بهذا الرقم رجاء" أعطاني الرجل هاتفه وترك لي حرية التصرف بالمهاتفة.. كان الرقم الأول لابن عمي البرلماني الكردي البارز المتعصب لقوميته شاغل الدنيا عبر الفضائيات.. لكن للأسف كان هاتفه مغلقا، لذلك حاولت الاتصال بصديقي علي:

علي شلونك.. أنا ناصر رشيد.. نعم نعم وصلت.. الآن في طريق المطار قرب ساحة عباس بن فرناس وصلت قبل ساعة ونصف تقريبا الى المطار.. أنا في بغداد علي.. وين أذهب.. وين مكان الفندق؟؟ هاك تكلم مع السائق وأخبره بخريطة طريق آمنة.

* * *