-2-

11 0 00

-2-

وقع أقدام تقترب... ضجيج لا يكاد يفهم... غبش يغازل عيني المثقلتين تعبا... المتعبتين نعاسا... رؤوس تتراقص على ضوء مصباح خافت... تتداخل الرؤوس... تتدافع... تنـزل... تعلو...تظهر... تختفي...

بدأت الرؤيا تتضح راحت عضلات جفني تنسحب بقوة للأعلى... انفتحت نوافذ عيني على مصراعيـهما... اتضحت الرؤيا.

لقد عادوا... هاهم أمامي يتدافعون والصمت سيد الموقف... هل أنجزوا المهمة؟ هل نجحوا فيما ذهبوا من أجله؟ أعادوا جميعا أم عاد بعضهم ومنع البعض الآخر؟ كانت مغامرة صعبة محفوفة بالمخاطر.

هذا الشيخ وقد شحب وجهه وتبرج التعب عليـه يفتح عينين محمرتين تدوران في حيرة شديدة عن يمينـه زوج خالتي وابنـه خالد وحوله رجال... شباب وكهول لا أعرفهم ، وإن كنت أعرف ملامح بعضهم إذ طالما زرت خالتي في المواسم والأعياد والعطل...

وطالما رأيت هذه الوجوه الجامحة كوجوه الخيل...

المتعالية كرؤوس السرو...

المكابرة كهذه الأرض...

المستعصية كهذه الجبال الشواهق الشوامخ...

البريئة كعيون الأطفال...

السمحة كلون الحمام الوديع...

ذلك الكهل المفتول العضلات هو الذي سلخ كبش العيد الأقرن في بيت خالتي المرة السابقة...

الأصلع صاحب النظارة بجواره معلم في مدرسة القرية والحكواتي الذي يجتمع إليـه السكان كل مساء فيقص عليـهم القصص الممتعة.

ودون أن أتحرك من مكاني... دون أن ألفت الأنظار إلي سألت نفسي... لماذا عاد الرجال بـهذه السرعة؟ ماذا وقع؟ أنا متيقن أني لم أنم إلا دقائق قد لا تتجاوز النصف ساعة هل قدروا على دفن الموتى بـهذه السرعة العجيبـة؟ مستحيل...

هل هاجمهم جنود الصرب فعادوا أدراجهم؟ يمكن ذلك.

وسرت قشعريرة الخوف في جسدي كله فانكمشت تحت الغطاء وسحبتـه ليتجاوز رأسي...

لم تغادر الصورة الفضيعة ذاكرتي كانت تظهر بوضوح أمام مخيلتي حاولت جهدي أن أبعدها وضعت كفي الصغيرين فوق عيني لكن دون جدوى... كان القلب يقظا... وعيناه مفتحتين.

هاهي أمي في بركة دمها الأحمر القاني...

وهاهي جدتي مهشمة الرأس...

وها والدي متـهالكا بالقرب من عمتي الأصغر...

وها هي عمتي الخرساء شمسا مغتالة فوق تراب الأرض وقد سال نجيعها المتألق...

وها هم الجنود ينبحون في أذني بقوة كأنـهم كلاب مسعورة.

وكبح الشيخ جماح خيالي وهو يرد في أسى على سؤال خالتي التي ألحت في طرحه ربما للمرة العاشرة.

- لقد سبقنا أعداؤنا إلى هناك... حفروا حفرة عميقة بالحافرة وألقوا كل الجثث فيـها ثم أهالوا عليـها التراب ودكوها دكا... إنـها مقابر جماعية... إنـهم يطمسون آثار جرائمهم... يخفون معالم توحشهم.

هكذا يا بنيتي يفعل البشر حين يتجردون من إنسانيتـهم...

هكذا يفعلون حين يتجرأون على القيم... ويغتالون المبادئ...

هكذا يفعلون حين ينـهض وحش الأنانية في نفوسهم ويقتل صوت ضمائرهم.

لسنا الأول يا بنيتي ولن نكون الآخيرين... والنصر دوما يا بنيتي للشعوب الصامدة المكافحة الرافضة للذل... وليس ما وقع لإخواننا في البوسنة بالذي يخفى...

ها الزمان يمر...

وها التاريخ يلعن المتوحشين ويدين الكلاب المسعورة...

وها أبناء البوسنة لم تزدهم الجرائم إلا عزما وكبرياء…

لا تبك بنيتي هؤلاء الأبرياء الذي دفنوا في رحم الأرض سينبتون زهورا للخير والحب والتسامح نواجه بـها غيلان الشر والأنانية.

كنت أسبح في عالم الملائكة... عالم الطهر والنقاء والمحبة... وأنا أسمع هذه الخطبة الطويلة.

وكانت خالتي المجروحة تجلس القرفصاء تنتحب قرب أختي الصغيرة المستغرقة في نوم عميق.

لم أر خالتي من قبل في الحالة التي رأيتها فيها الآن... لقد تلبد شعرها الحريري اللماع... واكفهر وجهها... وتشققت شفتاها... وزاغت عيناها المسيجتان بقضبان من اليأس والحزن العميق العميق.

وضعت زينب صينية الشاي وسط الدار وملأت الكؤوس فأترعتـها... قليلون مدوا أيديـهم لارتشاف الشاي ساخنا... كثيرون كفوا أيديـهم... ليس هناك شيء ألذ ولا أحلى وقد عصرت الفاجعة مرارتـها في فم الجميع…

وأحسست أن كلامهم قد قل... جمل يلقيـها الحاضرون هنا وهناك فتخرج متـهالكة متعبة تتأرجح على الشفاه الجافة اليابسة... الواقع أبلغ من الكلام وأشد وطء وأكثر قيلا... الواقع الآن جبار يتعفرت... يشهر خطر الفناء... وأنى للكلمات يصنعها اللسان أن تجبر الخاطر أو تبلسم الجراح أو تضمد الرعب والخوف؟

ولعل أكثرهم حماسا وحديثا سليمان ابن خالتي حتى كاد يتحول في الجمع خطيبا فيسرق الأضواء من الشيخ.

وابن خالتي فتى قارب الثلاثين يميل إلى الطول والنحافة، فيـه كثير من صفات أمه… لونها... خضرة عينيها... جمال ملامحها... بريق شعرها... جمالها الفياض البالغ حد العنف أحيانا.

وهو فوق ذلك متعلم متفوق في تعلمه زار كثيرا من بقاع الأرض وخبـر الشعوب والأمم... درس بالسعودية مدينة الرسول ومسجده ونحن نحب مثل هؤلاء المتعلمين ونقدرهم... وزار أمريكا وأنجلترا واليابان لقد كان دوما قدوة الشباب ومضرب أمثالهم.

كان يدعو الجميع للثـورة والمقاومة فإما النصر وإما الاستشهاد... لا بديل عنـهما... كان مصرا على التحاق الجميع بالجبال المجاورة... الشيوخ والأطفال والنساء والرجال... الجميع دون استثناء يجب أن يقاتلوا ليس هناك خيار.

أرض كوسوفا كما قال أرضنا...

من تربتـها نبتنا...

من أريجها أينعنا وأزهرنا...

وعليـها... فيـها يجب أن نموت...

بين شغاف قلبـها الدافق ندفن...

وهل نحن أول من مات من أجل هذه الأرض..؟

ولن نكون آخر من يموت طبعا...

هذه الأرض قادرة على الإنجاب دائما... ولن نكون أقل شأنا من أجدادنا... ولن نترك العار لأبنائنا وأحفادنا... لابد أن نقاوم وما سنخسر بعد خسران الأرض... الأم... الثدي... الحضن... القلب... الشريان... الوريد... الدم...

الدم الأحمر الفوار المتدفق...

النجيع الطاهر الهادر...؟

وهل هناك ما هو أثـمن من ذلك وأعز وأغلى؟ وماذا نساوي نحن دون الأرض غير كتلة لحم بلا جذور... بلا انتماء... تتقاذفها الحوادث لتنتهي في مكان ما... في زمان ما... وتنتـهي إلى الأبد؟؟؟

أعجبني كلامه كثيرا فازددت حبا له وتقديرا... وتمنيت في قرارة نفسي لو كنتـه.

وأضاءت وجوه الشباب حوله وأسفرت سماؤها عن إشراقة كادت تبدد سحب العبوس والقنوط وكذا ظهر وجه الشيخ وهو يضرب على كتف سليمان ويقول :

- بوركت سليمان.

لكن الشيخ عاد فدعا للتروي وتحكيم العقل حتى لا يقع شعبنا في فخ العدو الماكر الذي يسعى إلى أن يدفع بنا إلى مواجهة غير متكافئة وبالتالي إلى الموت الجماعي أي الانتحار حمقا وغباء.

وسكت الجميع مقلبين أبصارهم بين الشيخ والفتى لقد هزتـهم فتوة سليمان وفاتتـهم حكمة الشيخ.

وارتفع آذان العشاء فقطع حيرتـهم وقام الشيخ من مكانـه وهو يقول:

- بعد صلاة العشاء نجتمع في المسجد لابد أن نخرج بقرار هذه الليلة يخرجنا من حيرتنا هذه ويفوت الفرصة على أعدائنا.

واندفع الشيخ خارجا فاندفع الجمع خلفه لم يبق في البيت إلا خالتي وابنتـها ونحن الأطفال... يضاجع عثمان وعائشة نوما عميقا... ونسامر نحن صمتا رهيبا مفزعا.

حاولت أن أعود إلى النوم لكني لم أستطع كنت تعبان... منـهك القوى... خائر النفس... مذعور القلب... تتلاعب أمام عيني كوابيس القتلى والنار والدخان والبيوت المخربة.

وبينما اتكأت زينب لتنام كان نحيب خالتي مازال يشق سكون الليل البـهيم ربابة حزينة الإيقاع … يتيمة الدمع... لم تستطع أن تتماسك ولا أن تفطن من الصدمة التي وقعت على قلبـها الرقيق.

وخالتي شبيـهة أمي في كل شيء... قدها... امتلاء جسدها... إشراقة وجهها... احمرار وجنتيـها... غزارة شعرها الأشقر الطويل الذي تعودت أن ترسله غدائر... وعاطفتـها الجياشة

كانت أمي –رحمها الله- تبكي لكل شيء حتى للفرحة... تشرق على تضاريس وجهها المتألق... وتعبق على شفتيـها الرقيقتين.

وكانت –رحمها الله – تحرم نفسها حتى من ألذ ما تشتـهي لتؤثر بـه الآخرين مهما كان هؤلاء الآخرون... ومهما كانت درجة قربـهم أو بعدهم عنـها.

وكانت –رحمها الله - كلما حل يوم الجمعة أعدت طعاما كثيرا لتأخذه معها إلى الجامع حيث تؤدي صلاة الجمعة مع والدي وجدتي فتعطي ذلك الطعام للفقراء والمعوزين.

ولأنـها كانت ماهرة في إعداد أكلاتـها الشعبية كانت مضرب المثل في القرية كلها يستـهوي طعامها كل من يذوقه.

وكثيرا ما سمعت أولئك المعوزين الضعفاء المستفيدين من أكلاتـها يرفعون أكف التضرع إلى الله داعين لـها بالخير والحفظ.

وهاهي تموت مقتولة قتلة شنيعة... لعل الله لم يقبل دعوات أولئك المساكين.

وتحركت أختي الصغيرة عائشة تئن أنينا ضعيفا متقطعا... فمسحت خالتي دموعها... استدارت إليـها... ثم أدخلتـها حضنـها محاولة إعادتـها للنوم.

عاد زوج خالتي من صلاة العشاء مهموما لم يحرك شفتيـه ولم ينطق حتى بالتحية... انزوى فوق كرسي كان في ركن الحجرة وغرق في التفكير.

ذبحت خالتي صمتـه وهي تسأله.

-ماذا قررتم؟

واصل زوجها طقوس السكوت الحزين فزادت دقات قلبي... كنت أخشى قرارا مهلكا رغم أني كنت أضع كل ثقتي في الشيخ وحكمتـه.

ولكن أيا كان القرار سيكون مفزعا... ليس لنا خيار إما المقاومة وبالتالي التشرد في الجبال المجاورة ودخـول حرب شرسة وأعداؤنا يـملكون العدد والعدة... طائرات... مزمجرات... شاحنات... مدافع... وجنودا متوحشين مات فيـهم الضمير الإنساني.

وماذا نملك نحن غير هؤلاء البسطاء الذين يفيضون حماسا وتعلقا بالأرض؟

وإما الهجرة... الهجرة إلى المجهول المخيف المرعب حيث قد نضيِّع كل شيء حتى كرامتنا.

ومزق زوج خالتي شرنقة الصمت فحدثها أن كل رجال القرية قد اجتمعوا واستقروا على رأي واحد.

وسكت مليا يبتلع ريقه ويعبث بشعر وجهه الذي أطل إلى النور منذ أيام ولم يحلقه... وخلت هذا الملي دهرا ماذا قرروا؟... بـماذا حكموا؟

وضجرت خالتي فسبقتني للسؤال

-انطق لماذا تقتلنا بصمتك؟

وانتبـه زوج خالتي من شروده كأنما لسعتـه أفعى

-أجمعنا على رأي واحد... الهجرة والمقاومة.

ودخلت من جـديد دوامة الحيرة... هذان أمران لا أمر واحد.

وأحس هو بالحيرة في نفوسنا فأسرع يقطعها وهو يركز نظراتـه صوب خالتي

-يـهاجر الأطفال والنساء والعجزة وبعض الكهول ويتطوع الباقي إلى جانب جيش التحرير... لا يجوز أن يقول عنا الأعداء أننا تنازلنا عن عمقنا وجذورنا.

وتمنيت لو أن خالتي تسأله عن سليمان... أين هو الآن..؟ هل سيفارقنا ليلتحق بالمقاومين؟ هذا احتمال قوي جدا بل لعله سيكون أول من يتطوع وهو أمر بقدر ما يثير في نفسي العزة والافتخار بقدر ما يزرع فيـها أشواك الخوف واليأس.

لكن خالتي لم تبرح محراب صمتـها نصبت ذراعها اليمنى... وضعت رأسها في كفـها كأنـه رأس تمثال يقف على قاعدتـه ومدت ذراعها الأخرى تحتضن عائشة الصغيرة وسافرت في دروب من التفكير.

لعلها الآن في القرية حيث ماتت أسرتي وكل السكان...

لعلها في المنفى حيث التشرد والجوع والبرد والضياع...

لعلها في الجبال مع ابنـها فلذة كبدها سليمان... سليمان ابنـها الأكبر الوحيد.

لم تسأل خالتي أنا أعرفها جيدا كانت تحمل بين جوانحها نـهرا دفاقا من العواطف ومعه إعصار من الكبرياء والعزة والأنفة.

وبادرها زوجها يخبرها أن ابنـهما سليمان سيلتحق بجيش التحرير مع غيره من الشباب ولقد تم الاتصال والاتفاق على كل الخطوات.

أما هو فسيرافق العائلة حتى الحدود الألبانية طلبا للنجاة... ليست النجاة من أجل النجاة... بل من أجل المقاومة... ليست النجاة من أجل نجاة الأبدان... بل من أجل نجاة الوطن...

لا بد من الخروج ليكون الشعب بمنأى عن التقتيل والتنكيل.

يجب أن نستمر لنبقى غصة في حلوق الأعداء...

يجب أن نستمر لنبقى حصنا يرد عن الشرق همجية الغرب...

وانفجرت خالتي منتحبة لم تتفوه بكلمة واحدة تماما لكن بكاءها كان رسالة واضحة... كانت رسالة رفض مغادرة الأرض التي امتزجت تربتها المعطاء بدمها وعرقها... بذكرياتـها وآمالها … بآلامها وأحلامها.

وداهمها زوجها بسيل من الشروحات والتحليلات الكثيرة المعقدة التي لم يـهضمها عقلي الصغير فانفصلت عنـهما وعادت بي الذكرى إلى قريتي الصغيرة الآمنة الوديعة.

تذكرت بكورنا كل صباح نسابق الطير إلى الطبيعة...

تذكرت بقرتنا الحلوب التي أقبلها كل صباح كما أقبل أفراد أسرتي...

تذكرت شلة الأصدقاء حين نتجمع عند الساحة العامة وننطلق كالعصافير... كالفراشات... نعدو... نسابق... نقفز... تتعالى ضحكاتنا وأحلامنا وآمالنا...

تذكرت المعلم داخل القسم وهو يحرضنا على التنافس... ترى أين هو معلمي الآن؟ وأين هم أولئك الأصدقاء؟ أمات الجميع حقا فلم ينج إلا عثمان؟ أم نجا غيره؟

وتراقصت بين عيني صورة لعبتي المهشمة والحوافر البغلية تدوسها فتتطاير أجزاؤها هنا وهناك.

مازالت خالتي تركن إلى الصمت... ومازال زوجها يروي قصصا مفزعة عن جرائم الصرب في القرى المجاورة أما الآخرون فكانوا جميعا يغطون في نوم عميق... عميق...

أحسست بتيار بارد يلسع رأسي فتدثرت بالغطاء وغرقت في النوم.