-4-

10 0 00

-4-

حين انتصف ليلنا الأسود الحزين بين نعسان ويقظين... بين نائم وآرقين هطلت أمطار غزيرة كأنما السماء اندلقت صهاريجها فأفرغت حمولتـها.

هرع الجميـع وحبات المطر الأولى تلسـع أجسادنا... أيقظتني مريم التي كانت تنام بجواري ففزعت وفي أذني هرج ومرج وصياح وصراخ لم أتبين منـه إلا بكاء أختي الصغيرة عائشة وصوت الشيخ يصيح في الجميع.

- احموا الأطفال والعجزة

وهرعنا نحتمي بالعربات والجرارات وبالأغطية البلاستيكية تتكاتل أجسادنا وتتلاحم... نتبادل حرارة الجلود والقلوب.

وسط العربة تكومنا أنا وخالتي ومريم وزينب وعثمان حتى صرنا جسدا واحدا لا فاصل بين الواحد والآخر... كنا نحن الصغار في الوسط بينما تحلق الثلاثة الكبار حولنا وغطينا أنفسنا بحائكين وقطعتين كبيرتين من البلاستيك.

نامت عائشة في حضن خالتي الدافئ وبقيت أنا يقظا أنصت للأمطار تعزف فوق رؤوسنا موال الحزن... سنفونية الضياع والتشرد...

ولست أدري أكان عثمان قد نام أم هو الآن يتجرع مثلي مرارة هذا الكابوس المرعب... لا شيء بقي لهذا الصغير... ضيع كل شيء فكيف ينام؟؟ وهل ينام الصغير إلا في الحضن الدافئ؟؟ في العش الملتهب؟؟

تناهى إلى سمعي بكاء مكتوم... إنـها خالتي كأنما تخلق الدمع خلقا... الدمع وحده قادر على التطهير... الدمع وحده قادر على كبح جماح الانفجار... صدرها يـمور غيظا... صدرها يتحرق غضبا... أي بركان تحمله هذه المرأة العظيمة في صدرها؟؟ لك الله أيتـها المرأة العظيمة !!

أحسست بعاطفة موارة في صدري الصغير... مددت يدي... أمسكت في الظلمة يدها... قربتـها من فمي... طبعت على ظاهرها قبلة طويلة عميقة...

فهمت خالتي الرسالة فقدمتني منـها كما يقدم الطير فراخه... حركت أصابعها على شعر رأسي فدغدغت أوتار القلب... وفهمت رسالتـها أيضا

أيـها الليل طل ما شئت...

أيتـها السماء أمطري ما بدا لك...

أيتها الدروب الوعرة تمددي إلى سدرة المنتهى...

في قلوبنا...

في صدورنا براكين التحدي...

في جوانحنا حرارة الاستمرار...

وراح وقع أقدام يقترب منا... التصقنا بعضنا في البعض أكثر من قبل... سمعت زينب تقول :

– أقدام من هذه التي تضرب في الوحل والماء؟

أمسكتني مريم من رجلي الدافئتين... فضمتـهما إلى صدرها وقالت:

- أقدام تخيف ، فماذا ترين يا خاله؟

ردت خالتي بلهجة الواثق مطمئنة

- أقدام رجالنا... لن يصل الأعداء إلى الحريم إلا على جثثهم.

وصلت الأقدام إلينا... اتضح لي صوت الشيخ وصوت زوج خالتي

- أنتم بخير؟ لقد بدأ المطر ينسحب وسيصفو الجو لا تخافوا.

وردت خالتي على زوجها

- نحن بخير.

قال الشيخ مطمئنا

- الحمد لله الجميع بخير هيا لنعد حيث الرجال

حين بدأ الفجر يطارد ظلمة الليل نحو الغروب خرجنا من مخابئنا... لقد توقف المطر... وبدأ يوم جديد من مأساتنا.

كان المنظر مريعا حزينا... وجوه متعبـه... عيون مثقلة دامعة... أجساد مبللة... لم نكن لنستطيع أن نتحمل جميعا... ظهر عند الكثيرين سعال حاد وزكام متعب.

وبدأ الجميع يلمون الشعث... بعد لحظات ستنطلق القافلة... الطريق ما زال طويلا ولابد أن نجدَّ لنصل... نحن الآن في صراع مع الزمن... ومع المسافة... ومع عدونا... ومع أنفسنا... كثير هم أعداؤنا.

أتظل براكين التحدي تمور في صدورنا موارا حتى نحقق المبتغى ثم ننفجر في أعدائنا شواظا من نار ونحاس... أم ستخور القوى في الطريق؟

وتذكرت سليمان ابن خالتي أين تراه يكون الآن؟ في أي بقعة من هذه الأرض الطيبة هو؟ ماذا يفعل؟ منذ أن فارقنا وأنا وخالتي النقيضان تماما... أزداد إعجابا بـه وإكبارا لشهامتـه وبطولتـه... وتزداد هي حزنا وأسى على فراقه حتى كادت تذوي... وتحول احمرار وجهها إلى اصفرار مخيف كأنما مرض خبيث ينهش باطنـها... ولم تبق إلا عيناها تدوران في محجـريها كحبتي زيتون أخضر.

حين أكملنا العدة للرحيل وبدأت العجلات تطلق صريرها إيذانا بالانطلاق ارتفع غير بعيدا عنا عويل نساء يندبن... جمدنا حيث نحن وهرع الشيخ وبعض الرجال واشرأبت أعناق البعض تستجلي الحقيقة... وكانت الحقيقة مرة.

ها هي المأساة توغل في ذبحنا...

تقطع الأوردة والشرايين...

ها هي المأساة تمد أصابعها المعروقة...

مخالبـها المتوحشة...

أذرعها الأخطبوطية...

لقد فارق صبي الحياة وها هي أمه الثكلي تصيح متحدية وجه المأساة الكالح.

داهم الحزن الوجوه فلبست أقنعة سوداء... وأطرقت دامعة حزينة تتجرع مرارة الأسى... وعادت السماء للتلبد من جديد بالغيوم القاتمة فذهبت الشمس وكاد الجو يظلم.

إذن لابد أن نتأخر... هنا في هذا المكان بالضبط لابد أن نترك أحد أعضائنا... لابد أن نسلمه للتراب حيث لن ينـهض أبدا... لن يرى الحياة مطلقا...

وأي بأس في ذلك مادام تراب الوطن هو الذي سيحتضنه بحنو في جوفه وإلى الأبد؟؟ وأي تراب سيحتضننا نحن؟؟ كيف؟؟ ومتى؟؟ وأين نموت؟

لم يستمر انتظارنا طويلا كما كنا نتوقع... بسرعة حفر قبر صغير تحت شجرة عالية... بسرعة ووري الصبي التراب... وصلى عليـه الشيخ وبعض الرجال ثم حملوا أمه الثكلى يدفعونـها دفعا وهي لا تكف عن العويل والنواح...

كانت فتاة في مقتبل العمر ولعل هذا هو مولودها الأول...

وأعطى الشيخ إشارة الانطلاق فاندفعت القافلة تشق طـريقها نحو الشرق...

الشرق الذي ظل دائما يمثل لنا الجذور الممتدة التي يجب أن تبقى وطيدة قوية... منـها نستمد وجودنا واستمرارنا...

ولماذا ندفع نحن هذا الثمن الباهظ؟ أليس كما قال الشيخ:

- لأن أعداءنا أرادوا قطعنا عن جذورنا … وإلا فالعقاب هو الموت والتشريد … وماذا يساوي المرء حين ينقطع عن جذوره تماما...؟؟ أو ينتمي إلى جذر أخر... ليست له نـهاية إلا الموت أو المسخ ولقد ظل أجدادنا على مر القرون يقاومون النتيجتين معا ويجب أن نستمر نحن على نفس الدرب؟

حين راحت القافلة تشق طريقها كانت السماء ما تزال ملبدة تكظم دمعا وحزنا وكان النحيب من الأم الثكلى يرتفع ضعيفا يشبـه الأنين وكنا جميعا في العربة نلوك صمتا قاتلا

إلا مريم الشريدة...

مريم اليمامة المجروحة...

إلا هي كانت تقص مأساتـها...

فاجعتـها …

قريتنا في الشمال على منبسط من سهل خصب... فيـها نشأت ودرست تعليمي الأول... رحلت بعدها إلى المدينة حيث أكملت دراستي... هناك تعرفت على شاب أغرم بي حد الجنون وبادلتـه الشعور نفسه... وما كادت سنوات الدراسة تنتـهي حتى لحق بي ومعه أبوه فخطباني من والدي المزارعين.

كانت فرحتي لا توصف... لاتحد... وأنا وهو نحلم ببناء عشنا قشة قشة...

ومنذ أسبوع كان موعد الزفاف... كان العرس كبيرا اجتمع إليـه الأقارب والأصدقاء من كل مكان... بل وكل سكان القرية... لأول مرة أرى تجمعا من ذلك النوع وذلك الحجم في قريتنا.

كنت ألبس ثيابي البيضاء... أتـهادى أمامه نورسة تحيطنا عيون المعجبين والمحبين خاصة عيني أمي اللتين كانت الفرحة ترقص مستحمة في بؤبؤيـهما …

وكانت تصوب نحونا عدسات الكاميرات … لا بد لهذا الحفل أن يسجل ليبقى ذكرى نسترجعها كلما أردنا… ولا بد أن يطلع عليـها أولادنا الكثيرون... كانت هذه رغبة أبيـه الملحة.

- لابد أن تنجبوا كثيرا من الأولاد ذكورا وإناثا...

كان يريد أن يعوض ما فاتـه... ليس له إلا هذا الابن... ماتت زوجتـه... ولما يتجاوز الأربعين وبقي وفيا لحبـها لا يقدر أن يتزوج... وهو نفسه أشرف على تربية صغيره حتى صار رجلا... و ها هو يفرح بعرسه... ويصر على أن ننجب له بنين وبنات... يملأون عليـه البيت.

وكان أبي يضحك عاليا معجبا بـهذا الاقتراح ويقول :

- أنا أربي نصفا... وأنت تربي النصف الآخر.

وتتشابك الأيدي وترتفع الضحكات... لقد تم الاتفاق... حتى أبوي ليس لهما إلا ذكر أكبر مني سنا... وآخر أقل مني وأخذ الموت منـهما ولدين... ثم مرضت أمي فلم تنجب من ذلك الوقت.

حان وقت اللقاء الأكبر... وقت الخلوة... الوقت الذي يرمي فيـه كل منا الهموم بعيدا لنبني معا عشا للفرح والحب والسعادة.

بدأ المدعوون يغادرون... راحت الأصوات تقل وتخف.

ليس في القاعات إلا وجوه قليلة مازالت ترشف الشاي والقهوة...

ومصابيح تشع فوق رؤوسنا مبتسمة تشاركنا فرحنا وحلمنا الجميل.

فجأة انطفأت المصابيح...

دوى الرصاص...

ارتفعت أصوات المستغيثين الخائفين عاد كثير من المدعوين إلى بيتنا.

الوحوش يحاصرون القرية... إنـهم جنود الصرب يبتلعون القرية ابتلاعا...

خرجت وحبيبي إلى الحديقة عبر النافذة أحاطوا بالمنزل من كل مكان... اقتحموه... قذفوا من رشاشاتـهم حقدا في صدور الرجال والنساء الأبرياء.

أمام عيني سقط أبي وأمي... وسقط أبوه وفوقهم عشرات النساء والرجال... دفعنا الفزع إلى القفز على سور الحديقة... كان الجبل قريبا منا تسلقنا سفحه كأننا فرسين... أحسسنا بوقع أقدام تلاحقنا... اشتدت سرعتنا... لابد أن نفر بحلمنا... توقف وأمرني أن أواصل العدو ورفضت وأنا التصق بـه.

- حبيبي لابد أن نـهرب حلمنا الجميل.

- هربيـه أنت.

- بل أنتَ.

- لن أترككِ خلفي...أنت حلمي يا حبيبتي... إما أن نعيش معا أو يعيش أحدنا في الآخر...

ليس هناك خيار...

وأنت يا حبيبتي الشرف...

وأنت الغد المشرق...

يجب أن تفري... هيا... هيا...

ودفعني بقوة فاندفعت أتلفت خلفي... أذرف دموع الفزع... أية مصيبة هذه؟ يا رب لماذا تدعهم يقطفون حلمنا الجميل؟

أقدامهم تقترب… نباحهم يقترب… طلقات رصاصهم تقترب… وأنا وحدي أتعثر في فستاني الأبيض.

أقوم وأسقط... وصلتني صيحة مدوية من حبيبي... لقد قتلوه...

وأحسست أن الصراع راح يغير مساره نحو الغرب... وراح وقع الأقدام الغليظة يبتعد عني... استرجعت أنفاسي لاشيء... الهدوء سيد الموقف... والليل جدارية سوداء تحاصرني من كل جهة... صدري يعلو... يـهبط بقوة... قلبي يدق بسرعة... هنا يجب أن أقضي ليلتي... وبت هناك أسامر حزنا ودمعا... وارتعاشة طاغية

حين أشرق الفجر قمت متعثرة متعبة عائدة إلى القرية... وقفت على مشارفها... كان جنود الصرب مازالوا يحتلونـها... ماذا أفعل؟ إلى أين سأذهب؟ هل يحرمني هؤلاء الوحوش من رؤية أمي وأبي وإخوتي وأبناء القرية الطيبين حتى وهم جثث هامدة؟

اندفعت إلى الأمام لا بد أن أتحدى مها كانت النتيجة... ثم جمدت مكاني... مغامرة وخيمة العواقب هذه التي أقدم عليـها...

وفاجأتني كلابة يد قوية تمسكني من رقبتي

- أنت هنا؟

ارتعدت فرائسي جميعا...

جمدت مكاني...

لم أستطع أن أنظر للخلف لأطل على الوجه...

ابتلعت ريقي بصعوبة وارتميت في صدره انتحب كالأطفال فضمني كأني قلبـه يخشى أن يضيع منـه.

ولمن هذا الصدر الدافئ الحنون...؟ ؟

إنـه صدر عمي حكمت صديق أبي الحميم وحارس مدرستنا الذي ظل يرعانا ونحن صغار... وظل يمنحنا الزهور والحلوى والألعاب...

وظل يحبني لأني كنت المتفوقة في دراستي...

وغصت في حضنـه أبكي وهو يطوق جسدي المرتجف بأزهار حبـه.

رجعت إلى نفسي... سألتـه في غباء وهو يكفكف دموعي بيديه الحانيتين

- ماذا فعلوا في أهل القرية يا عمـي حكـمت؟؟

- انظري لقد هدوا منارة الجامع... ولقد قتلوا كل من وجدوه يا بنيتي... وهم الآن يحتلون القرية... يدفنون الموتى في مقابر جماعية... سيحرقون المعالم... يـهدمون المنازل... لا أمل في العودة... لابد أن نفر... الهجرة هي الحل الوحيد.

واستدرنا دون أن أتفوه بكلمة واحدة... ورحنا نضرب في الجبال عبر الأراضي الوعرة... وبعد ثلاثة أيام اكتشفناكم فاندمجنا معكم.

وكانت مريم كالتفاحة الحمراء الطازجة... وجه مستدير أشرب حمرة رائعة كالشمس عند المشرق تكتنـز فتنة وعذوبة رغم التعب والإعياء والحزن والسعال الذي بدأ يراودها منذ ليلة أمس.

اندفعت خالتي تشد على أوجاعها تواسيـها في مصابـها الجلل قائلة:

- لك الله يا بنيتي نحن أسرتك الجديدة ولن تجدي عندنا إلا ما تريدين.

وظللت أنا قابعا في مكاني لا أبرحه... لا أتحرك قيد أنمله... أراقب حبات اللؤلؤ تتساقط متلاحقة من عيني مريم العروس.

وعادت بي الذكرى إلى قريتنا...

آه أيتـها الأم المفجوعة بأبنائها...

أيتـها الثكلى ابتلعت ما أنجبت في بطنك وجلست تندبين على ذكراهم.

وألحت صورة عمتي المعوقة على مخيلتي فرأيتـها مُمددة على الأرض والدم يضمخها... ما بين نـهديـها وتحت سرتـها وقد تعرت من ثيابـها... وترامت جديلتاها ذات اليمين وذات الشمال... وطبع الموت على شفتيـها ابتسامة ألفتـها بـها دائما…

أحسست كأني المقصود بتلك النظرات وتلك الابتسامة فرحت أبادلها ذلك.