-3-

8 0 00

-3-

تناهى إلى سمعي وقع أقدام وأصوات وحركات وهمسات تملأ الحجرة... فركت عيني يظهر أني شبعت نوما هذه المرة... تأملت ساعة الحائط على الضوء الخافت الذي كان ينبعث في استحياء شديد داخل الحجرة كان العقرب الصغير عند مشارف الخامسة في حين راح الكبير يلهث متسلقا المرتفع ما بين السابعة والثامنة.

خالتي... زوجها... سليمان ابنهما... أخته زينب... كلهم كانوا هناك يعملون... يكومون الأمتعة والأثاث واللباس وسط الحجرة.

أدركت أنـه الرحيل وقد أزفت ساعة الهجرة… من هنا تبدأ… وإلى أين تنتـهي...؟؟ الله أعلم... كل الذي نعلم أنـها مغامرة صعبة سنخوض خلالـها عباب بحر مارد جبار... أين ومتى سترسوا قواربنا؟ لسنا ندري... الأمر موكل للمقادير... الله وحده يعلم غيبنا.

كان الظلام لا يزال يخيم على القرية... ونسمات هواء بارد تتسرب من النافذة التي فتحت قليلا.

اكتشفت أن العيون قد اكتشفت يقظتي فانسللت من فراشي حتى لا أوقظ عائشة... قمت... حييتـهم... وقصدت المغسل... ثم عدت فأنـهضت صديقي عثمان وقدمتـه إلى المغسل أيضا...

هناك عادت إلى مخيلتي ذكريات الأيام الماضية الحلوة حين كنت أقصد بيت صديقي عثمان كل صباح لنصطحب معا إلى المدرسة...

كانت أمه -رحمها الله - توصينا خيرا ببعضنا البعض ثم لا تدعنا ننصرف حتى تملأ محافظنا طعاما خفيفا... حلوى... كعكا... وفواكه.

كنا فرسي رهان يسبقني تارة وأسبقه تارة أخرى... وكان هذا التنافس الحاد يعجب معلمنا فيشجعنا عليـه ويفخر بنا أمام زملائه المعلمين وأمام السيد المدير... وكان الجميع يمطروننا بغيث من التشجيعات والجوائز.

وتذكرت الجوائز... كل الجوائز التي حصدتـها على مدار السنوات الدراسية احتفظ بـها في خزانة الكتب في قسم سميته قسم الجوائز... ما أتعسني! نسيت كل ذلك... صوري... جوائزي... كتبي... نسيتـها في البيت... احترقت... نـهبت؟؟ لست أدري... ووجدت نفسي أخطو خارجا.

وأثناني عن اندفاعي صديقي عثمان وهو يسأل :

- إلى أين تريد؟

واحترت بماذا أجيبـه هل أخبره أني عائد إلى قريتنا لأحضر جوائزي وصوري...؟؟ سيضحك مني ويعتبر التصرف عبثا أو ربما سيصر على مرافقتي ليحضر هو أيضا جوائزه... هل أكذب عليـه لأتخلص مما وقعت فيـه؟

وأنقذني من حيرتي وهو يطرح سؤالا آخر

- قل لي يا محمد على أي شيء استقر رأي الكبار؟ منذ أن نمت لم أفطن حتى الساعة... كنت متعبا جدا ونمت كالميت تماما تماما.

وباختصار شديد أعلمتـه حقيقة … الهجرة الشاقة المتعبة نحو المجهول فتقبل ذلك بامتعاض شديد ولم يعقب... ثم عدنا حيث الجميع وانـهمكنا في تناول فطورنا... دعانا زوج خالتي إلى الاستعداد... لابد أن نكون رجالا أشداء... إن الرحلة ستكون طويلة شاقة بدون شك... وستكون محفوفة بالمخاطر الجسام... مخاطر الأمراض والصرب وتقلب الطقس... إن الفصل شتاء والبرد شديد والزاد قليل

وبسرعة ارتدينا ملابسنا وظهرنا في كامل الاستعداد... من هذه اللحظة يجب أن نذبح الطفولة والبراءة... يجب أن نكون رجالا... القوة والصلابة والصرامة هي السبيل إلى نجاتنا وبقائنا أحياء... فلنكن رجالا.

أذن الفجر... خرج زوج خالتي وابنـه سليمان إلى الجامع فيما بقينا نحن نرتقب ساعة الانطلاق.

كانت زينب تحاول أن تجمع أكبر قدر ممكن من حوائج البيت... أما خالتي فقد جلست إلى كرسي واتكأت على طاولة تعيش سبحاتـها الحزينة مازالت تبكي... دموعها نـهر عظيم تفجر في عينيـها وليس غريبا عليـها لقد ذكرتُ أن عاطفتـها مضطرمة مشبوبـه دائما تشبـه إلى حد بعيد عاطفة والدتي-رحمها الله -

وتلاعبت بين بصري صور المجزرة الرهيبة... دخان ونار وجثث متـهالكة فوق بعضها بالعشرات... هنا رؤوس بلا أجساد... هناك أجساد دون رؤوس... هنالك أجسام عارية وأخرى مكسوة.

وانكمشت على نفسي فزعا وأنا أذكر والدتي تضمنا إليـها في حضنـها الدافئ... وأحسست بالدفء يغمر كامل جسمي.

أيـها الحنان ضمني إليك...

أيـها الشوق ذوبني فيك...

أيتـها الفرحة الراقصة...

يا ألوان القوزح في عيون الأطفال...

يا حلم الثوار الأبطال...

علت شفتي ابتسامة حلوة... تكورت على نفسي... دحوت جسمي كله... وفجأة اندفعت واقفا صارخا وصوت الرصاص يلعلع فوق ظهر أمي فيحفر فيـه خنادق حقد... تتدفق براكين دم يفيض فوق جسدي ساخنا دافئا كالحلم

هرعت إلي خالتي فضمتني إليـها محاولة تـهدئتي

- ولدي العزيز لا تخف أنا معك.

وتماسكت ثم انفجرت باكيا... كانت عائشة ترقبني في حيرة وبقربـها كان يقف عثمان تمثالا مرمريا ينحدر الدمع من عينـه حبات لؤلؤ.

ولمعت على شاشة ذاكرتي صورة الطفلة الأرنبة أخت عثمان… عسكري ثخين بدين… أصابعه مخالب… أذناه طويلتان… أسنانـه تلمع خارجة بين شفتيـه... أنفه خرطوم ممتد كجذع شجرة مجتثة يابسة... كسن فأس... والمسكينة ذات العام الواحد مقطوعة الرأس محمولة في يده اليمنى من ساقها الأيسر والدم ينـزف من رقبتـها... هي أرنب... لا بل طفلة... لا بل أرنب... واختلطت الصور أمام عيني تستفز عواطفي... أرنب مسلوخة... وطفلة عارية مقطوعة الرأس.

بدأت الحركة تدب في القرية... وتناهت إلى مسامعنا أصوات جرارات وشاحنات... عجلنا بإخراج الأمتعة... وضعناها في عربة يجرها حصانان... هي كل ما يملك زوج خالتي المزارع البسيط

مازال النـهار لم يسفر عن وجهه لقد كاد يرفع برقع الليل لتتجلي ملامحه...

من هنا...

في هذه اللحظة ستبدأ الرحلة...

الهجرة... الهروب... التيـهان...

سيرسم التاريخ مأساة بشرية أخرى...

رتبنا الأمتعة وأسرعنا نركب... تكومنا جميعا على خشبة العربة إلا خالتي التي كانت تتمسح بالجدران... تتمرغ على الأرض تعفر وجهها بالتراب في هستيرية وجنون... وحين هرع إليـها زوجها ليأخذها نفرت غزالة شاردة إلى شجرة عالية متعرشة… احتضنتـها وراحت تقبلها... تدخلها قلعة الحب... تجلسها عرش الرباط المقدس... الميثاق الغليظ

يقال أن هذه الشجرة المباركة قد زرعتـها مع زوجها حين اقترنا… ورعياها معا… يخشيان عليـها هبوب الرياح... ووقع البرد... وحتى النمل حين يتسلق أغصانـها وأوراقها... يغسلانـها كل عام فننا فننا… ورقة ورقة … برعما برعما.

وها هي ذي شامخة ذات أغصان وأفنان… وذات ورق وثمار… يجمعان كل عام ثمارها… ويأكلون منـها شهيا طيبا احتفاء بذكرى الزواج.

وتذكرت الأيام الخوالي حين كنت أجيء مع والدتي لنحضر هذا الاحتفال ونأكل من ثمار هذه الشجرة المباركة كما تسميـها خالتي.

ووجدتني أتسلل بعيدا عن الجميع اعتلي أكمة صغيرة... ورحت أتطلع بعيني الصغيرتين إلى القرية... إلى مهدي الدافئ حيث نبت لحمي وأينعت ذكرياتي وأزهرت آمالي الصغيرة الحلوة.

كانت آخر أردية العتمة قد تـهلهلت وغدت خرقة رثة بالية تـهاوت شراشيفها...

وها الفجر راح يمد خيوطه يسعى على الأرض في كبرياء..

وها ملامح القرية تظهر من بعيد عروسا تنام في حضن الجبل تجللها الأشجار الخضراء الوارفة من كل جهة...

ولم يكن يظهر بجلاء إلا منارة المسجد تشمخ بقامتـها تبكي في حزن رجالا اجتمعوا متطوعين لبنائها ذات صيف وأقاموا عندها حفلا جليلا.

أتصمدين أيتـها المنارة لتبقي شاهدا على أهل القرية؟؟؟ تحكين لكل من يمر بك قصتـهم...

براءتـهم...

جريمة مقتلهم؟ ؟؟

أم أنك ستكتفين برفع الشكوى إلى السماء... ثم تخرين متـهاوية إلى الأرض...

وأحسست بيد كبيرة تمسكني بحنو كبير من ذراعي اليمنى وتجرني إليـها قائلة :

- لا تحزن إنك عائد إليـها يوما.

كان زوج خالتي قد تبعني حيث أنا... كانت ملامحه توحي بالتعب الشديد... تعب في جمعنا... وتعب في تضميد آلامنا... وتعب أيضا في كبت جرحه النازف...

الرجال لا يبكون من عيونـهم بل من ملامحهم... الرجال لا يبكون دمعا... وإنما يركمون سحابا أسود قاتما على وجوههم.

تكومنا في العربة الخشبية الباردة رغم ما فرشتـه خالتي تحتنا... كان الجميع قد حضر نساء ورجالا... أطفالا وعجزة... اختلطت أصواتـهم مع نباح الكلاب وثغاء النعاج وصياح الديكة.

وأعطى الشيخ إشارة الانطلاق فهرع الجميع في صف كبير تاركين قريتـهم وأرضهم وديارهم ميمين شطر المجهول... شطر التشرد والضياع.

كل الرؤوس كانت تتمايل ذات اليمين وذات الشمال... كان الطريق وعرا مليئا بالحفر الصغيرة والحجارة... وكل العيون كانت تعانق خلفها تضاريس القرية تضمخها بأريج المآقي.

دس عثمان رأسه في حضني فضممته إلي وغطيته... لقد فقد هذا المسكين كل شيء ولم يعد له من صدر حنون يتكئ عليـه … ولعله لن ينام في حضني … لعل خواطره ستذهب بـه بعيدا بعيدا... إلى أسرته... إلى ذكرياتـه... إلى القرية... إلى المدرسة... إلى مستقبله المظلم المجهول... لست أدري.

أثار فضولي زوج خالتي الذي كان يقود العربة لم يكن ينظر أمامه... كان الحصانان يتبعان الطريق بغريزتـهما... بل يتبعان العربات التي قبلهما...

لم يكن زوج خالتي يقطع بصره خلفه إلى القرية... أليست هي مهده وحضنـه ومنشأه؟؟ أليست هي مغرسه ومعرسه؟؟

في كل شبر منـها شيء من ذكرياتـه... من آلامه وآماله... ليس أصعب من أن يترك المرء كل ذلك خلفه... لقد انسلخ من عمره... بل انسلخ من أجمل أيام عمره التي يعجز عن إعادتـها فيستحضرها بالذاكرة.

وتركت زوج خالتي لاكتشف أن الجميع قد تعلقت أبصارهم بالقرية في صمت مطبق لا يقطعه إلا أزيز المحركات وصرير العربات.

في المقدمة كان الشيخ ومعه بعض القادرين من الرجال على المشي كانوا يقطعون المسافة كلها من رأس القافلة إلى آخرها... يعينون من يحتاج إعانة... ويوجهون من يحتاج توجيـها... ويبعثون في الجميع الأمل... الأمل الذي لم يجد قلوبا قادرة على احتضانـه... ولا وجوها قادرة إلى إشراقه.

على وجوه الجميع كان الحزن يتربع إمبراطورا جبارا يلسعها بسياط الحيرة والأسى... ومن عيون الجميع كانت تتـهاطل الدموع … دموع متبرجة ودموع متحجبة.

بدأت القافلة الآن تغوص وتتوغل بين الجبال الشامخة … جبال اكتست حلة خضراء من الأشجار الملتفة السامقة … وكللت رؤوسها عمائم بيضاء من الثلج … كانت تظهر كالشيوخ يجلسون في وقار … ماذا تخفي هذه القمم العالية خلفها؟؟ أي سر دفين في أعماق هذه الغابات القاهرة؟ لعل رجال جيش التحرير يتخذون من هذه الأماكن مأمنا وملجأ.

وأحسست بالنشوة والعزة...

مازال في شعبنا الأبي من يقاوم...

وحين نكبر سنقاوم...

وحين يبزغ الأبناء والأحفاد نقاوم...

حتى نسترد عزتنا وكرامتنا.

وخطر في بالي خاطر مفزع ألا يمكن أن يكون في هذه الغابات أعداؤنا؟؟ وسرت في جسدي قشعريرة وأنا أتخيلهم يباغتوننا... ويعملون فينا أسلحتـهم... مخالبـهم... أنيابـهم...

يقطعون رؤوسنا...

يغتالون الأمل من قلوبنا

نظرت إلى الجبال... تأملتها... حاولت أن أتنبأ بأسرارها... لا شيء فيـها سوى حزن عميق… عميق

أحسست بحركة غير عادية … تعالت الأصوات محدثة ضجيجا… هتكت ستار الصمت السميك… وقفت داخل العربة… نظرت إلى مقدمة القافلة… لقد اعترض طريقنا جنود مدججون بالأسلحة… وخفق قلبي فزعا !! تراءت لي المخالب والأنياب… والخراطيم المدببة… والآذان الطويلة… والوجوه المكسوة شعرا… ولمحت الشيخ ومن معه من رجال يحثون الخطو نحوهم في غير خوف … وبدأت ملامحهم تتبين لي… كانوا رجالا عاديين من البشر تماما... كيف كنت أتخيلهم على ذلك الشكل المفزع الرهيب؟ لم تكن تظهر على وجوههم علائم الشر... وهدأت نفسي تماما وأنا أرى الشيخ يعانقهم ومثله يفعل الرجال... هؤلاء إذن رجالنا... أبطالنا... ما أسعدني بملاقاتـهم ورؤيتـهم!

وشرع الشباب ينفصلون عن القافلة يودعون أهليـهم في حرارة وينظمون إلى الجنود حتى شكلوا كوكبة كبيرة... لمحت سليمان يحث الخطى نحو عربتنا ونزلت خالتي وزينب وبدأ العناق الشديد بينـهما حتى كادوا جميعا يكونون شيئا واحدا.

وحضر زوج خالتي وراح يؤنب زوجتـه في تشجيع لابنـه.

- ابنك رجل يا امرأة هو الآن أدرك واجبـه نحو وطنـه وأمتـه فلا تحزني ولا تبكي بل افرحي واسعدي سليمان مفخرتنا ومفخرة الأمة جمعاء.

ومد سليمان أنامله يكفكف دموع أمه وهو يقول لأبيـه :

- اهتموا بأنفسكم … طريقنا كلانا سيكون صعبا... محفوفا بالمخاطر... ولكن نـهايته ستكون مزروعة بالورود الندية الفواحة

سكت لحظات ثم أردف يقول:

- الله معنا... كل أحرار العالم معنا... لا تخافوا لسنا وحدنا... ارحلوا... ستصلكم رسائلنا وأخبارنا أينما تكونوا وحيثما تحلوا.

والتحق برفاقه لنصعد العربة حيث كنا وما هي إلا لحظات حتى انطلقت القافلة من جديد دون أن يبرح الفتية أماكنـهم يرموننا بالحلوى والزهور... ونرميـهم نحن بالدعوات وتلويح الأيادي والدموع الممزوجة بأفراح الأمل.

استمر سيرنا ذلك اليوم النـهار كله... قطعنا وديانا وجبالا ووهادا وسهولا... كنا نتوقف من حين لآخر يستطلع الدليل الطريق أمامنا ثم يوحي إلينا بمواصلة المسيرة.

الطريق محفوفة بالمخاطر الجسيمة... والأعداء يتربصون بنا في كل مكان ولعل قنابل قد وضعت تحت التراب في مكان ما وهي الآن تتربص بنا لتنقض علينا فتغتال ما تبقى في قلبنا من بسمات وآمال.

الليل الحالك المظلم وحش مفترس يلهث خلف النـهار فيلتـهم أطرافه التـهاما... تعبت البـهائم... وتعبنا نحن أيضا وزاد عددنا... صرنا أضعافا لقد انظم إلى القافلة مئات من الفارين شيوخ وعجائز... رجال ونساء... كبار وصغار... اختلفت أعمارهم وأشكالهم واتفقوا جميعا في ملامح الحزن والأسى التي كانت تعربد فوق الوجوه الشاحبة الصفراء المتعبة.

توقفت القافلة... تفرق الناس فملأوا سفح الجبل المعشوشب الندي... تـهالكت العجائز والشيوخ والأطفال يطلبون شيئا من الراحة لقد أنـهكهم السفر.

وشرع القادرون في إعداد أماكن النوم وإشعال النار وتحضير الطعام.

دبت حركة غير عادية... وتعالت ألسنة اللهب ووهيج الجمر... وارتفعت روائح أطعمة مختلفة متنوعة.

انزويت بعيدا بمعية عثمان ورحت أرقب المشهد بصمت... تذكرت أيام الصيف حيث كنت أقصد والعائلة شواطئ البحر فنتمتع برماله الذهبية ومياهه الدافئة الناعمة أو حين نقصد غاباتنا العذراء المفعمة بالعذوبة والفتنة.

وكيف كانت العائلات تلتقي على الطعام الواحد... ننضجه جميعا... ونأكله جميعا... نغني... ونرقص إلى آخر الليل... ثم ننام لنقوم صباحا... إن سحر تلك الأماكن لا يقاوم أبدا.

عين الشيخ رجالا للحراسة والتناوب عليـها واجتمع الباقون معه يتسامرون... يتعارفون... ويتحدثون عن واقعهم ومستقبلهم... ويروون قصصا خيالية عن مجازر اقترفها أعداؤنا في حق العزل من العجزة والرضع والنساء خاصة... واقترب منا زوج خالتي فطلب منا أن نذهب للعشاء.

تركنا جمع الرجال وقطعنا جموع الناس حتى عربتنا... كانت عائشة تنام في حضن أغطية دافئة بينما جلست خالتي وزينب وفتاة أخرى لم أرها من قبل يتناولن العشاء في صمت... جلست مع عثمان... قدمت خالتي لنا الطعام فأكلنا وكلي فضول إلى معرفة سر هذه الفتاة... أهي من القرية معروفة من قبل قصدت عائلة خالتي للزيارة فحسب؟؟ أم هي من قرى أخرى طوح بـها التشريد كما طوح بنا؟؟ ولماذا قصدتنا نحن بالذات إن كان الأمر كذلك؟ وما السر الذي تحمله؟؟

وهممت أن أسألها عن كل ما دار في خلدي لكني تراجعت وكتمت الأمر في نفسي... ليس كل ما يعلم يقال... كما كان يوصينا معلمنا دائما.

حين اكتفينا من الأكل دعتنا خالتي أن نركن للنوم لقد كان السفر متعبا وإن تعب يوم الغد سيكون أشد.

نظرت إلى عثمان فهمت من عينـه أنـه لا يريد النوم وتلك رغبتي... لا بد أن نعود حيث الرجال... يجب أن نستمع منـهم...

كان الجمع قد اكتمل... مئات الرجال والشباب والشيوخ يتبادلون أطراف الحديث مجموعات مجموعات ومنـهم من انفرد بمذياع راح ينتقل من إذاعة إلى أخرى يسمع آخر الأنباء.

انجذبنا إلى حلقة الشيخ حيث كان زوج خالتي فقعدنا بجانبـه.

ذكر الشيخ أن الشعوب العظيمة هي التي تصمد في الملمات والخطوب وهذا الأمر الجلل ليس جديدا على شعبنا العظيم لقد عرف على مر التاريخ والأزمان هزات عنيفة أشد وأنكى من هذه الهزة وكان دائما يخرج من ذلك منتصرا بفضل الله وبفضل أبنائه المخلصين.

إن شعبنا قد جعل الله منـه سدا منيعا وحصنا قويا لحماية رسالة السماء منذ أن حمل أجدادنا النور والخير والإيمان إلى هذه الأرض الطيبة وسيبقى فيـها النور مشعا بفضلنا... بفضل إيماننا... بفضل إصرارنا.

ليس لنا طريق إلا الشهادة أو الانتصار ومرحى بالاثنين يا إخوتي ما أحلى الانتصار مضمخا بدماء الشهداء الأباة الرافضين للذل... الرافضين عبودية الإنسان لأخيـه الإنسان… العبودية لا تكون إلا لله.

سيكون الانتصار حليفنا بحول الله مهما اشتد تكالب الظالمين وطغيانـهم صبرا آل كوسوفا فإن موعدكم النصر.

راحت هذه الجملة تتردد في أذني بينما بدأ النعاس يغشاني… وراح جسدي يتخدر … ورأسي يثقل … تمددت بجوار صديقي عثمان على فخذ زوج خالتي ونمت…