مقدمة

6 0 00

رواية

الزلزال

بقلم : د. أحمد مراد

خالد علوان شاب مصري من سكان مدينة العريش يبلغ من العمر أربع وثلاثون عاما ..

نموزج مثالي للشاب المصري المكافح الذي طحنته الحياة بين فكيها ..

كان حظه من التعليم قليلا بسبب أنه لم ير أباه على وجه الدنيا .. وكان مثقلا بعبء أخواته الأربع وأمه .. فهو رجل البيت بالرغم من أنه أصغرهم

استيقظ من نومه وقام يفرك عينيه وخرج للصالة ليجد أمه تعد له مائدة الافطار

قبلها وهو يقول لها .. (( صباح الخيرات يا وجه الخير كله .. ))

ابتسمت أمه في حنان وقالت له ..

.. (( صباح النور يا ولدي .. ))

نظر خالد الى صورة أبيه الكبيرة والمعلقة في الصالة وقال له (( صباح الفل يا شهيد .. ))

ثم قال ساخرا .. (( ماذا كان سيحدث لو كنت تركت تلك الدبابة ؟؟ .. كنا سننعم بوجودك بيننا الآن .. ))

قالت له أمه في لوم .. (( ألن تكف عن أسلوبك هذا ؟؟ .. كلنا نفخر بأن أباك كان من رجال المقاومة قبل الحرب وقد نال شرف الشهادة فيها حين تصديه مع مجموعة من البدو البسطاء لرتل من الدبابات .. ))

قال وهو يلوح بيديه في سخط ..

.. (( وماذا نالنا من ذلك .. أنا لم أره فكنت كنت ببطنك وقتها وولدت يتيما و تشردت ومنذ صغري عملت بألف عمل كي اتمكن من تزويج أختين وما زال اثنتين معلقتين في رقبتي .. ناهيك عن نسيان نفسي وحظي من هذه الدنيا .. والدولة تكتفى بالقاء بضع جنيهات الينا كمعاش شهيد لا تكفي حتى لسداد فواتير المياة والكهرباء والتليفون .. وكل يوم ضباط شرطتها يطاردونني بعربة الفاكهة البسيطة التي أعمل عليها .. هل هذه الدولة التي كان يستحق الموت لأجلها ؟؟ .. وهل كانت تستحق أن يحدث كل هذا لنا بسبب موته لأجلها ؟؟ ))

قالت أمه في وهن .. (( يكفينا أنه في الجنة .. ))

لوح بيده مرة أخرى وقال من بين قطع الطعام التي تتناثر من فمه أثناء حديثه

.. (( فليتنعم هو في الجنة .. ولنتجرع نحن الشقاء في الدنيا ))

قالت أمه .. (( آه لو تصلي يا خالد .. ستشعر بالراحة وسييسر الله لك كل عسير .. ))

قال وصوته لا يكادن أن يكون مفهوما بسبب الطعام الذي يملأ شدقيه ..

.. (( هل الصلاة هي التي ستمنع البلدية من ملاحقتي .. أم هي التي ستأتي الي بالأموال التي نستطيع بها من تجهيز وتزويج الأميرتين القابعتين بالداخل ؟؟ ))

قالت أمه في أسف .. (( أستغفر الله العظيم .. هداك الله يا ولدي .. ))

نهض خالد وهو يأخذ آخر قضمة من طعامه وانطلق الى الخارج

وفي أحد أهم الميادين بالمدينة وقف بعربته البسيطة التي يتاجر بجوارها في كل شيء

وليس بالفاكهة وفقط ..

فخالد بالرغم من تعليمه البسيط إلا أن الله منحه موهبة وذكاء تجاري فطري يجعله يستشعر من أين يأتي القرش فينطلق وراءه

هو أول من ابتكر دقيقة المحمول بخمسين قرشا في العريش كلها

وهو أيضا من يخفي بعض قطع الحشيش وسط الفاكهة ولا يبيعها علنا ولا لأي شخص

إنما لأصدقائه وفقط .. فهو يعلم بأن الشرطة تشم خبر التجار في هذا الصنف حين انتشاره

وهو لا يريد ذلك ويكتفي ببيعه لمعارفه .. وقام بتحفيظهم ما سيقولونه لو تم القبض عليهم بسبب حيازته أو تعاطيه .. أنها من فلان التاجر الشهير وهو معلوم بالطبع أنه يتاجر فيها

وهو مطمئن بأن أصدقائه لن يقومون ببيعه أبدا فروح الشهامة تجري بدمائهم في هذه النقطة ..

بل إنه في ذات مرة وهو بالقسم حين أحد المرات التي تم القبض عليه فيها .. وبينما يتم اقفال المحضر له اتت مكالمة للضابط وسمعه يرد على محدثه ويقول له بأن سعر البنزين سيرتفع فجأة من صباح الغد وأنهم مكلفون بمتابعة محطات الوقود ويشكوا من عجب تلك المهام ..

التقط خالد تلك الكلمة وحين خروجه توجه مباشرة الى محطة الوقود التي يعمل بها محمد صديقه .. وطلب منهم مطلبا عجيبا ..

فقد طلب شراء كل الكمية المتواجدة بالمحطة الآن ولكن بشرط أن يأتي لأخذها في الغد وقبل مجيء سيارة الإمداد لهم ..

تعجب محمد من هذا المطلب ولكنه وافق

ودفع خالد كل ما يملك من مدخراته

وأصبحت المحطة ملك له لنصف يوم ..

وفي اليوم التالي باع الكمية لصاحب المحطة بأقل مما يشترى من سيارة الامداد وخرج له مكسب رائع دون أن يتعب في شيء سوى الاستفادة من تلك المعلومة

مرت عليه زينة .. تلك الفتاة الجميلة التي تعمل بأحد المحلات القريبة بالميدان

وقالت له .. (( كيف حالك يا خالد .. هل رصصت الفاكهة بحيث تخفي الفاسد منها في أكياس تبدلها للشاري بعد الميزان دون أن يدري ؟ .. ))

ضحك خالد وقال .. (( هل حدث معك هذا ؟ المرة اليتيمة التي اشتريت فيها مني اعطيتك أروعها .. ومن يومها تكتفين بالتفاحة التي تأخذينها مني كل يوم .. هل تقومين بتحويشهم وأخذهم كل آخر أسبوع على أنك اشتريتها ؟ .. ))

ضربته زينة على كتفه وقالت له .. (( أنا أستطيع شرائك أنت وعربتك هذه بمالي .. ))

قال خالد .. (( أحب غيظتك هذه .. ))

قالت له في دلال .. (( متى سأبشر أبي بأنك قادم الينا ؟ ))

تنهد خالد وقال .. (( حينما تحل المصيبتين القابعتين بالمنزل عن رأسي .. وقتها نستطيع الزواج بنفس الشقة مع أمي .. ))

قالت في رجاء .. (( وما المانع أن نتزوج وهما بها .. ))

قال في رفض .. (( يا زينة لن تكون عيشة هنية أبدا .. وكذلك يجب أن أفرغ من جهازيهما ولم أنتهي من إعداده كله بعد .. ))

مدت يدها وأخذت أكبر تفاحة وسط التفاح وقالت ..

.. (( أنت حر .. قد يأتي صاحب نصيب آخر ويختطفني منك وأنت ما زلت في طور الإعداد .. )) وانطلقت دون أن تسمع رده .. في حين أرسل هو لها قبله في الهواء وهو يضحك قائلا ..

.. (( اجعلي هذا الانتحاري يظهر في الصورة وستعلمين ما الذي سيحدث له .. ))

والتفت خالد لسيارته وبدأ في إعداد الأكياس التي تحدثت عنها زينه وهو يبتسم ويتذكر مقولتها

ومضى يومه عاديا في بيع الفاكهة وقطعيتن فقط من الحشيش

وأخيرا عاد لبيته ليشاهد أحد الأفلام مع أمه وأختيه

وأخيرا في آخر الليل تأكد من إحكام غلق غرفته عليه وفتح الكمبيوتر الذي اشتراه منذ شهر وشاهد أحد الأفلام الخليعة التي يواظب على مشاهدتها كل ليلة

وأخيرا ذهب في نوم عميق وبجسد مكدود

*****

كان اليوم على غير العادة في شهر يناير 2008 مشمسا مشرقا وأشعة الشمس تبعث بالدفء في الأجساد والنفوس ..

مما جعل خالد يخرج ويقف بعربته في أبرز وأوسع مكان بالميدان .. فلا خوف من المطر في هذا الجو الرائع ..

كعادة مدينة العريش الغير مزدحمة بالسكان .. كانت الحركة بسيطة .. ولكنها دئوبة ونشيطة وكأن الكل يعلن استمتاعه بهذا اليوم الرائع وبجوه الدافيء الذي يدغدغ المشاعر ويبث فيها الكثير من الرضا ..

وفي مشهد عجيب لم يره خالد من قبل ..

وجد خالد الميدان قد ازدحم بشكل مفاجيء وغريب ..

هو اعتاد أن هذا الميدان لا يمتليء أبدا إلا بجحافل الشرطة حين مطارتها للباعة الجائلين

ولكنه هذه المرة يجد الميدان يزدحم باناس عاديين ووجوهم غير مألوفة على الاطلاق

كان بعضهم يحمل حقائب كبيرة

وآخرون يحملون الآنية التي تحوى الوقود ولكنها فارغة

وحدث هجوم غير عادي على المحلات ..

تحير خالد ما الأمر وخاصة أنه لم يتجه أحد اليه ..

استوقف خالد أحد أصحاب هذه الوجوه الغريبة وسأله ما الأمر

وفوجي بأخبار لا علم له بها .. ولم يسمع عنها من قبل

وهذا لعدم اهتمامه ولا متابعته لها من الأساس ..

ففي ظل الحصار الغاشم للشعب الفلسطيني في غزة

فاض الكيل

وحدث الانفجار

وعبر الفلسطينيون الجدار الفاصل للحدود بين مصر وغزة بالقوة

عبرو ليتزودو بالوقود والبضائع التي حرموا منها ولم يعد لديهم طريقة للوصول اليها

فقد أغلقت عليهم جميع المخارج والمنافذ ..

مد خالد يده وعدل من وضع كرسية ودعى الرجل ليجلس عليه

وهو يستعلم منه عن الأمر وما تفاصيل الخبر

وكأنما كان الرجل ينتظر هذا فارتمي على الكرسي ليريح جسده المكدود

وبدأ في السرد وكأنه يريد أن يخرج طاقة مكبوتة بداخله

كان خالد لا يهمه من بعيد أو قريب الألم الذي يعتصر الرجل وهو يقص عليه معاناة شعبه

وإنما كان عقله التجاري هو الذي يعمل بسرعة البرق للاستفادة من معلومة ووضع قد لا يتكرر ..

سأل الرجل عن أهم البضائع التي يريدون حملها من هنا وما الذي يفتقدونه وأكثر شيء يعانون منه

ذكر له الرجل كل أنواع البضائع والوقود ولكن عقل خالد العبقري ذهب لنقطة بعيدة لم يطرقها أحد ..

سأل الرجل .. (( وماذا تفعلون في ظل الظلام المتمدد هذا ؟ ))

قال الرجل بأسى .. (( لن تصدق إذا قلنا لك بأننا نقضيه على ضوء الشموع .. ))

وبرقت الفكرة في رأس خالد ..

وقال للرجل ..

.. (( ما رأيك أن تتعاون معي وسيكون لك مكسب رائع وفي نفس الوقت ستكون سببا في رفع المعاناة عن الكثير من الناس .. ))

نظر اليه الرجل بتساؤل وقال له .. (( وكيف هذا ؟؟ ))

قال خالد في حماس ..

(( هل خطر ببالك أن تحمل معك من هنا أحد الكشافات الضوئية التي تعمل بالبطاريات التي يعاد شحنها ؟ ))

اتسعت عينا الرجل وقال . . (( لا لم يخطر ببالي هذا فعلا .. ))

تابع خالد بنفس حماسه ..

.. (( أعتقد بأن ضوئه أفضل ألف مرة من ضوء الشموع .. ويمكنك اعادة شحنه من أي مصدر كهربائي والذي حتما يتواجد بالأماكن الحيوية وأيضا يفيدك في حال انقطاع التيار الكهربائي المتردد ... ))

أومأ الرجل بأنه يوافقه على كلامه ..

فقال له خالد متابعا ..

.. (( أخبرني فقط .. الحي الذي تقطن به .. ما هو أخبار تلك الكشافات به ..))

قال الرجل .. (( هي قليلة جدا فعلا ))

اشتعل عقل خالد بالحماس وهو يقول

.. (( اذا لو حملنا شحنة كبيرة منها وحاولنا بيعها هناك حتما ستنفذ في سويعات أليس كذلك ؟؟ ))

وافقه الرجل بان هذا ما سيحدث فعلا ..

فقال له خالد .. (( الآن اليك فكرتي بالتفصيل .. أنا سأعمل على جمع شحنة كبيرة منها

وآتي بها الى ذلك السور المتهدم بسيارة شحن و بالطبع لن تستطيع العبور للجانب الآخر

ولكنك ستنتظرني بسيارة أخرى هناك ونقوم بنقل البضاعة عبر السور

ونذهب بها الى مكان او محل تعده أنت سلفا للبيع فيه وكذلك تعلن قبلها عن وصول تلك الشحنة لينتظرها الناس ولا نمكث كثيرا في بيعها .. وأنت لك نصف الأرباح .. فما رأيك ؟؟ ))

مد الرجل يده وصافح كف خالد بقوة اعلانا عن الاتفاق المبرم بينهما

وبعدها انطلق كل منهما بعد أن حصلا على أرقامهما التليفونية للتواصل

ذهب الرجل الى حيث كان يبغي

وانطلق خالد بعربته فلا بيع للفاكهة اليوم

وانطلق الى محلات الأدوات الكهربائية ليجمع منها كل الكشافات الضوئية بشكل كبير وبسعر الجملة .. واتفق مع احدى السيارات التي ستقله في الغد

ولأول مرة منذ أمد ذهب الى زينة بالمحل الذي تعمل به

تركت هي الزبونة التي كانت تحاورها

وانطلت اليه قائلة .. (( خيرا يا خالد ؟ ما الأمر هل أخذت البلدية عربتك ؟ ))

ابتسم خالد وقال لها .. (( لا ولكني مسافر غدا لعمل سأجني منه ربحا طائلا يعجل بما تريدين .. ))

فرحت زينة وهي تقول باهتمام .. (( أحقا ما تقول ؟ .. مسافر إلى أين ))

قال لها .. (( الى غزة لبيع شحنة كبيرة وبسعر مضاعف وكبير .. ))

ضربت زينة بيدها على صدرها وهي تقول له ..

.. (( ماذا تقول يا خالد .. أستذهب بقدميك الى هناك .. أهلها أتوا هاربين منها وتذهب أنت اليها .. انهم يقولون بان القصف لا ينقطع عنهم .. ماذا ستفعل أنت بالأموال لو أصابتك إحدى هذه القذائف ؟؟ ))

ضحك خالد بقوة وهو يقول لها .. (( أتخافين علي حقا يا زينة .. ))

ضربته بيدها على كتفه كعادتها وهي تقول .. (( لا طبعا .. ولكن ما ذنب اخواتك وأمك ؟ فأنت رجلهم .. ))

ولأول مرة يربت خالد على كتفها بحنان وتنطق عينيه بحب حقيقي لها وهو يقول لها

.. (( لا تخافي يا زينة .. عمر الشقي بقي .. وسأعود لك باذن الله محملا بالمكسب الرائع ))

علمت زينه بأنه مصر وقد عزم الأمر وبالتالي لم تعد تفلح معه المناقشات

ورغما عنها سالت دمعتها وهي تقول له ..

.. (( حافظ على نفسك قدر الإمكان يا خالد .. فكلنا في حاجة اليك .. ))

تأثر خالد بمشهدها ولأنه يكره لحظات الوداع الدامعة فأومأ برأسه أن نعم .. وتركها وانطلق

وبعد أن اطمان خالد على كل الإعدادت

عاد الى بيته وهو متردد أيخبر أمه وأخواته بما ينتوي أم يتركهم حتى لا يقلقوا ويتكرر المشهد الذي حدث مع زينة ؟؟ ..

ولكن ولأنه يعد الحسابات دوما لكل كبيرة وصغيرة .. فقد افترض بأنه ربما قد تتعطل عملية البيع هناك ويتأخر أكثر من يوم .. وقتها سيموتون قلقا عليه

فذهب الى أمه فقط .. وأخبرها بما ينتوي .. وكما حدث مع زينة فعلا فقد انخلع قلبها خوفا وهلعا مما قد يحدث له هناك ..

وبعد محاورات عدة

ضمت رأسه إلى صدرها وربتت عليه وهي تقول له ..

.. (( ما أشبه اليوم بالبارحة .. أذكر آخر مرة خرج فيها أبوك عليه رحمة الله .. كم توسلت اليه بألا يخرج .. وأن جيشنا معه العدة والعتاد للمواجهة وأن دوره قد انتهي في المقاومة فقد أتت الساعة التي كنا نترقبها .. ولكنه قال لي في اصرار .. وأنا أيضا كنت أترقبها كي أشارك فيها لا أن أتقاعس وأختبيء كالجرز .. وها أنت تصر أن تذهب مثله تماما ولا تجدي معك توسلاتي .. ))

ضحك خالد بصوت عال وهو يقول ..

.. (( ما الذي جري لك يا حاجة أنا لست ذاهبا الى عملية فدائية .. إنها عملية تجارية وربحها مضمون وبقوة ومعي رجل فلسطيني أخبرني بأنه سيأخذني الى المواقع التي لا تطرقها المقاومة هناك وبذلك حتما لن يطولها أي قصف .. وهي ساعات وسأعود اليك سالما غانما باذن الله .. ))

قالت أمه ودموعها تسيل على خديها ..

.. (( دعائي وصلاتي لن تنقطع لك حتى تعود الي يا ولدي .. ))

قبل خالد رأسها وذهب الى غرفته ..

ولأول مرة أيضا منذ أمد ..

تجاهل جهاز الكمبيوتر

وتدثر بأغطيته

وذهب في نوم عميق

وهو لا يدري بأن الغد .. هو اليوم الفاصل في حياته كلها

ولا يعلم كم الأهوال التي تنتظره هناك على خط النار

*****

بعد وداع يراه خالد مبالغا فيه من أمه وأخواته انطلق بالسيارة المحملة بالبضائع .. أخذ يدير مؤشر الراديوا حتى وجد احدى محطات الأغاني الشهيرة .. وانطلق الصوت ترافقه الموسيقي وخالد يتمايل مع نغماتها بشجن ..

وأخذ خالد يمازح السائق وكل منهما يحكى مغامراته ومواقفه التي يراها بطولية وأنه كان دوما على حق ..

خالد يقص مواقفه مع البلدية وكيف أنه يصارعهم كالأسد ولا يستطيعون أن يحصلوا منه على شيء .. وبالطبع لم يذكر أمر الرشوة التي يضطر لدفعها أول كل شهر للصول راشد كي ينبهه قبل خروج المأمورية من القسم ..

والسائق يقص عليه مغامراته أيضا مع رجال المرور وأنه فقط حينما ينظر إلى أعينهم بقوة يهتزون أمامه ويسمحون له بالمرور بالرغم من أنه يسير بسيارة بلا رخصة ..

ولا يذكر له كم من المبالغ يدفعها بصورة شبه دورية لكل جندي مرور يقف على ناصية كل شارع ..

وكأنما أراد القدر أن يختبر صدق كل منهما أو أن يعريهما لبعضهما البعض ..

فقبل الوصول لرفح بحوالي عشرين كيلو أوقفتهم نقطة تفتيش ..

طالبت بأوراق السيارة والرخص وقد كانت سليمة

وحينما سألهم عن حمولة السيارة .. تردد السائق ونظر لخالد الذي قال في حسم وهو يمد يده بسيجارة الى رجل الشرطة الذي يسائله ..

.. (( إنها بضاعة ذاهبين لبيعها عند المعبر يا باشا .. ))

ما إن سمع الرجل تلك الجملة حتى اتسعت عينيه .. وصرخ فيه بأن يقوم بركن السيارة على أحد الجوانب وطالبهما بالنزول الى داخل حجرة الاحتجاز بالكمين ..

ارتبك السائق وهو لا يدري ما الأمر ..

في حين كان خالد مندهشا ولا يرى في الأمر شيء .. فالفلسطينيون يحملون البضائع ويمرون بها بكل يسر .. فما الأمر ؟؟

حاول خالد أن يسأل هذا المساعد ماذا هناك وما الخطأ ولكن الرجل نهره بعنف ومنعه من الكلام ..

وبالداخل .. قال المساعد للضابط الجالس خلف مكتبه ..

.. (( هؤلاء يا سيدي معهم سيارة كبرى ومغطاه ويقولون بأنها محملة بالبضائع لبيعها عند المعبر .. ))

.. اتسعت عينا الضابط في دهشة وقال ..

.. (( لبيعها عند المعبر !! .. ما هذه الجرأة .. ))

ثم نظر نحو خالد والسائق وقال لهما ..

.. (( ما هي الأسلحة المحملة بتلك السيارة ؟؟ ))

اتسعت عينا خالد وسائقه في دهشة وهو يقول ..

.. (( ياللهول .. أسلحة !! .. أي أسلحة هذه التي تتكلم عنها ياباشا ؟؟ ))

قال الضابط بصرامة ..

.. (( السيارة بالخارج وسيتم افراغ كل ما بها .. أخبروني بكل ما بها قبل أن أحطمكما وأسلمكما لمباحث أمن الدولة .. ))

ارتعد السائق بقوة وهو يقول ..

.. (( أقسم لك ياباشا لا علاقة لي بهذا الأمر .. أنا مجرد سائق مسكين طلب مني توصيله وقال بأنها بضاعه سيبيعها في فلسطين .. ))

ابتسم الضابط في ظفر وقال ..

.. (( بداية جيدة .. أفهم من هذا بأنها ليست بضاعة للبيع عند المعبر .. هيا أنتظر البقية .. ))

قال خالد في توسل ..

.. (( أرجوك يا سيادة الباشا .. السيارة أمامك فتشها كما تشاء .. لن تجد بها إلا كشافات ضوئية .. إذا وجدت غيرها افعل بي ما تشاء ))

كانت لهجة خالد واضحة الصدق مما جعل الضابط يسأله ..

.. (( اذا كانت هذه بضاعة للبيع فعلا .. ما الذي يجعلك تذهب لبيعها عند المعبر أو في غزة كما قال زميلك وكيف ستعبر الى هناك .. أخبرني فقط من خلفك وما هي الجماعة التي اتفقت معك على ذلك .. فقد تكون بريئا فعلا ولا تدري ما هو المعبأ بتلك الشحنة .. سأحاول أن أعاونك وأخلصك مما أنت فيه .. أشعر بأنك شاب جيد ..))

ظل خالد يتوسل الرجل بانه لا يعرف جماعات وأنه فقط يريد التجارة المربحة وتفتق ذهنه عن هذه الفكرة لمضاعفة الربح ..

هرش الضابط رأسه وما كان منه إلا أن اتصل بأحد الأرقام التابعة لمباحث أمن الدولة وأخبرهم بالأمر .. فطلب منه محدثه باحتجاز السيارة وتفتيشها جيدا .. والاتصال بالقسم التابع له خالد في العريش والاستعلام عنه ...

تم رمي خالد والسائق في غرفة ضيقة مظلمة ..

وبدأ الضابط في اجراء اتصالاته .. وعلم بأنهم سيخبرونه في الغد عما يريد

وتم تفتيش السيارة قطعة قطعة

ومر اليوم على خالد وبات في موضعه جالسا وهو يشعر بالبؤس والفشل

فقد انهارت خطته قبل أن تبدأ

وخسر كل ما ادخره ودفعه في هذه العملية

هو يعلم بأن ما يتم مصادرته لا يعود

فعلى أفضل التقديرات لو خرج من الاحتجاز بلا قضايا تتلبسه فلن يحصل على شحنته ..

وعند ظهر اليوم التالي ..

اتصل الضابط وعلم بانه بائع متجول ولا يتبع أي تنظيمات

فاتصل برقم أمن الدولة الذي قال له أطلق سراحه ..

وعندما سأله هل يعيده الى العريش أم يسمح له بالمرور ..

قال رجل أمن الدولة ما دام لا يتبع أية جماعات ولا تنظيمات دعه يكمل مسيرته

استدعي الضابط خالد وسائقه ..

وسأله قائلا .. (( كيف تغامر هذه المغامرة من أجل المال ؟؟ ))

قال خالد وهو ترتسم على وجهه ابتسامة شاحبة ..

.. (( تحصيل الرزق يتطلب أن تكون خفيفا .. ))

ابتسم الضابط وقال له ..

.. (( وهل نوعية الكشافات جيدة أم رديئة ؟؟ ))

قال خالد في حسم .. (( إنها صناعة اليابان ياباشا ومن أفضل أنواع الكشافات .. ))

قال الضابط ..

.. (( حسنا يوجد بالنقطة الآن عشرة أفراد .. ماذا ستهديهم ؟؟ ))

ابتلع خالد ريقه بصعوبة وقال ..

.. (( ما تأمر به ياباشا .. ))

قال له الضابط .. (( هيا الى سيارتك لا نريد منك شيئا ))

توقع الضابط أن ينطلق خالد مهرولا .. ولكن لدهشته وجده يقف ولا يريد الذهاب

فقال له .. (( لماذا تقف هكذا ؟ ))

قال خالد .. (( أريد منك خدمة ياباشا فمن الواضح أنك طيب القلب ))

ارتفع حاجبا الضابط في دهشة وهو يقول .. (( خدمة ؟؟ ألا يكفيك اطلاق سراحك ؟ ))

قال خالد في تردد ..

(( حتما سيوقفني ضباط ورجال أمن غيرك .. أعطني فقط رقم هاتفك لأجعلهم يتصلون بك ليعلموا ما هو موقفي منك .. ))

أعجب الضابط بذكاء خالد ومثابرته هذه .. ولهذا قهقه ومد يده وعلى قطعة ورق صغيرة كتب له الرقم واسمه بجواره .. وانتزع خالد الورقة وانطلق وهو يشعر بميلاد جديد

وحينما ذهب الى السيارة اعطي للجندي كشافا وطلب منه توصيله للضابط كهدية

وانطلقت السيارة والسائق صامت

في حين اندفع خالد يقص مغامراته السابقة مع الضباط وفي الأقسام والتخشيبات

وكما توقع أوقفته ثلاث نقاط متقاربه ..

فكان بكل ذكاء يخبرهم بأنه يتبع المقدم حسن عواد ويعطيهم رقمه للاتصال

ولكن لهجة الثقة واسم الضابط كان يجعلهم يتركونه يمر ..

واتصل خالد برفيقه الفلسطيني

وعلم منه نقطة الالتقاء ..

وذهب بالسيارة الى تلك النقطة ووجد مشهدا مذهلا ..

جميع أنواع البضائع كان يتم عبورها من خلال ومن فوق هذا السور المتهدم

وكان أعجب مشهد هو تلك البقرة التي كانوا يحاولون حملها وتمريرها فوق الحائط

وقف خالد مشدوها أمام هذا المشهد

إنه حقا شعب جائع

إنه حقا شعب محروم

الذي تظهر عليه كل هذه الآمارت ومعه كل تلك المثابرة لحمل هذه البضائع وتمريرها

ناداه زميله الفلسطيني

فاقترب بالسيارة من الحائط

وبدأت عمليه نقل الكشافات

وفي خلال ساعة ونصف تم الانتهاء منها

فسلم خالد على السائق

وأعطاه السعر المتفق عليه

والسائق يريد المساومة ويقول له .. (( مبيتي معك ليلة كاملة في الكمين المفترض لها حساب خاص .. ))

ضحك خالد وقال .. (( يا رجل وهل أنا بخستك حقك .. فقد أخذت ما يكفيك وزيادة ))

ثم مد يده وأعطاه كشافا وقال له خذ هذا هدية مقابل مبيتك معي في الكمين .. ))

مد السائق يده وتناول الكشاف وانطلق وقفز خالد من فوق السور

وأخيرا ركب السيارة بجوار زميله الفلسطيني وسائقه

وبدأت عجلات السيارة تنهب الأرض .. التي يخطوا فوقها لأول مرة في حياته

وهو لا يدري أن كل شبر فيها انما قد ارتوى بدماء طاهرة عبر تاريخها الطويل

ولا يدري أيضا بأنه قد ذهب في رحلة عجيبة لا يعلم إلا الله وحده ماذا سيناله فيها

*****

منذ أن دار موتور سيارة الرجل الفلسطيني وبدات تنهب الأرض وسط الزحام المتشكل بالكتل البشرية الذاهبة والآيبة من عند السور المتكسر .. وخالد يشعر بعبق خاص غريب عليه ..

وكأنما قد انتقل من بعد إلى آخر .. أو من زمن إلى سواه ..

كان الوضع أشبه بتقليب شاشة التلفاز من قناة تلفيزيونية الى أخرى

وما بين القناتين تجد لونا مخلتفا ومذاقا غير آخر ..

الجدران التي خطت عليها عبارات الحماس والجهاد ومتوجة بأسماء فصائل عدة

أسماء تلك الفصائل لها وقع غريب عليه

شهداء الأقصى

ألوية الناصر صلاح الدين

القسام

سرايا القدس

وغيرها الكثير

و صور لرجال يمسكون بالبنادق في ثبات وقوة معلقة في كل مكان ..

هذه الشوارع والأزقة هي فعلا ساحة حرب

وعلى ناصية كل شارع يجد رجل الأمن واقفا بثبات وقوة وبأس بلحيته و بلباسة الأسود الذي ألقي في نفسه الرعب .. ترى كيف يتعامل مع هؤلاء .. هو أدرك ويعلم كيف يتعامل مع رجالنا في مصر .. فترى ما المدخل الى هؤلاء .. ولهذا آثر الصمت وترك الدفة لرفيقه الفلسطيني حينما استوقفه ثلاثة منهم ..

سأله ما الذي معه .. وحينما أخبره بأن رفيقه مصري وقام بجلب بضاعة عبارة عن كشافات ضوئية .. ابتسم له الرجل بود كبير ابتسامة أضاء لها وجهه

وقال له .. (( حياك الله يا أخي .. جزاك الله خيرا .. أنك تمد يد العون لإخوانك هنا وسط الحصار .. ))

بالطبع لم يدرك خالد أن الاثنين الآخرين التفا خلف السيارة وبسرعة فحصا محتوياتها وأشارا إلى قائدها بصدق الخبر ..

ولكن هذا الأسلوب الودود وظن هذا الرجل به وقعا في نفسه موقعا ..

هو يظن بأنه قادم للمعونة .. ولا يعلم انه ما أتي ولا غامر إلا لأجل الربح وفقط ..

انطلقت السيارة ..

وتم توقيفها ثلاث مرات ولم تختلف ردة الفعل ..

وأخيرا وصلت الى حي الشجاعية ..

وهناك تم انزال الحمولة ورصها بمنتصف الشارع ..

تعجب خالد وقال له للرجل .. (( ما هذا أين المحل الذي سألتك عنه وقلت بأنك ستجهزه ؟؟ ))

ابتسم له الرجل وقال له .. (( لا تقلق يا رجل .. ستنتهي عملية البيع حالا ولن نحتاج اليها .. ولو احتجنا سنذهب اليه .. إنه في حارة جانبية .. أما عمليه البيع فيجب أن تكون هنا في شارع رئيسي .. ))

ولدهشة خالد أن الشحنة رغم كبرها نفذت في أقل من ثلاث ساعات ولا يدري كيف انتشر الخبر .. وأتى هؤلاء البشر .. وما تعجب له أكثر أنه لم يناقشه أحد في السعر ولم يجادله فرد واحد .. ولأول مرة يقوم بعملية تجارية بدون الفصال الذي اعتاد عليه في كل كبيرة وصغيرة ..

وأخيرا ..

وعلى مائدة كان قد أعدها له رفيقه الفلسطيني تناول خالد طعام الغداء بشهية مفتوحة وقلب سعيد فرح بالمكسب العاجل والسريع .. وأخذ يتناقش هل من الأجدى أن يأتي بشحنة أخرى في الغد أم لا ؟

ولكن ولأنه لا يضيع فرصة الربح فقال للرجل .. (( أخبرني ما هو أجود أنواع زيت الزيتون هنا وما هي أسعاره وأماكن تواجده .. أليس هذا متوفرا وتريدون بيعه .. فقد اشتهرتم بذلك .. ))

ضحك الرجل لإصرار وعزيمة خالد هذه وقال له .. (( سأدلك على أكبر محل يتاجر فيه ))

خشى خالد أن ينتوى الرجل مقاسمته الربح في ذلك أيضا

فقال في تردد ..

.. (( لا أريد تعبك .. فقط أخبر السائق أن يرافقني وأنا سأقوم بكل ذلك .. ))

حاول الرجل أن يعرض مساعداته وأنه سيحصل له على سعر جيد .. ولكن خالد التاجر المحنك يعلم كيف يحصل بنفسه على هذا السعر ورفض تماما مساعدة الرجل .. وطلب منه فقط توصيه السائق عليه ..

وقد كان ..

وصل خالد الى ذلك المتجر ..

تعجب التاجر أن مصريا أتى لشراء بضائع منه ..

قال له .. (( هل تصدق أن هذه أول مرة تحدث منذ عام 1967 ..

لم يدخل مصري هذا المحل من يومها .. ))

لم يكن خالد يفكر في هذا ولا يعنيه تلك التواريخ .. ولا الصور المعلقة لشاب معصوبة رأسه بوشاح ومكتوب عليها الشهيد فلان .. إنما ما يعنيه استغلال كل المواقف لصالحه ..

ولهذا قال له .. (( أعتقد أن أول مصري يدخل متجرك منذ أمد حتما سيكون له وضعا خاصا ))

ضحك الرجل وقال .. (( والله لقد أوحشني فصالكم .. يا أخي خذ ما تريد وبدون أموال على الإطلاق .. وأتكلم بصدق .. ))

قال خالد في فرح .. (( ليست لهذه الدرجة .. فقط أعطني بسعر يعطيني قدرا جيدا من الربح مع مراعاة أن المصريين هم سيفاصلونني هناك .. ))

ضحك الرجل مرة أخرى وقال . . (( لك ما تبغي .. ))

كان أحد المتواجدين بالمحل يستمع الى هذا الحوار ..

فاقترب من خالد .. ووقف يتفحصه باهتمام وأخيرا قال له ..

.. (( هل عبرت الحدود خصيصا لأجل زيت الزيتون ؟؟ ))

قال خالد .. (( بالطبع لا .. إنها التجارة .. أتيت بشحنة من البضاعة وأريد العودة بأخرى ؟؟ ))

قال له الرجل في اهتمام .. (( وكم من المصريين فعل مثلما فعلت ؟؟ ))

شرد خالد ببصرة ليتذكر إن كان هناك عند المعبر من فعل مثله ولم يجد ..

فضحك وقال بفخر .. (( إنه أنا فقط .. ))

قال الرجل .. (( وترى فعلتها شجاعة وتحد لأجل إخوانك هنا .. أم رغبة في المكسب السريع .. ))

ابتلع خالد ريقه بسرعة فقد كان السؤال جريئا ومباشرا ..

.. (( فقال للرجل .. ما المانع أن يكون الاثنين .. فتحصيل الرزق يتطلب الجرأة .. ))

اومأ الرجل برأسه دلالة الفهم ..

وترك ما بيده وخرج ..

ظل خالد قرابة الساعتين يعد في شحنته وأخيرا بعد أن جهزها .. خرج لينادي على صاحب الشاحنة ليقف أمام المتجر ليتم التعبئة .. ولم يجد الرجل ..

ظل يبحث عنه في المحلات المجاورة ولم يره ..

قلب يديه في تعجب وهو يتسائل أين ذهب هذا الرجل ؟؟

ترى هل مل الانتظار وذهب ؟!

ولكن لم يخبره .. كان من الأجدى أن يمر عليه وينبئه بمسارة أو حتى اعتذاره عن المهمة ..

فكر خالد أن يتصل برفيقه الفلسطيني ويسأله عن السائق وأن يرسله له .. ولكن تحرج من ذلك بعد أن رفض مساعدته خشية تقاسم الربح ..

وبينما هو يبحث عنه إذا بالرجل الذي كان يسائله بالمتجر يقع عينيه عليه

فيقل لخالد .. (( عماذا تبحث ؟؟ ))

قال خالد في حيرة ..

.. (( كانت هنا شاحنة تنتظرني .. لست أدري أين ذهب قائدها .. ))

أشعل الرجل سيجارة ومد يده بها الى خالد ولكن خالد هز رأسه دلالة أنه لا يدخن

وقال له الرجل ..

.. ((لا يهمك انتظره معي قليلا قد يكون ذهب لشراء شيء .. وإن لم يأت سوف أتيك بغيره .. ))

وافقه خالد وجلس بجواره ..

وظل الرجل يحاوره ويسأله عن أحواله وأهله وظروفه ..

ومرت ساعة كاملة ولم يظهر السائق ..

فقال خالد .. (( الوقت يمر وسيحل الظلام .. أخبرني أين أجد سيارة أخرى ؟ ))

أشار له الرجل الى ناصية شارع وقال له ..

.. (( هناك ستدخل ناحية اليمين واسأل هناك عن حسين نزار .. فلديه شاحنه

وإن أعتذر لك فتعال الي وسأدلك على غيره .. ))

شكره خالد وانطلق ..

وبمجرد أن أعطي ظهره للرجل اذا بالرجل يخرج جواله ويتكلم بسرعة وبخفوت شديد

ونهض وانطلق في اتجاه معاكس تماما لخالد زاعما الابتعاد عن المنطقة كلها ..

كان خالد يحث الخطا في سيره

وبمجرد أن انحرف في الشارع الذي أشار له الرجل عليه

اذا بسيارة خاصة قادمة ومسرعة لتصدمه بزاوية أصابت ساقه فقط لتحطمها ..

فقد كانت تنطلق السيارة في طريق عمودي ولكن قبل ارتطامها به انحرف بزاوية حادة بحيث تصيبه في ساقه فقط

انطلقت صرخات خالد وارتمي بقوة على جانب الطريق ..

هبط رجلان من السيارة .. وأخذا يقلبانه ويعتذران اليه وآمارت الجزع عليهما ..

قال أحدهما للآخر .. (( هل ستتركه هكذا .. هيا فلنحمله كي نطببه قبل أن تعاقبنا الشرطة بالإعدام لأجله .. ))

حملاه الى داخل السيارة التي انطلقت به مسرعة

الى وجهة لا يعلم عنها خالد شيئا ..

فالأرض كلها عنه غريبة

وكذلك كل هذه الأجواء التي يتنفس هوائها أغرب عنه

*****

كان خالد مستلقيا على ظهره وساقيه ممدوتان أمامه على سرير وثير جدا بفراشه الأنيق الناعم والبطانية الصوفية التي لم ير لها مثيلا من قبل بالرغم من تواجد نظام التدفئة والتكييف المركزي والحجرة تشبه تماما حجرات فنادق الخمسة نجوم التي يراها في الأفلام

وأمامه شاشة كبيرة تحتل تقريبا ثلث الحائط شاشة كالتي رآها بأحد الافلام الأجنبية ذات مرة والتي تعد جزءا من الحائط .. وعليها يشاهد كل ما لذ وطاب من أفلام ومسلسلات كوميدية عبر القنوات المفتوحة له بغير حدود .. هذا غير أطايب الطعام وأصنافه المتعددة والتي لا يعلم ماهية بعضها ..

منذ أن صدمته السيارة وحملوه وأتو به الى هذا المنزل .. وخالد في حالة صدمة غريبة ..

ليست صدمة الألم .. وإنما صدمة من الغرائب التي تقع عليها عينيه ...

فبمجرد وصوله الى هذا البيت بسرعة فائقة .. وجد طبيبا بانتظاره .. قام بفحصه بسرعة وأخبرهم أنه يحتاج الى تجبيس قدميه .. وسأل خالد عن رأيه .. فسأله خالد قائلا : (( ألا يحتاج ذلك الذهاب الى المستشفى لعمل الآشعة اللازمة ؟؟ ))

هز الطبيب رأسه وهو يبتسم قائلا .. (( أنت تتحدث مع أكبر استشاري جراحة عظام في إسر .. فلسطين كلها )) تجاهل خالد كلمة اسرائيل التي بترها الرجل واستبدلها بكلمة فلسطين

وقال له .. (( حسنا فلتفعل ما تراه مناسبا .. ))

ونظر نحو الرجلين الذين أصاباه وقال لهما ..

(( لماذا كل هذا الهلع من الذهاب للمستشفى ؟؟ .. ))

قال له أحدهما .. (( أنت لا تدري ما هو الوضع هنا الآن .. المدينة يسيطر عليها مجموعة انقلابية ارهابية تقتل بدم بارد كل من يخالفها .. نحن نتحاشاهم قدر إمكاننا .. ))

شعر خالد برعشة خفيفة تهزه وهو يستمع الى هذا .. يبدوا أنه قد ذهب أبعد مما كان يتوقع .. هنا لا يوجد لعب بالنار .. الرصاص يتطاير هنا ليقتل وليس للتهويش أو إعلانا عن الفرحة في الأفراح والمناسبات كما هو الحال في مصر .. لذا آثر عدم الاعتراض

وقرر أن ينكمش بداخله تماما وسألهم ..

.. (( كيف ومتى أعود لأعمالي فقد كنت أتعاقد على شحنة مع أحد التجار وأعطيته حسابه كاملا ولم آخذها بعد .. ))

نظر الرجلين كل منهما الى الآخر وضحك أحدهما وقال ..

.. (( اذا قال الطبيب أنك تستطيع العودة الآن ساحملك بسيارتي الى بيتك .. وإذا رفض التاجر إعطائك حقك سأعوضك بالمبلغ الذي تريده وزيادة .. هل يرضيك هذا الآن ؟ ))

ابتسم خالد بسعادة وظفر .. فهذا كل ما يتمناه .. المهم ألا يخسر شيئا .. بهذا فرحلته ناجحة .. فتوجه للطبيب الذي كاد أن ينهي عمله وقال له ..

.. (( متى يمكنني الحركة يا طبيب ؟؟ ))

ابتسم الطبيب وقال له .. (( ليس قبل ثلاثة أسابيع .. ))

اتسعت عينا خالد في هلع وقال .. (( ثلاثة أسابيع كثيرة جدا .. أمي وأخواتي سيقتل القلق قلوبهم .. وتجارتي التي ستتعطل بمصر .. ))

هز الطبيب يديه وهو يقول له ..

.. (( هذا ما لدي إن كنت تريد ساقيك في حالة صحية سليمة .. أنا الآن أنهيت دوري .. ولتفعل أنت ما تشاء .. ))

نظر خالد نحو الرجلين .. فابتسم أحدهما وقال له ..

.. (( سنعوضك عن تجارتك بما تريد .. وها هو تليفون دولي بجوارك حدث أهلك بما تريد وقتما تشاء .. ولكن بشرط .. ))

نظر اليهما خالد في تساؤل ..

فتابع الرجل قائلا .. (( ألا تخبرهما أنك مصاب .. ابتكر أي عذر لتأخرك .. قل أنك وجدت عملا أو أنك تشارك في تجارة أي شيء إلا أنك مصاب .. ))

ابتسم خالد وقد اطمئن باله فهذا كل ما يريد ..

وهاهو قد مرت عليه خمسة أيام وهو منعم في غرفته هذه ..

ليس هناك بوضع أفضل من هذا ..

طوال يومه يأتيه أطيب الأطعمة .. ويشاهد الأفلام والمسلسلات وبعد أن يطمئن بأن الحركة قد خفت ونام كل من بالمنزل يبحث عن القنوات الخليعة ليعاود عادته التي اعتاد عليها هناك بمنزله قبل النوم ..

والعجيب أن خالد لم ير سوى هذين الرجلين .. ولم يعلم من اسميهما الا حسين وعلي

دخل اليه حسين وهو يحمل زجاجة وكأسين ..

وجلس معه كعادته كل يوم ليتسامرا ويتبادلا الحديث

قال له حسين وهو يصب له في كأسه ..

.. (( ما رأيك في الإقامة عندنا ؟؟ ))

ضحك خالد وهو يقول .. (( والله أنا أعد نفسي محظوظا باصابتي هذه .. ولكن العجيب هو الاختلاف الكبير بين وضعكم هنا وحالة الناس التي رأيتهم يحثون الخطي للحصول على الأغذية ومستلزماتها من مصر .. ))

قال حسين في غيظ .. (( هذا نتيجة الانقلاب الغاشم الذي قامت به المجموعة الضالة .. ضيعوا شعبنا وتسببوا في خنقنا وأصبحت حالة الشعب كما ترى الآن .. قبل مجيئهم كان الحال غير الحال .. ولكن حظك أننا أسرة ثرية ولنا سبل كثيرة للوصول الى ما نريد ))

هز خالد رأسه في غير عناية بكل ما يقول ومد يده ليأخذ الكأس وبمجرد أن رشف رشفة منه وهو يظن بأنه نوع من العصير فوجيء بطعمه اللاذع جدا فاضطر أن يبتلعه بصعوبة كي لا يبصقه في وجه الرجل وهو يقول له .. (( ما هذا ؟؟ ))

ضحك الرجل وقال .. (( إنه أجود انواع الويسكي .. ))

اندهش خالد وقال .. (( خمر .. أعوذ بالله .. لا لن أشربها .. ))

ضحك الرجل وقال (( هل تخبرني أنك تتقي الله .. انت لم تصلي فرضا واحدا منذ أتيت .. على آية حال لن أدفعك اليها أخبرني ماذا تريد هل آتيك بالحشيش ؟؟ .. ))

هز خالد رأسه وهو يقول (( لا شكرا أنا لا أتعاطاه .. ))

قال الرجل في دهشة .. (( كيف تتاجر فيه ولا تتعاطاه ؟!! ))

ضاقت حدقتا خالد في تساؤل وهو يقول ..

.. (( ومن أخبرك أني أتاجر فيه .. الحكومة نفسها لا تعرف هذه المعلومة .. ))

ارتبك الرجل وقال .. (( أنا أعلم بأن أي تاجر في مصر لا يتواني عن التجارة في أي شيء .. فحتما أنت تتاجر فيه .. ))

اعتدل خالد في جلسته وقال له ..

.. (( اسمعني جيدا .. أنا أتاجر فيه نعم .. ولكني لا أتعاطاه .. أي شيء يؤثر على صحتي أو على تجارتي لا يمكنني الاقتراب منه ..))

هز الرجل رأسه دلالة الفهم وقال له وهو يشير .. الى شاشة التلفاز ..

.. (( هل تريد إقناعي أيضا أنك لا تشاهد القنوات الاباحية ؟؟ ))

ضحك خالد ولم يخجل أن يخبره بأنه يشاهدها فعلا .. فقال الرجل له . .

.. (( وترى هل تتوقف عند مرحلة المشاهدة .. ام تريد بعض البغايا ؟؟ .. يمكنني تدبير بعضهن لك .. ))

هز خالد رأسه بعنف وقال .. (( لا شكرا .. أنا أكتفي بالمشاهدة فقط .. ))

هز الرجل رأسه مرة أخرى دلالة الفهم وكأنما قد وصل الى ما يريد وقال لخالد

.. (( انا آسف إن كنت قد ضايقتك .. أنا فقط أتسامر معك لتمضية الوقت ))

ابتسم خالد وقال .. (( لا عليك .. أنا أقدر لك كل سبل مساعدتي والبحث عن راحتي .. ولكن أحقا كل ذلك كي لا أشتكي منكم الى الحكومة التي ستقتلكما ؟؟ .. ))

ظهرت كل آمارات الكراهية على وجه حسين وهو يقول له ..

(( أنا مستعد أن أعطيك نصف ثروتي بشرط ألا تخبرهم .. أنت لا تدرى كم الوحشية التي يتعاملون بها معنا .. ))

شرد خالد ببصره دلاله انه يفكر في شيء ما وفي لمحة لم تغب عن عينا حسين

الذي قال له ..

قل لي يا خالد .. (( لو أتيت بثروتي هذه الي مصر وقررت افتتاح شركة كبرى .. هل تقبل مشاركتي فيها ؟ ))

شحذت الجملة كل مشاعر خالد الذي اعتدل أكثر في جلسته وبرقت عيناه في قوة

وقال له .. (( جربها ولن تندم .. أنت لا تدري مع من تتحدث .. أنت أمام أفضل مروض للنقود .. أعلم أين توجد الأموال وأذهب اليها وأنالها بكل الطرق .. ))

ابتسم حسين في ظفر وقال له ..

.. (( وهل تراعي القوانين والأخلاق في ذلك أيضا ؟؟ ))

قال خالد في حماس .. (( نقطة ضعفي الوحيدة هي الفلوس .. عند هذه النقطة انسى تماما كلمة حرام وعيب .. ))

ضحك حسين وقال له ..

.. (( كم تكسب في العام كله يا خالد ؟؟ ))

شرد خالد ببصره وقد فاجئه السؤال وقال ..

.. (( حوالي خمس وعشرون ألفا من الجنيهات تقريبا .. ))

قال حسين .. (( يعني خمسة آلاف دولار تقريبا .. ))

هز خالد رأسه دلالة الموافقة ..

.. مال حسين الى الأمام وقال في صوت شبه هامس .. (( ما رأيك في عملية واحدة وربحها عشرة ملايين دولار ؟؟ .. ))

اتسعت عينا خالد حتى كادتا أن تهجرا محجريهما وازدادت ضربات قلبه في عنف ولم يشعر بنفسه وفمه مفتوح ومتسع في بلاهة ومتجمدا لعدة ثوان ..

وأخيرا قال ..

.. (( كيف هذا وما هي هذه العملية ؟؟؟ .. ))

كانت ردة الفعل هذه من خالد أقصى ما يتمناه حسين .. لهذا اعتدل في جلسته وقال بهدوء

.. (( فلتتماثل أنت للشفاء .. وسأخبرك في الوقت المناسب تفاصيلها .. ولو أتممتها كما نريد .. ثق بأن العشرة ملايين دولار سيكونون بجيبك ولك أنت وحدك ..))

هم خالد بأن يقفز واقفا على الأرض ليثبت له بأنه سليم ويجبره على الادلاء بتفاصيل تلك العملية .. ولكنه تمالك نفسه وقال له ..

.. (( حسنا فلتخبرني بها .. قد أستطيع وقد تكون صعبة ولنتناقش فيها .. ))

قام حسين واقفا وهو يهم بالخروج وقال له ..

.. (( ستعلم تفاصيلها في الوقت المناسب .. ))

وتركه وخرج ولم يلتفت الى خالد الذي مد يده نحوه كأنما يهم أن يمسك به وتوقفت الكلمات في حلقه ..

خرج حسين وقد ترك خالد في حالة عجيبة أخرى تمر به للمرة الأولي

حاول أن يحسب العشرة ملايين دولار هذه مكسب كم عام من عمله الحالي ولم يستطع .. إنها تكفيه هو وكل أحفادة لعشرة أجيال على الأقل

أي عملية هذه .. لو طلب منه قتل أمه .. فلربما فعلها .. المبلغ جعله يكاد أن يغشى عليه

ولم يكن خالد يعلم بان العملية هي آخر ما يمكن أن يخطر بباله على الإطلاق

*****

منذ أن ألقي حسين بقنبلته لم يره خالد بعدها ..

عشرة أيام لم ير له أثرا ..

وخالد يتقلب على أحر من الجمر .. وعندما يسأل أخيه على عن تلك العملية أو الصفقة .. يخبره على بأنه لا علم له بأي صفقات أو عمليات

وحينما يسأله عن حسين .. يخبره بأن سافر فجأة لأمر هام الى رام الله عبر أحد المعابر الاسرائيلية

وبعد سفره وقبل عودته تم اغلاق المعبر وينتظرون فتحه مرة أخرى كي يستطيع العودة مرة أخرى .. وأنه ينتظره بأكثر منه

حاول خالد أن يتفكر ترى أي عملية هذه ؟؟ ..

وبما لمسه من حسين من معاقرة للخمر وحديث عن النساء .. فحتما هي عملية غير مشروعة

وبما أن ربحها طائل هكذا .. فمن المؤكد هي عملية تهريب مخدرات

وربما تكون كبيرة الكمية بما يجعل عملية بيعها في مصر يؤهل حسين لإفتتاح شركته بمصر ..

هكذا ترتبط الخيوط ببعضها البعض ..

وظل خالد يتذكر .. هل يمكنه فعلها بدون أن يقع في مخاطر تودي به ؟

المخدرات تملأ البلد وليست عمليته هذه هي التي ستضيعها .. وهي إن لم تدخل عن طريقه فهناك ألف طريقة سواه

ولذا فهو أحق بهذا الربح الذي سينهي كل معاناته في الحياة

وبما أنه متحرق هكذا لعودة حسين .. وبما أنه قد وافق مبدأيا على العملية ولم يعد ينقصه سوى تأمينها

فظل هو يفكر في السبل التي تساعدة في ذلك

واقتربت الثلاث أسابيع على الانتهاء

ولم يظهر حسين

وشعر خالد بالخطر ..

الطبيب أخبره أنه يمكنه الآن العودة ولم يعد به شيء بعد فك رباط الجبس عنه ..

وبهذا تنتفي أسباب بقائه هنا ..

وبهذا سيذهب .. ويضيع منه هذا الربح الذ هبط عليه ككنز من السماء

أسقط في يد خالد ..

ماذا يفعل ..

نظر الى على وقال له ..

.. (( بالطبع بعد استضافتكم الكريمة هذه وعنايتكم الفائقة بي .. لا أملك ما أشكركم به .. ولكن هذا الكرم يغريني بطلب منك . ))

نظر اليه على متسائلا ..

فاستطرد خالد قائلا ..

.. (( هل يمكنني المكوث معك حتى عودة حسين ؟؟ .. فقد كان بيننا أمرا هاما ولا أستطيع الانطلاق دون اتمامه معه . ))

لمعت عينا علي بنظرة غابت عن خالد وقال له .. (( بالطبع .. يمكنك هذا .. ولندعوا سويا أن يتم فتح المعبر حتى يعود الينا .. ))

ومكث خالد معهم يومين .. تغيرت المعاملة كثيرا

فقد تم نقله الى حجرة عادية ..

ليس بها أي شيء

وأصبح طعامه أقل من العادي

ولم يبد خالد أي شكوى ..

وقد كان صابرا

وأخيرا ظهر حسين ..

تلقفه خالد بالأحضان وهو بقول له .. (( يا رجل .. أتسافر وتغيب كل هذه المدة

.. ها أنا واقف على قدمي كالحصان .. هل يمكنك محادثتي الآن فيما تناقشنا فيه ؟؟ ))

قال له حسين متسائلا ..

.. (( عن أي موضوع تتحدث ؟؟ لست أفهمك !! ))

أسقط في يدي خالد .. يبدوا أن أن الرجل قد تراجع عن نيته .. لذا قال في رجاء ..

.. (( الصفقة التي ربحها عشرة ملايين دولار .. ))

ظهرت آمارات التفهم على وجه حسين وهو يقول له ..

.. (( آه .. تذكرت .. حسنا في المساء سنتحاور فيها .. ))

ظل خالد طوال اليوم يجول في حجرته ذهابا وايابا والحيرة والقلق ينهشان قلبه ..

ترى هل تراجع حسين ؟؟

هل يراه غير جدير بالعملية ؟؟

هل لا يثق به ؟؟

أم ماذا ؟؟؟

حاول تهدئه نفسه بأنها سويعات وسيعلم الخبر اليقين ..

ولكن ..

أن تأتيه الطلقة وتنهي الامر .. خير من أن ينتظرها وهو لا يدري متى وأين ستصيبه

وأخيرا استدعاه حسين الى الحجرة الوثيرة الأولي التي كان يقيم بها في السابق

قال له خالد بعصبية ..

.. (( إن كنت تراني غير جدير أو أهل للثقة أخبرني على التو كي أنتهي مما أنا فيه .. ))

ضحك حسين واقترب منه وقال له ..

..(( أولا يا خالد لا يوجد من هو أنسب منك لهذه العملية .. أنت وجه جديد ظهر من العدم .. صفحتك بيضاء .. شخصيتك مثالية تماما ورائعة من جميع الوجوه .. والخطة تم تدراسها ببطء وعناية فائقتين .. ونجاحها مضمون بنسبة مائة في المائة .. ))

شعر خالد بالفرحة تجتاح جوانبه وهو يستمع لكل هذا وقال في تهدج ..

.. (( أيعني ذلك أن الصفقة ما زالت قائمة ؟؟ ))

أومأ حسين برأسه أن نعم

فقال خالد في فضول ولهفة ..

.. (( وما هي تلك الصفقة اذا ؟؟))

مال حسين اليه وقال ..

.. (( نريدك أن تصل الى جلعاد .. ))

كان خالد ينتظر سماع صفقة المخدرات ولكن دهشته قفزت الى الذروة وتملكته الحيرة وهو يقول له ..

.. (( وماذا يكون هذا الشيء الذي نطقته الآن ؟!! .. ))

ضحك حسين بقوة وقال له ..

..(( رائع جدا جهلك التام هذا هو المطلوب .. جلعاد شاليط هذا أسير لدى حركة حماس سيكون بسبب اختفائه لديهم حرب تأكل اليابس والأخضر في غزة .. لذا لو استطعنا الوصول اليه سنوقف تلك الحرب التي سيكون ضحاياها آلاف القتلي والجرحى .. هذا غير محو وتهديم كل المنازل ولا أخفيك بأنها قد تكون مقدمة لدخول مصر في حرب جديدة مع اسرائيل .. وأنت بالطبع تعلم أن العريش قريبة جدا وقد ينال القصف من أمك واخواتك .. فترى ما الأفضل ؟؟ .. تسليم هذا الجندي والذي يعد مسمار جحا ونضيع الفرصة على اسرائيل ويكون ربحك منها عشرة ملايين دولار كاملة .. ام أن نترك الحسابات الأخرى التي لا نعلم ترى ماذا ستكون ؟؟ ))

أسقط في يدي خالد .. هذا آخر ما كان يتوقعه ..

عمل جواسيس وحروب .. وقتل ودمار ..

ما شأنه بكل هذا ؟؟!!

ولكن العشرة ملايين دولار هي الجوهرة الوحيدة التي تلمع أمامه الآن ..

ترى ما هي كم المخاطر التي ستحيق به ؟؟

ربما يكون الثمن حياته ..

فهل العشرة ملايين تستحق ان يضحي بها ؟؟

لذا قال لحسين ؟؟ وقد ظهرت ظهرت آمارات الخوف عليه ..

.. (( وكيف أصل أنا إليه ؟؟ .. وما هي المخاطر التي ستتهددني ؟؟ ))

قال له حسين في حماسة ..

..(( ثق بأنك تتعامل الآن مع أبرع العقول .. المخاطر لو تتبعت التعليمات بكل دقة .. نسبتها صفر في المائة .. أما كيف ستصل الى الجندي فهي خطة محكمة وبارعة .. كل ما عليك هو أن تسير عليها خطوة بخطوة كما رسمناها لك .. ))

قال خالد في تساؤل ..

..(( هل يمكنك إخباري بتلك الخطة الآن ؟؟ ))

ربت خالد حسين على كتفه وقال له ..

.. (( سأخبرك بخطوطها العريضة كي يطمئن قلبك وتبدأ في الإعداد لها ..

حين خروجك من هنا .. ستذهب الى تاجر الزيت وتخبره بالحادث الذي حدث لك .. وأنه تم نقلك الى مستشفى ناصر وهناك ملف باسمك في قسم الطواريء ثم قسم العظام من يوم الحادث حتى خروجك من هنا وبه وصف تفصيلي باصابتك وعلاجاتك .. وبهذا فقد تم تأمين هذه النقطة .. ولو فتشوا خلفك سيتأكدوا من صدقك ..

بالطبع أنت لا تعلم اسم هذا التاجر ولا الحي الذي كان فيه .. وجوالك قد تحطم في الحادث وبالتالي طوال هذه المدة لم تستطع ابلاغه ولا زميلك الفلسطيني الذي بدأ معك صفقة الكشافات .. والآن وقد عدت إليه ستجد أن معبر رفح قد أغلق ولم يعد من الممكن مرور ذابة منه .. ستطلب المكوث معه حتى يتم الإفراج وفتح المعبر .. سيقبل .. فتندمج معه في كل تجارته وأعماله وتصاحبه في كل أنشطته .. ستجد أنه يتبع حماس .. وستسمع الى حديثه عن حماس والقضية الفلسطينية .. سيخبرك بقصص وبطولات ومباديء كثيرة ..

وحتما إحداها عملية أسر جلعاد .. تعامل معها بطبيعتك تماما ولا تتظاهر بشيء

حتى مرحلة معينة تظهر بعدها نقمتك على كل شيء من بلدك التي تغلق المعبر وتخنق الفلسطينين وتتعاون مع الإحتلال .. وتظهر التقدير للتضحيات التي يقدمونها .. وعندما تشعر بأنهم قد وثقوا بك .. تطلب منهم أن تقوم بعملية انتحارية عند معبر كرم أبو سالم

.. هذا المعبر سيعلن أنه متاح العبور منه لمن يريد .. وهم سيرفضون هذا لأن اشرافه اسرائيلي .. وهم يريدون وضع سيادة فلسطينية مصرية فقط على معبر رفح

فتطلب أنت المرور ويتم لك الموافقة على ذلك ..

وترتدي الحزام الناسف لتفجيره أثناء المرور ..

أنت شخص مناسب جدا من وجهة نظر حماس لتنفيذ ذلك .. لأن الاسرائيلين لن يشكوا فيك

وسيقبلون ذلك .. وسيتم اعدادك بقوة لهذه العملية .. وفي ذروة الإعداد وقبيل تنفيذ العملية

تكن أمنيتك الأخيرة قبل الذهاب هي فقط رؤية جلعاد ..

وسيحققونها لك .. مع كل سبل السرية الممكنة بتغمية عينيك والكثير من التمويه ..

ستذهب اليه وعندما تراه فقط هذه المادة المعبأة في علية معجون للأسنان تكون قد دهنت بها يديك قبل الخروج وعند جلعاد تمسح يديك بأي جسم معدني .. وتخرج من عند المعبر

سيكون الجميع بانتظارك لفك الحزام وتأمينك وتسلم علبة المعجون منك .. وقبل تسليمها

تتأكد من أمك أن لديها حقيبة بها عشرة ملايين دولار .. ما رأيك في هذه الخطة ؟؟ ))

كان خالد شبه تائه وهو يستمع لكل هذا ففيها الكثير مما لا يعلمه أو يعرف

معبر كرم أبو سالم .. حماس .. جلعاد .. عملية انتحارية .. وحزام ناسف

ما كل هذا ؟؟!!!

هز رأسه بعنف وقال له ..

.. (( معذرة أعد على كل ما فات وببطء شديد فأنا لم أفهم معظم ما قلته .. ))

تنهد حسين بعمق واعتدل وبدأ في شرح كل ما فات لخالد وتوضيح كل ما خفي عنه

وأخيرا قال له خالد ..

.. (( وما هي تلك المادة التي بعلبة معجون الأسنان ؟؟ ))

قال له حسين ..

.. (( إنها مادة كيميائية معينة يتم رصدها عن بعد بأحدث الأجهزة الإليكترونية .. ولها كود معين ولهذا فنحن في حاجة الى العلبة بعد تنفيذك للعملية لمعرفة هذا الكود لأن هناك غيرك كثيرون .. ولكل منهم كوده الخاص .. ولهذا يتم طمأنتك بتسليم المبلغ لأمك قبل تسليم العلبة .. ))

.. اومأ خالد برأسه دلالة الفهم وقال..

.. (( وماذا لو رفضوا رؤيتي لجلعاد هذا ؟؟ ))

ابتسم حسين في ثقة وقال ..

.. (( يا عزيزي .. هذه الخطة تم وضعها بعناية فائقة وااشترك فيها خبراء الطب النفسي لدراسة موقفك وردود أفعالك أنت شخصيا . . وكذلك لمعرفة ردود أفعالهم .. ثق بأن ما أخبرتك به هو ما سيحدث بالتفصيل .. ))

كان خالد زائغا تلفه الحيرة والخوف ..

مجهول جديد يكاد أن يخطوا اليه بقدميه .. ومخاطر كثيرة قد لايكون قبل له بها

ولكن ..

العشرة ملايين دولار تستحق أن يغامر لأجلها ..

ومن الواضح أن واضعي هذه الخطة يجيدون حبكة هذا الأمر

فقال له كتأمين لنفسه ..

.. (( هل يمكنني الانسحاب حين اكتشاف صعوبة الأمر أو الشعور بالخطر الشديد ؟؟ ))

قال له حسين بقوة ..

.. (( نعم بالطبع .. وثق بأننا خلفك وسوف نساعدك بالتخلص من كل المخاطر التي ستتهددك .. ))

مد خالد يده وصافح حسين بقوة وقال له ..

.. (( الآن نتفق .. ))

ابتسم حسين بثقة وقال ..

.. (( معذرة يا خالد .. أنت تتعامل مع أناس يحسبون كل صغيرة وكبيرة .. ما ستراه الآن ليس سوى إحدى وسائل تأمين العملية .. ))

نظر اليه خالد بتساؤل .. فمد حسين يده بالريموت وفتح شاشة التلفاز الذي يحتل ثلث حجم الحائط ووجد خالد أن كل ما درا بينهما مسجل بالصوت والصورة ..

وأكمل حسين قائلا ..

.. (( بالطبع هذه وثيقة لو قعت في يد رجال حماس سيقتلونك شر قتلة .. أنا لا أهددك بها .. ولكن فقط أخبرك بأنه يجب عليك إكمال العملية حتى النهاية .. وكلي ثقة بأنك ستفعلها ولن تضيع العشرة ملايين دولار .. ))

ارتجف خالد رغما عنه .. لقد غاصت قدميه الآن ولم يعد هناك فكاك من الأمر

زاغت عينيه وهو يقول ..

.. (( بالطبع لن أضيعها .. ))

ضحك حسين وهو يغلق الشاشة ويقول ..

.. (( على بركة الله .. هيا لإعدادك لأجل هذه العملية .. ))

*****

لم يختلف الأمر تماما عما أخبروه به .. وكأن من خططوا لهذا الأمر قد فتحوا صفحة الغيب وقرأوا ما بها ..

استقبله التاجر بحفاوة وتعجب .. وهو يتسائل أين كان طوال هذا الشهر ؟ ..

وتعجبه من أنه ما زال بأرض فلسطين .. فالمعبر قد تم إغلاقه وصرح القادة المصريون بأن فتحه كانت غلطة لن تتكرر .. بل قد صرح وزير الخارجية نفسه بأن من يفكر أو يحاول العبور مرة أخرى سيكسر قدميه .. وبهذا أصبح ضربا من الخيال أن يتمكن خالد من العبور للجانب المصري الآن ..

شرح له خالد اصابته في حادث وأنه طوال هذه المدة كان بمستشفى ناصر حتى تماثل للشفاء ولا علم له بكل ما حدث ..

ربت الرجل على كتفه باشفاق وقال له ..

.. (( لا تحزن يا رجل .. فسعى المرء لتحصيل الرزق والمشاق التي يلاقيها هو جهاد .. وقد قالها الحبيب صلى الله عليه وسلم وصدق حين قال .. (ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه . قالوا : ولا الجهاد ؟ قال : ولا الجهاد ، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله ، فلم يرجع بشيء )

ابتسم خالد ابتسامة شاحبة وهو لا يدري ماذا يقول ولكنه قال في تردد ..

.. (( وماذا سأفعل الآن حتى أتمكن من العبور ؟؟ .. هل .. ))

وقبل أن يسأل الرجل عن إمكانية البقاء معه قاطعة الرجل قائلا ..

.. (( بيتي هو بيتك وتجارتي هي تجارتك حتى يفرجها الله .. ))

أُخذ خالد بهذا الكرم .. فهو نفسه لم يكن ليفعلها لو كان في موضع هذا الرجل ..

ولكنه ابتسم في سرور فهذا ما كان يسعى اليه من البداية ويتساير تماما مع الخطة ..

وكانت المفاجئة الحقيقية عندما رد اليه الرجل أمواله وعليها زيادة كبيرة .. وحينما سأله خالد عن تلك الزيادة .. قال له الرجل ..

.. (( الشحنة التي كانت معدة لك .. بعد أن فقدت الأمل في عودتك قمت ببيعها .. وهذه الزيادة كانت الربح فيها .. ))

أُخذ خالد للمرة الثانية بهذا التصرف الذي لم يعهده .. كان التصرف الطبيعي هو أن يعطيه الرجل شحنة أخرى ويخبره بأنها تخصه وفقط .. بل من الطبيعي جدا أن يرفض رد أمواله اليه لو طلب ذلك منه بديلا عن الشحنة ..

تسائل خالد عن هذه النوعية من البشر وهل هناك حقا من يتصرف هكذا في هذا الزمن ؟!

خصص الرجل لخالد حجرة بمنزله البسيط المكون من طابقين ..

وحين تناول الطعام كان يدعوه الى مائدة تضم الرجال .. وكانت هناك مائدة أخرى بالمطبخ تضم نساء البيت ..

ووعده الرجل بأنه سيسعي لدى حكومة غزة لعمل محاولات عدة لأجل عودته الى بلده

ومر أسبوع ولم يحدث جديد

حتى حدث موقف كان هو الموقف الفيصل في كل هذا ..

كان خالد بأحد المخازن السفلية بالمتجر .. حين طلب منه الرجل احضار شيء ما ..

وعندما هبط خالد وجد بابين واستحى أن يفتح أحدهما ويرى مالا يرغبه الرجل فعاد أدراجه بسرعة ليسأله عن أي البابين يسلك ..

ولكن أذنيه التقطت جملة واحدة جعلته يتخشب في موضعه ..

كان الرجل يقول لمحدثه في الهاتف ..

.. (( إنه معي بالمخزن السفلي وأسيطر عليه تماما ))

ارتعد خالد لسماع هذه العبارة .. ماذا تعني كلمة السيطرة هذه ؟!!

هل تعني بأنه قد اكتشف حقيقته ؟

ولهذا اختفي خلف أكوام البضاعة واستمع لبقية الحوار ..

كان الرجل يقول لمحدثه .. (( سيكون عبرة لكل خائن .. وسيعلم الجميع بعدها أن غزة الطاهرة لن يلوثها أي دم خبيث .. ))

هنا أسقط في يدي خالد ..

لقد اكتشف الرجل حقيقته فعلا ..

ارتعد خالد وارتبك ولم يدر ماذا يفعل .. وبينما هو يتحرك في عصبية اصطدمت يده باناء كبير وأسقطه ليدوي صوته بالمتجر .. والتفت الرجل نحوه بقوة وهو يسأل ماذا هناك ..

ظهر خالد مرتبكا وهو يقول .. (( لا شيء .. لقد سقط رغما عني .. كنت أريد سؤالك عن أي البابين بالأسفل أسلك اليمين أم اليسار ؟ ))

نظر الرجل اليه نظرة فاحصة وعميقة .. ثم قال له بهدوء ..

.. (( لا عليك فلتبق أنت معي هنا وسأرسل أحدا غيرك .. ))

ظل خالد طوال اليوم يفكر في كل سبل الهروب الممكنة .. وكيف يستطيع مغافلة الرجل ليفلت من بين يديه ..

ولكن ترى هل من السهل فعلها والرجل يعلن سيطرته التامة عليه ..

ووجد أن أفضل وقت لفعلها حين ذهاب الرجل لصلاة العصر ..

ولكن قبيل العصر فوجيء بأن الرجل يطلبه ويخبره بأنه سيصحبه الى أمر خاص ستشهده غزة كلها ..

وأغلق الرجل متجره وهو يصحب معه كل العاملين معه فيه ..

كان خالد يسير وقدميه لا تقويان على حمله ..

حتما المقصود بذلك هو اعدامه على الملأ ..

ترى هل يمكنه الهرب الآن ؟؟

بالطبع لا .. فالرجل يصحبه في رفقة كبيرة سيمزقونه إربا لو حاول فعلها ..

أين هي العشرة ملايين دولار الآن ؟ ..

هل يمكنها أن تخرجه مما هو فيه ؟ ..

هل حياته الآن تسوى كل هذه الأموال كي يضحي بها ؟ ..

كان خالد زائغ النظرات وهو يستمع للرجل وهو يقول له ..

.. (( الخونة في كل زمان ومكان يتلبسهم الشيطان ويوحي اليهم بأنهم في أمان .. ولا يعلمون أن الله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا وأنه ولي الصالحين .. ومهما ابتكر العدو من وسائل حديثه وعجيبه لتغطيه عملائه .. فبفضل الله يمكن للرجال الصالحين كشفها ))

لم يرد خالد ولم يفه بحرف .. وانما كان يفكر ترى بأي طريقة سيكون اعدامه شنقا أم رميا بالرصاص ؟

واستطرد الرجل قائلا ..

.. (( ترى هل حقا كنوز الدنيا كلها تسوى قطرة دم واحدة طاهرة من التي يتسبب هؤلاء الخونة في اسالتها بالجملة ؟؟ ))

كان لسان خالد معقودا وهو يتفكر ترى ما هو مذاق الموت ؟؟

وأيهما أهون الرصاص وهو يخترق جسده أم حبل المشنقة الغليظ وهو يعتصر رقبته

وأخيرا كان الميدان مزدحما بالبشر ينتظرون لحظة كشف الخائن وإعدامه ..

تعجب خالد متى وأين علم كل هؤلاء بمقدمه لإعدامه ؟!!

أخذه الرجل ووقف في مقدمة الصفوف ..

وأخيرا ظهر مقاتل قوي البنية كأسد هصور بلباسه الأسود ووقف في منتصف الدائرة

وصوب مدفعه الرشاش الى السماء وأطلف دفعة من الرصاص .. شعر خالد بها وكأنها تخترق جسده وكان صوت دويها يكاد أن يذهب بعقله

وأخيرا قال الرجل ..(( بسم الله الرحمن الرحيم .. قال الله تعالى .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقال تعالى إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ .. ))

ثم علا صوت الرجل الجهوري أكثر وهو يقول ..

.. (( نزف إليكم أخوتنا خبر كشف أحد عملاء العدو الغادر .. خائن من أمتنا دنس روحه بقبول الحياة الدنيا مقابل أن يذهب دمكم هدرا .. سيكون دمه المراق الآن هو عبرة لكل من يفكر في ذلك بعد الآن .. ))

ثم نظر الرجل نظرة ثاقبة وأشار نحو خالد وقال ..

.. (( اليكم هذا الخائن العميل ..))

وبعدها لم يكن هناك سوى جسد خالد المتكوم الساكن على الأرض .

*****

كانت شاشة قناة الأقصى تعرض مشاهد من العملية ..

عملية اقتحام المنزل الذي تم اعداد خالد به .. والقبض على جميع من به ..

وفجأة .. انهال عليهم الرصاص من فوق سطح المنزل ومن جوانبه .. وسقط أحد رجال الشرطة قتيلا برصاصة في رأسه ..

ما إن رأي بقية الرجال زميلهم مضرجا في دمائه حتى انهالت رصاصتهم تحصد الجميع ..

وأخبر المعلق على الأحداث بأن ساعة كاملة لم يتوقف فيها اطلاق الرصاص دقيقة واحدة .. فقد كان المنزل أشبه بحصن منيع .. وكأنما قد تم إعداده بعناية لهذا اليوم ..

وأخيرا ..

تمت السيطرة عليه ..

وتم عرض مشاهد لمحتوى المنزل من الداخل ..

واتسعت عينا خالد ذهولا ولم يستطع منع الارتجافة التي شملته حينما تيقن بأن هذا المنزل هو الذي تم اعداده فيه ..

هو ذاته بنفس أساسه ومكوناته .. وهاهي حجرته وتم اكتشاف كل أجهزة المراقبة والتسجيل الحديثة به ..

ابتلع خالد ريقه بصعوبة ..

فما زال مشهد الرصاص المخترق لجسد ورأس الخائن أمامه في الساحة ماثلا أمام عينيه ..

يومها ظن بأن الساحة معدة له .. وأنه هو الخائن المنشود ..

وقبل أن يتفوه بحرف حين أشار اليه المقاتل اذا باثنين يدعانه جانبا ليخرجا الى دائرة المنتصف وهما يجران الخائن المزعوم

والذي كان يحتفظ به التاجر بمخزنه أسفل المحل .. وهو ما كانت تدور محادثة التاجر عنه وظن خالد أنه يتكلم عنه

برغم ن أن مشهد اعدام الخائن كان بشعا ولم يتحمله خالد ودارت به الدنيا ولكن بينما هو يفقد وعيه تراءى لعينه مشهد عجيب

فقد تقدمت سيدة مسنة لتدوس رقبة ورأس الخائن بقدمها وحينما أفاق .. علم بأنها أمه

ما هذا ؟!!

وأي أرض هذه ؟!!

وأي شعب هذا ؟!!

ما هذه القسوة ؟ .. وما هذا التوحش ؟

كان يرى مشاهد القتل في الأفلام التي لا ينقطع عن متابعتها . ولكن رؤيته لها على أرض الواقع زلزلته

ولاح له مصيره لو تم اكتشافه ..

ولهذا .. قرر الهروب .. وترك كل هذا .. فلتذهب الملايين وأموال الدنيا كلها الى الجحيم ..

وليعود الى الجنة التي كان يرفل فيها والتي كثيرا ما تأفف منها ..

ولهذا قال للتاجر .. (( أنا على استعداد لدفع كل أموالي وفوقها المثل بشرط عودتي الى مصر أرجوك افعل كل ما بوسعك وبسرعة ))

ضحك التاجر وهو يقول له .. (( أما زلت مأخوذا بمشهد الاعدام ؟ ))

قال خالد في انكسار .. (( إنها بشاعة لا أتخيل أن يراها الصبية ويضحكون لها بمثل هذا المشهد .. على أي شيء تربون أولادكم ؟!! ))

اعتدل الرجل في جلسته وقال له ..

.. (( أنت رأيت بشاعة قتله .. ولم ترى فظاعة ومشهد الجثث الممزقة التي وقعت بسببه .. لقد وضع جهازا يصدر ذبذبات بمنزل أحد القادة وقامت الطائرات الاسرائيلية بقصفه استدلالا بهذه الذبذبات وتم قتل ثلاثة عشر من خيرة رجال البلد هل يرضيك هذا ؟؟ ))

ارتعد خالد للمرة الثانية فهذا الخائن ما هو الا نسخة مكررة منه هو شخصيا ..

وأكمل الرجل قائلا .. (( ونحن هنا في أرضنا نعايش الموت ونألفه .. فهو بيننا ولم يغادرنا يوما وإن كنت تألم لرؤية الصبية مشهد قتل خائن فيجب عليك أن ترى معهم مشاهد الجثث التي تتناثر وتتمزق أمام أعينهم كل يوم بقصف ورصاص العدو .. يا خالد عملية اعدامه هذه هي درس لكل خائن ))

سكت خالد ولم يفه بحرف .. فقد صدق الرجل في كل حرف نطق به .. إنها فعلا درس لا ينسى وقد هزه من الأعماق وغيّر تفكيره مائة وثمانون درجة ..

ولكن المفاجأة الحالية هزته أكثر ..

لقد سقط من أعدوه لهذه العملية ..

وها هي المشاهد تتوالى وتكشف العجائب بهذا المنزل .. فقد تم العثور على كثير من الوثائق به والتي تكشف الكثير من عمليات الخيانة والإجرام

وأصبح خالد يعلم بأن دوره قد حان .. وأن المقصلة قد اقتربت من رقبته .. فحتما سيقع في أيديهم بعد كشف تسجيل اتفاقه معهم

ترى هل يمكنه الهرب الآن ؟

ولكن كيف إنه لا يعلم الى أين أو أي شخص يلجأ اليه

وبينما هو يفكر لاحت له الفكرة

هذا الرجل الذي اتفق معه منذ البداية على شحنة الكشافات

لقد نسيه تماما

إنه المخرج الوحيد له الآن ..

ولهذا قرر اللجوء اليه والاختباء عنده والاتفاق معه على تهريبه الى مصر ..

هذا هو الحل الأمثل ..

وفي اليوم التالي وهو بالمتجر ويعد العدة للهروب

اذا بمفاجأة أخرى أشد قسوة من كل ما فات

مفاجاة غيرت كل شيء وقلبت كل الأوضاع

*****

كان خالد يتقلب في فراشة تتملكه كل مشاعر الرعب ..

ترى هل اكتشفت الأجهزة الأمنية التسجيل المصور له ؟

وهل توصلت الى التاجر وعرفت انه هو المقيم معه ؟

كلما سمع طرقا انتفض برعب .. وهو يشعر به كأنما هي رصاص مدفع رشاش يخترق جسده في ذلك الميدان الشهير الذي شهد به عملية إعدام الخائن السابق

ولم تذق عينيه لمحة من النوم ..

ولم يصدق أن النهار قد تسرب الى حجرته بضوء خافت عبر نافذة حجرته ..

تناول طعام إفطاره وهو لا يشعر بمذاقه .. كان كل همه أن يفر بسرعة من هذا المكان قبل أن يصلوا اليه

وقبل المغادرة جمع كل حاجياته وأمواله وارتدي ملابسه وتعمد أن يخفي علبة معجون الأسنان هذه بحيث يصعب التوصل لها

وذهب الى المتجر بصحبة الرجل ..

وبدأ عمله بشكل طبيعي وهو ينتظر فرصه أن يخرج من المتجر لأي عمل خارجي بحيث يأخذ فرصة في الانتظار ولا يبدأون البحث عنه بسرعة

وبينما هو يقوم بترتيب بعض الأشياء اذا برجل يهزه بيده وينادي عليه

التفت اليه خالد وهو يظن بأنه زبون يريد شراء شيء

ولكن ما إن رأى وجهه حتى اتسعت عيناه في رعب ولم يستطع أن يمنع الرجفة التي انتابته

لقد كان حسين

وقبل أن يفه بحرف اذا بحسين يقول له ..

.. (( أين صاحب المتجر يا رجل أريد محادثته في صفقة زيوت ..))

فهم خالد على الفور أن الرجل يقوم بالتمويه بسرعة قبل أن يقع خالد وينطق بأي شيء ..

لذا صمت خالد واشار الى صاحب المتجر ..

وقد زادت ارتجافته .. فالخطر الآن أصبح يتقاذفه كالأمواج وأصبح أقرب اليه من حبل الوريد .. كان يريد أن يخرج بسرعة الآن ويفر هاربا

ولكنه سمع صوت صاحب المتجر ينادي عليه ويطلب منه مصاحبه حسين للذهاب معه للاتيان بعينة من بضاعته التي يريد عرضها عليه

لم يستطع خالد الرفض وخرج بصحبة حسين الى سيارته واستقلها معه

وما إن ابتعدت السيارة قليلا حتى تكلم حسين قائلا ..

.. (( أولا أحييك على النجاح الرائع الذي تحققه حتى الآن .. ))

نظر اليه خالد بدهشة .. عن أي نجاح يتحدث هذا الرجل ؟؟ ولكنه لم يشأ أن يخبره بما ينتابه الآن وحافظ على صمته .. ولن يتراجع ابدا عن الهروب الذي انتواه

اكمل حسين قائلا ..

.. (( أعلم الآن أن كل حلمك هو الهروب من كل هذا الأمر وستبذل أقصى جهد لك حتى تستطيع الفرار وهذا أروع ما في الأمر ويدل على عبقرية الخبراء واضعي الخطة .. ))

لم يستطع خالد أن يكتم دهشته من أن تظهر تعبيراتها على وجهه وقال في استنكار

.. (( وكيف هذا ؟؟ ))

ابتسم حسين وقال .. (( أولا أريد طمئنتك وأخبرك بالهدف الحقيقي من زيارتي لك .. بالطبع بعد سقوط المركز الذي تم اعدادك فيه تظن بأنه تم اكتشاف كل شيء عنك وهذا قد يدفعك لأن تكشف نفسك .. ولكن أطمئنك ..

ملف التسجيل لك ولأهمية العملية غير موجود بغزة كلها وقد تم محو كل آثارك بهذا المركز .. فاطمئن تماما باستحالة كشفك وتعامل على هذا الأساس .. ))

لم يستطع خالد منع زفرة الارتياح الشديدة التي خرجت من فمه .. ولكنه قال متسائلا ..

.. (( ولكن كيف تأتي الي المتجر ومن المعروف انك من أهل هذا المنزل ولست أدري أين أخوك على فقد يعترف بكل شيء هذا اذا كان حيا وتم أسره ..))

ضحك حسين بقوة وقال ..

..(( أولا هذا المنزل لا يخصني وأهله لا يعرفونني بشكل شخصي وأنا وزميلي أسمائنا ليست حسين وعلي وقمنا بعملية الاعداد لك وتأهيلك بمنتهى السرية حتى بعيدا عن أعين أصحاب البيت .. فاطمئن تماما ..))

لأول مرة ظهرت دلالات الفرح على وجه خالد ولكن هذا لم يمنع تساؤله وهو يقول له ..

.. (( والأن أين هذا النجاح الذي تراه ؟؟ ))

اعتدل حسين وقال ..(( سعيك الحثيث والمخلص هذا للهروب أكثر من رائع وأشجعك عليه ولو استطعت أن تفعلها فافعلها .. فهذا ما نريده في هذه المرحلة .. ولكن لا تقم بأي تصرف غبي يكشفك ))

شعر خالد بالحيرة .. ماذا يريد منه هذا الرجل ؟؟

ولكن حسين لم يترك له فرصة التفكير وهو يقول له ..

.. (( أذكرك بشيئين هامين .. الأول أنت تقوم بعمل بطولي وليس خيانة .. أنت تمنع قيام حرب تبيد هذا القطاع .. هذه الحكومة المسلحة ببنادق صيد العصافير ماذا ستفعل أمام أحدث أسلحة الدمار الشامل والتي ربما تسبق تسليح أمريكا نفسها في بعض الفروع .. اسرائيل التي ترعب جميع الحكومات العربية والتي هزمت عدة دول مجتمعة في أيام قليلة في حرب 1967 هل ستقف مشلولة أمام هذا القطاع المحدود

بامكانها محو هذا القطاع من الخريطة تماما .. لذا فكر في هذا الأمر جيدا .. حين تبتر ذراع لديك لتنقذ بقية الجسد خير لك من الانتحار .. لذا فأنت لست خائنا .. والثاني هو العشرة ملايين دولار .. أعتقد بأن اللون الأخضر كلما تذكرته سوف ينشطك ويعيد اليك الحيوية .. ))

صمت خالد تماما وهو متحير تماما لا يدري أين الخطأ والصواب

وأخيرا قال له حسين .. (( خذ هذه العينة من الزيت إنها رديئة ولن تعجبه وبهذا لن يحاول الاتصال بنا ولو فعلها سيرد عليه أحد المختصين ويخبره أننا اتفقنا مع تاجر آخر .. هيا يا رجل أكمل مهمتك وانتظر الجائزة الكبرى .. ))

أخذ خالد العينة وانطلق بها الى المتجر ورأسه تموج بأفكار عدة ..

فزيارة حسين هذه قد أعادت اليه توازنه .. ذهب الرعب الذي كان يمزقه

ولكن وفي ضوء ما حدث ما الأفضل له ؟

أن يكمل المهمة لينال الملايين الموعودة ويمنع تلك الحرب المزعومة

أم أن يفر بجلده ؟

تراءى لناظريه مشهد جسد الرجل الخائن والرصاصات تمزقه

فارتجف وهو يتخيل نفسه في موضعه

وتذكر مقولة حسين بأن يحاول الهروب وتشجيعه اليه .. هذا يعني أنهم لن يكشفوه عند محاولاته تلك

اذا فليسعي حثيثا في هذا الاتجاه وليرح رأسه تماما من تلك الأفكار وعند اللحطة الأخيرة في عملية الهروب هذه فليقرر وقتها ما هو الأنسب له

الهروب والعودة الى سابق حياته الجميلة

أم أن يسعى للفوز بهذا المبلغ الذي مهما فعل فلن يحصل على عشره

والآن يجب عليه أن يبقي في منزل هذا الرجل وفي متجره .. فهذا هو الأنسب له الآن .. أولا حتى لا يثير الشك بنفس الرجل .. وثانيا كي لا يظهر للقائمين على هذه العملية نيته الحقيقية للتخلي عنها فيهددوه

وأخيرا دخل المتجر بروح غير التي خرج بها

*****

كالعادة كان خالد يتابع مع الرجل وأولاده قناة الأقصى أثناء تناول العشاء ..

واذا بالخبر أن صاروخا أُطلق على مستوطنة سديروت وسقط بحديقة أحد المنازل .. وكان رد الفعل أن قامت الطائرات الاسرائيلية بغارة وأطلقت قذائفها على حافلة تظن بأنها تحوي مطلقي الصواريخ واستشهد على اثرها سبعة أشخاص ..

لوح خالد بيديه في استنكار وقال .. (( هل تلك الشجرة التي تحطمت تستحق إزهاق كل تلك الأرواح لأجلها ؟ .. ما هذا العبث ؟!! .. ظننت بأن الصاروخ سيمحوا هذا المنزل وسيقتل كل من فيه .. ما دام هذا الصاروخ لن يقدم أو يؤخر فما الحاجة لإطلاقه ؟ ))

نظر الرجل نحوه باهتمام وقال له ..

.. (( هل تظن فعلا أن الصاروخ لم يحطم إلا تلك الشجرة ؟ ))

أشار خالد نحو شاشة التلفاز وقال له .. (( هل رأيت أنت شيئا تحطم على الشاشة غيرها ؟؟ ))

أومأ الرجل وقال بهدوء .. (( نعم رأيت الكثير .. ))

اتسعت عينا خالد بدهشة وقال .. (( أخبرني ما الذي فاتني ربما أصبت أنا بالعمى .. ))

اعتدل الرجل في جلسته وقال .. (( رأيته يحدث شرخا في كيان اسرائيل وفكرة إنشائها .. ))

هز خالد رأسه بعنف وقال له .. (( أنا رجل جاهل بسيط حدثني بلغة يمكنني فهمها .. ))

ابتسم الرجل وربت على كتف خالد بحنان وقال له .. (( فكرة إنشاء اسرائيل هي إنشاء وطن قومي يجمع اليهود من الشتات ومن جميع بقاع الأرض .. تخيل أنك تركت بلدك وفيها عملك ومعارفك و تاريخك الشخصي وجئت الى هنا على أساس أنها الجنة الموعودة وأفضل مما كنت فيه آلاف المرات .. وفوجئت بالصواريخ تتهددك .. حتى وإن لم تصبك في مرة فهل ستأمن على نفسك بعدها ؟ .. واليهود الجبن في طبعهم .. فمجرد اطلاق الصاروخ يفقدهم الإحساس بالأمان .. وها هي النتيجة توقفت الهجرة الى اسرائيل وأصبحت عكسيه والكل يفر منها ويعود من حيث أتى حتى أن آخر احصائية قالت بأن ثلثي يهود اسرائيل قاموا بشراء منازل لهم بأوروبا وأمريكا على أساس اعدادها لهم للهروب اذا ضاقت بهم الأرض هنا .. فما رأيك الآن ؟ هل نوقف الصواريخ العبثية لأنها لا تفعل شيئا .. أم نستمر في إفقادهم الإحساس بالامان ؟ ))

اقتنع خالد بمنطق الرجل ولكنه قال ..

.. (( ولكن مقتل سبعة أشخاص مقابل اطلاق صاروخ ثمن باهظ ويفقدكم الأمان أنتم أيضا .. ))

ضحك الرجل وقال ..

.. (( دائما يكون رد الفعل على حسب قوة الفعل وهذا اثبات آخر على فعالية الصواريخ .. لو انك بحافلة مزدحمة ودفعك احدهم دفعة خفيفة غالبا ستنظر اليه شذرا وتتركه يمر .. أما لو صفعك على وجهك فحتما لن تتركه حتى ترد له الصاع صاعين .. وهذا الرد منهم ما هو الا دليل على أن الضربة آلمتهم .. ونحن دائما لم نجد الأمان معهم حتى نفقده .. ونعلم بأننا في رباط الى يوم الدين .. وجميعنا يحلم بالشهادة ونفرح لمن نالها ))

للمرة الثانية صمت خالد أمام منطق الرجل .. وهم أن يتحدث ولكن الرجل أشار اليه بالصمت لمتابعة الخبر التالي ..

كانا خبرين متشابهين

الأول يقول بأن سفينة مساعدات ستنطلق من قبرص الى شاطيء غزة والآخر يقول بأن سيارة مساعدات بلجيكية تمر بدول أوروبا في رحلة تأييد ودعوة لفك الحصار عن غزة وهي في طريقها الى معبر رفح وتقديم ما جمعته من مساعدات انسانية وطبية لأهل غزة ..

ضحك الرجل وقال ..

أبشر .. (( لقد جائك الفرج .. ))

نظر اليه خالد بتساؤل وقال له .. (( عن أي فرج تتحدث ؟؟ ))

اشار الرجل الى شاشة التلفاز وقال له ..

.. (( سفينة وشاحنة مرة واحدة .. بالطبع سترفض اسرائيل دخول السفينة .. وحتما الشاحنة هي التي ستصل .. وبالتالي عند دخولها من معبر رفح يتم فتح البوابة ووقتها يتم السماح بالعبور دخولا وخروجا منها .. استعد يا رجل فقد حانت العودة .. ))

صمت خالد ولم يفه بحرف ..

وانطلق عقله يفكر .. ها هو عامل لم يضعه القائمون على العملية في حسبانهم يهدم خطتهم .. ماذا يفعل الآن ؟؟ يخرج وليهرب من كل تلك الأخطار ويفر بحياته ؟ أم يحاول إكمال العملية لأجل الثروة المرغوبة

هو دائما في صفقاته لم يكن يهاب الأخطار وكان يتسم بالجرأة الشديدة ..

ولكن ..

ما هي تلك الأخطار التي كانت تتهدده ؟؟

القبض عليه وسجنه .. الضرب والتعذيب .. ولكن أبدا لم يتهدده القتل .. ونوعية البشر هنا لم يرها من قبل .. أناس الموت بالنسبة لهم كائن مستأنس يعيش معهم ولا يهابونه ..

ولذا فهو هنا رقبته على المحك ..

لهذا .. قرر أن يسعى للخروج .. والحياة أمامه فليسعى فيها ويجمع ما يريد من أموال ..

شعر بالتحسر الشديد لخسارة هذا المبلغ الهائل

وتبخرت أحلامه وقصوره الرملية التي بناها ..

فهز رأسه وابتسم للرجل وقال له .. (( الحمد لله .. أخيرا ))

*****

كان خالد يتابع أخبار مسيرة السيارة البلجيكية بعناية واهتمام بالغين .. فلأول مرة تكن الأخبار العامة مرتبطة بمصيره بشكل مباشر .. وأخيرا

حان موعد وصولها لمعبر رفح ..

صافح خالد أفراد الأسرة وهو يوجه لهم كلمات الشكر والامتنان لكرمهم الشديد معه ومنحه إحساس الأسرة التي يفتقدها في بعاده ..

وأخيرا وهو يسلم على التاجر يجد معه مفاجأة أخيرة لم يتوقعها ..

أعطاه الرجل مبلغا آخر وقال بأن هذا هو أجره مقابل عمله معه بالمتجر ..

وقف خالد وهو متحير ..

ما هذا الرجل ؟!! ..

وما هي تلك الأخلاق التي لم يألفها ..

اعتاد على أن الحياة الآن أصبحت غابة يأكل فيها القوي الضعيف .. وكل قرش يمكنك جنيه لا تتخلي عنه مهما كان ..

ولهذا احتضنه خالد وقال في امتنان شديد ..

.. (( اعتبر إن اقامتي عندك كأني استأجرت حجرتي ومأكلي ومشربي بهذا المبلغ ..))

حاول الرجل منحه المبلغ بأي شكل ولكن خالد أبى في عناد شديد

وأخيرا ودعه الرجل وأرسل معه أحد ابناؤه ليوصله الى المعبر

وانطلق خالد ..

وهناك عند المعبر فوجيء بمشاهد عجيبة ..

الكثير من البشر يقفون وينتظرون وصول تلك الشاحنة ..

وليس أملا لما هو فيها .. وإنما لنفس سبب مجيئه وهو العبور للجانب الآخر ..

مرضى ينتظرون المرور للحصول على العلاج الذي لا يجدونه بغزة وحالتهم مزرية

طلبة ينتظرون العبور لإستكمال دراستهم

وآخرون ينتظرون بنيهم وأهاليهم الواقفون على الجانب الآخر كي يتسقبلونهم حين المرور بشكل عكسي مع السيارة ..

سأل خالد رفيقه قائلا .. (( من الذي يغلق بوابة هذا المعبر ؟ ))

قال له الشاب .. (( الحكومة المصرية .. ))

سأله خالد بحيرة قائلا .. (( وما المانع من فتحه لمرور هؤلاء ؟ ))

رد عليه قائلا .. (( يقولون بأن هناك مخططا لتهجيرنا ومحاولة تسكيننا في سيناء .. وهم بهذا يمنعون هذا المخطط .. ))

لوح خالد بيده في غير عناية فليفعلوا ما يشاءون المهم أن يمر اليوم أثناء مرور السيارة

ظل خالد واقفا طوال اليوم منتظرا تلك السيارة

ولكن

في نهاية اليوم علم بأن السلطات المصرية أعادتها ولم تسمح لها بالمرور

وعاد خالد الى التاجر وهو منكسر .. وبداخله أيضا سؤال عجيب

فالبرغم من عدم اهتمامه بالسياسة

وبالرغم من تربيته على ألا تسائل الحكومة عما تعمل فهي أدري بكل شيء.. ولا يستطيع مخلوق أن يحاسبها

إلا انه سأل نفسه

.. هل حقا منع دخول تلك الشاحنة من الدخول بمساعداتها الانسانية هو خطوة في منع تهجير وتسكين الفلسطينين بصحراء سيناء ؟

وكان الأعجب من هذا هو سماح اسرائيل بدخول السفينة القبرصية على عكس كل التوقعات ..

ولأول مرة يشعر خالد بالمرارة من موقف الساسة المصريين

مرارة حقيقة غص بها حلقه ..

هل الاسرائيلين أشد رحمة منهم بأهل غزة ؟

انهم يقتلونهم كل يوم

فكيف يسمحون لهم بدخول المساعدات

وأخوتهم في الدم والعروبة يمنعونها !!!

شعر بالحيرة تمزقه وصداع غريب ينتابه بسبب عدم فهمه لأي شيء

فلعن السياسة ودروبها وقرر أن يعود الى سابق عهده .. وهو الاهتمام بنفسه وفقط وليذهب الجميع الى الجحيم

يبدوا أن ثقة حسين كانت في محلها حين قال له لو استطعت المرور فلتفعلها ..

فمن الواضح أن المرور هذا أصبح أمرا مستحيلا ..

شهران كاملان مرا جرب فيهما خالد جميع سبل الهروب ولم تفلح

وكل يوم يمر كان يعلن سخطه ونقمته على حكومته المصرية .. وإن كانت هي انفعالات حقيقية تنتابه فعلا أمام الموقف المتخشب الذي تتخذه

وأخيرا حدث موقفا آخر

ولكن بشكل عكسي يناقض كل ما فات

ويظهر أن هذه الدنيا عجيبة والموازين كلها مختلة بشكل غريب

*****

كان خالد يعمل بالمتجر كعادته واذا بالرجل يناديه ..

وسأله قائلا .. (( ألا تريد الحج يا خالد ؟ ))

ضحك خالد بقوة وقال .. (( وهل استطعت العبور لبلدي حتى أفكر في الحج ؟ ))

ابتسم الرجل وقال .. (( لو نويته بصدق ثق بأن الله سييسره لك ))

صمت خالد قليلا وقال .. (( أنا لم أفكر في هذا الأمر من قبل .. فما زلت صغيرا ))

قال له الرجل بهدوء .. (( الحج لا علاقه له بالسن هو مربوط بالاستطاعة والمبلغ الذي معك يؤهلك للحج .. ))

فكر خالد وقال .. (( أنا أقصد بأني ما زلت صغيرا وما زالت أمامي الحياة فلأفعل بها ما أشاء وفي آخر العمر أقوم بالحج لتُغفر لي كل ذنوبي وبعدها أتوب وأعود الى الله وأطيعه وبذلك أدخل الجنة ))

ضحك الرجل مليء شدقيه وقال .. (( إنها ليست صفقة تجارية تحسبها بمثل هذه الدقة .. هل تضمن ألا يُقصف هذا المحل الآن بالطائرات الاسرائيلية وتستشهد قبل أن تكمل فكرتك ؟ ))

قال خالد مداعبا .. (( وقتها سأكون شهيدا وسيغفر الله أيضا لي كل شيء ))

ضجك الرجل لدعابة خالد وقال .. (( ما أقصده بأنك لا تدري عند تنفسك هل سيخرج منك النفس أم لا وما دمت تستطيع آداء فريضة فلما لا تقوم بها ؟ ))

قال خالد .. (( والله لو أتيحت لي الآن سأفعلها وبالمرة تكون سبيلا للخروج .. ))

ابتسم الرجل وقال .. (( اجعلها نية خالصة لآداء فريضة الحج كي يتقبله الله منك .. وثق بأن الله سييسره لك وسيكون مخرجا لك أيضا .. ))

قال خالد لينهي الحديث .. (( لقد انتويت .. ماذا بعد ؟؟ ))

ابتسم الرجل بسمته الودود الشهيرة وقال له .. (( أعطني جوزا سفرك سأقدم اسمك ضمن طلب تأشيرات الحج وقد يتم الموافقة عليك وتسافر للحج ومن هناك تعود لمصر .. فما رأيك ))

أخذ خالد بالمفاجأة التي لم يكن يتوقعها وقال له .. (( وهل سيخرج الحجاج بمثل هذه السهولة ؟ ))

قال الرجل سيحدث باذن الله .. فغزة والضفة لهما 2300 تأشيرة للحج وبالرغم الخلاف بين سلطة رام الله وغزة إلا أننا اتفقنا على استبعاد هذا الأمر من الخلاف وخرج حجاج العام الماضي على هذا الأساس وتم تخصيص نصف هذا العدد لغزة والسلطات المصرية ستسمح لهم بالعبور لأنهم ليسو حجاجا من غزة فقط بل من غزة والضفة وهم يحبون سلطة عباس أكثر وينفذون لهم كل رغباتهم .. ))

قال له خالد متسائلا بقوة .. (( لماذا هذا ؟؟ لماذا تحب الحكومة المصرية عباس وزمرته وتكرهكم وترفضكم بهذا الشكل ؟ ! ))

تنهد الرجل وقال .. (( لسبب عجيب .. هل تسمع عن الاخوان المسلمون في مصر إنهم ألد أعداء حكومتك هناك لأنهم المنافسون الحقيقيون لهم الآن .. ولأن حماس هي فرع الإخوان المسلمون بفلسطين فالحكومة المصرية لا تفرق بينهم وبين إخوان مصر وتنصب لهم نفس العداء .. مع أنه لو بحثنا في الأمن الاستراتيجي لوجدنا أن من مصلحة مصر أن تتعاون مع حكومة حماس بغض النظر عن انتمائها .. ))

سأله خالد .. (( كيف هذا ؟؟ ))

أكمل الرجل قائلا ..

.. (( ما هو الأفضل لمصر أن تكون المواجهة على الحدود مع اسرائيل أم أن تكون حدودها مع غزة وقيادة فلسطينية خالصة تصارع اسرائيل ؟ .. بالطبع الثانية .. فقد نقل الصراع وجعل هناك درعا بينه وبينهم .. وبهذا لو تم تسليح حماس لينقل الصراع بينها وبين اسرائيل ويقويها على اسرائيل فهو تأمين لحدوده هو .. وكذلك لو تعاونت مع حكومة حماس فانه الأن يقوم بعمل اتفاقية حدود جديدة بينه وبينها لا علاقة لها باتفاقية كامب ديفيد التي تمنع وجود الجيش المصري على الحدود .. وهنا سيقوم باتفاقية خاصة بينه وبيننا واسرائيل لا تستطيع الاعتراض لأنه لا يتحدث عن حدودها هي ))

وافقه خالد قائلا .. (( كلام معقول جدا لماذا لا ينفذون هذا ؟ ))

ضحك الرجل ثانية وقال .. (( اخبرتك بسبب العداوة الشخصية بينهم وبين الاخوان .. تخيل أن عقوبة الانتماء للإخوان في مصر هي السجن .. وفي سوريا الاعدام أي أن العداوة في سوريا أشد ولكن بالرغم من ذلك سوريا تنظر لأمنها الاستراتيجي بعيدا عن شخصنة الأمور وتتعاون مع حماس وتأوي قادتها .. ))

هز خالد رأسه دلالة أنه لم يعد يستوعب شيئا وقال .. (( دعك من كل هذا هل معني ذلك أني سأخرج للحج باذن الله ؟ ))

ضحك الرجل وقال .. (( سأفعل ما بوسعي بأمر الله .. ))

ظل خالد ينتظر البشارة من الرجل بأن التأشيرة قد وصلت .. ولكن فوجيء به يعود عابس الوجه بعد أسبوع

سأله خالد.. (( ما الأمر ؟ ))

قال الرجل بغضب .. (( لعبة حقيرة لم تكن بالحسبان .. لقد ذهب عباس الى السعودية وحصل على كل التأشيرات للضفة فقط وبضعة عشرات من غزة التابعين له وسجل على أنهم أبناء الضفة ))

قال خالد .. (( هل معني ذلك أنه لم يعد هناك أمل ؟ .. ))

قال الرجل .. (( لا ما زال موجودا عند مرورهم الى المعبر يمكننا استبدال التأشيرات بأسماء أبناء غزة بحيث نحصل على نصابنا المفترض وهو النصف .. ))

وفي الأيام التالية كان خالد يتابع كل التفاصيل ..

لقد اعدت السلطة لهذا الأمر وأرسلت التأشيرات الى مصر مباشرة كي لا تمسك بها حماس

وحان موعد عبور الحجاج ..

أعلنت حكومة حماس كيف أنه يسمح بمرور أشخاص لا يعلم ما هي وجهتهم ومن هم ؟ يجب أن تكون معهم جوزات سفرهم وتأشيراتهم

وإذا بقضية كبرى وهجمة شرسة في الاعلام ..

حماس تمنع حجاج بيت الله من آداء فريضة الحج ..

والغريب ان مصر اعلنت ان المعبر مفتوح وينتظرون مرور الحجاج ولكن حماس تمنعهم ..

لم يكن يهم خالد كل ذلك .. المهم ما سمعه أن المعبر مفتوح ولهذا انطلق اليه .. ولكن فوجيء أن ما صرح به الاعلام شيء والحقيقة شيء آخر

فقد كان موصدا كعادته ..

وما حدث ما هو إلا فخ جديد لتشويه حماس

كان خالد يشعر بالبغض والكراهية للسياسة والاعيبها هذه

ويحمد الله أنه أبدا لم يهتم بها

فيكيفيه لقمة العيش التي يجري ورائها

وما يهمه هو الحصول عليها

والآن ما يعلمه

هو انه فقد تلك الطريقة للخروج أيضا ..

*****

كان خالد مستلقيا في حجرته يشعر بالملل الشديد .. فلا توجد وسيلة ترفيه واحدة

واذا بطرق على باب الحجرة فأذن للطارق بالدخول .. وكان الرجل صاحب المنزل .. نهض خالد من رقدته فأشار اليه الرجل ليبقي كما هو وجلس بجواره وقال له بصوت هامس

.. (( هل لديك استعداد لعبور الحدود حالا ؟ ))

فوجيء خالد بجملة الرجل .. وكان رده التلقائي أنه بالطبع يقبل ..

قال له الرجل هيا .. (( قم حالا .. ))

قام خالد وارتدي ملابسه وهو يشعر باحساس غريب ورهبة غامضة ..

ماذا هناك ؟!

هل هو حقا يريد مساعدته لعبور الحدود أم تم اكتشافه ويريد تسليمه بلا قلق في سكون الليل ؟ ..

ولكن في الأيام السالفة لم يجد خالد من الرجل الا كل ود .. فما الأمر ؟

سأله خالد قائلا .. (( لماذا الصمت والليل وهذه السرية .. وكيف سأعبر الحدود ؟ لقد جربنا كل الوسائل .. ))

أشار اليه الرجل بالصمت وأشار اليه بأن يتبعه وفقط ..

سار خالد معه واستقل معه سيارته التي انطلقت بهما ..

كان خالد يعرف ما هو طريق معبر رفح .. ولكنه فوجيء بأن السيارة تنطلق في طريق آخر تماما ..

فساوره شك يقارب اليقين بأنه تم اكتشاف حقيقته فعلا .. وخاصة أن الرجل على غير عادته لم يفه معه بحرف بل ويسير والسيارة بدون أضواء

فكر خالد بأن أفضل حل الآن هو مهاجمة الرجل والتغلب عليه والهرب منه .. فهو وحده ولا رفاق معه ..

قاطعه الرجل قائلا ..

.. (( أعلم سر تعجبك من كل هذا الصمت والسرية .. ولكن هذان ضروريان لأن الطريق الذي نحن في سبيلنا اليه هو أحد أهم شرايين الحياة السرية لنا الآن .. ))

شعر خالد بالراحة تكتنفه مرة أخرى ..

احساسك بالاثم دوما يدفعك لأن تفقد كل احساس بالأمان والطمأنينه

ويخيل اليك أن العالم كله يقرأ أفكارك ويعلم ما تخفيه بصدرك

بالرغم من أن خالد كان يشعر أيضا بالتحسر على ضياع الملايين الا أنه كان يشعر بالراحة لأنه سيعود إحساس افتقده منذ دهر .. ألا وهو الراحة النفسية والطمأنينة

سأله خالد قائلا .. (( وما هو ذلك الطريق ؟ ))

ابتسم الرجل وقال له ((سترى بنفسك .. ))

وعاد الصمت ليكون رفيقهما الثالث ..

وأخيرا وصلت الى منطقة مقاربة للحدود تماما وكان السلك الشائك على مقربة كبيرة .. والمنطقة بها الكثير من الخيام ..

قال خالد للرجل .. (( هل تريد مني عبور السلك الشائك ؟ .. نقاط مراقبة الحدود قد تطلق على النار لو شعرو بي .. وأنا أيضا لابد لي من ضوء كي أرى طريقي وهذا ما سيكشفني .. ))

ابتسم الرجل وقال .. (( نحن لسنا بهذه السذاجة .. تعال معي .. ))

سار خالد معه بين الخيام ودخل به الرجل الى خيمة منهم ..

وبالداخل فوجيء خالد بمشهد عجيب .. كانت الخيمة بها بئر وعلى فوهته الكثير من معدات الرفع والخفض .. وحولها ثلاثة شبان يلفون ذراع الرفع لتدور البكرة وأخيرا يجد خالد جوالا يحوى الأرز تم رفعه وحمله أحدهم ليقوم برصه على جانب في الخيمة مع الكثير من البضائع وبالخارح سيارة كان يتم أخذ تلك البضائع اليها ..

لم يفهم خالد ما هذا الأمر .. فنظر الى الرجل وقال له .. (( ما هذا ؟!! أنا أعلم أن الآبار بها مياه وليست أجولة بضائع .. ))

ظل الرجل محافظا على بسمته وقال له .. (( هذا ليس بئرا .. إنه نفق ممتد الى الناحية الثانية من الجانب المصري .. والليلة إحدى ليالي تبادل البضائع التي حرمنا منها بسبب الحصار المطبق علينا .. ولهذا فكرت بأنها فرصة كي تمر .. ولم أفعل ذلك الا بعد ثقتي فيك وقدرتي على ائتمانك على اسرارنا .. ))

شعر خالد بطعنة عند ذكر الرجل للثقة وقدرته على كتمان الاسرار .. ولكنه نظر الى الرجل بامتنان واحتضنه وقال له .. (( علمت الآن لماذا كان أبي عليه رحمة الله يتمنى الاستشهاد على أرض فلسطين .. كان هذا حلمه بعد تحرير سيناء .. ولكن كان قدر الله أنه ينال الشهادة قبل تحقيق هذا الحلم .. ))

نظر اليه الرجل بدهشة وقال له .. (( انت ابن شهيد !! .. لهذا تستحق كل ما أفعله لأجلك .. ))

ارتفع صوت اللاسلكي بيد أحد الشباب الثلاثة ومحدثه يخبره بأن الطريق آمن وجاهز للعبور ..

سلم خالد على الرجل وتم انزاله بامان وفي الأسفل وجد شابا ومعه كشاف وضحك خالد عندما وجده أحد الكشافات التي قام بادخالها .. وأخيرا بدءا السير للناحية الأخرى

وفجأة .. دوي صوت مرعب واهتزت الأرض بهما .. وبدأت التراب الكثيف ينهمر عليهما ..

صرخ فيه الشاب بالركض عائدا ..

كان خالد يشعر بالذهول والرعب ويكاد ان يتجمد في موضعه وهو لا يدري ما يحدث .. ولكن تلقائيا اندفع خلف الشاب والغبار يكاد أن يخنقه ..

ولم يعد يرى ما أمامه من كثافته ..

سأل الشاب . . (( ماذا حدث ؟ ))

قال له الشاب في صوت مذعور (( النفق تم اكتشافه وتفجيره .. ))

وصلا بسرعة الى الرافعة والشاب يصرخ في اللاسلكي برفعهما بسرعة

كانت الرافعة لا تتحمل الا واحدا ولكن الشاب احتضن خالد وامسكا ببعضهما سويا وتم رفعهما وهما يكادا أن يدفنا بالأسفل ..

أخيرا خرج خالد ..

ارتمي على الأرض وهو لا يكاد أن يصدق بأنه أخيرا استطاع الحصول على جرعة نقية من الهواء

كانت أنفاسه تتسارع بقوة ولم تفارقه مشاعر الذعر والرعب بعد ..

فقد كان الموت قريبا منه بشكل لا يكاد أن يصدق ..

تم هدم فوهة النفق بسرعة واخراج كل ما بالخيمة .. وأخيرا انطلق به الرجل الى المنزل

وهو يقول له .. (( معذرة يا خالد .. لم اكن أعلم بان الحكومة المصرية ستستخدم الأجهزة الأمريكية الحديثة لإكتشاف وتدمير الأنفاق .. فقد كنت أنوي مساعدتك وفقط .. ))

هز خالد رأسه بلا معني ولم ينطق ..

استدرك الرجل قائلا .. (( بالطبع ما حدث سيظل طي الكتمان .. ولا حتى أبنائي يعلمون بذلك .. فرجاء عدم التحدث به مع أي مخلوق .. ))

هز خالد رأسه أيضا موافقا ولم ينطق ..

وفجأة نظر خالد الى الرجل وقال له .. (( أريد أن أقوم بعملية انتحارية لأفجر نفسي فيها ..))

اوقف الرجل السيارة فجأة ونظر نحو خالد بدهشة وقال له .. (( ماذا قلت ؟ !! ))

كرر خالد عبارته بنفس الحدة والقوة ..

صمت الرجل قليلا وقال له .. (( ولما تريد ذلك ؟؟ ))

قال خالد .. (( لو نظرت الى حياتي الآن ما قيمتها ؟ .. لقد أيقنت الآن باستحالة عبوري الى بلدي .. بدون أهل ورفاق وأصدقاء ووطن وآمال وأحلام .. لا قيمة لحياتي .. هل سأظل مدى حياتي لاجئا أعيش على مساعدتك .. ماذا بعد ذلك ؟ .. هل أنتظر أن تقصفني طائرة اسرائيلية لتقتلني .. فلأفعلها أنا ويكن موتي بثمن معقول .. ما رأيك أن تملئوني بقنابل وأحاول العبور من المعبر المشترك معهم الى مصر وهناك أفعلها ؟ لقد تذوقت الموت منذ دقائق ولم يعد يفرق معي الموت من الحياة ))

صمت الرجل طويلا ثم ربت على كتف خالد وقال له ..

.. (( لا تفه بهذا الحديث ولا تشر اليه بحرف مع أي مخلوق .. وسوف أرد عليك بعد يومين . ))

وافق خالد على طلبه ..

وأخيرا عاد الى حجرته والى فراشه الذي كان منذ قليل يتقلب فيه بملل ولم يكن يعلم بأن الكثير من الاثارة في طريقها اليه ..

وأخذ خالد يتقلب والأفكار تموج برأسه ..

فعلي عكس المتوقع ما حدث كان له أثرا معكوسا معه ..

كان خالد في السابق يتعجب من البضائع الكثيرة التي يتاجر فيها الرجل بمتجره غير زيت الزيون ويتسائل من أين يحصل عليها ..

فهو يقوم في الصباح ليجدها ..

وعلم خالد الآن السر .. والرجل يربح أموالا طائلة من وراء هذه التجارة

الرجل يتستر بالدين ويتاجر بآلام وحاجة أهله في غزه بسبب الحصار ليجني الأموال الطائلة من بعدها ..

وكاد خالد أن يفقد حياته في محاولة العبور عبر طريق تهريب البضائع ..

تناسي خالد أن الرجل كان يحاول مساعدته وما وقر في قلبه أن كل الناس يحملون أقنعة زائفة ويتسترون بما ينفعهم لجلب مصالحهم

ولهذا قرر أن يسعي هو أيضا لجلب مصلحته

وساعدته كل الظروف في هذا

ثقة الرجل به والتي أعلنها له

سعادة الرجل بأنه ابن شهيد

غلق كل طرق الهروب والخروج مما هو فيه

وأخيرا اقترابه من الخيط الرفيع الفارق بين الموت والحياة

وحدث ما توقعه ..

فبعد يومين أخذه الرجل في جوله بالسيارة وقال له ..

لقد تم تدارس أمرك ووجدنا أنها ستكون عملية ناجحة لنا باذن الله ولكن يجب اعدادك لها ..

قال خالد متسائلا .. (( أي إعداد هذا سأحمل القنابل واعبر وافجرها هناك انتهى ))

ضحك الرجل وقال .. (( عندنا الإعداد يكون بشكل مختلف .. المهم أنك سيتم انتقالك للعيش مع أحد أسودنا .. مع قائد لن ترى له مثيلا في حياتك .. وكل يوم ستقضيه معه سيكون عمرا حقيقيا يحتسب لك .. ))

سأله خالد من هو هذا القائد ؟ ..

ضحك الرجل وقال (( ستعلم حين رؤيته .. ))

وانطلقا عائدين

*****

دس خالد علبة معجون الأسنان بعناية وسط ملابسة ولملم أشيائه البسيطة .. وخرج الى صالة المنزل

ولمرة جديدة تكررت كثيرا من قبل .. يودع أهل المنزل ..

ولكن هذه المرة بروح تختلف تماما عن كل المرات التي سبقت ..

في المرات السابقة كان هناك شعورا بالإمتنان .. كان يجتاحه إحساس بأنه يعيش في مجتمع من الملائكة ..

كان يخيل له بأن ما يحدث ما هو إلا حلم سوف يستيقط منه بمجرد أن تهزه أمه بحنان كعادتها لبزوغ نور الصباح ..

أمه .. وأخواته .. وزينة كم يشتاق إليهن جميعا ..

حادثهم للمرة الأخيرة عصرا .. طمئنهم أنه بخير

وبكت أمه وهي تحدثه و تقول له .. (( قلبي يوجعني بقوة لأجلك .. طمئنني يا بني .. هل أنت حقا بخير ولا يوجد ما يتهددك ؟؟ ))

رغما عنه نزلت دمعة صامته من عينيه وقال لها بصوت ألبسه القوة في لهجته .. (( يا أمي أخبرتك أني بخير جدا .. والرجل الذي أعمل عنده كريم جدا .. اعتبريني سافرت لإحدى دول الخليج للعمل .. وعند فتح المعبر سأكون عندك بأسرع من البرق ))

وظل يطمئنها وهي تطمئن على صحته ومأكله ومشربه و منامه ..

وكذلك أختيه .. وتكرر نفس الحديث للمرة الثالثة مع زينة .. ولكنه زاد على حواره معها تأكيده لها بأنه فور عودته سيتزوجها

وبعدها كما نصحه الرجل تخلص من جواله تماما ولم يعد مسموحا له الاتصال بأي شخص

وأن كل حركاته وسكناته لابد وأن تكون بحساب وباستئذان أيضا ..

سلم عليهم ببسمة مفتعله وهو يرى الجميع ما هم إلا تجارا ..

كل يسعى بطريقته للربح ..

وهو أيضا سيسعى للربح الذي ينشده ..

وأخيرا في سكون الليل انطلق به الرجل أيضا بسيارته وبدون أضواء ..

سأله خالد قائلا .. (( إلا أين سنتوجه ؟؟ ))

قال له الرجل ببساطة .. (( إلى جباليا .. ))

هز خالد يديه في حيرة وقال .. (( جباليا والشجاعية وكل الأحياء عندي سواء .. أقصد هل حان أن أعلم من الذي سأحط الرحال عنده هذه المرة ؟؟ ))

ابتسم الرجل وتنهد وقال له .. (( عالم جليل من علماء الحديث .. ومقاتل من مقاتلي الصف الأول .. على يديه تم هداية مؤسس كتائب القسام القائد الشهيد صلاح شحادة .. وبهذا فكل عملية جهادية تقوم بها الكتائب فهي في ميزان حسناته إن شاء الله .. رجل يعيش على أمل نيل الشهادة وهي حلمه الوحيد ..إنه شيخنا الجليل د. نزار ريان .. ))

هز خالد رأيه بغير عنايه .. فكل الأسماء عنده سواسية ولن تفرق معه .. هو لا يعرف من قادة حماس إلا إسماعيل هنية وخالد مشعل .. فهما أكثر اثنين يرى ويسمع اسميهما على قناة الأقصى التي اضطر لمشاهدتها الأشهر الماضية ..

وصلت السيارة ووقفت أمام بيت مكون من طابقين .. وأمامه كان يقف رجلا ضخما بجلبابه الأبيض ولحيته الكثيفه .. ورغم الضوء الشاحب الذي يعم المكان ..

كان وجه الرجل يشعا نورا براقا .. احتضن الشيخ التاجر المصاحب لخالد وهو يرحب به ويدعوه للدخول ولكن الرجل أبي وقال له أسلمك الأمانة وهو يشير نحو خالد

امتعض خالد للكلمة فقد شعر وكأنه يسلمه ورقة مالية أو أيا من أغراضة التي يعج بها جيبه ..

ولكنه ابتسم مرغما وهو يسلم على الشيخ الذي أصر أن يحتضنه وهو يسلم عليه

وتسللت رائحة المسك الى أنف خالد منبعثة من بين ثنايا الشيخ ..

وخالد يشعر برهبة قوية

ترى في أي أتون قد ألقى بنفسه ؟؟ ..

يبدوا أن المسلسلات المصرية التي شاهدها والتي تظهر الجماعات الارهابية ومعسكراتها حقيقة فعلا وهو بين أنياب إحداها الآن

قد يكون من السهل خداع التاجر فيما سبق

أما هؤلاء فحتما لديهم التنظيم الدقيق والعقل الواعي لكل شاردة وواردة

وأقل غلطة كفيلة بسقوطه

ووقتها .. لن تكون هناك رحمة ولا شفقة ولا عطف .. سيمزقونه إربا ويكون عبرة لمن يعتبر كما فعلوا من قبل أمام عينيه

ولكن ..

إنها عشرة ملايين دولار

تستحق العناء والتعب والمغامرة ..

والخطة تسير كما رسمها واضعوها ..

وباذن الله سينجح

صعد مع الشيخ الى الطابق الثاني ودخل حجرة كان هناك أربعة أطفال يتوسدون الأرض بها ويغطون في نوم عميق

تعجب خالد من المشهد ..

الرجل حسبما قال له التاجر أحد أساتذة الجامعة البارزين .. وحتما له مقام كبير وله وضع خاص

توقع خالد بأنه حتما سيكون في أبهة أكبر من التي يعيش بها التاجر وكان يتوقع أن يجد الكثير من الرفاهية

ولكن البداية غير مبشرة

أشار الشيخ الى وسادة صغيرة في أحد الجوانب وقال له فلتحاول الحصول على قسط من النوم

لم يرد خالد عليه وذهب الى تلك الوسادة وظل جالسا حتى أغلق الرجل الباب عليه وساد الظلام الدامس عليه

ارتمي خالد على وسادته وشعر بالأرض الصلبة تحته

لم يشعر بالراحة

حاول التقلب يمينا وشمالا

ولم يستطع أن يستقر على وضع يسمح للنوم بأن يطرق جفنيه

كان يتعجب بشدة من صوت غطيط الأطفال وعدم شعورهم بدخوله وهم في نوم عميق

كيف نام هؤلاء في هذا الجو العجيب والوضع الغريب

وهل هذا أب الذي يلقي بأبنائه كالفئران لينامو هكذا ؟؟

شعر خالد بضيق شديد

وقال لنفسه

يبدوا أن العشرة ملايين لن تأتي بسهولة وسأدفع مقابلا لكل مليم فيها

وفكر وقرر بأنه يجب التعجيل بما ينتوى فهو لن يتحمل هذا الوضع كثيرا

فلو ظل أسبوعا واحدا هكذا .. سيعترف للرجل بكل شيء ويعطيه علبة المعجون ويطالبه بقتله رحمة له مما هو فيه

مرت ثلاث ساعات وخالد يجافيه النوم

واذا بالباب يفتح

ودخل الشيخ وهو يحمل مصباحا موقدا بشمعة في وسطه

وينادي عليهم

نظر خالد نحو النافذة .. فاذا بسواد الليل هو الوحيد الذي يطل عليه بوجهه

فقال للشيخ .. (( هل طلع الصباح ؟ .. ما زال سواد الليل قاتما .. ))

سأله الشيخ مستنكرا .. (( وهل كنت تنتوي النوم حتى الصباح ؟؟ ))

هيا قم فقد حان وقت القائمين .. قيام الليل ينتظرك ..

أسقط في يد خالد ..

إنه لم يكن يؤدي الفرائض .. وهذا الرجل يطالبه القيام للصلاة في قلب الليل ..

أي مصيبة هذه التي حطت على رأسه

إنه لم ينم بعد .. فهل لو كان نائما كان لزاما عليه أن يقوم من غفوته ولذة النوم الجميلة ودغدغتها لجسده براحتها .. فهل كان يجب عليه القيام للصلاة ؟؟!!

تنهد خالد وقام ليصحبهم الى الصلاة وهو يتمنى أن يتخلص تماما من كل ما هو فيه

توضأ خالد واصطف بين الصبية خلف الشيخ وبدأ الرجل في الصلاة وتلاوة القرآن بصوت لم ير له خالد مثيلا ..

لم يكن شجيا كصوت المطربين .. وإنما كان صوتا يقطر بالرهبة والخوف والتضرع ..

واكتشف خالد بأن هناك صفا خلفه لم يلحظه في الظلام ولكن نهنهات البكاء الأنثوية من خلفه كشفت له بأن نساء البيت من خلفه

هم خالد أن يستدير ليرى من هم وكشف شكلهم ..

ولكن لم يستطع فهو في صلاة وكيف سيكون مظهره أمامهم اذا وجدوه ينظر اليهم

ظل الشيخ ربع ساعة كاملة يقرأ في القرآن ولم يركع بعد ركعته الأولى ..

شعر خالد يتنميل في قدمية ووجع في ركبتيه وتململ في وقفته

وتسائل ساخطا .. (( متى سينتهي هذا الرجل من صلاته ؟؟!! .. ))

ولم يصدق نفسه حين فعلها وركع

وأطال الشيخ في السجود .. حتى أن خالد بسبب ارهاقه وقلة نومه غفا في سجدته ولم يشعر بقيامهم منها الا بعد أن هزه الصبي المجاور له ..

وكانت الركعة الثانية أطول من الأولى

ما إن سلم الشيخ وقام ليقول استقيموا يرحمكم الله حتى علا صوت خالد قائلا

.. (( اعذرني يا مولانا .. أنا لم أنم ولن أتحمل صلاة ركعتين أخرتين معك بهذا الشكل .. ))

التفت الشيخ اليه وابتسم له وقال بصوت خافت .. (( اذهب وخذ قسطا من النوم وسأوقظك لصلاة الفجر باذن الله .. ))

لم يرد عليه خالد وانطلق الى حجرته

والقي برأسه على وسادته التي شعر بملمسها الآن كأنها الحرير

وفي ثوان كان قد ذهب في سبات عميق

ولكن ما كان يتراءى له هي عبارة واحدة يقولها لنفسه

.. (( يبدوا أني سأرى أياما سوداء في هذا المنزل .. ))

*****

كان خالد يجلس على الأرض ليتناول طعام الإفطار مع الشيخ وأبنائه ..

كان طعاما بسيطا أقل مما كان يتناوله في منزله وهو الذي كان يعاني من الحاجة ..

والغريب أن الشيخ أعطي لكل من أولاده رغيفا كاملا وأعطاه هو نصف الرغيف فقط من الخبز

نظر خالد الى نصف الرغيف وقلبه في يده ونظر نحو الشيخ ليظهر له امتعاضه من هذه المعامله ..

ولكن الرجل لم يحاول حتى أن ينظر اليه وانهمك في تناول طعامه وهو يمازح أولاده ..

ترك خالد الطعام وقام ..

نظر اليه الشيخ وقال له .. (( هل تنتوي صيام اليوم ؟ .. ))

قال له خالد بسخط .. (( بالطبع لا .. معي أموالي وسأشتري طعامي بنفسي ولن أتذلل لك لأجل كسرة خبز .. ))

ضحك الشيخ وقال له .. (( اجلس وتناول افطارك فبعد خمسة دقائق لن تطول أي طعام لا مني ولا بأموالك .. ))

علا صوت خالد وقال في اعتراض .. (( لا .. لن أسمح بهذه المعاملة فأنا لم آت الى هنا لكي تستعبدني .. ))

قال الشيخ في ثبات .. (( هذه آخر مرة سأدعوك فيها لتلحق بافطارك .. ))

تردد خالد ولم يتمالك الا أن جلس وتناول افطاره وهو يشعر بأنه مجرد أن فتح شهيته على مصراعيها وفقط ..

فنصف الرغيف لا يقارن بالثلاثة التي كان يلتهمها ويقوم ليترك لأخواته البقية حتى لا يجور على كل محتوى المائدة ..

انتهى من الطعام والأولاد يرددون دعاء الانتهاء من الطعام

وقام خالد وقال للشيخ في صرامة .. (( الآن أريد أن أعرف ماذا ستفعل معي وأين هو الاعداد الذي جئت لأجله لأجل عملية التفجير ؟؟ ))

أخذه الشيخ الى حجرة جانبية وأعطاه مصحفا وقال له اقرأ لي بعضا من آيات سورة التوبة ..

شعر خالد بالمقت تجاه الشيخ الذي يتجاهله ويحتقره بمثل هذا الشكل

ولكنه مجبر أن يطاوعه

فتح المصحف وظل يبحث عن السورة كثيرا حتى وجدها

وبدأ بالبسملة ليقرأ

فاستوقفه الشيخ وقال له .. (( سورة براءة لا تبدأ بالبسلمة ))

احتار خالد وقال له .. (( هل أبدأ هكذا بلا إحم ولا دستور .. ))

ضحك الشيخ لعبارته وقال له .. (( استعيذ بالله وابدأ .. ))

استعاذ خالد بالله من الشيطان الرجيم وبدأ يقرأ بصوت متقطع وبصعوبة شديدة

فاستوقفه الشيخ وقال له .. (( كفي .. والآن أخبرني بأي حديث نبوي تعرفه .. ))

علم خالد بأن الرجل يمتحنه ولهذا قرر أن يجاريه أيضا وحاول تذكر أحد الأحاديث فلم يجد الا الحديث الذي يسمعه في كل صلاة جمعه ويقوله مقيم الشعائر بالمسجد

فقال له .. (( من قال لصاحبه .. ... ... ))

استوقفه الشيخ وقال له .. (( أنت تنقل هذا الكلام عن خير البشر .. لاينطق عن الهوى .. إن هو إلا وحي يوحى .. ولهذا يجب أن تظهر الاحترام لهذا الحديث وتذكر سنده قبل البدء ))

تحير خالد وقال له .. (( ماذا يكون هذا السند ؟.. ))

قال له الشيخ بهدوء .. (( رواة الحديث أن تقول عن فلان ابن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ))

قال خالد .. (( لا أعرف كل هذا أنا أعرف الحديث وفقط .. ))

أشار له الشيخ بأن يكمل فأكمل خالد قائلا .. (( من قال لصاحبه والإمام يخطب أنصت فقد لغا .. ومن لغا فلا جمعة له .. ))

تركه الشيخ يكمل الحديث ثم قال له .. (( هذا الحديث ليس بهذا النص و راوية الإمام على رضى الله عنه .. وهو من الأحاديث التي فيها كلام .. ))

تعجب خالد وقال له .. (( كيف هذا ؟؟ .. الشيخ زعبلاوي يقوله كل صلاة جمعة وشيوخ المنطقة كلها تحفظ الحديث .. ))

ضحك الشيخ وقال له .. (( أنت تحدث رجلا أفنى عمره في دراسة أحاديث خير البشر ))

قال خالد في نفاذ صبر .. (( لقد طلبت مني حديثا وقد ذكرته لك .. هذا ما عندي ))

قام الشيخ وقال لخالد .. (( هيا فلتقم لتعود من حيث أتيت .. أنت لا تصلح .. ))

أسقط في يد خالد ..

فهذا آخر ما كان يتوقعه .. أن تفشل العملية لهذا السبب ..

هو يطلب عملية تفجير .. فما علاقة حفظ القران والحديث بهذه العملية ؟!!

هو فقط يكفيه أن يعلم طرق التفجير ووضع خطط الاختراق وفقط

هل ستضيع الملايين العشرة بمثل هذه السهولة ؟

كان الشيخ يهم بالخروج من الحجرة بعد أن أنهى الحديث بجملته

فاستوقفه خالد مناديا عليه .. (( لو سمحت هل تأذن لي بالكلام ؟ .. ))

توقف الشيخ والتفت اليه متسائلا

.. قال خالد .. في تساؤل حقيقي .. (( ما علاقة كل الأسئلة التي سألتها لي بقدرتي على تنفيذ العملية .. ))

أغلق الشيخ الباب وعاد اليه وجلس ودعاه ليجلس بجواره ووضع يده على كتفه وقال له ..

.. (( أنت تطلب الشهادة في سبيل الله .. تريد أن تهدي الروح لخالقها في أبهي صورها وبأفضل طريقة .. وهي الاستشهاد .. كيف ستفعلها وأنت بعيد عن الخالق وعن نهجه وسنة نبيه ؟ ))

قال خالد في سخط .. (( هل حكمت بكفري هكذا بسهولة ؟ .. ))

ابتسم الشيخ بود وقال له .. (( يا بني لم أقل بأنك كافر .. أنا لي الظاهر والباطن يطلع عليه الخالق عز وجل فقد تكون عنده أفضل منا جميعا .. أنت لا تقوي على قيام الليل ولم تقرأ آية من قبل في المصحف .. ولا تعرف حديثا نبويا .. والعبادة ثقيلة على قلبك .. أليس هذا صحيح ؟؟ ))

أومأ خالد برأسه بان هذا حقيقي فأكمل الشيخ قائلا ..

.. (( هذا ما قصدته ببعدك عن الله فلو كنت قريبا منه سبحانه .. لوجدت المتعة الحقيقية في كل ما ذكرت .. متعة أي تطلب أنت وتكن لديك الرغبة في كل ما فات .. وليس مجرد تأدية فروض مطلوبة تعاقب بتركها .. قل لي مما أنت مكون ؟ ))

تعجب خالد من السؤال وقال .. (( مكون من لحم ودم .. ))

أكمل الشيخ قائلا .. (( وروح .. بك شيئين متناقضين .. الروح والجسد .. ولكل منهما غذائه .. وكلما حصل أحدهما على كم أكبر من نصيبه انتقص من نصيب الآخر .. غذاء الجسد المأكل والمشرب والمتع الحسية والمعنوية .. وغذاء الروح هو بقرب الله .. فاذا كنت تلبي كل مطالب الجسد فقد أخذت من مطالب الروح وبهذا فأنت أقرب للأرض من السماء .. وبهذا يصعب عليك الاستجابة لنداء السماء .. كيف أضمن أنك في اللحظة الأخيرة لن تجبن وترتعد وتلبي مطالب الجسد بالخوف من الأذي وتتراجع وقد يتم اكتشافك وتعترف بكل شيء وتضرنا جميعا .. هل علمت الآن كيف أن الأمر قوي الصلة ومرتبط بآدائك للعملية ؟ .. ))

صمت خالد .. فقد كان كلام الرجل حق وصدق .. هذا لو كان ينتوي فعلا أن يقوم بالعملية فحتما لن يفعلها الا اذا كان يريد الجنة ولا يربطه شيء بالدنيا

فترى هل انتهي الامر ؟

ولكن لا .. سيجاري الشيخ في كل ما يريد حتى يصل لمآربه ..

فقال للشيخ .. (( ما رأيك أن تأخذ في ثوابا وتربيني على يديك حتى أتخلص من الأرض التي تقول بأني منغمس فيها ؟ .. ))

ابتسم الشيخ بود وقال .. (( ضع في حسبانك أنت من طلب ذلك .. فأنا لم أسعى اليك كي آخذ الأمر بالتدرج والود المطلوب في الدعوة الى الله .. المفترض أني أعد جنديا من جنود الله .. ولهذا لن تكون هناك رأفة ولا رحمة وسآخذك بالشدة .. ))

ابتلع خالد ريقه بصعوبة وقال لنفسه .. (( فلأعتبر نفسي في السجن الاحتياطي بأحد المراكز في قضية من قضايا البلدية .. فهناك لا أكل ولا شرب ولا آدمية .. فالعشرة ملايين تستحق ..))

فنظر للشيخ وقال له .. (( لك ما أردت وأوافقك .. ولكن كم سيتغرق ذلك ؟؟ .. ))

قال الشيخ ببساطة .. (( حتما لن يقل عن أربعة أشهر .. ))

قال خالد في اعتراض .. (( ماذا ؟!! .. هذا كثير جدا .. ))

قال الشيخ في حسم .. (( لا اريد أن أسمع منك أي كلمة اعتراض أو تذمر بعد الآن .. وتطيع بلا صوت ولا حتى تمعر بالوجه ))

كظم خالد كل غيظه وقال له من بين أسنانه .. (( حاضر .. ))

قال له الشيخ .. (( سنبدأ في دروس العقيدة لنربي بداخلك أساسا طيبا نستطيع البناء عليه .. وستدرس القرآن وأحكام التلاوة والتجويد .. وستدرس الحديث النبوي الشريف .. كذلك الفقة .. هذا بالطبع غير الصلوات في جماعة بكل النوافل المؤكدة وغير المؤكدة .. مع قلة النوم والمأكل والمشرب وكثرة القيام وتلاوة القرآن .. ))

زغات عينا خالد لسماعه لكل هذا وقال له ..

.. (( هل تريد جعلي الشعراوي الجديد ؟ .. يا عمنا أنت طلبت مني قراءة القرآن وحفظ الأحاديث في البداية .. لما كل هذا ؟؟ .. ))

نظر الشيخ اليه معاتبا بصمت ..

فأشاح خالد بيديه وصمت دلاله فهمه أنه يجب ألا يعترض ..

وقال بداخله .. (( لقد قلتها من قبل .. إنها أياما سوداء لي هنا .. ))

*****

حين تعانق أنفاسك عنان السماء ..

بعد احساسك أن لك أجنحة ترفرف في سماء الرضا السامي ..

حين تشعر بأن كل خلايا جسدك قد استقرت في مواضعها الصحيحة ..

عندما ترى الكون متوافق ومتناغم معك بشكل غير عادي ..

وقتها .. ستقسم أن هذه هي السعادة كل السعادة ..

ستعلم أن هذا حلما يسعى اليه الجميع وقليل من يطوله ..

هذا هو احساس خالد الآن ..

والعجيب أن هذا ما حدث بعد عشرة أيام فقط ..

عشرة أيام تورمت قدماه بالوقوف في ساحة الجليل قائما ومصليا ..

أياما عشرة تلا فيها القرآن الكريم كاملا .. أكثر من ثلاث مرات ..

صام نصف هذه المدة بمعدل صيام يوم وافطار الآخر ..

كان الأمر عبئا ثقيلا عليه .. ولكنه يعلم بأن الحصول على المال أمرا شاقا وصعب المنال .. ولهذا قرر التحمل

وفي اليوم الثالث بدأ الاعتياد

وبعدها بأيام .. بدأ احساس الراحة يتسلل اليه ويملأ كل جوانبه ..

وأخيرا أصبحت الشفافية والروحانية هي الممثلة فيه ..

احساس بمتعة لم يتذوقها من قبل ..

كان يسمع من رفاقه بأن تعاطي الحشيش والهيروين تعطيهم احساسا بالنشوة لا مثيل له يستحق كل جنيه يدفع فيه

وهو الآن يقسم لهم بأن احساس القشعريرة الجميلة .. والنشوة اللذيذة .. وهفهفة النفس والروح التي هو بها .. لو علموا ما فيها .. لقاتلوه عليها بالسيوف ..

اكتشف خالد حياة جديدة لم يكن يعلم اليها سبيلا ..

ووطأ أرضا لم تخطر له ببال ..

يومه كله تم تقسمته على جدول رائع جميل ..

صلاة الفجر .. نوم لمدة ساعة .. ثم الاستيقاظ لصلاة الضحى والافطار إن كان يوما عاديا بلا صوم .. ثم بداية قراءة القرآن برفقة الصبية

أصبحت تلك القراءة التهاما للأحرف والكلمات بعد أن كانت تعتعة وتعثرا ..

ثم صلاة الظهر مع الشيخ بمسجده الخلفاء الراشدين بجباليا إن كان قد عاد من كلية أصول الدين بالجامعة الاسلامية التي يعمل بها .. ليصلي خلفه ويستمع الى درسه الرائع

ويعود للغداء البسيط ثم يبدأ في أحد دروس العلم على يد شيخه في الفروع التي أخبره بها من فقة وحديث وعلوم القرآن الكريم والعقيدة

ثم نوم ساعة واحدة فصلاة العصر بدرسها ثم عودة الى درس الشيخ بالمنزل فصلاة المغرب والمكوث بالمسجد حتى العشاء

ثم العودة لوجبة العشاء أو اكمال الافطار إن كان صائما فالنوم .. ثم القيام قبل الفجر بساعتين ..

شعر خالد بأنه قد اغتسل في بحر علم الرجل وإيمانه ..

فنهل منه علما وروحانية لا مثيل لها ..

أحب الرجل بعد أن كان ناقما عليه .. حبا جما لا مثيل له .. فقد شعر بأنه هو من بث فيه الحياة مرة أخرى ..

نسى خالد تماما كل حياته السابقة نسيانا تاما ..

بل لقد نسى الملايين وهدفه الذي كان يسعي اليه ..

فقد تحول طلبه للعلم على يد الشيخ الى نهم يملأ كل كيانه ..

وأصبحت الطاعة والمكوث بين يدي الله هي الراحة الحقيقية التي ينشدها ..

مر شهر ونصف وخالد على هذه الحال الجميلة وقد نال قسطا رائعا من العلم الشرعي ..

وفي ذات يوم بعد انتهاء درس من دروس مصطلح الحديث .. نظر الشيخ اليه مبتسما وقال له ..

(( لقد صدق الرجل حين قدمك الي وقال بأنك من معدن ذهبي خالص يحتاج الى من يجلوه ويلمعه .. لم أرى استجابة رائعة من قبل مثل استجابتك هذه .. أنت الآن في أتم الاستعداد لما هو مُعد لك .. ولكننا الآن في حالة تهدئة مع اليهود .. ولسنا نحن من ينقض العهود .. هم حتما سيفعلونها .. ووقتها هنيئا لك يا عريس الجنة .. ))

صمت خالد وارتج كل كيانه ..

فقد تذكر ما كان قد نسيه تماما ..

تذكر الوحل الذي كان منغمسا فيه ..

قال لنفسه .. (( ياللهول .. ماذا أنا كنت فاعلا من أجل المال .. أبيع الآخرة لأجل حفنة دولارات !! .. أكون خائنا ووقتها أستحق إفراغ كل ذخيرة المقاتلين في جسدي )) .. لقد زالت الغشاوة عن عينيه الآن .. وعلم ما هي الحياة الحقيقة .. ولهذا .. قرر التخلص من كل ذلك .. هو يثق من حب الشيخ وثقته به .. فقد أخذه أكثر من مرة لقيام الليل برفقة المقاتلين في ميادينهم .. وهذه ثقة لا تمنح لأي فرد .. لهذا قرر أن يخبر الشيخ بكل شيء

بل لقد قرر أن يقوم حقا بعملية استشهادية ..

فبعد أن تعلم أحكام الجهاد ووجوبه .. وبعد أن علم الثواب الجزيل المعد للشهيد .. أصبح يتوق لها بحق ..

رفع رأسه وقال لشيخه ..

.. (( هناك أمرا أريد إخبارك به .. ))

قال له الشيخ .. (( قم أولا ولتأت لنا بالخبز فلا توجد كسرة واحدة بالمنزل عندنا .. وهذا هو دورك للإتيان به .. ))

اعتاد خالد على طاعة شيخة دون جدال ..

لهذا قام وهو ينتوى أن يخبره فور عودته ..

نزل من المنزل .. سار الهويني وهو يتهادي ولسانة يتمتم بذكر الاستغفار ..

وعندما دخل في حارة جانبية اذا بسيارة تندفع في تلك الحارة وتقف بموازاته وببابها يفتح

وحسين ينادية بأن يركب بسرعة ..

شعر خالد بالشلل ولم يدر ماذا يفعل ..

فما كان من حسين الا أن مد يده وجذبه وانطلق بالسيارة مسرعا ..

قبل أن يفتح حسين فمه بكلمة اذا بخالد يقول له ..

.. (( اسمعني يا رجل أيا كنت من الموساد او غيره .. أخبر رؤسائك بأني قد اهتديت والحمد لله .. ولم تعد تعنيني كل أموال الدنيا .. ولن أبيع آخرتي لأجل دنيا فانية .. ))

قهقه حسين بقوة وجسده يرتج بعنف .. مما أدهش خالد فقال له في تعجب .. (( ما الذي يضحكك هكذا ؟؟ !! ))

مسح حسين دموعة التي سالت من شدة الضحك وقال .. (( ألم أقل لك بأن واضعي الخطة هم عباقرة .. لقد توقعوا كل حرف نطقت به .. وأني سأجدك الآن على هذه الحالة .. وكل خطوة مرسومة بعناية .. ))

شعر خالد بالحيرة .. ماذا يقصد هذا الرجل ؟؟ .. لقد كان تهديدهم له بشريط الاتفاق المسجل وأصبح سهلا أن يشرح الأمر بالتفصيل لشيخه ووقتها سيظهر كل شيء ولن يكون متهما .. فهل هناك شيئا آخر ؟؟ ..

فقال لحسين .. (( أي إعداد هذا الذي أعددتموه ؟!! .. ))

قال له حسين .. (( أنت تعرف التكنولوجيا الحديثة وألاعيبها .. الشريط المسجل لدينا لم يعد مجرد تسجيل للاتفاق .. بل أصبح عدة شرائط فاضحة وبشكل داعر .. ))

شعر خالد بالامتعاض ولكن حتى لو كان كذلك فمن السهل نقضه بأنه قد تاب الى الله وحتما قد ظهرت عليه كل الدلائل ولكن صعب جدا أن يظهر بهذا الشكل أمام شيخه .. فقال له بقوة ..

.. (( لا يهمني كل ذلك .. ))

ابتسم حسين وقال له .. (( تلك خطوة .. أما التالية فهي ما سيهمك .. ))

نظر اليه خالد متسائلا .. فأخرج حسين جواله وطلب رقما وأعطي الهاتف لخالد وقال له.. (( استمع لمحدثتك .. ))

أخذ خالد الجوال بتردد واذا به يجد أمه تتسائل من الطالب ..

شعر خالد بحنان صوت أمه .. شعر بكم الأشواق لها في قلبه .. فناداها قائلا .. (( كيف حالك يا أمي ؟ .. انا خالد .. ))

قالت أمه من بين نشيجها .. (( كيف أنت يا خالد يا ولدي ؟؟ .. لقد اطمأننت عليك بعد أن أرسلت لنا تلك الأموال .. الآن تيقنت أنك بخير .. ))

صمت خالد ونظر نحو حسين متسائلا بعنف .. فأشار اليه حسين بأن يكمل المكالمة .. فقال لأمه ..

.. (( متى أتتك الأموال يا أمي ومن أحضرها لك .. وكم وصلك ؟ ))

قالت أمه .. (( لقد جائنا رجل قال بأنك حولت اليه المبلغ على صرافته وأعطانا ألف دولار لتصريف شئوننا .. ))

صمت خالد مليا .. ثم قال لأمه .. (( معذرة يا أمي ولكن هذه الأموال ليست لكم .. لقد أرسلتها لتتصدقوا بها للفقراء كي يفرج الله كربي .. أرجوكي اصرفيها هكذا .. ))

لم تشر أمه في نبرة من صوتها بأنها في حاجة الى هذا المال وقالت له .. (( حاضر يا ولدي سأتصدق بها عسى الله أن يعيدك الينا عاجلا .. ))

سلم خالد عليها وسألها عن أختيه وأغلق معها .. ثم نظر نحو حسين وقال له .. (( ماذا يعني هذا ؟؟ ))

قال حسيت ببساطة (( كنا نريد اشعارك بأننا نرعي أسرتك .. ))

قال خالد في عنف .. (( لن أقبل قرشا حراما منكم .. ))

قال حسين ببساطة أكثر .. (( أريد أيضا أن أخبرك بأن حوداث انفجار أنابيب الغاز قد كثرت بالعريش وقد لقت أسرا كاملة نحبها بسبب هذا .. ))

زاغت عينا خالد وهو يستمع الى تهديد حسين بقتل أسرته ..

وأسقط بين يديه .. وصمت وهو لا يفه بحرف ..

قال حسين .. (( أيضا كي لا يكون تهديدا خالصا .. نحن نعمل بمبدأ العصا والجزرة .. تخيل شيخك هذا وهو ممزق إربا أمام عينيك .. هل تقبلها ؟؟ .. هل ترضى بأن ترى أبنائه منفصلي الرؤوس عن الأجساد ؟؟ .. يا خالد الله عز وجل أمرنا أن نأخذ بالأسباب .. هذا الجندي الأسير لدي حماس هو كلب يهودي لا قيمة له .. لا يستحق أن تزهق نفسا واحدة لأجله .. صدقني ستقوم حربا يموت فيها الكثيرين بسببه .. القادة في حماس لهم مباديء وكرامة وسياسية لا يستطيعون بسببها أن يسلموا هذا الجندي لمنع تلك الحرب .. افعلها أنت نيابة عنهم .. وانجدهم جميها من القتل هم وأهاليهم ..

فكر في هذا الكلام بتأني والعملية الآن ليست لأجل العشرة ملايين والتي ستنالها حتما .. ولكن لمنع شر مستطير عن هؤلاء الصالحين ..

وأخيرا اذا لم تقتنع بذلك .. فأعتقد بأن حياة امك وأختيك ستقنعك .. أنت الآن وصلت لمرتبة لا مثيل لها من الثقة .. أكمل المهمة على بركة الله ..

وحافظ على أرواح الجميع .. أهلك هنا وبالعريش .. هيا عد بسرعة حتى لا يكتشف الرجل تغيبك .. ))

وفتح له الباب وهبط خالد

سار خالد وهو يتهاوى ..

فجأة ذهبت الراحة التي كانت تكتنفه ..

واختفى الجناحين اللذين كان يحلق بهما قبل رؤية هذا الشيطان ..

أخذ يقلب كفية وهو لا يدري ماذا يفعل ..

حصل على الخبز وسار وهو شارد حتى أنه لم ينتبه لبوق تلك السيارة التي مر أمامها ولا يراها وظل قائدها يكيل له التقريع ..

عاد الى الشيخ الذي أجلسه بجواره كالعادة ..

وقال له .. (( والآن بماذا كنت تريد إخباري ؟؟ ))

لم يستطع خالد منع دموعه التي انهمرت وهو يشعر بالانهيار ..

وقال للشيخ .. (( كلما أسمعك تقول أنك تطلب الشهادة .. أشعر بأن هذه الدنيا ستختل بدونك .. وكنت أريد أن أخبرك بأني أحبك أكثر من أبي الذي لم أره .. ))

ربت الشيخ على ظهره وقال له .. (( أحبك الله الذي أحببتني فيه .. لو دامت لمخلوق لكان الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .. ولو اختلت بموت أحد لكان هو صلى الله عليه وسلم .. لكل منا دوره يا خالد .. وأنا أيضا أحبك حبا جما .. ))

قال خالد من بين دموعه .. (( أستأذنك يا شيخي الحبيب لن أستطيع اكمال درس اليوم .. أريد الخلوة قليلا .. ))

ايتسم الرجل ابتسامته الوضاءة وأشار لحجرته ..

فقام خالد ودخلها .. وارتمي على وسادته ..

وعلا صوت نشيجه ودموعة قد تفجرت أنهارا بأكثر مما كانت أمام الشيخ ..

*****

مثل كوب الماء الصافي الذي يقع فيه بقعة حبر أصبح من الصعب العودة للسابق ..

هكذا أصبح خالد ..

فبعد النقاء والصفاء والبساطة التي كان يظن أن الحياة تسير به ..

عاد مرة أخرى الى الأفكار تصارعه .. و المخاوف تتقلبه ..

مرة يرى بأن كل هذا التهديد لا قيمه له .. وأنه يجب عليه إخبار الشيخ لإيجاد المخرج له مما هو فيه ..

ومرة يرى بأن الشيخ الذي يطلب الشهادة له ولأبنائه حتما سيطالبه التضحية بأمه وأخواته في سبيل الحق .. وهذا هو الحق .. ولكنه لا يستطيع

اكتشف فجأة أنه لم يصل بعد الى درجة الايمان المطلوبة للثقة المطلقة بالله ..

فمن السهل عليه الصلاة والصيام والقيام .. كانت تلك عبادات يظنها هي كل الإيمان ..

ولكن اكتشف الآن بأن الايمان له ميادين شتى لاتنتهي .. منها ما هو فيه الآن

هو الآن يقبل أن يضحي بحياته لأجل شيخه وأمه وأخواته ..

ولكن لا يستطيع أن يضحي بحياتهم هم ..

فكر في الشبهات التي زرعها حسين برأسه ..

ووجدها منطقية جدا ..

نعم .. حركة بقوة حماس ووضعها ومبادئها .. حتما لن تسلم هذا الجندي

اذا الحل أن يتم انتزاعه ليقي القطاع كله مصارع السوء ولتنتهي تلك الحرب القائمة ..

ولكن هل حقا ستنتهي الحرب بتسليم الجندي وسيتوقف القصف والحصار ؟

اذا بهاتف من داخله يجيب قائلا

لقد خرج اليهود طواعية من غزة .. فما الذي سيعيدهم اليها مرة أخرى بعد انتزاع هذا الجندي منهم ؟

وهكذا ظل خالد قرابة أسبوعين ..

لحظ الشيخ شروده الدائم

وعدم تركيزه المعتاد منه .. وكذلك قلة حماسته التي لقيها في بدايته ..

فعلم بأنه قد بدء يحث الخطى نحو الفتور ..

وتلك آفة قد تعيده الى حيث بدأ

ولهذا ..

جلس معه جلسة خاصة ..

وبيد جراح ماهر للنفوس . . علم كيف يدخل اليه ..

وكيف يداوي كل ما به ..

وأعاده مرة أخرى لساحة اليقين بقدر الله عز وجل .. وأن كل ما نلقاه في حياتنا ما هي الا سطور قد خطت في اللوح المحفوظ

وأنه كلما اشتد البلاء .. فهذا دليل على رفعة المكانة

وعاد خالد لنهمة ولتحصيل العلم مرة أخرى بنفس حماسته السابقة

وقد وجد أنه من الأفضل له تناسي أمر حسين هذا إلى حين ..

فالأمر كله مؤجل حتى تنتهي التهدئة ..

ووقتها سيقرر ماذا يفعل ..

وانتهت التهدئة ..

بعد أن أصبح الحصار خانقا ..

بعد أن توقفت كل محولات غزة وأصبحت مراكز العناية الفائقة مهددة بموت كل من بها

بعد أن أصبحت غزة سجن محكم لا ثغرة واحدة للنفاذ منه

بعد أن تجاوز الصهاينة المدى بالقصف والقتل والحصار ..

وبهذا ..

فكما ذكر القرآن الكريم .. إنهم لا أيمان لهم ..

وانهالت الصواريخ على المغتصبات الصهيونية تدكها لتبث الرعب فيها وفي نفوس أهلها وحكوماتهم ..

لتذكرهم بأن المقاومة يدها قوية وتستطيع أن تنالهم في جحورهم ..

وخرجت الحكومة الصهيونية تهدد بحرب تقضي على المقاومة بشكل تام ونهائي من غزة

ووقفت ليفني في القاهرة وعلى شاشات الفضائيات لتعلنها قائلة .. (( نقول لحماس .. كفي .. تعني كفي .. ))

وفي نفس اليوم أكدت القاهرة بأنهم في طريقهم للوصول الى اتفاق تهدئة جديد لمدة ثلاثة أشهر ..

وفي اليوم التالي ..

كان عيدا لشرطة غزة ..

وتكريما لقادتها ..

واذا بالبركان يقذف حممه في مفاجأة غيرة متوقعة التوقيت ..

تم قصف جميع المباني الحكومية في توقيت واحد بآلاف الأطنان من المتفجرات

كان الهدف هو حصد أكبر عدد ممكن من قادة حماس

سواءا المتواجد منهم في احتفالية الشرطة .. أو القائمون بأعمالهم في المباني الحكومية

وأطلقوا عليه اسم ضربة الصدمة والرعب

واستشهد في هذا اليوم مائة وثمانون من رجال الشرطة

ولكن خيب الله رجائهم ..

فلم ينالوا من قائد واحد من قادة حماس ..

ورغم الخسارة الفادحة إلا أن الهدف من أول ضربة لم يتحقق ..

وتوالت الضربات وتعددت الأهداف .. وصوت الإنفجارات أصبح هو الخلفية الطبيعية لأي حوار يدور بين شخصين في غزة

كان خالد مذهولا مما يسمع ويرى وقد أصبح الزلزال الذي يعتريه ليس معنويا وفقط

فمع كل انفجار كان البيت يهتز به

قال لشيخه في حسرة وألم .. (( لم أتوقع أبدا أن تتفق مصر مع الصهاينة لضرب غزة .. أشعر بالعار لأن مصر خائنة بهذا الشكل .. ))

أشار الشيخ ووضع إصبعه على فمه إشارة لأن يصمت وقال له ..

.. (( لا تقل مصر خائنة أبدا .. مصر التي كرمها الله عز وجل وذكرها باسمها صراحة في القرآن الكريم خمس مرات .. وذكر سيناء وجبل الطور المتاخمين لنا خمس مرات أخرى باسمهم صراحة في القرآن الكريم .. هل من بلد آخر تم ذكره هكذا في قرآن يتلى الى أن تقوم الساعة على الجن والأنس جميعا ؟ .. هذا التكريم لا يأتي من فراغ أبدا .. ))

قال خالد في ثورة .. (( وما الذي فعلته الآن ؟؟ ))

قال الشيخ في هدوء .. (( مصر ليست الحكام وفقط يا ولدي .. فمصر هي التاريخ والأرض والشعب .. وهؤلاء معنا قلبا وقالبا ونحن خير من يعلم ذلك .. أما الحكام فمهما بقوا في كراسيهم فحتما هم الى زوال وسنة الله هي التغيير .. هل تعلم يا خالد .. أنا أرى بان الحقبة التي تمر بها مصر الآن من حكامها أشبه بفترة حكم المماليك .. فهم كانوا عبيدا ووصلوا للحكم .. فما كان منهم الا الفساد والبغي والظلم والجهل الذي أوقف مصر في مكانها ردحا من الزمن . أما المماليك الحاليين فهم عبيد لشهواتهم الدنيوية من سلطة ومال .. وسبحان الله فقد تناول في قرآنه علاقة الحاكم بالمحكوم في مصر فقط .. وذلك بذكر كل جوانب شخصية فرعون مع قومه .. ولهذا حينما تتحدث لا تقل عن الحكام أنهم مصر .. بل انتقد حكامها وابق في قلبك حبها وانتمائك لها .. فمن قُتل دون أرضه فهو شهيد .. ))

نظر خالد لشيخة نظرة إجلال وتقدير وقال له ..

.. (( كم أحبك شيخي الجليل .. الأمر معكوس .. فالمفترض أن تنقم أنت عليها وأدافع أنا عن بلدي .. ))

ربت الشيخ على كتف خالد وقال له .. (( من اليوم يا خالد يجب أن تفارقني .. وتذهب الى الميدان .. فأنا مستهدف ومنزلي هذا سيقصف في أي لحظة .. ))

نظر خالد الى شيخة برعب وقال له .. (( لا أستطيع مفارقتك فلنمت سويا .. ))

ضحك الشيخ وقال له .. (( أقدم على عمليتك الجهادية ونلتقي سويا بالجنة إن شاء الله .. ))

قال له خالد ..(( اذن ما دام هذا البيت مستهدف فلتغادره .. ))

قال الشيخ بهدوء .. (( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة .. ))

ونظر الشيخ الى أبنائه وقال لهم .. (( من يريد أن يستشهد معي يا أولاد .. ))

فرفع جميع الأولاد أصابعهم قائلين (( كلنا نريد الشهادة معك أبانا ولن نفارقك .. ))

دمعت عينا خالد وهو يرى هذا الموقف .. لم ير من قبل أناسا يستهينون بالموت بهذا الشكل .. الصبي فيهم فارس مقدام

ولهذا فقد استحقر نفسه وما كان يريده .. فمع درس عملي كهذا .. أصبح طلب الشهادة يسري في دمه هو أيضا

ولم يكن أمامه إلى أن ينصاع لطلب الشيخ ..

وبعد أربعة أيام من بداية الحرب وفي اليوم الأول لعام 2009

قُصف منزل الشيخ الجليل د. نزار ريان لينال الشهادة التي طلبها باخلاص هو وأبنائه ..

كان خالد بصحبة مجموعة مقاتلة في أحد الخنادق المؤمنة للحفاظ عليه واعداده للعملية والتخطيط الجيد لها

وما إن سمع باستشهاد الشيخ حتى انهار وبكي بكاءا حارا

كان الشيخ بالنسبة له هو أباه الحقيقي

وأصر على الذهاب فورا الى منزل الشيخ الذي تربي فيه معه

وهناك كان مشهد الدمار لا يطاق

فقد أطلق على المنزل ثلاثة صواريخ لتدكه على رأس من فيه

استشهد الشيخ وزوجاته وجميع أبنائه

كان خالد يساعد في استخراج الجثث من تحت الأنقاض وجسده يرتج في عنف ولايصدق ما يراه

هذه عائشة التي كانت تمازحه أصبحت لا تحرى جوابا على هزاته

وهذا عبد الرحمن الذي كان يتعمد اختطاف كسرات الخبز من أمامه لا يحرك ساكنا

وكذلك كل من لهم ذكريات خالدة في قلبه أصبحوا في عالم آخر لا يدري عنه شيئا

وتركوا له الجسد وفقط

وبعد الصلاة عليهم وتشييعهم في جنازة مهيبة لا مثيل لها .. فبالرغم من القصف المتعمد فيه اسقاط أكبر عدد من الضحايا

إلا أن أهل غزة خرجوا واحتشدو ليحملو شيخهم الجليل الى مثواه الذي تمناه في مقعد صدق عند مليك مقتدر

وبعد أن ودع خالد شيخه ..

لم يتركه الشيطان في حالته التي هو بها

اذا به يتمثل أمام ناظريه صور جثث وأشلاء أمه وأخواته ..

واذا به يفكر في كلمات حسين للمرة الأخيرة

ستكون حربا تأكل اليابس والأخضر

هو جندي يهودي حقير لا يستحق أن تُزهق كل هذه الأرواح لأجله

فلتنقذ أهلك هنا وبالعريش بتنفيذ تلك العملية

وها هو قد صدق حسين في كل حرف قاله ..

أنها حرب إبادة

جاءت فيها اسرائيل بخيلها ورجلها ..

القصف الجوي

والبحري

وها قد بدأت الحرب البرية بجميع المدرعات والآليات وأحدث الأجهزة الاليكترونية

وأخيرا أعلنها له المقاتلون بأن لحظته قد حانت

وأن عرسه قد أعد

وأن الهدف الذي يسعون له مناسب الآن

فمعبر كرم أبو سالم يتم فتحه للأجانب لمغادرة غزة

وهو مصري ويعد من هؤلاء الأجانب وسيسمحون له بالدخول

وقف خالد أمام أبو عبيدة أحد القادة الميدانيين لكتائب القسام وقال له

.. (( لي طلب أخير قبل توديعي لكم وذهابي لعمليتي .. ))

نظر اليه أبو عبيدة متسائلا .. فأكمل خالد قائلا ..

.. (( هل يمكنني رؤية الجندي الصهيوني جلعاد شاليط ؟؟ ))

نظر اليه أبو عبيدة بعمق . . فأكمل خالد قائلا .. (( أعلم بأن مطلبي هذا غير منطقي وليس له ما يبرره .. ولكنني أطلبه لحاجة في نفسي .. وأعتقد بأن الثقة متوفرة وباقية بيننا .. فهل تسمح لي مع اتخاذ كل سبل الاحتياطات ؟ .. ))

فكر أبو عبيدة مليا ثم قال .. (( لك ما تطلب .. ))

وتم تغمية خالد واقتيادة عبر أنفاق متشابكة .. وأخيرا دخل مكانا رطبا لا يعلم أين هو .. وتم فك العصابة عن عينيه ..

ورآه أمامه بنظارته السميكة ..

نظر اليه جلعاد بعينين زائغتين ونطق بجملة عبرية لم يفهمها خالد ..

ولكن ما لفت انتباهه هي الساعة التي يرتديها في معصمه ..

فذهب اليه .. وكلما اقترب منه ارتعد جلعاد بقوة وهو يظن بأنه قادم للإجهاز عليه ..

وأمسك خالد بتلك الساعة وقلبها في يده ..

وأخيرا قال لأبو عبيدة ..

يمكنني المغادرة الآن ..

وعاد خالد إلى المقر الذي كان به ..

وتم إعداد الحزام الناسف له

وارتداه ووضعوا المفجر بيده فأخبرهم بأنه يريده بداخل جيب سترته

وتم تنسيقه له كما طلب

وخرج خالد الى مهمته ..

******

عند معبر كرم أبو سالم ..

وقف خالد في طابور طويل من الفارين من جحيم غزة ..

وعندما اقترب من جندي مال عليه وقال له أبلغ قائدك بأن 38 ب بالخارج

لم يفهم الجندي كلمة مما قال ونهره ليعيده الى حيث يقف ..

كان الواقف أمام خالد يظهر من عينيه الزرقاوين وشعره الأصفر بأنه أوروبي

فقال له خالد هل تتحدث العربية ؟

أومأ الرجل برأيه أن نعم

فقال له خالد أبلغ هذا الجندي أني أريد مقابلة رئيسه لأمر هام وشخصي

وفي حين كان يخبر الأوروبي الكلام للجندي أخرج خالد ورقة وكتب عليه كلمة 38ب وأعطاها له

أخذ الجندي الورقة وهو يتمعن بخالد مليا

ودخل الى مكتب قائده

وعاد بسرعة ليُظهر لخالد الكثير من التوقير والأهمية ..

واقتاد خالد الى مكتب قائده ..

وهناك قام القائد بنفسه ليستقبله على الباب

قال له خالد .. (( هل تتحدث العربية ؟؟ .. ))

ابتسم الرجل وقال .. (( نعم أتحدثها .. ))

قال خالد . (( هذا جيد كي نستطيع التفاهم .. اولا يدي اليمني التي بجيب سترتي بها المفجر للحزام الناسف الذي أرتديه ..

وفي أي لحظة يمكنني ضغطه للقضاء عليكم وكل من على هذا المعبر .. وحتى لو قتلني أحد القناصة برصاصة في الرأس من بُعد فهناك ما يسمى التخشب اللحظي ووقتها سأضغط على المفجر .. لذا يجب الاستماع لي جيدا ومطاوعتي في كل ما سأقول .. ))

نظر اليه الرجل بقلق وظهر الرعب على كل المتواجدين .. وقال لخالد .. (( ما هي مطالبك ؟ .. كنت أظن بأن الأمر كله تم الاتفاق عليه مسبقا .. ))

قال خالد في ثبات .. (( أولا .. فليحضر هذا الجندي كرسيا لي ظهره لهذا الباب وممنوع خروج أيا منكم .. ثانيا ممنوع منعا باتا إشعار من بالخارج بما يدور هنا .. ثالثا .. اطلب لي حسين أو أيا كان اسمه المسئول عن عمليتي وضع صوته على الهواء لنسمعه جميعا سويا .. ))

على الفور كان المقعد الذي جلس عليه خالد ووضع ساقا فوق الأخرى .. وظهر صوت حسين .. يرحب بخالد وهو يقول له . .

.. (( ألم أقل لك بان واضعي الخطة عباقرة وأنك ستكمل المهمة كما رُسمت لك ؟ .. ))

قال خالد في صرامة .. (( أولا يا حسين هل بعد تسلم الجندي والوصول اليه سنتنهي تلك الحرب ؟؟ .. ))

قال حسين .. (( بعد الوصول اليه فقد انتفي سببها أصلا .. وسيُعد هو النصر للحرب الذي نبحث عنه .. أخبرني هل دهنت المادة على شيء معدني بجواره ؟؟ ))

قال خالد بثقة .. (( الجندي يتم نقله بسرعة من موقع لآخر أيها العباقرة وبالتالي لو دهنت أي شيء بالحجرة فلن تجدوه بعد ساعات أو دقائق .. أما ساعته فحتما سترافقه أينما ذهب .. أليس كذلك ؟ ))

.. ضحك حسين وقال .. (( طبعا أيها العبقري .. أنت تستحق كل سنت في الملايين العشرة .. ))

قال خالد .. (( الآن أريد أن أسمع صوت أمي قبل تسليم الحزام وعلبة المعجون .. ))

قال حسين بقوة لك هذا ..

دقائق وكانت أمه معه على الهاتف ..

.. (( رحب خالد بامه وقال لها .. أحبك يا أمي أنت وكل أخواتي .. ومعذرة لما سيحدث لكم .. المفترض أن يصلك الآن رجل ليعيطك حقيبة مليئة بالملايين .. ستأخذيها وتذهبين الى المكان الذي أخبرتك به في المكالمة السابقة هل تذكريه ؟؟ ))

.. (( قالت أمه .. (( هل تقصد في .... ))

قاطعها خالد بقوة .. (( لا تنطقي به أبدا .. ))

غابت أمه قليلا ثم عادت وقالت له في تعجب .. (( لقد جاء الرجل فعلا .. ))

قال خالد .. (( رائع .. أعطيني هذا الرجل ولتنظري من الشرفة ولترى كم رجل معه بالسيارة التي بأسفل .. ))

حاور خالد الرجل وقال له .. (( لتخرج الملايين من الحقيبة وتفرزها جميعا أمام أمي وهي ستحملها في حقيبة أخرى خاصة بها .. ولتنادي رجالك من الأسفل فأريد محادثتهم .. ))

أجابه الرجل بأن طلبه مجاب ..

وقالت له أمه بأنهم ثلاثة فقال لها دعي الثلاثة يحاورونني لأسمع أصواتهم ..

وحاور خالد كلا منهم ..

وبعد أن اطمئن الى أن أمه تسلمت المال

ودعها هي وأخواته ..

وقال لقائد الرجال هناك

.. (( الآن سنبقي سوا لمدة ساعة على الهاتف

وكل ربع ساعة أسمع صوتكم أنتم الأربعة حتى أطمئن بانه لا أحد منكم يتتبع أمي وأخواتي .. ))

وافقوا على طلبة ..

بعد ربع الساعة قال للرجل أولا كي أطمئن بانك ما زلت بالمنزل في الحجرة التي على اليمين أسفل الوسادة ستجد شريط كاسيت لمطرب يدعي شعبان عبد الرحيم

ضعه بالمسجل لأتأكد من ذلك ..

نفذ الرجل له مطلبه ..

وكل ربع ساعة كان يدله خالد على مكان جديد لشريط آخر ويسمع أصواتهم جميعا بعد سماع الشريط

وأخيرا وبعد أن اطمان بأن أمه حتما قد ابتعدت تماما بلا مراقبة

قال له حسين .. (( هل وثقت الآن بأن كل مطالبك مجابة ؟؟ .. وأنك و أهلك بامان وأننا لا نخدعك .. ))

ضحك خالد وقال .. (( بالرغم من أن هذا عجيب جدا بالنسبة لكم .. ولكن هذا قد حدث .. والآن .. اليكم هديتي .. ))

*****

وقف الشيخ نزار على منبره وبصوته الهاديء المعتاد يتحدث عن وجوب الجهاد في سبيل الله ..

قال .. ((عن أبي هريرة رضى الله عن عن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم قال .. من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ؛ مات على شعبة من النفاق.. ))

بالطبع كل منكم يمصمص شفاه بالموافقة .. ويستبعد نفسه تماما من هذا الحديث متعللا بأنه لا يوجد بيده شيء ولا يمكنه هذا الجهاد ولا حتى مسموح له بذلك ..

ولكن .. نعود لقول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .. عن زيد بن خالد الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال .. (( من جهز غازيا فقد غزا . ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا ))

تتسائلون وأين هذا الغازي في سبيل الله كي نجهزه ..

أقول لكم .. هناك على الحدود الشرقية معنا ..

إنهم إخوانكم المقاومون المجاهدون في غزة ..

اذا مددت يد العون له بالتبرع بالمال أو بالمساعدات العينية فقد جهزت غازيا ..

فهذا المجاهد ترك أهله وماله وعرضه .. وخرج في سبيل الله

عندما تمد أنت يد العون لأهله فقد أغلقت على الشيطان هذا الباب

فقد قال الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ..

إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه ، فقعد له بطريق الإسلام فقال له : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وأباء أبيك ؟ قال : فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول ، قال : فعصاه فهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : هو جهد النفس والمال فتقاتل فتنكح المرأة ويقسم المال ، قال : فعصاه فجاهد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقا على الله أن يدخل الجنة أو رفصته دابته كان حقا على الله أن يدخل الجنة

الراوي: سبرة بن الفاكه المخزومي الأسدي

ومن هنا فأنت قد جهزته بطمئنته على أهله وإغلاق مداخل الشيطان اليه

الآن .. هل منكم من هو مستبعد من الجهاد ويرى بأن الكلام غير موجه له شخصيا ؟..

انتهت صلاة الجمعة .. وخرج المصلون الى لجنة جمع التبرعات لغزة في تزاحم غير مسبوق ..

وجلس الداعية نزار عبد الحميد ليقرأ بعض الأوراد التي اعتاد عليها بعد كل صلاة

واذا بشابين نضري البشرة يتوجهان اليه

وقال أكبرهما .. (( لنا مطلب خاص منك يا سيد نزار .. ))

علا وجه نزار ابتسامه وضاءة وقال لهما .. (( إن كان بإمكاني لن أتأخر عنكما .. ))

فقال الشاب .. (( نريد الاتيان لبيتك اليوم طالبين يد أختيك للزواج .. ))

ضحك نزار وقال .. (( وهل تعرفونهما جيدا ؟ .. أول معلومة عنهما أن سنهما فوق الخامسة والثلاثون .. ))

قال الشاب .. (( تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك .. وحتما هن من ذوات الدين لأنهما أختيك .. ))

ابتسم نزار وقال له .. (( من الأدب مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تذكر سند الحديث .. ))

علت حمرة الخجل وجه الشاب وقال له .. (( معذرة فأنا لا أعرف سنده .. ))

لم تفارق البسمة وجه الشيخ وقال له .. (( الحديث راوية هو أبو هريرة رضى الله عنه وهو في صحيح البخاري ومسلم .. ))

ثم استطرد قائلا .. (( سأكون بانتظاركما باذن الله بعد صلاة العصر .. ))

سلم نزار عليهما وخرج من المسجد وكل من يقابله يسلم عليه في حفاوة بالغة ..

وعاد الى منزله وطرق بابه بهدوء كعادته ..

فتح له ولده ريان .. فحمله وقبله ودخل الى صالة منزله وأجلسة على قدميه ليأرجحه كما اعتاد .. ونادي على زوجته قائلا لها .. (( هيا يا زينة .. فلتعدي لنا مائدة الطعام للغداء . . ولتناد على أختي فأنا أريدهما في أمر خاص .. ))

أجابته زينة بتلبية طلبه .. وجاءت أختيه إليه .. وبشرهما بمقدم العريسين لهما بعد العصر ..

لم تستطيعا كتمان الفرحة التي اجتاحت جوانبهما .. وقال إحداهما ..

.. (( في الحقيقة يا خالد لقد كنا نخشي بقوة هذه النقلة من العريش الى ريف الصعيد بمحافظة قنا .. وخاصة بعد تغيير اسمك .. ظننا بأننا قد انتهينا .. ولكننا فوجئنا بأنها حياة جميلة طرقت أبوابنا وكانت مخرجا لنا مما كنا نعانيه .. ))

ربت خالد على ظهر أخته وقال لها .. (( من كان مع الله فلا يذل ولا يشقى .. ))

تناول خالد غدائه برفقة أمه وزوجته وولده وأختيه ..

وقام ليرقد ساعة الظهيرة كما اعتاد وبعدها يذهب للعمل بمتجره ..

ورغما عنه .. عادت به الذاكرة الى أروع وأقوي ذكريات مرت به ..

وأول ما طرق ذهنه .. هي طرقات الشيخ نزار ريان عليه رحمة الله على باب غرفته

وقتها اعتدل خالد في جلسته .. وفوجيء بالشيخ يأتي ليجلس بجواره في جلسته الخاصة التي قام فيها بمداواة جراحة وكل آلامه ليصد عنه الفتور الذي كان يحث الخطى اليه ..

ربت الشيخ على كتفه بحنان كعادته وقال له ..

.. (( ما بك يا خالد .. لقد تغيرت بين عشية وضحاها ولم تعد خالدا الذي عرفته وأحببته .. هناك ما يهمك وبقوة وتكاد الحيرة أن تقتلك .. أشركني معك وثق بأنك ستنال كل راحة ..))

أوطأ خالد برأسه الى الأرض وهو لا يدري ماذا يقول .. فما يحمله بين جنباته لا يمكن أبدا ان يفضفض به .. ولهذا صمت تماما ..

واذا بالشيخ يقول له .. (( هل العملية المتعلقة بعلبة معجون الأسنان وتورطك مع الخونة هو ما يؤرقك ؟ ..))

صدم خالد بقوة من هذه العبارة واكتنفته دهشة الدنيا كلها وارتج بعنف ونظر للشيخ برعب .. كيف علم الشيخ بكل هذا ؟..

استطرد الشيخ قائلا .. (( أولا يا خالد قبل أن أقص عليك الأمر .. ثق باني أحبك وأثق بك تماما .. فاسمعني بهدوء . . كما يتفنن العدو في ابتكار وسائل رصد وتتبع .. فنحن أيضا لا نتوقف ونصل بعون الله الى ما يكشف كل وسائلهم .. فمن أول يوم عدت فيه الى التاجر وعبر أحد أجهزتنا هذه اكتشف الرجل أن معك مادة مشعة يستخدمها الموساد في تتبع ضحاياه وقصفهم .. وقتها وقف الرجل محتارا .. ترى هل هو المقصود ؟ .. ولكن متجره معلوم لكل الخلق .. فما هي الغاية التي تريدها بهذه المادة .. أبلغ القيادة في حماس بأمرك .. فتم التحري عن حالتك من الرجل الذي عاونك على دخول غزة وعلمنا بأنك شخصا عاديا تم تلقفك وإغوائك أو تهديدك .. ولكن الهدف الذي تسعى لأجله غير معلوم .. فما كان منا إلا أن أخذنا علبة المعجون التي بحوزتك وتم تخزينها في صندوق محاط بالرصاص كي لا يتم رصدها ووضعنا لك علبة أخرى مشابهة وهذا لمعرفة ما هو الهدف من عمليتك .. ويوم إعدام الخائن بالساحة العامة بغزة ظهر عليك الخوف الشديد والتراجع التام عما تنتويه ..

ولأننا يهمنا أكثر أن تكون شخصا صالحا وأن تكسب نفسك ولا تبيعها للشيطان .. قبلنا أن نكون عونا لك على هذا الشيطان .. وساعدك الرجل بكل الوسائل المتاحة لعودتك الى بلدك والتخلص مما أنت فيه .. ولكن كانت كل الطرق مسدودة .. ويوم محاولة العبور من النفق

علم بأنك ابن لشهيد .. ولأننا نعلم بأن الشجرة الطيبة لا تنبت الا طيبا .. بشرط أن نتغمدها بالرعاية السليمة .. ومن رؤية الرجل لأسلوبك وطريقتك في المعاملة طوال المدة التي قضيتها معه .. فتيقن الرجل بأنك من معدن خالص وصاف يريد فقط من يجلوه ليظهر نفائسه .. ولكن مطلبك لعملية استشهادية قد أربكنا . .ماذا تريد ؟ .. هل حقا هي نية خالصة بداخلك ؟ .. ولكن هذا صعب ولا يتناسب مع حالك الذي كنت عليه .. اذا أنت تريد استكمال مهمتك .. ولم نستطع أبدا أن نتوصل الى السبب الذي دفعك للتراجع لأجل إكمال هذه المهمة .. ولم يجد الرجل إلا أن يسابق الشيطان لينتزعك من بين فكيه ولهذا أخبرك بأن الإقامة معي هي للإعداد لتلك العملية .. وترك في رقبتي مهمة شاقة .. ولهذا ولأني أعلم جيدا بأنك مصر على استكمال المهمة مهما كانت المشاق .. تعمدت أن آخذك بالقسوة والقوة واثقا من مثابرتك .. وكما توقعت كان الجدول المكثف لك هو خير ما يناسبك ..

وحينما قررت أن تخبرني بأمرك كانت هذه هي اللحظة الحقيقة التي أرجوها منذ مقدمك ..

ولكنك ذهبت وعدت بوجه غير الذي خرجت به .. وكدت أجن لمعرفة السبب ..

وتفكرت كثيرا في تغيرك هذا .. ووجدت أنه أيضا كي لا نترك للشيطان عليك سبيلا .. يجب أن أجذبك وبقوة ولا يوجد أفضل من المصارحة والمكاشفة الآن ..

وها قد فعلتها .. فهل ستكاشفني بما هو بداخلك كما فعلت أنا ؟؟ ))

ظل خالد صامتا واجما لا يحري جوابا ..

كان يظن بانه هو المتحكم بالأمر وأن المقاليد كلها بيده .. ولكنه اكتشف فجأة بأنه لم يكن سوى دميه يحركها الطرفان .. ولكن مع مكاشفة الشيخ له بكل هذا الود .. وإخباره بكم المساندة له والتي لم يشعر بها .. لم يجد إلا أن يخبره بكل ما يكتنفه من حيرة

فهو لا يريد أن يضحي بالشيخ وأبنائه ولا أمه وأخواته ..

وفي نفس الوقت لا يمكن أن يكمل المهمة ..

وأخبره بكل الشبهات التي ألقاها حسين على مسامعه ..

فما كان من الشيخ إلا أن طمأنه .. وقال له .. (( ثق بأنك في أيد أمينة .. ولن نفعل إلا كل الخير لك باذن الله .. ))

وما دام الأمر غير محدود بمدة .. فأرح رأسك من التفكير حتى تحين اللحظة .. ووقتها نفكر ونرى ما هو الأنسب .. أما الآن فهيا لاستكمال ما بدأته من دروس العلم ..

ووقتها عاد خالد الى سابق عهده مع الشيخ ..

وانتهت التهدئة وبدأت الحرب ..

وأخبره الشيخ بأن أمره بيد كتائب القسام وأنه يجب أن يغادره الآن ..

ودعه خالد بعين باكية لم تفارقها الدموع ..

وهناك ومع أبو عبيدة ..

ومع دراسة ردود أفعال الصهاينة ..

تم وضع الخطة بعناية ..

اعتمدت الخطة على ما فعله الصهاينة بعد أسر أحد جنودهم يوم الخامس من يناير في شرق جباليا .. فقد قصفوا المكان الذي تم أسره فيه وقتلوه مع مرافقيه ..

فهم أهون عليهم أن يقتلوه من أن يكون أسيرا حيا يتم التفاوض بشأنه فيما بعد ..

ولهذا أخذ رجال حماس المادة المشعة وأعطوا لخالد العلبة الفارغة لتسليمها ..

وأتفقوا معه بأن يخبر الصهاينة بأن الجندي يتم نقله بسرعة من موضع لآخر ..

وهم سيتكفلوا بوضع المادة في مواضع متكررة توحي بتنقله فعلا .. وبهذا يصعب عليهم الهجوم لتحريره .. فما يكون بيدهم الا قصفه لقتله والتخلص منه .. وسيكون المبرر وقتها للرأي العام أنه قتل خطئا أثناء الحرب .. أو أن حماس اتخذته كدرع بشري دون إخبارهم بذلك ..

وهذا هو كل المطلوب ..

ولكن خالد طلب رؤية الجندي .. كان يريد أن يثبت لنفسه بأنه كان يمكنه الوصول الى تحقيق العملية كما طلبت منه تماما حتى آخر لحظة .. ولكنه اختار طريق الحق

فمن السهل أن تفتخر بأنك لم تفعل معصية لم تجد اليها سبيلا ..

ولكن الأصعب هو أن تمتنع عنها وهي ماثلة بين يديك ..

وكانت رؤيته لجلعاد ذات فائدة قصوى .. فقد أوحت اليه بفكرة أن يخبرهم بأنه قد دهن المادة المشعة على ساعته وبهذا سترافقه في كل تنقلاته .. وهذا ما حدث ..

وكانت عملية من أبرع العمليات المقاومة أثناء الحرب ..

فقد قامت المجموعات الفدائية بالتسلل الى مراكز تجمع الجنود الصهاينة وآلياتهم لتزرع تلك المادة بتتابع زمني جعل قصفها متتاليا .. ولم ينتبهوا الى الخدعة إلا متأخرا

وبعد أن كانت خسارتهم فادحة .. واعترفوا بأنه كان هناك قصفا خطئا لبعض الجنود ..

ولأن حماس لا تريد كشف أسرار العملية تاركة وقتا أكبر لخالد كي يختفي حتى لا يتم ملاحقته .. فلم يعلنوا عن هذه العملية ولا عن أي من تفاصيلها ..

وهناك عند معبر كرم أبو سالم ..

بعد أن اطمأن خالد على أمه وأختيه .. أخبر الصهاينة بأنه في مكالمة سابقة اتفق مع أمه اذا لم يتصل بها بعد ساعتين من تسلمها الأموال أن تتصل برقم خاص بقادة حماس وتنبئهم بأمر الساعة المشعة .. ووقتها سيكتفي هؤلاء القادة بالتخلص من الساعة وفقط لتفشل العملية .. وهذا لكي يضمن أن يخرج من المعبر بسلام ..

وتم له ما له ما أراد ..

وسلمهم العلبة الفارغة وفكوا عنه الحزام الناسف .. وتم مروره بأمان ..

وذهب الى أمه وأختيه عند خالته المقيمة بالاسكندرية وكانت معهم زينة وأخاها الأكبر.. وعلى عجل تم الزواج بالاسكندرية بعد أن أفهموا أخوها بأنه مهاجر خارج مصر ..

ولجأ خالد الى ريف الصعيد ..

وهناك بدأت حياته الجديدة باسمه الجديد ..

وكان كل همه هو حشد الدعم للمجاهدين في غزة ..

وكان هو أول من تبرع بالملايين العشرة التي نالها من الصهاينة الى غزة .. فقد رفض أن يقبض منها مليما واحدا ثمنا لما فعل .. فهوا لا يريد إلا أجر الآخرة ..

وتذكر خالد شيخه الجليل نزار ريان ببسمته الوضاءة ..

وأخيرا أغمض عينية

وذهب في سبات عميق