الفصل الثالث

5 0 00

الفصل الثالث

الفكرة الجهنمية :

وقعت كلمات الدكتور "عزام" كالصاعقة على الدكتور "أسعد" و "سكينة التي أصابتها رعدة هزت كيانها .

ـ سوف أقوم بعمل نسخة مني .

قال هذه العبارة ، ثم عاد يقول في نبرة باردة :

ـ سوف أضع في نسختي مورثات الأسد ، بذلك سوف يجمع هذا النسخ بين ذكائي والقوة البدنية .

ثم ضحك بصوت مخيف ، جعل "سكينة" تنكمش وتتكور في مقعدها ، أما الدكتور "أسعد" فقد تقلصت أساريره ، وزم شفتيه ملتزما الصمت ، صاح الدكتور "عزام" بانفعال واضح وقد تملكته الفكرة المثيرة :

ـ سيكون لي بذلك السبق في إدخال المورثات الحيوانية في نسخ الخلية الإنسانية وستصبح ثورة علمية وطفرة في علم الهندسة الوراثية .

ثم صاح في تساؤل :

ـ ما رأيك يا دكتور "أسعد" ؟

مرر الأخير يده على كل وجهه ، ليواري اضطرابه ، وراح يمسح جبينه الذي ينضح بالعرق ، ازدرد ريقه بصعوبة ، وقال بصوت منفعل :

ـ إنها فكرة جهنمية !!

ثم أضاف بتردد :

- ولكن ، هل ستنجح في إنجازها ؟ وما مدي احتمالات الخطأ ؟ فقد يأتي الإنسان المنسوخ مسخا .. مثل .. مثل ..

أطبق الدكتور "أسعد" شفتيه ولم يكمل كلماته ، فصرخ الدكتور "عزام" بجفاء وغضب ونبرة انفعال:

ـ أكمل ، مثل المسوخ الأخرى . نهض من مقعده ، ومرر يده على وجهه بعصبية ، وصاح وقد ارتسمت على أساريره الإصرار والعزم الأكيد

- سوف أثبت لكما أنني سأنجز أهم مشروع في هذا القرن ، بل في القرون الذي تليه .

كانت"سكينة" تنظر إليه وقد اشتد شحوب وجهها ، وحاولت أن تقول شيئا ولكن صوتها لم يخرج من حلقها .

هتف الدكتور "أسعد" بصوت أبح :

ـ إننا على يقين من علمك وقدراتك العظيمة يا دكتور .

تبدلت مشاعر الدكتور "عزام" فجأة ، فانفرجت أساريره بابتسامة ولمعت عيناه ببريق متوهج ، وصاح بمرح وتفاؤل :

ـ هيا إلى العمل .

قامت "سكينة" بتثاقل من مقعدها ، وبادلها الدكتور "أسعد" نظرة خاطفة مشحونة بالقلق والتوتر وهما يتجهان إلى المعمل .

بدأ ثلاثتهم العمل يشكل دءوب ، وأخذت خلايا جسدية من أنحاء متفرقة من جسم الدكتور "عزام" ، وقاموا بتجاربهم لعمل نسخة بشرية منه ، مع إضافة مورثات القوة الحيوانية للأسد ، وظلوا شهورا طويلة في محاولات كثيرة باءت بالفشل ، وتسرب للدكتور "أسعد" و"سكينة" اليأس والكلل والملل ، وهما يريان في نفس الوقت عدم جدوى تلك التجارب ، والتخوف من نتائجها التي لا يعلم عقباها إلا الله .

أما الدكتور "عزام" فقد كان على يقين من النجاح ، بالرغم من أن البويضات التي اغتصبها من مركز"لندن" أخذت في التناقص المستمر ، ولم يبق منها إلا بويضات قليلة ، فحاول ترشيد استخدامها ، ومع ذلك فقد قاربت على الانتهاء .

انتابه ذعر فائق وهو ينتشل الثلاثة الأخيرة منها ، وغمغم وهو ينظر إليهم بحرص كبير:

ـ أتمني أن ننجح بأي شكل ، فلن يتسنى لنا بعد ذلك الحصول على مثل هذه الكمية التي حصلنا عليها .

وضعت "سكينة" البويضات الثلاثة في الأطباق الزجاجية ، وأضافت لكل منها الخلية الجسدية للدكتور "عزام" بإضافة مورثات القوة الحيوانية للأسد كما تعتقد ، وباءت تجربتان منهم بالفشل ، بينما أخذت تجربة في الانقسام .

قال الدكتور "عزام" وهو ينظر إلى المجهر :

ـ ستكون فرصتنا كبيرة ، إذا وصل الجنين إلى المرحلة التوتية ، وعند ذلك يمكننا نقلها إلى الرحم .

انتاب "سكينة" قلق غامض وهي تسمع هذه الكلمات ، فليس هناك امرأة بينهم لتحمل في رحمها الجنين إلا هي ، إذا قدر لهذه التجربة النجاح .

التفت الدكتور "أسعد" إلى الدكتور "عزام" وقال له :

ـ إنني أراك مرهقا يا دكتور ، فأرجو أن تنال قسطا من الراحة ، وإذا حدث شيء طارئ فسوف أوقظك .

اتجه الدكتور "عزام" إلى حجرة صغيرة ملحقة بالمختبر ، ورقد على أحد السريرين الملحقين بها ، وغط في نوم عميق ، ولبث الدكتور "أسعد" ورفيقته يترقبان الجنين ، الذي كان مازال في طور الانقسام بقلق بالغ .

وبينما كانت "سكينة" تتخلص من محتويات الطبقين الزجاجيين بعد فشل تجربتهما ، ارتسم على وجهها رعب رهيب ، وتقلصت أساريرها بشكل مؤلم ، وارتعشت شفتاها وهي تهمهم بكلمات غير مفهومة ، فشعر الدكتور "أسعد" بالجزع البالغ ، وهو يهرول ناحيتها ، وصاح متسائلا :

ـ ماذا حدث يا "سكينة" ؟! أرجوك أخبريني .

أشارت بسبابتها إشارات مضطربة ، وتلقفت أنفاسها بصعوبة وهي تقول بصوت مخنوق بالعبرات :

ـ لقد وضعت دون أن أدري في الأطباق الثلاثة مورثات العقرب مع البويضات والخلية الجسدية للدكتور "عزام" .

هزها الدكتور "أسعد" بعنف ، وقال بصوت هامس أجش :

ـ إنه خطأ جسيم ، ولن يرحمنا الدكتور "عزام" إذا عرف ما حدث ، وسيكون انتقامه رهيبا .

استولي على جسدها الجمود ، وصرخت بصوت مخنوق ضعيف :

ـ ماذا سنفعل الآن ؟ هل سنتخلص من الجنين ؟

أضافت بيأس ، انظر إلى المجهر لعل التجربة تكون قد فشلت ، ويكون هذا من حسن حظنا .

نظر الدكتور "أسعد" خلال المجهر ، واكفهر وجهه وسرت على جبينه موجات من التجاعيد ، وهو يهتف بأسي :

ـ لقد وصل الجنين إلى المرحلة التوتية .

دفعته "سكينة" بانفعال غامر ، ونظرت خلال المجهر ، وامتقع وجهها وهي تري نجاح التجربة ، وغمغمت بيأس قاتل :

ـ يجب أن نتخلص من هذا الجنين .

في هذه اللحظة الحاسمة سمعا صوت خطوات الدكتور "عزام" ، وهي تقترب منهما ، وعندما أصبح أمامهما ارتسم على وجهيهما رعب عارم ، كأنهما لمحا شبحا .

ـ أي جنين تتكلمان عنه ؟

هتف الدكتور "أسعد" :

ـ لا شيء يا دكتور .. لقد تخلصنا من التجربتين الفاشلتين .

ثم افتعل الابتسام والمرح وهو يقول ، لقد نجحت التجربة يا دكتور .

وثب الدكتور "عزام" بسرعة ، ونظر خلال المجهر ، وهتف بسعادة غامرة ، وفي نبرة انتصار :

ـ لقد نجحنا !!

ثم أضاف وقد وصل إلى ذروة انفعاله ، والآن يجب أن ننقل الجنين إلى الرحم .

اختنق صوت "سكينة" وهي تصيح في رعب هائل :

ـ رحم ؟! أي رحم ؟!

لاحت على وجه الدكتور ابتسامة رهيبة لا أثر للشفقة فيها ، وهو يقول بصوت خافت شيطاني يشبه الفحيح :

ـ ومن لديه رحم غيرك هنا يا "سكينة" ؟

جثت على ركبتيها ، وتشبثت برجلي الدكتور "عزام" ، وهي تصرخ متوسلة ، وتبكي بكاء مرا حارا :

ـ أتوسل إليك لا تفعل ، لا ، لا أستطيع . دفعها الدكتور "عزام" عنه بعنف ، واتجه صوب أحد الأدراج ، وأخرج منه حقنة وزجاجة عقار ، وامتص بالمبسم العقار ، وصاح كالرعد :

ـ امسكها جيدا يا دكتور "أسعد" .

تجمدت "سكينة" من الرعب وهي لا تزال جاثية على ركبتيها ، وبعد مشقة أخذت تلوح بيديها في ضعف شديد ، وهي تقول بصوت متكسر مهدود :

ـ أرجوك لا تفعل يا دكتور "أسعد" .

أذعن الدكتور "أسعد" لأمر الدكتور "عزام" ، واتجه صوبها وقد ارتسم على وجهه ألم ممض ، وأمسكها بقوة وهو يصيح ويبكي :

ـ سامحيني يا "سكينة" ، أرجوك سامحيني .

وثب الدكتور "عزام" منتهزا فرصة انهياريهما ، ورشق الحقنة في ذراعها ، بعد لحظات استكانت عضلاتها ، وأخذت ترتخي ، ثم ما لبثت أن راحت في سبات عميق . حملها الاثنان وأرقداها على السرير، ثم بدأ الدكتور "عزام" بفحصها في عناية ، وبعد فترة من الصمت المتوتر صاح في انتصار:

ـ إن رحمها مهيأ لاستقبال الجنين ، وسوف نقوم بزرعه في الحال .

بعد وقت قصير كانت "سكينة" حاملا في نسخة الدكتور "عزام" ، وعندما أفاقت من ثباتها أخذت رموشها تهتز بسرعة ، ثم فتحت عينيها ، وأخذت تنظر حولها بخوف شديد وهي تصرخ في هلع :

ـ ماذا حدث ؟

بعد لحظات بدأت تستعيد أفكارها ، وأدركت ما حدث ، فغطت وجهها براحتيها ، وأجهشت في بكاء عميق .

اقترب منها الدكتور "عزام" وجلس بجوارها على طرف السرير ، ومرر يده على رأسها بحنو بالغ لم تألفه منه من قبل ، فبدأت مشاعرها تستكين له رويدا ، وانتهز الفرصة السانحة له وضمها إليه ، فارتجف جسدها تحت وطأة مشاعرها الملتهبة ، وغمغم وأنفاسه الحارة تلهب جيدها :

ـ إنك الآن يا عزيزتي تحملين نسختي ، فأنا جزء منك الآن .

عندما تأكد من أنه سيطر على مشاعرها أضاف برقة :

ـ أرجوك يا حبيبتي حافظي على الجنين من أجلي .

ثم قبل جبينها ، وربت على وجهها ، وهو يقول بصوت خافت عميق :

ـ استريحي الآن لقد كان اليوم شاقا عليك .

اقنع الدكتور "عزام" "سكينة" بالانتقال إلى فيلته ، وذلك بعد أن جعلها تشيع في الكلية والمحيطين بها أنها مسافرة في بعثة إلى الخارج من أجل البحث العلمي ، والحصول على درجة الدكتوراه.

كانت أول امرأة تطأ قدماها هذه الفيلا المنعزلة الشبيهة بقصر منيف ، وكان يحيطها غموض شديد بأبراجها الأربعة الرابضة في أركان السور المحيط بها ، وكانت الأشجار العالية متكاثفة الأوراق ، تتطاول على امتداد السور العالي وتطل برأسها كأنها أسنة رماح إلى الخارج ، فكانت بمثابة سور آخر ، وفي مكان منعزل في الحديقة الواسعة الرحبة ، قبع مبني كئيب مكون من طابق واحد نشبت فيه نباتات متسلقة ، ونمت الطحالب الدقيقة على جدرانه الرطبة .

أحست "سكينة" وهي تنظر من نافذة حجرة نومها التي أعدت لها أنها مالكة هذا المكان ، ولمعت عيناها وهي ترنو إلى الحديقة المزهرة ، وطردت خيالات حزينة بائسة ، عندما كانت بالملجأ ، فطالما تمنت أن يكون لها مكان واسع تعيش فيه ، وحياة سعيدة مع زوج يحبها ، ولكنها كانت تدرك أنها دميمة ، وأن فرصتها ضئيلة في أن تحيا كأي امرأة تحلم بالبيت والأسرة ، فعكفت على العلم لتعويض هذا النقص الذي يضنيها و يعذبها ؛ ثم التقت بالدكتور "عزام" وكان أستاذها بكلية العلوم ، ولمس فيها نبوغها واستشف بذكائه انطواءها ، وأغرته نشأتها أن يستخدمها في معمله كمساعده له في أبحاثه السرية .

استفاقت من أفكارها عندما تناهى لسمعها صوت خطوات أقدام تقترب ، وألفت الدكتور "عزام" حاملا صينية مستطيلة الشكل من المعدن عليها أطباق تحوي طعاما شهيا ، وفاكهة طازجة ، وضعها على منضدة متحركة ودفعها ناحيتها ، وهتف وهو يبتسم:

ـ كيف حالك الآن ؟

قالت بدلال :

ـ ماذا ترى ؟

تقدم منها وضمها بين ذراعيه ، فأغمضت عينيها ، وشعرت بنشوة عارمة ، فقد كانت تعيش حلما لذيذا طالما صبت إليه ، وتوهج قلبها بعواطف مشبوبة ، لم تعد تستطيع السيطرة عليها ، واخضرت حياتها المجدبة التي لم تذق فيها طعما للحب والاهتمام من أي شخص .

غمرها الدكتور "عزام" طوال فترة حملها برعاية وتدليل لم تحلم بهما يوما ، وشعرت بالانتماء إلى هذا الرجل الذي تحمل نسخته في أحشائها ، وتنامي هذا الإحساس يوما بعد يوم مع تقدم الحمل ، وشعورها بحركة الجنين ، تيقنت أنها ستكون جزءا لا يتجزأ من هذا البيت الذي لم تدخله امرأة قبلها ، وأصبح بينها وبينه رباط وثيق لا يمكن أن ينفصم ولو أراد هو ذلك ، فالعلاقة بينهما أصبحت أقوي من الحب ، بل أقوي من الزواج !! فهي تحمل في أحشائها نسخته ، وهي جزء منه كما صرح لها سابقا .

ابتسمت راضية عندما هداها تفكيرها أن موقفها الآن أقوي من موقفه ، وسيكون لها السيطرة والهيمنة على حياة هذا الرجل .