الفصل الأول
]معمل أبحاث الدكتور عزام
مزق سكون الليل صوت محرك سيارة ، وهي تتحرك صوب مكان منعزل عند حافة الصحراء الرابضة وراء الأهرامات .. كان ثمة رجل غامض قابع وراء مقود السيارة ، يلبس نظارة سوداء ، ومتدثرا بمعطف أسود رفع ياقته حتى أخفت جانبي وجهه ، بينما وضع فوق رأسه قبعة لها حواف كبيرة ، فلم يبد من ملامحه شيئا يذكر .
كانت السيارة تطوي الطريق الكالح بسرعة رهيبة ناثرة حولها ذرات الرمال بشكل غاضب ، وانبعث ضوء مستقيم من فوانيسها الأمامية ، شطر عتمة الليل ، وامتد مبددا الحلكة القاتمة المريبة ، فبدا عن بعد سور عالي .. التف على شكل مستطيل حول مساحة أرض كبيرة ، وكان السور من العلو حتى لم يظهر ما يخفي وراءه .
اقتربت السيارة من الأسوار العالية ، وعبر من خلال البوابة الفولاذية الضخمة ، فتحت على مصراعيها آليا .. ثم أقفلت بهدوء عجيب ، كان فولاذها مبطنا بطبقة أخرى من الحديد اللامع السميك ، فكأنما كانت باب لحصن منيع .
شقت السيارة ممرا طويلا ملتويا مرصوفا بالحجارة .. ثم وقفت فجأة مصدرة صوتا خشنا ، وخرج الرجل مسرعا ، وصفق باب السيارة بعصبية ظاهرة ، وخطا خطوات سريعة واسعة تجاه المبنى الكبير ذي الطابق الواحد ، وقد لفته الظلمة القاتمة ، وكانت أشجار عالية تلتف حوله ، ظهرت في ضوء النجوم الخافت كأنها أشباح تتراقص بخفة ، وكانت أصوات غريبة مخيفة تنبعث على شكل همهمات وصرخات مكتومة مذعورة من داخل المبنى .. لتختلط بهمسات الكائنات التي تحوم حول المكان على غير هدى ، لتمتزج تلك الأصوات المريعة بحفيف الأشجار .
فجأة اصطدمت قدماه بجسم أملس لم يره في الظلام الدامس ..فتعالي صوت مواء مرعب متألم ، ولمعت أربعة عيون انطلق منها بريق كاللهب .. لم يبال الرجل واستمر في طريقه صاعدا عدة درجات في سلم المبنى ، ووقف قبالة باب ، وأخرج من جيب معطفه قطعة معدنية رقيقة مررها بجهاز صغير لامع ففتح الباب ، وأقفل عندما اجتازه الرجل بخفة يتبعه الكائن المخيف ذو الجسم الأملس .
في الضوء الخافت الذي يضيء الدهليز الطويل ، بدا جسد مسخ حيوان مرعب له رأسان ، يبعث مرآه قشعريرة تسري في الأبدان ، ويقذف الرعب والهلع في القلوب ، لم يلق الرجل بالا للمسخ الشبيه بالقطة وهو يتبعه كظله ، ومشي خطوات ثابتة جريئة صوب مكان محدد في نهاية الدهليز الممتد عدة أمتار ، وفتح بابه آليا ؛ فإذا بضوء باهر يقابله أثناء دخوله جعله يطرف بعينيه على غير إرادة منه .
كان الرجل طويلا قوي البنية ، عندما دخل المكان خلع القبعة والنظارة ، وناولها لامرأة لاقته بترحاب ، واحترام شديد ، بدا رجلا وسيما مهيب الطلعة في أول العقد الرابع من العمر ، كان شعره أشقر تتخلله خصلات فضية ، بينما لمعت عيناه الرماديتان ببريق لامع ، وكان في هيئته كرجل أجنبي ، ولكن السيدة نادته وهي ترحب به :
ـ أهلا يا دكتور "عزام" !
خلع الدكتور "عزام " معطفه دون أن ينبس ببنت شفة ، وناوله للمرأة ، فأخذته بدورها ووضعته على المشجب .
كانت المرأة هي "سكينة" مساعدة الدكتور "عزام" في أبحاثه ، حاصلة على ماجستير الهندسة الوراثية ، دميمة الشكل ، حدباء ، تضع على وجهها نظارة كبيرة لا تناسب وجهها النحيف الأعجف.
أما المكان فهو معمل أبحاث الدكتور "عزام" ، الحاصل على دكتوراه في الهندسة الوراثية ، وأيضا على نفس الدرجة في النساء والتوليد وأمراض العقم من إحدى الجامعات الأمريكية المرموقة ، وكان أستاذا مرموقا ومحاضرا في كثير من الجامعات بالخارج والداخل ، كانت له اكتشافاته الهامة في الهندسة الوراثية ، و قد أضاف الكثير والكثير إلى هذا العلم الخطير .
كانت أراؤه المتعقلة ، وتواضعه كعالم - سواء في محاضراته في أنحاء العالم ، أو كتبه - تلقي قبولا ، وحفاوة من لدى جميع الملل والمذاهب لعدم تطرفها , أيضا كان يظهر بمظهر المنقب عن الأسباب التي توفر الخير للبشرية جمعاء . أما \الوجه الآخر الغامض لهذا الرجل ، فيكمن في هذا المكان المنعزل النائي ، ليقوم بأبحاثه الغامضة المثيرة بعيدا عن الأنظار ، فقد تمكن منه شعور قوي بأنه يملك مفاتيح هذا الكون وأسراره ، بعد أن بدأ يثبر أغوار تركيب الخلايا الأولية ، وأنه سوف يغير العالم بمخلوقاته الحيوانية والنباتية ، وأن الإنسان سيسود هذا الكون ، عندما يمتلك عقلا شديد الذكاء ممزوجا بتمكن الآلة ودقتها وسرعتها الهائلة ، وقوة حيوانية جبارة كالأسد .
لم يكن الدكتور "عزام" يبوح بما يجول في فكره أبدا ، خوفا أن يتعرض للنقد العنيف ويهتز اسمه في الأوساط العلمية كباحث ومفكر متعقل .
سادت فترة صمت ، كان الدكتور "عزام" يتجول خلالها في أنحاء المختبر ، الذي كان يحوي أجهزة كبيرة متنوعة الأغراض ، شديدة التطور، ومجاهر متعددة متصلة بكاميرات تصوير إلكترونية ، وأخري بدونها ، وشاشات تلفزيونية ترتسم عليها الخلايا الحية مكبرة إلى آلاف المرات .
فجأة صرخ الدكتور "عزام" بصوت أجش مخيف ، وقد احتقن وجهه غضبا وهو ينظر عبر الميكروسكوب :
ـ لقد فشلنا مرة أخرى .
أشار بعصبية ظاهرة وهو يقول هذه الكلمات .
ارتجفت "سكينة" وبح صوتها من الخوف الشديد وهي تقول :
ـ لم يعد لدينا مخزون من البويضات لنجري عليها أبحاثنا .
ضرب الدكتور "عزام" بقدمه الأرض بعنف مريع ، وقد انتفخ وجهه من الغضب بعد أن وصل إلى ذروة عصبيته ، وصرخ :
ـ ما هو الحل إذا ؟
ترددت "سكينة" قبل أن تجيب بصوت مرتعش :
ـ يجب أن نتحايل مرة أخرى على السيدات اللاتي يترددن على عيادتك ، ونحصل منهن على بويضاتهن .
اشتد حنقه وهو يصرخ فيها :
ـ لن تفلح هذه الطريقة ، ولن أنال إلا الفضيحة والعار ؛ إذا اكتشف أي شخص ما نقوم به من خداع السيدات ، وأخذ بويضاتهن ، ساد صمت قصير وهو يحدجها بنظراته النارية ، ازدرد خلالها ريقه :
ـ إنني أريد المئات ، بل الآلاف من البويضات المجمدة .
انكمشت "سكينة" في مكانها ، وازداد تحدب ظهرها ، وهي تنظر إليه بخوف مميت . شعر الدكتور "عزام" باحتقار شديد وهو ينظر إليها ، فرفع حاجبيه وزم شفتيه ، ولمعت عيناه ببريق متوحش مرعب ، فقد ساورته الفكرة المجنونة ، وطالما كانت تلح عليه بقتلها ، فهذه المرأة بشكلها الكريه القميء إذا تزوجت وأنجبت أجيالا ، فسوف تهدم نظرياته في تطوير الجنس البشري ، وسوف تساهم في وجود جيل يحمل صفاتها الجسمية المشوهة .
كأنما شعرت "سكينة" بما يجول في خاطره ، فتكومت على نفسها وهي مذعورة ، وقد شحب وجهها ، وأصبحت مثل الأموات ، وفي تلك اللحظة الحرجة تعالي صوت صراخ رجل ، يستنجد بينما انبعثت أصوات أخرى تهمهم بوحشية .
اتجه الدكتور "عزام" بسرعة صوب مكتبة خشبية في أقصي المختبر وضغط على زر خفي ، فتحركت من مكانها ، وثب عدة درجات وسكينة" تتبعه .
كان المنظر رهيبا مخيفا !!
كانت أربعة مسوخ لا تنتمي إلى جنس البشر ، ولا إلى الحيوانات ، وكانت من الضخامة فلم يبدُ الرجل الذي انكبت عليه تنهش لحمه ، وقد أخذ في الصراخ وهو يتوسل ويستنجد ، بينما كان مرتميا على الأرض ، بسرعة البرق أخرج الدكتور "عزام" جهازا أسطوانيا معدنيا ، ووثب بسرعة تجاه المسوخ ، وبحركة سريعة مفاجئة سلط عليهم الجهاز واحدا ، واحدا ، فأصابهم بصدمات كهربائية عنيفة أنهكت قواهم ، فتداعت أجسادهم الضخمة على الأرض ، وهم غير قادرين على الحركة .
صاح بالرجل المتضرج في دمائه :
ـ لندخلهم في أقفاصهم بسرعة .
تحامل الرجل على نفسه الآلام الرهيبة التي كانت تفتك بجسده ، وساعد الدكتور "عزام" في حمل المسوخ الأربعة ، ووضعها في أقفاصها الحديدية كل على حدة .
بعد أن انتهوا من عملهم ، والتأكد من إقفال الأقفاص بإحكام ، رمق الدكتور "عزام" الرجل بلوم قاتل ، وسأله معنفا :
ـ ماذا حدث يا دكتور "أسعد" ؟
تهالك الدكتور "أسعد" ، وكان يناهز الثلاثين من عمره على أحد المقاعد القريبة ، وكان جبينه ينزف بغزارة من جرح غائر ، بينما كان شعره الأسود رطبا من أثر جروح أخرى في رأسه ، وكان جسده كله يؤلمه بعد أن ناله خدوش كثيرة من مخالب المسوخ .
تمتم الدكتور "أسعد" بصوت مـتألم :
ـ لقد نسيت المفتاح في قفص المسخ "جيجي" ، وبينما كنت عاكفا على إحدى العينات ، استطاع أن يحرك المفتاح ويفتح قفصه ، ثم فتح قفص الآخرين ، وهجموا علي وكادوا أن يقتلوني .
ـ لا تلومن إلا نفسك .
قالها الدكتور "عزام" وقد انطلق من عينيه شرر الغضب ، ثم أدار له ظهره ، وصعد إلى المختبر لا يلوي على شيء .
أحضرت "سكينة" قطنا ومطهرا وشاشا ، وأخذت في تطهير وتضميد جروح الدكتور "أسعد" برفق ، وقد ارتسم على وجهها الحزن العميق الممزوج بالسخط ، بعد أن انتهت حقنته بحقنة "تيتانوس" خوفا من التلوث ، وبعد فترة من الصمت صاحت بأسي :
ـ هذا الرجل ليس له قلب .
تمتم الدكتور "أسعد" بصوت ضعيف وهو يتحسس الضمادة الملفوفة حول رأسه بعناية :
ـ لقد أخطأت خطأ شديدا ، كان سيعرض حياتنا لخطر حقيقي ويدمر كل شيء .
ـ إنه يستعبدنا ، كما يستعبد المسوخ التي قام بتخليقها على هذا النحو المؤسف .
قالت "سكينة" هذه الكلمات بحقد ليس له حدود ، فهمس الدكتور "اسعد" وهو يضع يده على فمها :
ـ لا تتكلمي هكذا ، وإلا سوف يكون مصيرنا أفظع من هذه المسوخ ، ولا تنسى أننا ندين بالفضل للدكتور "عزام" ، فبدونه ما استطعنا أن نواصل أبحاثنا العلمية ، أو نحصل على رسالة الماجستير ، ولن نستطيع بدون مساعدته الحصول على درجة الدكتوراه .
قالت بصوت خافت وقد تقلص وجهها وارتعشت أرنبة أنفها :
ـ إنه لم يجد غيرنا ليستودعه أسراره ومخططاته الرهيبة التي يخفيها عن العالم كله .
صرخ الدكتور "أسعد" بذعر :
ـ اصمتي ، لا أريد أن أسمع المزيد .
ثم قام وهو يئن من الألم ليجوس بين الأقفاص ، وتأكد من أن أقفاص الأرانب والخنازير محكمة الإغلاق ، وفي جانب بعيد في أحد الأركان ربض قفص واطئ فتحاته المتشابكة صغيرة ، وبه عشرات الفئران التي تحوم حول نفسها ، علها تجد طريقا للفرار من مصيرها المحتوم ، ثم ألقي نظرة سريعة على أقفاص المسوخ الموجودة بالقرب من السلم الخشبي ، وكانت قد بدأت تستفيق من الصدمة الكهربائية وهي تزوم وتهمهم بوحشية .
التفت الدكتور "أسعد" إلى رفيقته ، وصاح بها وهو يجذبها من يدها:
ـ هيا لنصعد إلى المعمل ، وإلا سيقلق الدكتور "عزام" ويشك في أمرنا .
صعدت "سكينة" في السلم خلف الدكتور "أسعد" بخطي متثاقلة ، وقد على وجهها كآبة زادت من دمامتها وقبحها .
كان الدكتور "عزام" في هذا الحين عاكفا على العمل ، وهو يمسك في يده جهازا دقيقا متناهي الدقة يشبه الإبرة ، وأمامه طبق من الأطباق الزجاجية ، لم يلتفت إليهما ، وهما يدلفان إلى المعمل ويأخذان أماكنهما ويستغرقان في عمل مضن .
في الربع الأخير من الليل نظر الدكتور "عزام" في ساعته وهتف قائلا:
ـ إنني ذاهب الآن .
ثم التفت إلى الدكتور "أسعد" وهو يضغط على كلماته كأنما يتوعد :
ـ لا تذهب إلى الكلية حتى تندمل جروحك ، فأنا لا أريد أن تثار أي شبهه حولنا .
غادر المبنى ليعود إلى فيلته تحت أستار الظلام ، وقبل أن يعلن الفجر قدومه .[/color]