الفصل الثاني

3 0 00

الفصل الثاني

اقتحام بنك البويضات بلندن:

كان الدكتور "عزام يذرع مكتبه الواسع الأنيق في مبني كلية العلوم ذهابا وجيئة ، وقد عقد حاجبيه في تفكير عميق ، وكان أحيانا يقف قبالة مكتبه ، ويضرب سطحه بقبضة يده في غيظ وحنق ، وهو يقدح زناد فكره في طريقة للحصول على البويضات الأنثوية حتى يستطيع استكمال أبحاثه .

أخذ يهز رأسه في أسي بعد أن أعياه التفكير ، فجأة اقتحم المكتب مساعده الدكتور "أسعد" وهو يصيح :

ـ لقد وجدتها يا دكتور "عزام" !

التفت إليه الدكتور "عزام" بحدة مغضبا :

ـ ماذا حدث يا دكتور "أسعد" ؟

تصاعدت أنفاس الدكتور "أسعد" متلاحقة ، وهو يصيح بانفعال شديد:

ـ البويضات التي تحتاجها .

التفت الدكتور "عزام" حوله متفحصا المكان ، ألقي نظرة على باب مكتبه المفتوح بقلق ، وهو يلوح يده :

ـ اقفل باب المكتب جيدا ، اخفض صوتك .

احمر وجه الدكتور "أسعد" ، وقال مضطربا :

ـ لك الحق يا دكتور .

بعد أن أقفل الباب قال للدكتور "عزام" هامسا :

ـ لقد أعلن بنك البويضات في لندن ، أنه سوف يتخلص من كمية كبيرة من البويضات والأجنة المجمدة ، ويمكننا أن نعقد صفقة سرية مع المسئولين هناك ؛ للحصول على كمية لا بأس بها من هذه البويضات.

لمعت عينا الدكتور "عزام" ببريق مخيف ، وهو يسمع هذه الكلمات ، عض شفته السفلى . ثم قال بندم :

ـ كيف فاتتني هذه الفكرة .

هتف الدكتور "أسعد" مبتهجا عندما رأي الدكتور "عزام" مقبلا على اقتراحه :

ـ يمكنني أن أسافر وأعقد هذه الصفقة بنفسي للحصول على هذه البويضات قبل التخلص منها في بالوعات المجاري ، ويكون مصيرها الفناء .

لزم الدكتور "عزام" الصمت برهة من الزمن ، واتسعت عينا الدكتور "أسعد" إلى أقصاها ، وقد تصلبت أسارير وجهه وهو يترقب رد الأول ، وساد صمت ممض ، حتى صاح :

ـ سنسافر معا إلى "لندن" ، وسنحصل على البويضات دون مقابل .

أصابت الدكتور "أسعد" دهشة عارمة عندما سمع هذه العبارة ، ولم يمهله الدكتور "عزام" وقتا ، فقال آمرا:

ـ اذهب إلى بيتك الآن ، وأعد حقيبتك ، فسوف نسافر على أول طائرة متجهة إلى "لندن" .

كان الدكتور "عزام" يقيم في فيلته المنعزلة على طريق زراعي جانبي لا يرتاده الكثير من الناس ، وكان يعيش وحده دون زوجة أو أقارب ، ولا يخدمه سوي خادم أصم ، وبالرغم من ذلك يستطيع الكلام ، وكانت تصرفاته غامضة كمخدومه المعروف كطبيب وعالم في الهندسة الوراثية ، ومع ذلك فحياته بالفعل يكتنفها الغموض الشديد .

لم يكن ليسمح لأي شخص دخول عرينه ، باستثناء الدكتور "أسعد" الذي كان يأتي إلى الفيلا في أوقات متباعدة وعند الضرورة القصوى ، وكان الدكتور "عزام" يقابله في حجرة المكتب المطلة على الحديقة ، وكان لها باب مباشر عليها ، وكذلك باب داخلي ، ولم يكن ليفتحه أبدا عندما يكون الدكتور "أسعد" برفقته .

في هذه الليلة لم يذهب الدكتور "عزام" إلى مبني معمل الأبحاث كعادته ، وجلس في فيلته خلف مكتبه وقد انكب يرسم خطوطا معمارية لمبني بنك البويضات المجمدة بلندن على جهاز الكمبيوتر ، وكان على دراية بكل بوصة في هذا المكان ، الذي قام بزيارته مرات عديدة.

قبيل الفجر تفتقت الفكرة الجهنمية لاقتحام المبنى ، وعندما اطمأن أنه أحبك خيوط خطته ، اتجه إلى حجرة نومه لينال قسطا من الراحة.

في الصباح التالي استدعي مساعده إلى الفيلا ، وجلسا في حجرة المكتب ، وشرح له خطته بالتفصيل وبكل دقة .

في اليوم التالي كان الاثنان على متن الطائرة الذاهبة إلى "لندن" ، وقد جلسا باسترخاء كبير على مقعديهما ، وبعد أن وصلا إلى مطار "هيثرو" ، استقلا سيارة أجرة إلى أحد الفنادق الفخمة ، ولبثا فيه بعضا من الوقت ، ثم خرج الدكتور "أسعد" وحده ، وقام بشراء بعض الأشياء ، كان الدكتور "عزام" قد أمره بابتياعها ، ثم استأجر سيارة لمدة نصف يوم .

في تمام الساعة الحادية عشر صباحا بتوقيت مدينة "لندن" ، كان الدكتور "عزام" يقود السيارة ، وقد جلس الدكتور"أسعد" بجانبه ، ومرقت السيارة بهما في شوارع مدينة "لندن" الجميلة التي كان الضباب يلفها ، وتوقفت في شارع هادئ أمام مبني أبيض اللون مكون من عدة طوابق .

هبط الدكتور "أسعد" من السيارة ، واتجه ناحية المبنى ، وصعد على السلالم بثبات ، ثم دخله ودار نقاش بينه وبين موظفة الاستعلامات ، وأثناء انهماك الأخيرة في الحوار مع الدكتور "أسعد" استطاع الدكتور "عزام" التسلل خلسة دون أن تراه ، ثم استقل المصعد إلى الطابق الثالث ، وغادره متوجها إلى إحدى الحجرات ، وخرج منها مرتديا زي الأطباء العاملين بالمركز ؛ لم ينتبه إليه أحد وهو يمشي في الدهليز الطويل الممتد ، فقد كانت هيئته كطبيب إنجليزي لا تثير الفضول .

تسلل الدكتور "عزام" إلى الحجرة المقابلة للحجرة التي وضعت فيها الحاويات المحتوية على البويضات والأجنة المجمدة ، وأخذ يرقب ويتلصص تجاهها ، وبينما هو كذلك سمع صوت دبيب أقدام يقترب ، فوثب بخفة وراء أحد الأجهزة الضخمة الموجودة ؛ بدأت الأقدام تتجول في الحجرة ، فتربص كالنمر لأي بادرة يمكن أن تكشف أمره ، وتنفس الصعداء عندما ابتعدت الأقدام بعيدا عنه متجهة إلى الخارج ، قام من مكمنه ليرقب حجرة الحاويات مرة أخرى ، وبعد فترة من الزمن ، أقبل شخصان تدل هيئتهما على أنهما من الأطباء العاملين بالمركز ، وكانا يتجاذبان الحديث باهتمام ، ودلفا إلى داخل الحجرة بعد أن وضع أحدهما قطعة معدنية مررها في جهاز صغير ، في ثوان معدودة كان الدكتور "عزام" يضع قناعا أخفي وجهه تماما ، ولبس في يديه قفازين ، بعد أن تأكد من خلو الدهليز من المارة قفز بسرعة صاروخية إلى الحجرة المقابلة ، وصوب المسدس تجاه الطبيبين ، فأصابهما الفزع وهما يتصايحان :

ـ أرجوك لا تقتلنا .

قال بإنجليزية سليمة :

ـ افرغا محتويات الحاويات من البويضات والأجنة في هذا الوعاء الآن ، وأشار إلى أحد الأوعية التي تستخدم بصفة مؤقتة لحفظ البويضات والأجنة .

نظر الطبيبان إلى بعضهما وقد أصابهما رعب قاتل ، ورضخا للأمر ، وأخذا يفرغان محتويات الحاويات التي تشبه الأسطوانات وكانت الأبخرة الباردة تتصاعد أثناء عملية النقل ، وبعد أن انتهيا ، أمرهما بإقفال الوعاء بإحكام ، ثم صرخ فيهما :

ـ أديرا وجهيكما إلى الحائط .

ضربهما على رأسيهما في حركة خاطفة ، فسقطا مغشيا عليهما ، وأخرج من ملابسه حقيبة من القماش الخفيف اللامع ووضع بها الوعاء واتجه إلى خارج الحجرة وأقفل الباب حاملا حقيبته الثمينة .

أخرج الدكتور "عزام" من ملابسه لفائف من الديناميت ووضعها على أرض الدهليز ، ثم مد الخيط الطويل الموصول بها باستقامة وأشعل النار فيه ، وجري برشاقة تجاه المصعد الذي استقله إلى أسفل ، وقبل أن يغادره دوي صوت انفجار ، أعقبه على الفور ذعر واضطراب هائلين في أنحاء المبنى ، فاستغل الفرصة وخرج مهرولا إلى خارجه .

كان الدكتور "أسعد" جالسا في السيارة ينتظره في انفعال مترقب ، وتنفس الصعداء عندما رآه مقبلا بحمله الثمين .

وضع الدكتور "عزام" الحقيبة برفق أسفل المقعد الخلفي للسيارة ، ثم جلس وراء مقودها ، فضحك الدكتور "أسعد" منتشيا وهو يقول :

ـ لقد نجحنا !

هتف الدكتور عزام وأنفاسه تتلاحق بعد مغامرته المثيرة :

ـ سوف نلبث يومين في "لندن" ، سنحضر خلالهما مؤتمرا في الهندسة الوراثية ، وسوف ألقي فيه محاضرة ، حتى لا نثير الشبهات حولنا .