الفصل الثاني

9 0 00

الفصل الثاني

النفق

نهود، بضة وسمراء وحنطية، ريانة، ملساء، وخشنة، تبرز بهيجان من ثنيات الأردية الممزقة، والنساء، عجائز وبنات، يتباكين بحرقة أليمة، ويتهالكن مستلقيات بإعياء وحزن يائس صاغرات والصوات ينسل من أفواههن كعويل الرياح الشتائية القارسة. وقوفاً كنا على أعتاب غيران الجبل نعاين بعيون تتـّقد غضباً عاجزاً اعزل، شباب القرية الصغار وهم يساقون عنوة مربوطين بحبل أحدهم تلو الآخر والحزن ينضح من عيونهم صحراء مديدة تسبح في الغلسة واللانهاية والجندرمة ببناطيلهم القصيرة وجواربهم الملفوفة لحد أعلى الركبة ينظرون إليهم من علٍ باحتقار والسياط المشهرة بأيديهم تؤشر نحو الغرب حيث تغرق الشمس بإذلال ملتحفة أمواج الأفق الرصاصي الأخرس.

* * *

في ذلك الحول تآزرت ثلاث رحى لسحق أناس القرية، المختار بسطوته وظلمه ورجاله، الحرب، والقحط … ففي بداية تشرين بذرنا البذور في الأراضي المحروثة وانتظرنا الغيث في الإصباح والأماسي والليالي الطويلة، نخرج إلى العراء في الليالي ونعاين السماء بعيون متوسلة، كانت النجوم تبرق كعيون الجن، فتغزوا الغصة والخيبة حلوقنا وأفئدتنا، وعند الإصباحات أول شيء كنا نفعلهُ، رفع الرؤوس والتحديق… نفس الشيء كما كل الصباحات، سماء زرقاء وشمس مشرقة ولا أثر للغيوم، وهكذا كل صبيحة وعشية، حتى غدت معاينة الحالق جزءاً رئيسياً وحيوياً من ديدننا اليومي، ولما تقطعت نياط القلوب وطار الصبر، وكرت الأيام متسارعة، وأمحلت الأرض ونفقت بعض الحيوانات وجفت الساقية، وأصبح الرجال أكثر صمتاً من ذي قبل وكثر تذمر النساء وعياط الأطفال، وتشدد المختار في حراستهِ على مخازن الحبوب، وكثر غلوائهُ وتهديدهُ وغطرستهُ كان لا بد من الحل، ووجدناه بعد حين.

* * *

ولما كانت الحرب قد وضعت أوزارها وسدت منافذ الدنيا بوجوه الفقراء، تسابق الناس في خزن ما تبقى من الحنطة والشعير في القوارير والجرار الفخارية ودفنها في الأرض تحت أرضيات الأكواخ، وم الأيام وانشغال العيون المتطّيرة بالقحط المرتقب والتناقص المتسارع للمؤن المخزونة، وفي إحدى سهراتنا عند حميد طفح كيلي فصرخت في وجوه الصحب..

- ونبقى هكذا، نموت بصمت مثل الهوام؟.

قال جمعة شبه يائس.

- ما العمل يا خضر، لقد هجر الطير سماء القرية، وتركت الحيوانات الأرض، ولم نعد نصطاد الجندرمة، ماذا نفعل…؟

فخرجت عن طوري وهدوئي وصرخت بغضب.

- ومخازن المختار؟

تساءل يونس بدهشة.

- ما بها..؟

- أتبقى على حالها…؟

استطرد حاتم بصوت هازئ.

- إنه يخزنها للأيام السوداء لكي يصبح سيد سوق الموصل.

تابعت بذياك الحماس الأول.

- ونحن…؟

قال يونس.

- علينا السلام.

وأكمل جمعة.

- أو علينا اللعنة.

قلت بإعياء.

- أو علينا الموت.

ثم استطردت بحماس متقد لا غلواء فيه.

- ولكن لا.. لا يا أحبة، لن نموت كلنا من أجل رجلٍ واحد.

تساءل حاتم.

- القصد يا خضر؟

- نفتح المخازن.

تساءل فاضل.

- ورجاله؟

وتوجس جمعة.

- والبنادق؟

ولهج يونس.

- والموت.

صرخت بهم.

- لِمَ تتصوروني غبياً… سنحقق مآربنا ونحصل على مبتغانا يومياً دون أن يعلم المختار وزبانيته.

- كيف…؟

- اسمعوني.

* * *

ضربة أخرى، قوية، أمدها كل قواه النابضة، همست

- ها جمعة؟

صرف من بين أسنانه.

- سلخنا الثور ولم يبقَ سوى ذيله، اصبر يا خضر، إننا نكاد نبلغ الوطر.

- عجل بالله عليك فقد عّيل صبري.

وقاطعني جمعة بآهة فرحة حين ارتطمت النهاية الحادة للمعول بسقف الحفرة، كان لارتطام النبلة بالطبقة الرقيقة من التراب التي تفصل بين الطبقتين صدى أجوف… ضربة أخرى وانفتح ثقب صغير أخذ يوسّعه بنشاط لا كلال فيه بالنهاية الحادة المفلطحة للمعول حتى اتخذت الفتحة صيغتها النهائية، ثم أنهض جسده وهو يرتكن بمرفقيه على جانبي الفتحة من علٍ ثم تدحرجت قدماه إزاء وجهي معلقة في الهواء، هتفت وأنا أحس بصدري يتفتق من الفرح.

- جمعة…‍‍!؟

سمعت صوته الملون بفرح ظافر.

- نجحنا.

هتفت بصوت متهدج.

- يعني…

استطرد بنفس الفرح الغامر.

- إننا الآن داخل المخزن (x).

* * *

(x): كان كوخ جمعة ذا طابقين، الأول في بطن الأرض على شكل سرداب معتم تنث منه رائحة الرطوبة والعفونة وتسكنه الظلمة ليل نهار، والثاني كوخ يؤويه مع أمه الطرشاء العمياء، وكان كوخه آخر بيت من الطرف الشمالي من (ب)** وأقرب بيت إلى مخازن المختار، وبعد أن أتممنا مستلزمات الخطة واستطاع جمعة بحيلة نادرة من حيله ( وقد عزّز كونه صاحب الكوخ في نجاح عملية تحديد الخطة في كونها تمنع أو تستبعد ريبة المختار وحراسه ) أن يقيس بعد المسافة بين الكوخ وأول مخزن، وحدد الإتجاه بدقة، إتفق معنا أن نبدأ من الليلة فنقلنا معدات العمل، المعاول والمجارف والأكياس الفارغة لنقل التراب وفرشه على أرض السرداب والكوخ إذا استلزم الأمر، وحينما صاح الديك معلناً انتصاف الليل بدأنا، وكانت الخطة أن نحفر نفقاً يبدأ من جدار السرداب ويمتد تحت الأرض بإرتفاع قامة إنسان وهو منحنٍ حتى ينتهي في المخزن، ثم نبدأ بالعمل.. أنزلنا في الليلة الأولى من المخزن المحرر كيساً كبيراً من الحنطة وتولى فاضل وحاتم جره حتى السرداب، ثم قمت وجمعة بسحب كيس متوسط ووضعناه فوق الفتحة ( ولحسن الحظ وحسب تقديرات جمعة بالضبط، كانت الفتحة في الزاوية الجنوبية من المخزن حيث تتكدس خلفها أكياس الحنطة سادةً بوجه الرائي من الباب مكان الفتحة أو حتى نصف قامة إنسان ) وبعد أن أتممنا كل شيء وقـُسم الكيس إلى حصص متساوية كان الديك يصيح معلناً فجراً جديداً، فانسللنا من الكوخ وكلٌ بمعيته حصة أو حصتين أو ثلاثاً، وبدأنا نضع أمام باب كل بيت من بيوت (ب) حفنة من الحنطة ونلتحف الفجر.

(ب)**: اسم قريتي التي ولدت فيها ودرجت بين أزقتها المتربة الوارفة وقويَ عودي بين أفياءها، تستلقي بوداعة العذراء على خضرة تنساح هادئة من التل في الشمال وتتدرج بهدوء متساوقة ومتناغمة حتى البساتين في الطرف الجنوبي، كانت قريتي تتميز بعذوبة أنسامها المشبعة بأريج القداح في الربيع وانبثاق حصارم الكروم في مستهل الصيف، التي تحيط ببيوتها المتناثرة والمتجمعة حول الساقية النابعة من الطرف الشرقي للجبل المطل على التل والتي تروي الأشجار والبساتين في الصيف حين ينقطع الغيث، ونزرع على طرفيها وعلى امتداد قنواتها الصغيرة المحاصيل الصيفية مثل البطيخ والرقي والقثاء والطماطة… الخ. وبيوتها مشيدة من طابقين، السفلي - كما أسلفت - محفور في بطن الأرض يأوي الأغنام والأبقار والتبن في الشتاء حيث البرد والأمطار، فيما يستعمل في الصيف للخزن.. والعلوي عادة يكون بيت العائلة، نظيف وبارد في الصيف - لكونه مبنياً من الطين الحرّي – وغالباً ما تلتصق بالبيت من أحد جوانبه غرفة طينية صغيرة تستعمل قناً للدجاج، فيما يقابله من الطرف الآخر، التنور حيث نصطلي بناره الوقادة أيام الكانونين وليالي شباط وآذار الباردة ونقضي السويعات الجميلة متحلقين حوله طلباً للدفء والسمر.. أما بيت المختار فكان مبنياً من الجص والحجر الجبلي مشيداً بشموخ أرعن على سفح التل كغول جبار، فيما انتشرت تحته تماماً وعلى بعد رمية حجر مخازنه المبنية - أيضاً - من الحجر والجص ثم على جانبيها كان بيت الوكيل وهو من الطين، عدا إحدى غرفه الحديثة فكانت مشيدة من الحجر، ثم بيوت آل (ع) وكلها أكواخ طينية، كان أبعدها - وأقربها إلى المخازن - بيت جمعة، وعند التقاء التل بالأرض السوية الممتدة بين البساتين من الطرفين كانت الأكواخ تمتد كشريط غير مترابط حول الساقية، وكان يقطنها آل (ت)، وشجرة عائلة القرية تقول، أن الأخوين (ع) و (ت) أتيا من أطراف مدينة (ت) وسكنا هذا الموضع الجميل الحصين مع كرّ السنين تناسلت العائلتان وبنتا اللبنة الأولى لقريتنا العزيزة هذه.

* * *

المختار: لا يُعرف له أصل، فمنهم من يقول إنه يهودي مرابي مطلوب، ومنهم من يقول إنه تركي، آثر لغاية في نفسه أن يخفي انتماءه ومنهم من يقول غير ذلك، ولكن شيوخ القرية الأفاضل يقولون بأنه جاء وطلب إلينا السكن في الجوار فآذنوا له بروح الأخوة والجيرة… في البداية تصرف بكل تعقل، خالط الناس، حرث الأرض، وزرع كأي أحد منا، ثم كثر ثراؤه رغم أنه لم يكن يتميز عنّا بالحاصل السنوي وأخذ يشتري الأراضي ويضمن المحاصيل ومثل حلم أو سكرة نوم أو الموت، صحونا أخيراً لنجده قد أصبح المالك الأوحد لجّل الأراضي والغني الأوفر في (ب)، ثم أخذ يتزلف إلى الأغوات الأتراك ويولم لهم الولائم والسفرات إلى البساتين، حتى بلغ وطره وفاز بمبتغاه وعينوه مختاراً على القرية.

* * *

كان جمعة يحاول أن يسحب كيساً جديداً حين سمعت - وأنا في مكمني في النفق - صوتاً شممت منه صوت المختار.

- قف يا جمعة حيث أنت.

ودوت إطلاقه يتيمة في سماء المخزن وسمعت صرخة جمعة المدوية ثم سقط جسده فوقي، حملته على كتفي وهرعت أنهب النفق بخطاي المسعورة، كان الجسد فوقي ساكناً وثمة برودة طاغية تسعر خدي حيث يرتكن وجهه، كنت أنشج مأخوذاً بالموقف الذي لم يدم سوى لحظات، قف، إطلاقة، صرخة موجعة، جسد سقط في النفق، وأسدل الستار في لحظة واحدة وانتهى كل شيء، وصلت إلى فم النفق وهتفت.

- فاضل أنزله من كتفي.

كان فاضل وحاتم ويونس ينظرون بعيون مخبولة غير مصدقة إلى الجسد الهامد على كتفي وثمة صمت جلل يسبح في فضاء السرداب ويحيل الليل إلى صمت صلد طويل، أعانني فاضل في إنزال جمعة، وتهالكتُ على أرض السرداب وكياني كله يختض طلباً للهواء، كان فاضل في تلك اللحظة يضع أذنه على صدر جمعة وكله شوق وانتظار للآتي، نظرت إليه من خلال أهداب نصف منطبقة، رأيته يرتجف، كيانه كله إرتجف كعصفور مبلل وشفتاه تنفرجان وتنطبقان ببلاهة، والعينان زائغتان تتأملان الوجوه المنتظرة، و……!؟

* * *

- كشف النفق.

صحا العم شاكر تماماً، ارتجفت عضلة بسرعة في صدغه واتسعت حدقتاه الناعستان وهتف بصوت عميق..

- ماذا..؟

- وقتل جمعة.

صاح بأم صوته.

- لا…!.

وكاد يتهالك على الدكة الطينية، ولكن وجهه - وبسرعة لا تصدق – اكتسى بتعبير لم آلفه سابقاً في وجه أي إنسان ، أنسام وعواصف، حمل وذئب، انتصب كالعمود، وهمس بصوتٍ مفعم بالعاطفة المشبوبة بالصبابة.

- ليشملك الله برحمته يا جمعة، يا شهيد (ب).

ثم قال بحزم.

- أزفت الساعة.

قال فاضل…

- نحن آثرنا مشورتك يا عم قبل أن نتخذ أي قرار.

- بارك الله بكم يا أبنائي، ولكن ماذا قررتم؟

- ننتظر رأيك.

- كونوا على استعداد صباح هذا اليوم.

- والهدف؟

سرح في البعيد البعيد وقال.

- لم يعد له مقام بيننا، يجب أن يخرج من حياتنا.

تساءلت بفرح.

- وحتى بالقوة…؟!

- ولن أندم عليها يا خضر.

كدت اقفز على عنقه وأشبعه تقبيلاً ولكني آثرت أن أتمتع بالجذل لوحدي.

* * *

وبعد أن أنهى خطبته الطويلة والتي أطربتني حتى العمق قال بحماسه المعهود عندما يتكلم عن (ب).

- إن (ب) يا أحبتي مثل عذراء يدنسها الأفاقون فيحتم إذن أن نطهّرها من المختار وزبانيته ويقيناً أن الله معنا.

ورشقت الرجال الواقفين بطرف عيني، انهزم الخوف والتردد من دواخلهم وتوارى في أديم الهواء وارتسم في مآقيهم فارس مطهم يعتلي فرساً شهباء تطير فوق الجبال. وخرج شاكر إلى فناء الساحة وخطب في الجموع:

- نحن لا نبغي الحرب، ولكننا دعاة حق.

ثم التفت إلى يمينه حيث تتجمع النساء والبنات وقال

- وأنتن يا بناتي وأخواتي، على عاتقكن واجب إن لم يكن أفضل مما هو مطلوب من الرجال فهو يوازيه، كل منكن لتحمل كوزة ماء وتتبعنا، والتي تريد أن تشارك الرجال فلتحمل اللفائف وتضمد الجرحى.

ثم شملنا جميعاً بنظرة حب وابتهل.

- وليباركنا الله.

وسار في المقدمة. مارد، قدماه في الأرض، وكوفيته في عمق السماء، فيما كانت الشمس تغزو أديم السماء.

* * *

- أيها الغريب، نحن لن نقتلك، لا… ولكن ستخرج منها غريباً، مثلما وطئتها.

توسل المختار بمداهنة.

- ولكن يا أخ شاكر؟

وقاطعه شاكر بحدة ولكن بصوت عميق وهادئ.

- أنا لست أخاك.

وأنشأ المختار يحدق فينا بالتتابع يستشف أغوارنا، ولما انتهى وجدنا وجوهاً واهنة اصطلت بالجوع والفاقة، أطفالنا مجرد أسمال على عظام، نساؤنا أعواد نضب الدم من خدودهن، واقفرت نهودهن وأخذن يدررن الهواء، بينما كانت دواخلنا مراجل يتبقبق الماء منها بتوجع مسعور، وسواعدنا براكين تنتظر انسفاح الصخور المائعة لتنتشر كتل النار على الأرض ويستحيل كل شيء جمراً ورماداً، وناراً تأكل قلوبنا وتنطلق من أفواهنا أسنة لهب تحرق المختار وتحيله إلى فطيسة متفحمة…

سمعنا المختار يقول.

- وأموالي…؟.

- تستطيع أن تأخذها معك.

لم أتحمل قول شاكر فبادرته.

- ولكنها أموالنا؟!.

- رويدك يا خضر، حق (ب) لن يغمط ولكن بالمقابل يجب أن لا نتحول إلى لصوص أفاقين مثله، أليس كذلك…؟

وقاطعنا المختار قائلاً بصوته المخاتل المعروف.

- والغلة…؟

أجابه شاكر بنفس اللهجة.

- لا… أيها الغريب، الغلة لنا، لأنها أصلاً من هذه الحقول، ابنة هذه السواعد المتعبة وتلك الوجوه الجائعة.

سكت شاكر ريثما يعطس ثم مسح فمه بكم صايته وتابع حديثه.

- ولك مهلة الليلة المقبلة هذه، وعند الفجر أحب أن تشرق الشمس على القرية بدون مخاتير مثلك.

كان لابد للمختار أن يختار، فرجاله توسدوا الأرض بعد أن سبحوا بدمائهم (*) وعلى مقربة منهم كان حاتم (**) وثلاثة من بررة (ب) يفترشون الأرض الجرداء بصمت أبدي… وأخيراً أيها الغريب، وحيد غريب كما جئت، وضعيف كما جئت، وعارٍ على حقيقتك العفنة التي تسترت عليها لما منحوك حق الإقامة عن طيبة قلب كنت فيها مكرماً ومقامك بين العين وجفنها، وستخرج ومقامك بين راحة القدم والمداس، إيه أيها المرابي، سلسلة من الممارسات والزلفى والقتل… والمحصلة النهائية حفنة ريح. رفع المختار رأسه وحدق في وجه شاكر، كانت ثمة دمعة مشرقة تنساح على أهدابه، توسل بصوتٍ حفيض.

- أعطوني فرصة لأبدأ من جديد ونفتح صفحة جديدة.

أجاب شاكر بصرامة.

- لقد نفذت الصفحات حتى الغلاف حولناه إلى صفحة ولكن لم تجدِ معك.

ثم قال شاكر بعد برهة.

- نحن لازلنا ننتظر؟.

أجاب المختار وطرفه ملتصق بالأرض.

- كما تشاء.

* * *

- ماذا تعتقدون، هل سيسكت؟

سألنا شاكر وفي وجهه أمائر العالم ببواطن الأمور.

- بالتأكيد لن يسكت، سيؤلب علينا جماعته…

أجبت شاكر وراحة يدي اليمنى تتحسس بالتذاذ غريب برودة أرض فناء الدار المفروش بالطابوق الطيني الحري، كان يوسف المتكوم على يميني والمتقنفذ على نفسه ينفخ زفيره المعبق بالبخار على راحتي يديه المكورتين، كان البرد ساعتئذٍ سلطاناً منتفخ الأوداج والكرش، فيما انتشر بقية الرجال في فيء الخيمة المطرزة بالنجوم السامقة البعيدة -والبرد ينخر عظامنا- في أنحاء شائهة جماعات جماعات متلاصقة حد الانصهار طلباً للاحتكاك وكلنا عيون شاخصة نحو شاكر الذي استطرد.

-والعمل…؟

- لن نكون نعاجاً.

هتف صوت بين الجموع.

- ولن نكون أكباشاً يا أبتي، أليس كذلك…؟

وقام صاحب الصوت واستطرد بنفس الصوت الواثق.

- بل ناراً تحرق أخضرهم ويابسهم.

ومن خلف الشجرة الجاثمة لمحت وجه الشاب. عينين صقريتين تبثان عموداُ هائلاً من الضياء، وجسداً ممتلئاً قصيراً، لكزني يوسف.

- أعرفته؟

- أظن هذا.

- من…؟

- أيوب.

- أبن المرحوم… رحمة الله على روحك يا حاتم.

وكان صوته وهو يخاطب شاكر ذا نبرة تتقد فيها حماسة الشباب والجرأة الموروثة عن أبيه.

- سنصدهم يا جدي…؟

واغتسل بالصمت لبرهة ثم أتانا صوته.

- لماذا أبقيت على حياته ؟

أطرق شاكر، أثارنا السؤال واشتقنا للجواب، ولكن ما قاله شاكر زاد من الحيرة التي كانت توغر صدورنا.

- سوف ترون.

ثم استطرد ومباشرة.

- نعم يا أبنائي سنصدهم كما…

وشمله الصمت وكأنه فطن إلى شيء، وقال بعد قليل.

- هل ثمة من يخالف الرأي، ليجهر به دون تردد، نحن ما اجتمعنا هنا سوى للمشورة.

وتتالت الهمهمات من كل صوب.

- موافقون.

و

- نقاومهم.

و

- نحن معك.

فأشار شاكر براحة يده فانتشر السكون يخضب المكان، سمعنا صوت شاكر حاراً متدفقاً.

- رباه، أسألك سداد الرأي.

وبعد أن تمتم مع نفسه بكلمات لم نفهم منها سوى همهمات غامضة اعتدل في جلسته فوق الدكة الطينية حذاء الحائط الطيني لدارتنا الكبيرة وقال.

- لدي خطة هل تسمعوها؟

- هاتها.

- خطتي تكمن كما يلي: دوريتان من الحراسة الليلية، الأولى تحت أمرة خضر ويونس وتبدأ نوبتها منذ الغروب حتى صياح ديك منتصف الليل، والثانية تحت أمرة يوسف وفاضل تستلم من منتصف الليل حتى الفجر… ما رأيكم..؟

وافق الكل، بل رطن أجلـّهم كلمات الإعجاب، ولكن شاكر سأل.

- هل من خطة أحسن، أو إقتراح ما؟

نهض أحد الشبان وقال

- خطتك جيدة يا عماه، لا نختلف عليها، ولكن لي إقتراح يتضمن حراسة نهارية أيضاً، فإن وافقتم أقترح أن نرصد طريقي الموصل، علاوة على رصدٍ عالٍ من قمة التل.

لهج شاكر بإعجاب.

- إنه نعم الرأي يا بني.

* * *

واقبل آذار بأيامه الدافئة ولياليه الباردة ، لقد تبددت آمالنا الواهية في هطول الغيث وانصب جلّ تفكيرنا في الاقتصاد بالمؤونة التي وضعت تحت أمرة شاكر، يوزع حصص الحبوب بالتساوي، لا مفاضلة العاقل والمجنون، وبين المبصر والبصير،... وصارت الأرض رمادية ذات تراب حريف وأجردت البساتين كاشفة عن عورتها، وبدأ طير السماء يهاجر نحو مرافئ أخرى علـّه يجد مستقراً لطوافه، وتبدلت طبائع الناس فازدادوا صمتاً وتوجساً ولكن شاكر بروحه الدمثة ولسانه الذرب وشخصيته التي انغرست في قلوب الناس الكثر، كان يبث فينا نفحات الإيمان ويعيد إلينا بعض البهجة والأمل، وكان يردد دوماً.

- لا تيأسوا من رحمة الله يا أبنائي، إن الله لا يغمض عينه عن عباده، تمسكوا برباطة الجأش والصبر والإيمان.

* * *

- خضر…

- …

- استيقظ يا رجل…

مـ… من..؟!

وأزحت اللحاف عن جسدي ثم عمدت إلى القداحة وأشعلت الفانوس، انتشر ضياؤه في جنبات الغرفة شبه العارية، كانت صبيحة تغط في نومها العميق، لمحت ابتسامة ناصعة تنفرش على شفتيها، جاءني الصوت ثانية ولكن به نزق وتذمر.

- استيقظ أيها البغل.

- يوسف.

همست والنوم لما يزل يغل عيني، سمعته يقول.

- نحن في الفجر.

وفتحت الباب بعد أن رفعت المزلاج الخشبي الطويل عن العروة الخشبية، كانت صبيحة قد استيقظت أيضاً وبدأت تزيح الفراش، وكان ثمة في وجهها بقايا لذة قريبة عابرة، استقبلني وجه يوسف البشوش، كانت الغدارة تلتصق كطفل رضيع على كتفه الأيمن، ابتسم وهو يقول.

- الرجال في المضيف.

- دقائق وأكون جاهزاً.

وفسحت له المجال، دخل واقتعد الحصيرة بعد أن حيا صبيحة وأخذ يحثني.

- هيا، ارتد ثيابك لنلحق بالرجال.

* * *

ونحن في المضيف المغتسل بنثيث الفجر الهاطل، نتبادل الأحاديث حول كيفية مقاومة لهيب القحط والمجاعة ببقايا غلال المخازن المحررة والتي توزعت بالتساوي بين أناس القرية، وجلّنا يفكر في دخيلته كيفية تدبر أيام الصيف القادمة، وتتصادى همساتنا الصامتة وتفكيرنا الصائت مع أنين دلال القهوة وهي تتلظى بألم شهدي فوق نار الموقد ورائحة القهوة اللذيذة تزكم الأنوف،...... أمطرت السماء بغتة، رصاصاً أجفل الصوان والصلصال، وأيضاً الطير اللائط في أفنان الأشجار، وتحدث الرصاص بلغة لا يجيد سواها، هي التغلغل في الأجساد واختطاف تلك الكنوز المطمورة هناك،... في الأعماق، في أقصى أعماق الأجساد .. كان الرصاص يتكلم بلغة الجندرمة الأتراك وربيبهم المختار، ويرتدي القامات المشوربة بتطرف والآتية من الموصل، والمتجببة بليل ينوح على قمره الغائب، وبطريق وعر مهمل لم نكن نتوقع مجيئهم عبره... وبمرور الوقت وانكشاف الصبح صار من المستحيل إجراء أية مقارنة بيننا وبينهم، فعنصر المباغتة والخديعة والكثرة المفرطة لأعدادهم تغلبت بالتدريج على الهمة والشجاعة، وتوسد بعض الرجال الثرى وعيونهم المغادرة تعانق البيوت والأحبة والأطفال.... صارت الحيطان تروساً للأجساد التي تزخ ويزخ عليها الوابل من الرصاص.

كثرة عدد المهاجمين جعلت شاكر المتمترس ببندقيته خلف الجدار الشمالي لدارته الكبيرة يهمس للشباب بإيصاله طلبه للرجال بالتوجه مع ما يستطيعون حمله من أكثر عدد ممكن من البنادق والانسحاب بترتيب دفاعي يعطي أقل الخسائر نحو الجبل. فنفذ الطلب بشكل رائع ولاذت الأجساد الفائرة بالجبل غير المحاصر، ليصير، كديدنه، الحنون، الدافق بالطيبة التي تجعله يضمنا بين جنحيه ويهبنا الأمان والصلابة والإرادة.

* * *

من صدر الجبل نظرنا (ب) النائمة بوداعة طفل بريء، كانت السماء رصاصية باهتة وكئيبة تلبد فوق القرية ببلادة هوجاء والغبار الناعم يحف ببيوتها الطينية المتقشرة وعلى أسطحها، والقرية الصافنة في هذا العصر الكئيب تبدو كأطلال منسية تركها أهلها للريح والعفاريت، وفي الساحة الفسيحة المنتشرة من سفح التل حتى فناء دارتنا الكبيرة، كنا نرى الجندرمة يحيطون وهم على أعنة جيادهم بالشباب اليافعين من قريتي وهم مربوطون كالنعاج الواحد إثر الآخر، كان شاكر يقف كمارد خرافي أو كفارس أسطوري فوق صخرة كبيرة ويعاين الموقف بأطراف لا ترف وبرباطة جأش وهدوء عجيب، التفت إلينا على حين غرة وهتف.

- ما لي أراكم والصمت يأخذ بألبابكم؟

- لا… بل نحن حزانى على هؤلاء.

قال مبتسماً وفمه يرتجف لا أدري ممّ.

- ماذا تعتقدون، هل يظفرون بشيء؟

- ………

ثم قال وهو يكزّ على أسنانه.

- مستحيل… ما خلقت (ب) لكي تـُذل.

ثم قال بغضب أشد.

- إلى الجحيم بالرجال إذا حدث ذلك.

فهتف أحد الشباب.

- كلنا فداء لـ (ب).

جلس القرفصاء وتمعن فينا وقال.

- ماذا تقترحون؟!

قال أحد الشباب.

- يجب أن تعتمد خطتنا على مدى قوة تسليحهم والعدد الإجمالي.

سأل شاكر.

- وكم عدد بنادقنا؟

قلت له مباشرة.

- ثلاثون.

- لابأس.

قال شاكر، ثم استطرد.

- من لديه خطة؟

- أنا.

قام أيوب من بين الجموع ثم تقدم وتقرفص جنب شاكر، التقط عوداً صغيراً وأخذ يكش به الأرض راسماً خطوطاً ودوائر ثم قال.

- خطتي تتلخص بتطويقهم من ثلاثة محاور.

الأول: يقطع الطريق المحاذي للتل ويكون بأمرة العم خضر والعم يوسف.

الثاني: يقطع الطريق المحاذي للساقية بعد أن يتخذ من البساتين غطاءً ويكون تحت أمرة العم يونس والعم فاضل.

أما الثالث: فيكون اقتحاميا تصادمياً ويكون تحت لواء الجد شاكر وتتوزع البنادق بين المجاميع الثلاثة… ما رأيكم؟

وتعالت همسات الاستحسان والتأييد ثم قال أيوب.

- حسناً أيها المختار، لقد جاء وقت إيفاء الدين.

قاطعه شاكر والغضب في عينيه شلال ناره حمراء حارقة.

- لا يا بني، إنه يوم تصفية الحساب بين (ب) وبينه، دعه لي، أناشدك بالله؟.

* * *

نهود، بضة وسمراء وحنطية، ريانة، ملساء، وخشنة، تبرز بهيجان من ثنيات الأردية الممزقة، والنساء، عجائز وبنات، يتباكين بحرقة أليمة، ويتهالكن مستلقيات بإعياء وحزن يائس صاغرات.

- ما هربنا لننفذ بجلودنا، بل لندبغ جلودهم.

والصوات ينسل من فيهن كعويل الرياح الشتائية القارصة.

- لن نكون نعاجاً.

هبوطاً كنا من غيران الجبل نعاين بعيون تتقد غضباً شباب القرية الصغار وهم يساقون عنوة مربوطين بحبل أحدهم تلو الآخر والحزن ينضح من عيونهم صحراء مديدة تسبح في الغلسة واللانهاية.

- أزفت الساعة.

والجندرمة ببناطيلهم القصيرة وجواربهم الملفوفة لحد أعلى الركبة ينظرون إليهم من علٍ باحتقار.

- بل دعاة حق.

والسياط المشهرة بأيديهم تؤشر نحو الغرب حيث تغرق الشمس بإباء ناشرة حزمها الوضيئة إلى قامات الرجال الهابطين من الجبل إلى القرية من جهاتها الثلاث… .