الفصل الرابع

8 0 00

الفصل الرابع

الوصية

وإذا كان صعباً أن يُصدق أن يمشي الإنسان فوق الغيوم، أو أن يبقى معلقاً في قفزة جبارة بين الأرض والحالق اللامتناهي... فمن المحال أن يصدق أن ذلك الرجل بكل عنفوانه الشبابي الذي لم يكن يعدو الثمانين حولاً، أن يموت وأن تـُسبل جفناه ولا يبقى منه سوى جسد صافن ينتظر المطاف ويثوى في التراب، انتهى كل شيء إذن، صمت والى الأبد صوته الجهوري الملون بالفحولة، لا أزال أتذكر كلماته النيرة.

- يا بني، إن أردت أن تكون رجلاً حقيقياً بكل ما تحمله هذه الصفة من عنفوان وصدق وأصالة، إن أردت أن تكون كذلك أمام نفسك (وهذا بيت القصيد) وأمام الناس عليك أن تقتل ظل الرجل الكامن في أعماقك، عليك أن تنهي الرجل السقيم أولاً لكي تشرق شمسك على المدى الفسيح المنفرش في أغوارك دون أية ظلال، أو بمعنى آخر، أن تقتل نصفك المخاتل المنافق، المتردد، والجبان، وأن تلقيه بلا ندم خارجاً...

* * *

معول تلتمع حديدته الحادة تحت ألق النهار، يهبط منغرزاً في التراب الهش اللابد من شاهدتي قبرين قديمين، يرتفع نافضاً بقايا ذرات التراب العالق في نهايته الحادة، يتوقف لحظة قصيرة في الهواء كمن ينازع بين قوتين متعاكستين ثم ينحدر بقوة أكبر نحو عمق التراب، تتحدد الحفرة مستطيلة فارعة الطول، وعميقة، أرى جدي مجرد قطعة قماش بيضاء ملفوفة، ملقاة على البلاط ، وبغتة المح خضر ألياس يترجل من حصانه ويربطه بجذع شجرة عجوز، ويتسلل ماشياً بجلال قدسي نحو النعش، كانت الدموع تطفر من عينيه القدسيتين كقطرات شفافة من ندى ربيعي، ووقف من علٍ ينظر تحت، حيث يرقد جدي على البلاط، وعندما حمل الرجال نعش جدي كان أحد أطرافه يرتكز على كتفي الخضر، ولما استوى جدي فوق عتمة الحفرة المستطيلة تحت شجرة الزيتون تلفت جانباً حيث يحمل خضر الياس الركيزة الأمامية اليمنى للنعش، كان قد اختفى..!، استراح النعش في صيرورة عتمة الرمس، وقفت واللحظة النادرة تسكنني، مسبلا طرفي في خشوع وانذهلت إذ رأيت جدي يمزق كفنه ويستوي واقفاً أمامي وثمة بسمة مشرقة ترف على شفتيه القرمزيتين هتفت...

- جدي...!؟

همس وهو يضع سبابته على فمي.

- دون ضوضاء

وبعد صمت...

- هل أنت جدير بحمل أسمي…؟

أجبت وقد عقد لساني.

- أطمح في هذا.

- إذن أمامك رحلة شاقة وطويلة لكي تصبح مؤهلاً.

- أنا لها.

- صعبة، شاقة.

- سأعارك المستحيل، واعبر المشاق، وأنطح الجبال.

- إنها ليست بذات تعب جسدي، قدر ما هي حرب مع النفس.

- سأخوضها.

- قد تتحطم.

- وقد أسمو.

- والخوف؟

- سأقتله.

- والتردد…؟

- لا تردد.

- والهزيمة.

- سأنتصر.

قال بحكمة جبلتها السنين.

- ولكنه مخاتل، ذلك الرجل الذي يصفد دواخلك، إنه مثل الثعلب يدعك تقبض عليه وتهزأ به، ولما تدخل القرية، حيث الدجاج والحمام يميل رقبته ويقطع أنفاسه وعندما تلقيه أرضاً بعد أن تتيقن من موته يركض بغتة نحو الدجاج ويقبض واحدة بفمه ويبتعد بغنيمته هازئاً بك.

- سأصبح ظله.

- وعراكه لا يحتاج إلى شجاعة حسب، بل إلى دراية وحذر.

- وذكاء أيضاً.

- وقتله يحتاج إلى قلب قاس.

- قلبي قد من حجر.

- ولكنني أرى الظلال جاثمة.

- دلني على الطريق يا جدي.

- اذهب إلى نبع بكر لم يُدنس واغمر جسدك فيه، آنئذ سيبرز إليك الرجل وتكون الواقعة، فإن انتصر تصبح مجرد إنسان حقير لا يحمل من الإنسانية سوى الكلمة، وإن حطمته ستهرب الظلال نهائياً من أعماقك وتشرق الشمس آنئذ على مدى روحك الفسيح.

توقف قليلاً وهو يمسحني بنظراته وقال.

- ولن ألبس كفني إلاّ بعد أن تقع الواقعة، فإن انتصر عليك سألبسه ذليلاً خجلاً من مواجهة الحق الأعلى وإن حطمته سألبسه مزهواً وبشوق لمواجهة الحق الأسمى.

ومشى كالجبل نحو باب المقبرة واختفى، تهالكت على شاهدة قبر مجاور والرجفة ترتديني، فيما كان الرجال يهيلون التراب على مجرد قماش أبيض ممدد في جوف الحفرة المستطيلة.

***