(2)

5 0 00

(2)

) من ماجْدولين إلى سوزان )

الجو رائق ، والسماء مصحية ، وقرص الشمس يلتهب التهابا ، والأرض تهتز فتنبت نباتا حسنا ، والأشجار تنتفض عن أوراقها اللامعة الخضراء ،

والهواء الفاتر يترقرق فينبعث إلى الأجسام فيترك فيها أثرا هادئا لذيذا ،

وكل ذلك لا قيمة له عندي ، ولا أثر له في نفسي ، فإني أشعر أن الحياة مظلمة قاتمة ، وأن هذا الفضاء على سعته وانفراج ما بين أطرافه أضيق في عيني من كفة الحابل ، وأن منظر العالم قد استحال إلى شيء غريب لا أعرفه ولا عهد لي بمثله ،

فأظل أنتقل من مكان إلى مكان ، وأفر من الحديقة إلى المنزل ومن المنزل إلى الحديقة ، كأنني أفتش عن شيء ، وما أفتش إلا عن نفسي التي فقدتها ولا أزال أنشدها ، فإذا نال مني التعب أَويت إلى أشجار الزيزفون في الحديقة لأَستريح في ظلالها قليلا ،

فلا يكاد يعلق نظري بأول زهرة يروقني منظرها من بين أزهارها حتى أشعر كأني أنتقل من هذا العالم شيئا فشيئا إلى عالم جميل من عوالم الخيال ، فأتغلغل فيه كما يتغلغل الطائر المحلق في غمار السحب وتمر بي على ذلك ساعات طوال لا أعود من بعدها إلى نفسي إلا إذا شعرت بسقوط الكتاب من يدي ،

فإذا استفقت وجدتني لا أزال في مكاني ، ولا يزال نظري عالقا بتلك الزهرة الجميلة التي وقفت عليها .

يقولون إن فصل الربيع فصل الحب ، وإن العواطف تضطرم فيه اضطراما فتأنس النفوس بالنفوس ، وتقترب القلوب من القلوب ، وتمتلئ الحدائق والبساتين بجماعات الطير صادحة فوق زواهر الأغصان وجماعات الناس ، سانحة بين صفوف الأشجار ، أما أنا فلا أصدق من كل هذا شيئا ، فإن أجمل الساعات عندي تلك الساعة التي أخلو فيها بنفسي فأناجيها بهمومي وأحزاني ، وأذرف من العبرات ما أبرد به تلك الغلة التي تعتلج في صدري .

وأعجب ما أعجب له من أمر نفسي أنني أبكي على غير شيء ، وأحزن لغير سبب ، وأجد بين جنبي من الهموم والأشجان ما لا أعرف سبيله ولا مأتاه ، حتى يُخيل إليَّ أن عارضا من عوارض الجنون قد خالط عقلي ، فيشتد خوفي واضطرابي .

إن الذين يعرفون أسباب آلامهم وأحزانهم غير أشقياء ؛ لأنهم يعيشون بالأمل ويحيون بالرجاء ، أما أنا فشقية ؛ لأني لا أعرف لي دواء فأعالجه ، ولا يوم شفاء فأرجوه . كل أسباب العيش حاضرة لدي ، وأبي لا يعرف له سعادة في الحياة غير سعادتي ، ولا هناء غير هنائي ،

ولا يعجبه منظر من مناظر الجمال في العالم سوى أن يراني باسمة ، ويرى أزهار حديقته ضاحكة ، بل ربما أغفل أمر حديقته أحيانا حتى تذبل أوراقها وتموت زهراتها في سبيل قضاء مرافقي وحاجاتي ، فأنا إن شكوت فإنما أشكو بطرا وأشرا وكفرانا بأنعم الله التي يسبغها عليَّ ويسديها إليَّ ، فغفرانك اللهم ورحمتك ، فإني ما اعترفت بجميلك ، ولا أحسنت القيام بشكر أياديك .

إني لأذكُر يا سوزان تلك الأيام التي قضيناها معا ، وتلك السعادة التي كنا نهصر أغصانها ، ونجني ثمارها ، ونطير في سمائها بأجنحة من الآمال والأحلام ؛ فأنْدبها وأبكي عليها ، وأحن إليها حنين الليل إلى مطلع الفجر ، والجدب إلى ديمة القطر .