(3)
) من إدوار إلى استيفن )
الآن عرفت أنك لا تثق بي ولا تعتمد عليَّ ، وأنك لا تزال تنظر إليَّ بالعين التي تنظر بها إلى أولئك الذين أثرت مغاضبتهم والتبرم بهم من أفراد أسرتك ، فقد كتمت عني ما كنت أرجو أن تقضي به إليَّ من ذات نفسك فيما اعتزمت عليه من رحلتك لأعرف ماذا تريد وأين تريد ،
ولكني لم أوثر أن أنزل بك في الود إلى المنزلة التي نزلت بي إليها ، فلم أر بدا من أن أكتب إليك .
إنا نبتنا معا يا استيفن في تربة واحدة ، تحت سماء واحدة ، يغدونا ماء واحد وجو واحد ، وما زلنا كذلك حتى شببنا فاختلفنا كما تختلف الشجرتان المتجاورتان في منبتهما ثمرة وشكلا ؛
لذلك أنت تفر مني الفرار كله وتنقبض عني ، ولا تراني أسألك فجًا من فجاج الأرض إلا سلكت فجا غيره ؛ لأنك أصبحت تسعد بحياة غير التي أسعد بها ، وتهنأ بعيش غير الذي أهنأ به ،
وتطرب لنغمة غير التي تسمعها مني ، ولا تستطيع أن ترى في وجهي تلك المرآة التي تحب أن ترى فيها صورتك واضحة جليلة لا غموض فيها ولا إبهام .
إنك لا تبغضني يا استيفن ، ولكنك لا تحب أن تراني ؛ لأنك تعلم أن لي في الحياة رأيا غير رأيك ، وطريقا غير طريقك ، فأنت تخاف أن تسمع مني ما يفجعك في تصوراتك وأحلامك ، ويكدر عليك لذائذك التي تجدها في العيش في ذلك العالم الخيالي المظلم ، وتقنع بها فيه قناعة الشعراء المحزونين بالعيش بين أشباح خيالاتهم السوداء .
كن كما تشاء ، وعش كما تريد ، فستنقضي أيام شبابك وستنقضي بانقضائها أمانيك وأحلامك ، وهنالك تنزل من سمائك التي تطير فيها إلى أرضي التي أسكنها ،
فنتعارف بعد التناكر ، ونتواصل بعد التقاطع ، ونلتقي كما كنا . لا بد أن نفترق اليوم لأننا غير متفقين ، ولا بد أن نجتمع بعد اليوم لأننا سنتفق ، فلا بأس أن تكتب إليَّ وأكتب إليك ،
وأن نتواصل على البعد إبقاءً على تلك الصلة التي بيننا ، واحتفاظا بها ، ورعاية لها ، حتى يأتي ذلك اليوم الذي تجلو فيه عن نفسها ، وتبرز من مكمنها .
إن أهلك يعجبون لأمرك كثيرا ، ويرون أنك قد مكرت بهم ، وأضللتهم عن مقاصدك وأغراضك ، فسافرت خفية من حيث لا يعلمون بأمرك ولا بِنِيَّتك التي انتويتها ، ويقولون:إنك ما سافرت على هذه الصورة إلا لأنك عدلت عن رأيك في الزواج من تلك الفتاة التي أعدوها لك ،
وعندي أنهم أصابوا فيما يقولون ، وأنك مخطئ فيما فعلت ؛ لأنك تعلم أن والدك فقير لا يملك من المال أكثر مما يتسع لأيام حياته ؛ ولقد كان لك في هذا الزواج من تلك الفتاة التي اختارها لك حظك من سعادة العيش وهنائه لولا أنك شاعر ،
والشعراء يفهمون من معنى السعادة غير ما يفهمه الناس جميعا .
أخوك يحبك كثيرا ، ولا يزال يحدثني عنك كما أحدثه ،
فاذكرنا كما نذكرك ، واكتب إلينا بكل شيء .