القسم الأول

7 0 00

القسم الأول

(ص32-34)

{- لكنك تعلم، ولا بد، أن عدد المناهضين للنظرية العرقية، بين المثقفين، على الأقل، أكبر بكثير من عدد أنصارها!

هز فراس رأسه، نزقاً.. ورد على الفور

- إنك تخطئ مرة أخرى، فأنا لا تهمني صحة النظرية العرقية، أو عدمها، فهي لشدة سخفها، لا تستحق البحث.. إني إنما أتكلم عن طريقة ولادة هذه النظرية..!

وتحولها، في أذهان العامة، ولدى الجزء الأكبر من الخاصة! وذلك، عن طريق كلمة، أطلقت جزافا، تسمية لشيء، ولها في الوقت ذاته جذور تمتد في مجال آخر.!

فإذا بالناس يتيهون عن الهدف الأصل، وينتقلون، عبر المعنى الثاني لهذه الكلمة، إلى مجالٍ آخر، يسقطونه على المسمى.. فتُنقل التسمية، عبر هذه الجسور، من

اسم، لعدد من اللغات.. إلى تعريف لعرق إنسانيّ!!

هز "شارل غوستاف" رأسه، كمن لم يستوعب تماماً معنى ما سمع.. وفي الوقت نفسه، بدا كأنه لا يود أن يستزيد صديقه مما يسمع.. لكنه لم يلبث أن سأل.. متردداً..

- وهل لما تقول من نتائج.. غير الذي ذكرت؟..

- أذكّرك على سبيل المثال.. بعشرات التسميات التي يحلو لعلماء الآثار أن يطلقوها على ما يكتشفونه في الشرق من حفريات..!"آرامي"، "كلداني"، "حتي"، "فينيقي"،

"آشوري"، "بابلي"، "سومري"، "آكادي"، "فرعوني"، الخ.. كل هذه التسميات، لبضع مئات الوف البشر.. من أصل واحد.. كانت تنتقل على دفعات، بين حدود جغرافية

تكاد تكون محدودة! وهي، بدءاً من الجنوب، في شبه الجزيرة العربية، إلى جبال طوروس.. سعياً وراء منابع المياه، والكلأ.. ثم جنوباً، على طريق الساحل والأنهار،

حتى مياه النيل..! وهل غريب أن يكون لهجرات وتنقلات هذه الأمة الواحدة، لهجات متفاوتة، إذا تناءت؟.. وأن تبني لقراها، ومدنها، حصوناً، لتحميها من غزو

القريب، والغريب؟! ألم تكن، هذه، حال أوربا، حتى القرن الثامن عشر؟! ما معنى أن يلقّب اليوم من عاش من الناس، منذ ألفي عام من عرب، بالشعوب البابلية،

أو الأكادية، أو السومرية.. ومن عاش منهم في سوريا، وعلى سواحلها، بالكنعانيين، وبالفينيقيين.. وكل هذه تسميات لم تشتق في الأصل إلا من اسم لهجة، أو لكنة،

أو اسم قرية، أو ملك..

ما معنى أن نؤكد الاختلافات في طريقة معيشة هؤلاء.. فنقول: إنه كان لكل منهم لغة، وحضارة، تختلف عن الأخرى؟ حتى إذا رجعنا إلى مرجع آخر.. وجدنا علماء

التاريخ يقولون إن هؤلاء "الفينيقيين" مثلاً، إنما انتقلوا إلى تلك السواحل، بعد هجرات متعددة، من اليمن، والبحرين، وأن سكان اليمن، والبحرين، كانوا،

وما زالوا، عرباً، حتى اليوم؟! قل لي بربك.. لماذا تختفي تسمية "عرب" عن هذه الشعوب، متى تجاوزوا، في هجراتهم، بادية الشام؟!

صمت فراس هنيهة ثم ضحك ساخراً وتابع..

- لا شك أن للغرب عيناً ساهرة تخاف وحدة العرب، والإسلام! بعثت بمستشرقيها أمثال "دوساسي" و"رينان".. ولجأت إلى أسلوب الغرب المفضل، في إطلاق التسميات

المتعددة الأهداف! فإذا لكل بقايا جدران قرية ما.. "جيش".. و"ملك"!! و لكل مدينة.. "مدنيّة" و"حضارات"!! ولكل اختلاف بسيط في اللهجة، أو في أسلوب الكتابة،

اسم جديد للغة جديدة!! مخالف تماماً، لاسم اللغة، التي تتكلمها الشعوب نفسها، والتي تفرق بعضها عن بعض مئات من الكيلومترات!!

سأل "شارل"، متعجباً..

- أتود القول: إن كل هذه التسميات التي ذكرت، إنما تشمل أمة واحدة؟! وحضارة واحدة؟!

قال فراس، كمن يضبط صوته، كي لا يصيح في وجه صديقه..

- حضارة واحدة.. على قدر ما تقول اليوم إن للغرب حضارة واحدة في أوربا!.. هل تقولون اليوم، في أوربا: "حضارة الغرب"، أم.. "حضارة إيطاليا".. و"حضارة

انكلترا".. أو "بلجيكا".. أو حضارة "فرنسا".. الخ؟.. إن اللغة اللاتينية قد تفرعت إلى لهجات تطورت، وصار عنها كل من اللغات الإيطالية، والفرنسية، والإسبانية،

و البرتغالية! ورغم ذلك، فإنكم، حتى اليوم، تلقبون هذه اللغات، باللغات اللاتينية!.. وحضارتها، بالحضارة الغربية! لو أن الحياة توقفت، فجأة، في أوربا،

اليوم.. وجاء علماء الآثار، بعد ألفي عام، ينقبون بين آثارها، فهل ترى أنه يحق لهم تسمية ما كتب من "الهجات" الإيطالية، "لغات"؟! وإذا وجدوا أن "ميلانو"

كانت تتكلم الإيطالية، وباريس، الفرنسية.. فهل يحق لهم، الكلام عن حضارة "ميلانية".. وأخرى "باريسية"؟! وهل ترى اليوم أن بينهما اختلافاً حضارياً يذكر؟!

- لئن كان الأمر على هذه البساطة المنطقية.. فلابدّ أن الكثيرين غيرك يعرفون هذه الحقائق.. فعلام تثور؟!

- ليس المهم أن يعرفها بعض المثقفين.. إنهم لا يجرؤون على المجاهرة بها، خوفاً من أن يتهموا بالخروج على قواعد سنها، ودرج عليها علماؤكم، من المستشرقين،

طوال قرنين من الزمان!!

- أنتم إذاً أمة واحدة؟.. ولكم حضارة واحدة، منذ آلاف السنين! فلماذا هذا التناحر والاقتتال إذاً.. لماذا لا تتوحدون؟ ..ها؟!

- وأنتم.. أبناء الديانة الواحدة، والحضارة الواحدة، في أوربا.. أين تناحرنا نحن.. من حروبكم؟! وأين حروبنا .. من مجازركم؟!

صمت الصديقان برهة ثم ضحك "شارل غوستاف" وقال..

- صحيح.. أن ضحايا الحرب العالمية الثانية وحدها بلغت الخمسين مليوناً من البشر.. ولا أظن أن ضحايا حروبكم على مدى التاريخ، بلغت مثل هذا الرقم المريع!!..

قم، تعال!.. لقد سئمت الجلوس.. لنتمشّ نحو الساحة الإسبانية.. إن لي بعض الحاجات أود شراءها من شارع " الفراتينا"..}

* * *

(ص76-77)

{ خيم صمت طويل على الصديقين.. طار خلاله خيال فراس إلى الماضي.. إلى الجزائر.. إلى يوم جرى فيه حديث بينهما في القصبة..

كان عثمان الوسيم إذ ذاك قد تربع أمامه على بساط مقهى عربي أليف.. تتوقد عيناه الخضراوان بعشق الوطن.. لا يرى من سبيل لإنقاذه إلا بندقية المجاهد.. وكشف

أسرار العدو العسكرية!.. وهاهو ذا عثمان الآن.. وقد زاده الزمان خبرة، ومراناً.. لقد أدرك أن الذين أنقذوا الوطن مرّة لا يحسنون إدارته، ولا يستطيعون

إنقاذه مرّتين لقد تبين له أن الذين طردوا المستعمر، يكادون يصبحون من حيث لا يدرون أعداء الوطن الجدد!.. لكنّ سبيل عثمان ما زال على ما كان!.. إنه اليوم

يسعى وراء السلاح المتطوّر.. والعقول المخططة!!

ماذا يقول له؟! ودّ لو يقول.."لا ياعثمان.. لاأيها المجاهد!! إن العقول المخططة لا تقبل بأن تحرّكها أنت، ومن وراءك، من المخلصين!.. إن للعقول المتطورة

الواعية خططها وأهدافها، هي.. ولن تقبل أن تقودك إلى حيث تشاء!!"

".. لسوف تحصل على هذا السلاح، لكنّ هذه العقول لن تسير معك بهذا السلاح، إلا بمقدار.. لقد مضت سنوات على حريّة بلادك.. لقد كان عليك أن تزرع فيها هذه

العقول.. لتحصدها الآن!.. ماذا فعلت بثروات بلادك، كيف هدرتها؟.. لقد ابتعت بها سلاحاً يتحول إلى نفايات، خلال سنوات قلائل!.. كان عليك أن تحرث الأرض،

لتزرع فيها من باستطاعته فهم وإنتاج هذا السلاح! أليس هذا ما فعلته اليابان إثر صحوتها؟! وشعبك على ما هو.. أميّ ما زال يجهل كيف يستعمل السلاح! إن أمتنا

لا تخلو من هذه العقول، لكنها منفيّة، مشردة في بلاد الله الواسعة.. طردْتَها أنت، ورفاقك، في يوم من الأيام!.. حين كنت في غمرة حماستك.. ونقمتك على الذين

ترفعوا على آبائك وأجدادك من المظلومين!.. إنك لا تلتفت لضمّ هؤلاء إلى صفّك.. إنك لا تلتفت إلى استرجاع هذه العقول إلى وطنها!.. إنك ما زلت تكرهها، وتخافها!..

فأنت تظن أن الوطنية وقف على أصحاب الأكفّ الغليظة، والأصوات العميقة الرنانة!.. إنك لا تثق بأحد!.. لا تثق إلا بطائفتك، أو عشيرتك!! وبالرغم من كلّ ذلك..

فإني سأقول لك اليوم ما قلته لك بالأمس.. سأنفذّ ما تطلبه مني بحذافيره، ولو تعرّضت حياتي للخطر.. لاشكّ أنها لعنة التاريخ، أو أنه التاريخ، فحسب؟!..

أمثالك، من حفاة الماضي وأبطاله، صادقون! صاروا حكّام اليوم.. لكنهم ما يزالون لا يعرفون "غرناطة".. ولا فلاسفتها!!.. يظنون أنّ غرناطة هي القصور والمال،

والعيش الرغيد!.. وأمثالي يا عثمان، تعيسون، ما زالوا لا يعرفون سوى الكلام، والقلم.. لا يحسنون استعمال السلاح المتطوّر.. وليس من يسعى إلى اقتنائه في

أمتنا، إلا أنت!"}

* * *

(ص103)

{أمضى فراس ليلة مع تلك الكتب، لن ينساها زمناً طويلاً!.. أخذ يخرجها من وكرها، كتاباً، كتاباً.. ينفض الغبار عنها.. يتصفحها، في تمعنٍ.. يتسّلى بمطالعة

بضع صفحات من كل ما يجده منها، مما طبع أو نسخ بالانكليزية، أوالفرنسية، أوالإيطالية أوالإسبانية.. وكان منها ما بدا له ثميناً.. يرجع تاريخ طباعته إلى

زمن بعيد.. ومنها ما نسخ باليد، بحروفٍ قوطيّة تتضمن زينة، ونمنمات جميلة..

ما كاد يصل إلى قعر الصندوق حتى فوجئ بعلبة خشبيةٍ صغيرة تربض على أرضه.. كشف غطاءها، وإذا هو أمام غلافاتٍ جلديةٍ.. فتحها، فبهت إذ طالعته مخطوطات عربية

قديمة.. راح يتفحصها بلهفة من وجد أثراً فنيّاً غطّاه التراب منذ غابر الأزمان!

راودته فكرة الاتصال بصاحب المسكن، على الفور، ليسمح له بترتيب تلك الكتب خارج صندوقها المتآكل.. فتنبه إلى أن الليل قد ولّى.. وأن الوقت شارف أولى ساعات

الصباح! فأزمع إرجاء ما اعتزم، إلى اليومَ التالي، وهم أن يعيد المخطوطات العربية إلى مكانها، داخل مخبئها الصغير.. وإذا ببضع صفحات مبعثرة، داخل الصندوق،

أثار انتباهه منها، ما بان من كتابات عليها.. رفعها، وإذا هي عنوانات لمخطوطات، محفوظة، في غير هذا المكان!.. أدرك أنه أمام فهرس، أو بضع صفحات بالية

من ذلك الفهرس، فنقل ناظريه بين محتوياته، حتى توقفا فوق اسم "عبد الرحمن بن خلدون".. وإذا هو يقرأ بين العناوين المتفرقة..

"خلاصة النظر في فلسفة العبر"

ماذا؟! مؤلف.. على مثل هذا العنوان الفلسفي لابن خلدون؟! هل يعقل ذلك؟! كان يعلم بوجود مخطوطات لابن خلدون.. مؤلفات، لها جميع ما قرأه من عناوين.. عدا

"خلاصة النظر في فلسفة العبر" !! كيف لم يسمع به؟.. أو يقرأ عنه؟! وهو المعجب بابن خلدون، القارئ لجميع ما كتبه هذا المفكر الفذ! ثم ما حقيقة هذا الفهرس؟!

أو هذه الصفحات المتبقية منه؟!.. وأين بقيته؟! حينئذٍ عدل عن رأيه الأول، وأعاد جميع ما أخرجه من مخطوطات، وكتبٍ، إلى مكانها.. محتفظاً بتلك الصفحات الصفراء

اللون.. مزمعاً اتّباع أسلوبٍ آخر في الوصول إلى حقيقتها!}

* * *

(ص116-126)

{كان فراس يتحرّق لاستزادته من الكلام.. لكنه كتم لهفته.. وقال..

- وهل لديك مكتبة.. فيها مثل هذه المخطوطات؟

- فُتات مائدة.. عزيزي.. فُتات مائدة.. عدد لايذكر!

- .. لماذا.. ألم تحصل في سفراتك على صيدٍ وفيرٍ؟!

ضحك "يان" متعجباً..

- صيدٌ.. وفيرٌ؟! أنا لم أكن أعود من صيدي، كما تسميه، إلاّ وشباكي تطفح به، وتفيض!! لكن جميع ما أجمعه.. كان يذهب إلى الكاردينال.. ومن ثمّ، إلى المكتبة..

- أية مكتبة هذه؟!

- مكتبة الفاتيكان، بالطبع! وما غيرها؟ كان الكاردينال فيما مضى، قيّما على تلك المكتبة.. آهٍ لو تراها.. لو تتجوّل في دهاليزها..يا "دون ماكسيمليانو"!..

هل تصدق أن فيها ملايين الكتب والمخطوطات!! إن مكتبتكم.. مكتبة "الاسكوريال" الشهيرة.. لاتشكّل نقطة في بحرها!! إن باب المخطوطات الشرقية، وحده، يضم مئات

ألوف من المجلّدات!!

- المخطوطات الشرقية؟! وهل هذا الباب يجمع كثيراً من اللغات؟

- .. جميع اللغات الشرقية.. لكن معظمها، باللغة العربية..

تمهّل هنيهة، ثم تابع..

- إن أمر هؤلاء العرب، لغريب حقاً!.. كأنهم اليوم، لا علاقة لهم البتّة بما كانوا عليه، في الماضي! ترى.. ماالسبب.. في ظنّك؟

لم يحر فراس جواباً.. ولم يكن محدثه ينتظر الجواب.. فأجداد "دون ماكسيميليانو".. أو جدّه الأول.. "فيرناندو الفاريزدي توليدو" أول دوق من سلالة "ألبا"،

طرد آخر المسلمين من إسبانيا! مَحََقَ آخر معالم حضارتهم.. وساعد في امتداد حكم ملوك إسبانيا في أوربا، حتى وصل المانيا.. وهولندا!

كان "يان فرانتيشيك" قد شرد بعيداً.. يحاول الربط بين أفكار متقطعة في خياله.. قال بعد لأي..

- لاشك أنهم جُرّدوا من تاريخهم.. فأنا لم أكن إلاّ واحداً من هؤلاء الوسطاء.. ولقد كان للكاردينال، على مدى أربعين عاماً، مئات الوسطاء، منهم من سُيّروا

إلى دمشق.. وآخرون، إلى القاهرة.. وغيرهم، إلى القيروان! ماذا أعدّد لك؟! لقد كان له المئات منهم.. يذهبون بالمال، وكتب التوصية، إلى السفارات.. ويعودون،

من الصين، والهند، والباكستان اليوم، وجميع أنحاء الشرق.. بالصناديق، تلو الصناديق، وقد طفحت بهذه المخطوطات القيّمة!! معظمها باللغة العربية! لغة الحكم

طوال عشرة قرون!!

تصاعد ما كان يكتمه فراس في نفسه من غيظ!! نهض مقترباً من محدّثه، وراح يقلّب معه الكتب القديمة.. متظاهراً بعدم الاكتراث لها.. إلى أن وصل إلى الصندوق

الصغير.. فأخذ يقلّب صفحات بعض مخطوطاته العربية، كأنه لا يفهم ما فيها.. ثم قال..

- ما هذه.. أكتب عربية؟!

ردّ "يان" على الفور..

- بالضبط.. وإن لديّ في داري عدداً قيماً منها.. لشعراء، لا يعرفهم العرب!.. فهل يهمّك هذا الأمر؟.. لئن كان الأمر يهمّك.. فإن مكتبتي رهن إشارتك؟!

- وهل كنتم تجمعون كتب الشعر؟!

- كنّا نجمع كل شيء.. وكنّا في سباقٍ مع جميع مكتبات أوربا!.. "دون ماكسيميليانو" لا أظن أن لديك فكرة واضحة تماماً عمّا كان يدور في هذا الصدد!..

لئن كان "الفاتيكان"، والعديد من أديرة أوربا، قد فطنت في الماضي إلى أن أسرار العلوم، والفلسفة، ومفاتيحهما، موجودة لدى العرب.. وإن على الكنيسة الحصول

على هذا السرّ، لتخنقه، في مكتباتها قبل أن يتسرّب عبر الترجمة والنسخ، ثم، عبر الطباعة، إلى يد الشعب.. خشية أن يفلت زمام قيادته الروحية، من أيديهم!

أقول لك.. لئن كان الفاتيكان قد فطن إلى هذا الأمر، منذ عشرة قرون.. أي قبل أن تفتحوا غرناطة، بخمسة قرون! فلقد بدأت مكتبات العالم أجمع هذا السباق..

بدفع من حكوماتها.. منذ قرنين، على أقل تقدير! إن حملة نابليون، وحدها، إلى مصر، لم تترك في ذلك البلد المسكين إلا قصص ألف ليلة وليلة، وكتب الشعر، والتاريخ

الهزيل!!

تعجب فراس لسعة اطّلاع محدثه.. وقال..

- وعمّ كنتم تبحثون إذن؟! ما دام هذا السباق قد بدأ منذ قرون؟!

- إن شباك الصياد تجمع كل ما يتحرّك.. ومن ثمّ يأتي التصنيف! وهنا بيت القصيد!

- وهل كان للكاردينال قصد معيّن؟! بعد مضيّ هذا الزمان الطويل على بدء سباق الصيد!؟

- بالطبع!! لقد كان دائم البحث عن المخطوطات الفلسفية! وسبب ذلك، ما وصله من هولندا من فهرسٍ قديمٍ، طار لبّه له! لن أنسى ما حييت، لهفته، واضطرابه،

وهو يحدّثني عما يريد!! ولاشك أن الأمر كان بالغ الأهمية.. ولكن الكاردينال كان يخفي طبيعة عاطفية، خلف قناع الوقار الديني، وذكاءً مفرطاً، تحت قبعة الكاردينالية،

الحمراء!!

- أي فهرس، تتكلم عنه؟! ماذا يعني وصول "فهرس"، بالنسبة إليه؟!

أدار "يان فرانتيشيك" ناظريه نحو فراس، يحدق في وجهه، رغم ضعف نظره الشديد.. يحاول استطلاع ما يمكن أن يرتسم على وجهه الإسباني النبيل، من انطباع! كان

على وشك أن يقرن اسم محدثه بأسماء أحد أجداده! لكن تذّكر حنقه، حين ذكر قضية الألقاب، أمام المندوب الفرنسي.. فآثر متابعة تجاهله للقبه.. قال وهو يبتسم..

- إنه فهرس من مكتبة يقال إنها كانت ﻠ "الدوق فيرناندوالفاريزدي توليدو"... أعظم قوّاد إسبانيا العسكريين.. ومؤسس دوقية سلالة "ألبا" العظيمة!! إنك تفهم

ما أقول!! يقال.. وأنا، إنما أقول.."يقال".. جمّعها عنوة، من حيث توارت في بيوت الأندلس العربية.. وسافر بها إلى هولندا!! خطفها.. أو سباها.. إلى هولندا!!

سأل فراس في تجاهلٍ تام لأهمية ما كان يسمع..

- ولماذا لم يحرقها، كغيرها من المخطوطات العربية؟!

- "دون ماكسيميليانو".. أرجوك!!.. إن "دون فرديناندو" لم يكن إنساناً كغيره من الناس!.. لقد أحرق ما أحرق، من مخطوطات، مدفوعاً بهدفٍ مبيت!! أراد من

جهة، إزالة تاريخ العرب، والمسلمين، من تراب الأندلس! لكنه احتفظ بعدد غير قليل من المخطوطات التي تشمل خلاصة الفلسفة، والفلك، والعلوم، والموسيقا.. للاستفادة

منها وسافر بها إلى هولندا!!

- .. ولماذا هولندا بالذات؟!

- "دون ماكسيميليانو".. إن جميع ما أرويه لك الآن قد أتاني مباشرة من الكاردينال "بانيفيلي" نفسه، نقلا عن مصادر، في كلٍّ من حاضرة روما، ومدينة أمستردام!!

وإنك.. إنك..لو لم تكن "دون ماكسيميليانو" بالذات.. لما تفوّهت أمامك بحرف واحد مما تسمع!!

هزّ فراس رأسه، وتمتم..

- حسنٌ.. وماذا بعد؟

- لقد كان هدف مَنْ خطّط لهذا الموضوع.. هو ترجمة هذه المخطوطات والتصرف بها.. بما يتماشى مع أهداف الحقّ، والكنيسة!!

امتقع وجه فراس !! حملق في محدّثه، ثم أدار وجهه عنه، محاولاً جهده ألاّ يبدي من انفعاله ما يصل إلى محدثه العجوز.. وسأله..

- التصرف بها؟! ماذا يعني هذا .. بالضبط؟

- .. في كل بساطة.. نشر، ما يراد نشره، باللغة اللاتينية، بعد حذف ما ينافي الدين منه، وما يتطلب الواجب الديني حذفه.. ثم، زيادة ما يُراد، هنا.. أو

حذفه، هناك!! لكن لماذا تتعجّب؟ إن المكتبة الفلسفية المسيحية كانت في أشدّ الحاجة إلى مثل هذه المخطوطات.. ليس لخدمة الدين الإسلامي الذي كتبت من وحيه،

بالطبع.. بل لخدمتنا، نحن!! فما الغريب في ذلك؟! ثم، أليس الله، واحداً؟! أوهكذا يجب أن يكون.. لدى الجميع؟! إن الهدف كان.."استعارة" النصوص والمخطوطات..

تقديمها للفكر الأوربي، في لغة أوربية، وقالب أوربيّ، ليس غير!! ولو أنها نُشرت تحت أسماء مؤلفيها العرب، لغاب القصد من ورائها، ولأصبحت قراءتها ترفع

من شأن الدين، والعقل الإسلامي.. بينما المقصود، كان، خدمة العقل الأوربي، وعقيدته.. اللّذين ظلاّ عاطلين عن العمل، طوال ألف عام!!

توقف "يان" عن الكلام برهة، يستجمع أفكاره.. ثم تابع..

- تسألني لماذا "هولندا".. نعم.. لكنك تعلم ولاشك أن "دون فيرديناند والفاريز".. "كبيرإسبانبا".. حكم هولندا مدة لابأس بها.. باسم التاج الإسباني بالطبع..

كان العجوز يحاول أن يتأمل وجه "دون ماكسيميليلنو".. ينظر إليه من تحت إطار نظارتيه، يحاول رصد الأثر الذي يتركه كلامه على الحفيد الأصغر! ﻠ "دون فيرديناندوألفاريزدي

ألبا" الذي يتحدث عن أخباره!!

ثم ضحك من خاطر مرّ في ذهنه.. فأردف على الفور..

- .. ولا تستغرب بُعد هولندا، عن الأندلس!.. إذ.. ماذا تفعل الهرة، حين تمسك بفريستها؟.. ألا تراها تهرب بها بعيداً، بعيداً إلى مكان آخر؟.. بعيداً عن

الأنظار؟.. في مأمن من المراقبة؟

حرّك فراس رأسه.. موافقاً.. متعجباً.. لايدري ماذا يقول.. فتنهد "يان فرانتيشيك".. وقال، مبتسماً في مكرٍ مبطّن..

- يا لغرابة الأقدار.. ها أنا ذا أخبر الدون "ماكسيميليانو" عن سرٍ كتمه الدون "فيرناندوالفاريزدي توليدو".. منذ خمسة قرون!

تبسم فراس، يجاري تعجب محدثه، وسأل..

- وهل يعرفه الكثيرون غيرنا.. يا "سينيور"فرانتيشيك"؟

سرّ "يان" أن يسمع اسمه على شفتي حفيد "دون فيرديناندو" فقال..

-لا أحد عدا الكاردينال "بانيفيلي".. ونحن! والسبب، في ذلك، يعود إلى أخبارهذه الواقعة، حين أتت من أمستردام، قبل الحرب.. وصلت إلى الكاردينال "بانيفلي"

مباشرة.. وكان، هو القيّم على المكتبة والمسؤول عن جميع الشؤون الثقافية في الفاتيكان، آنذاك... أمّا عن المصدر.. أي "أمستردام".. فإن الكاردينال الذي

كان فيها

آنذاك، كان قد توفّي.. وتعاقب على كرسيه كاردينالان..

نهض فراس من حيث كان جلس على مقعد خشبي كبير، قبالة "يان فرانتيشيك".. تقدم ثانية نحو صندوق الكتب والمخطوطات العربية.. وسأل، مستفسراً..

- إن هذه قصة.. أو رواية طريفة.. بل مثيرة، ولاشك! لكن أين يوجد هذا الفهرس الذي تتحدث عنه؟.. وماذا حلّ به؟!

قطّب "يان" جبينيه، وهو يتلمّس قعر الصندوق الصغير بأصابعه، لا يتوقع العثور فيه على شيء.. وقال متعجباً..

- .. لك كامل الحق ألا تصدق رواياتي!.. فأنا أتكلم عن جريمة، شاهدتها، وما من جثة هنالك، تدعم ما أقول!!.. "دون ماكسيميليانو".. ما رأيك إذا قلت لك إني

كنت أملك نسخة مخطوطة وإنها سرقت مني!!

عاد بنظره إلى قعر الصندوق وتمتم لنفسه..

- .. أظن أنه كان قد بقي منها بضعة وريقات.. لا أجدها الآن.. لابدّ أنها تبعثرت.. أو بليت.. من يدري..

ثم عاد بناظريه، يرفعهما في اتجاه وجه فراس، ويكرر..

- .. إني لم أفهم هذه الحادثة قط.. لم أجد لها أي تفسير!.. لماذا اختفى الفهرس من صندوقي؟!.. وبالمناسبة، فلقد كان في هذا الصندوق، العديد من المخطوطات

العربية الثمينة.. زمن اختفاء الفهرس..

- إنك تناقض نفسك.. سنيور"فرانتيشتك"!

تعجب هذا، وسأل..

- أنا.. كيف؟..

- تقول إنه ليس غيرنا، و"الكاردينال" على علم بقضية الفهرس، اليوم.. فكيف يكون ذلك صحيحاً إذا كان الفهرس قد سرق منك؟!.. إن الذي سرقه لابدّ أن يكون

على علم بهذه القضية!

تبسّم "يان" في خبث.. وأجاب..

- إلا إذا كان الكاردينال، نفسه، هو الذي حرّض أحدهم على سرقته مني!!.. لمَحقِه من الوجود!!

- وكيف يصل إلى ذلك.. أليس هنالك سجلّ مفتوح بمحتويات المكتبة؟!.. ألا تدرج جميع محتوياتها في فهارس مكشوفة؟!

قهقه "يان فرانتيشيك" لما سمع، وقال..

- لكم أنت متفائل!.. شريف النوايا، يا"دون ماكسيميليانو"!.. وهل تظن أن فهارس "الاسكوريال" تكشف للناس جميع ما تحتويه مكتبتها؟!.. إن من الصعب عليك أن

تتحرى الأمر بنفسك، هنا، في "الفاتيكان".. فلا شك عندي أنك قادر عليه في إسبانيا!.. وأن لك من العلاقات من يفتح لك الأبواب إلى ما يُخفى عن الناس، في

المكتبات، من آثار!.. آثار لها فهارس لا يطّلع عليها إلاّ رؤساء الأديرة!

تنهد طويلاً، وحرك يديه كمن يتلمس طريقه في الظلام، وقال..

- ..لقد عملت إلى جانب الكاردينال، في تلك المكتبة، ردحاً من الزمن.. كان يستعين بي لتصنيف، وتسجيل، ما كنت أعود به من كتب.. تصوّر.. إنه لم يكن يثق

حتى بالعاملين بها، من الكهنة!!.. ولعله لم يكن يثق بي، أصلاً.. إلا لمعرفته بأنني.. سواء شاء، أم أبى، فأنا لا يمكن أن أجهل وجود المخطوطات التي حصلت

عليها بنفسي!!.. آه.. لو كنت ترى أروقة تلك المكتبة، وسراديبها الرطبة، الحالكة الظلمة.. والمخفية، في بعض الأحيان!!.. ليتك تراها يوماً!!

تنبه من شروده، وتابع قائلاً..

- كنت أحدثك عن الفهارس.. فيا عزيزي "دون ماكسيميليانو"، إعلم أن الفهارس بالنسبة لتلك المكتبة، مثل دفاتر الحسابات، بالنسبة للتاجر!.. فكما أن للتاجر

منها عدداً، لا يُظهر منه إلاّ ما يناسب المدقّق.. كذلك، لمكتبة الفاتيكان!!

- والفهرس الحقيقي؟!.. هل هو في حوزة القيّم وحده؟!

تبسّم "يان فرانتيشتيك" في سخرية، وتعجب..

-.. لا شك أن هنالك فهرساً يظن كل قيّم، بدوره، أنه الفهرس الحقيقي!!.. لكن الحقيقة هي أن ليس للمكتبة من فهرس حقيقي جامع!.. فلقد تعاقبت على الفاتيكان

عصور كادت أن تصل النوائب والكوارث، أثناء بعضها، إلى عتبة بابه!!.. وفي كل مرة، كانت السراديب تفتح، عن سراديب أخرى، تحتها، وخلفها.. ويجري إخفاء تحفه،

ومخطوطاته!.. وفي كل مرة، كانت الفهارس تختفي، ثم تعود!.. لاأحد يعرف ما ينقص منها، أو ما يضاف إليها!!

- ولماذا لا تُجرد محتوياته؟ ويصار إلى برمجتها، على حاسبات "الكترونية"، في ظنّك؟.. أو لعلهم قاموا بذلك الآن..؟

- إنها خير طريقة لقتل الهدف!.. إن كان الهدف من هذا الجرد، هو حماية المخطوطات.. فإن خير طريق للقضاء عليها.. هو أن يكُشف عن أسمائها!!.. خصوصاً على

لوائح الكترونية، في متناول الجميع!! لا يا عزيزي لا!.. إن "الفاتيكان" ليس على هذه العفوية والسذاجة في التعامل مع الجميع!

تعجب فراس لقوله.. وسأل..

- .. وماذا تعني بكلمة "الجميع".. وهل هنالك من "غرباء".. داخل أسوار الفاتيكان؟!.. وهل هنالك غير الكهنة.. بل، نخبة هؤلاء، ممن يعملون فيه؟!

رفع "يان فرانتيشيك" رأسه، نحو وجه محدثه، ونظر إليه يستغرب جهل، وعزلة الاستقراطية، التي سمحت للغرباء بغزو عقر دار مقرّها الروحي.. والعبث بأقدس مقدّساتها!!

قال، في أناة..

- وهل هناك من "يزرع" هؤلاء الكهنة.. ويعرف كيف تُختار البذور؟!.. أليس الكهنة في الأصل، أناساً عاديين؟.. من عامة الشعب؟.. يلتحقون بالكنيسة، والشاطر

منهم، من يعرف اسم جدّه؟!.. لا.. لا شك أن الكنيسة تدقق، حسب قدرتها في أصل، ونشأة، ودوافع، من يلتحقون بها.. لكن.. وهنا يقع السؤال الأهم.. كيف لها أن

تعرف ما إذا كان المنتسب إليها هو من أصل يهودي.. يتعمد إخفاء عقيدته؟!.. وهل للدين، لون، يظهر على الوجوه؟!.. إنه أسلوب معروف.. إنها عادة أجهزة التجسس

القديمة.. تدفع بعناصر لها، تنزلق في صفوف أعدائها.. والعكس، بالعكس!.. وقد تصل هذه العناصر المتخفية، إلى أعلى المناصب، في الجهاز المعادي!!

سأل فراس، يتعمد عدم خبرته في هذا المجال..

- ولماذا اليهود بالذات؟

- لأن الكنيسة الحقيقية، هي عدوّهم الأكبر!.. والأناجيل، لَعَنَتْهم، وحكمت عليهم بالتشرّد إلى الأبد، جزاء ما فعلوا بالسيد المسيح!!

صمت فراس برهة.. ثم سأل.. وهو يعرف الجواب..

- ألم يقرر المجمع الكنائسي، مؤخراً.. إزالة لعنة التشرد، هذه، عنهم؟!

- .. ومن تظنهم كانوا وراء هذا القرار.. من رؤساء الأساقفة؟!.. قرار ينقض مباشرة، نصوصاً صريحة، وردت في الأناجيل الأربعة!!

تدافعت في رأس فراس خواطر لا حصر لها.. راح يحارب في نفسه ميل الإنسان الغريزي للسعي وراء أقرب الحلول، وأسهل الأجوبة!.. يقاوم فكرة حصر جميع ما مرّ

به من أحداث متفرّقة، في بوتقة واحدة، سعياً وراء إجابة سهلة، صريحة!

أثار حديث "يان فرانتيشتيك" في نفسه، هواجس دقيقة.. تعجب من نفسه، كيف كان على وشك التخلص منه.. وإذا به، يفتح أمامه عوالم أقل ما يقال فيها.. إنها عادت

به إلى أيام طفولته الأولى!.. أيام أحاديث جدّته.. وزرعها في نفسه حبّ البحث والتنقيب، لا عن هوى، أو تسلية.. أو حتى، عن حبٍ للبحث العلميّ، المجرد..

بل بدافعٍ من حسٍّ غريب.. هو دينيّ، ولا علاقة له بالدين!.. قوميّ، ولا علاقة له بقومه!

لطالما قاوم في نفسه ميلاً طبيعياً إلى قصص البطولة، والتضحية!.. كان يقرأ في طفولته سِيَرالأبطال.. تغص حنجرته، بما يعتمل في صدره، وهو يعيش، مع أبطالها،

قصصVan Howe وSir Galahad وKing Richardلا يميّز الخير، من الشرّ فيها!.. إلى أن لفتت جدّته تارخ خولة، وخالد وصلاح الدين، ثم(قيس، وعنترة، وابن

زيدون).. فتعلّم كيف يميّز الصالح من الطالح، والقبيح، من الجميل، والعدو، من الصديق!

هاهو ذا يقف أمام عالم، لم يخطر له على بال!.. عالم فيه، بالنسبة إلى الإنسانية جمعاء، من التصوّر والخيال أكثر مما فيه من واقعٍ ملموس!!.. ورغم ذلك،

فهاهو أمام فنان كهل.. يكاد يتعثّر إذا ما سار وحيداً في الظلام.. يحدثه عنه، حديث العالم، الدّاري!.. لا قصد مباشر له من وراء حديثه، سوى إحياء رفات

قلعته الدارسة!}

* * *

(ص137-139)

{أعجب فراس منذ البدء، بمرونة، ودقة أصابع "بالوما" المتمرسة في العزف والأداء.. لعله كان يتوقع ما تعّود سماعه من عزف "الصالونات"، المتوسّط الجودة!..

فما إن تخطّى ذهنه ذلك الانطباع الأول.. حتى انزلق إلى الموسيقى نفسها، فبدت، كأنها تنبع من لوحات، وجدران "الفيلا لودوفيزي"، نفسها ترجّع صدى، فيمور

فوق رؤوس الحاضرين في وئام، كأن تلك الموسيقى كُتبت لعصرهم، في زمن مضى..

ما كان في حاجة لسماع جوقاتٍ بكاملها، تعزف ألحان "فيفالدي" أو "باخ" لينفذ من خلال أصوات العديد من آلاتها المجتمعة، إلى سرّ روح الغلرب، متمثلة في ما

تخلقه من الجوقات من بحارٍ زاخرةٍ بجميع أنواع الحركة والحياة.. يسيطر تمازجها على إحساس السامع، تبعث في عاطفته أمواجاً متتالية.. تتمكن من وعيه الجدلي..

فلا يستطيع، إذا تكلّم، إلا اللّهج بالثناء.. ولا، إذا صمت، إلا الغرق في لجج العاطفة..

لقد درس الموسيقى، وكان يعزفها ويكتبها.. يعرف مدى ما يستطيعه العلم أن يزيد على اللحن البسيط من انواع الزخرف، والمرافقة.. حتى ليضيع اللحن، ويصبح أسلوب

العرض والتنميق هو الهاجس الأول، والأخير..

تذكر قولاً ﻠ "سغوفيا" عن وحشية صوت البيانو.. وصراخ، وزعيق الكمان.. وأن ليس سوى القيثار،في نظره، من آلة لا تعرف المبالغة.. وعاد في ذهنه إلى وطن القيثار..

إلى الأندلس، وتحسّر على زمنٍ كاد القيثار فيه أن ينطق بالعربية.. لغة آبائه، وأجداده..

* * *

كانت "بالوما" قد أنهت عزف مقطوعتها الثانية.. ولعلها أوشكت أن تستريح.. حين سألها فراس، في لهجةٍ بدت للحاضرين كأن فيها شيئاً من التحدّي..

- وهل تجيدين "الفلامينكو".. كذلك أيتها الآنسة..

أدارت "بالوما" وجهها نحوه، وهي لا تزال على شرودها الأول.. لم يفارقها، منذ أن أمسكت بقيثارها.. لم ترد على سؤاله.. لكنها أطرقت تنظر إلى أوتار قيثارها،

ثم ضربت بيدها اليمنى فجأة على خشبه، ثلاث طَرقاتٍ.. ماتعاتٍ.. مصممة.. أطلقت بعدها لجميع أصابع يدها العنان.. في سيل من العزف الصاخب، ذهل الحاضرون لعنف

مقدّمته! ولما أدخله على رتابة جوّهم الأنيق، من حرارة مفاجئة، ودفق عاطفةٍ لا تعرف التريّث أو الكلل!

اختلط الإعجاب بالتأثر على وجوه الحاضرين! لكن أكثر الذين تبدّت عاطفتهم على ملامحهم كانت الكونتيسة "دل بيلار".. امتزج تأثرها بمسحة من القلق، بانت

في نظراتٍ راحت تنقلها على وجوه غيرها من المدعوّين.. تحاول استطلاع حقيقة انطباعهم.. تتيهّبه.. تتساءل عن كيفيّة تقبّل ذاك الجمع، لموسيقى الأندلس، البعيدة

كل البعد عن الأناقة المدروسة للمكان ومن فيه من الحاضرين من ذوي الألقاب الكلاسيكية!.. تردّدت في فهم دوافع "دون ماكسيميليانو" في طلب ذاك النوع من الموسيقى،

من أختها.. هل كان يشير إليها، هي، من طرفٍ خفيّ.. وإلى أصلها الأندلسي المزعوم!.. لو أن عينيه ما كانتا تبرقان إعجاباً بما سمع، لأوشكت تظنّ أنه يحاول

أن يلصق بها تهمةً باطلةً.. ثم التشهير بها.. على الطريقة الساديّة المترفّعة لأهل الشمال!}

* * *

(ص143-145)

قال فراس، هازئاً..

- إن "فرساي"، قصة طويلة!! إنها التطبيق العمليّ، للمدينة الفاضلة.. على يد الأرستقراطية الفرنسية!.. جميع النبلاء.. الطبقة الحاكمة، بأسرها.. تعيش،

في مئات الغرف، من قصرٍ هائلٍ، في ظلّ حكم أكبر ملوكها.. "ملك فرنسا"، لويس الرابع عشر!

ردّ "شارل غوستاف".. في شبه دفاعٍ.. كأنه يستبق الهجوم!

- لعله حلّ "طوباوي".. لكن.. ليس هنالك من ينكر جماله!.. جمال "فرساي".. وحدائقها.. رغم مساوئ تلك الطبقة.. وعلاّتها..

تابع فراس في سخريةٍ، مبطّنة، لاذعة..

- جمال "فرساي".. الذي لا مراحيض فيه؟! ولا دورات مياه؟! أُذكّرك بقول "ميشلسة" الكبير "ألف عام لأوربا.. دون حمّام"!!

بهتت "بالوما".. وسألت..

- دون حمّام؟.. ماذا تعني بذلك؟!.. ألف عام؟!

- إن الكنيسة تكره الحمّام.. ولقد ظلّت تكرهه.. حتى القرن التاسع عشر! لقد كرهته.. هكذا.. وبكل بساطة.. وأوصت ضدّه! ذكّرها بحمّامات روما العريقة.. ثم

بحمّامات العرب.. والمسلمين!.. وليس الذنب ذنب الكنيسة وحدها .. فأوربا، بلاد باردة.. كرهت النظافة، على مرّ العصور! تكرها حتى اليوم.. تصّوري.. إن هنالك

من كان يجاهر بأن الدهن، والقذارة، يشكّلان طبقة يجب تركها على بشرة الإنسان.. لحمايته من البرد، أو العوامل الطبيعية!! ولقد قيل هذا القول.. في زمن "فولتير"..

و"ديكارت".. وكبار مفكّري أوربا!! يا لقذارتهم!

بادر "شارل غوستاف" مفسراً..

- لا.. لا.. إن للأمر علاقة بالنظرة الدينيّة للكون.. فالكنيسة تكره الجسد.. الذي هو، بالنسبة إليها، سجن الروح.. فكيف تريدين لها أن تكترث لنظافة هذا

السجن؟!

أجابت "بالوما" متعجبة، ساخرة..

- أفلا يقوم السجناء بتنظيف سجونهم؟!

- ثم.. هنالك مسألة الجنس.. فالكنيسة تكره الجنس كذلك.. فترى في التعري، والاعتناء بالجسد.. نداء للبواعث الجنسية!.. وفخاً، يسقط الإنسان فيه.. في المعصية

الكبرى!!

ضحكت الماركيزا "كولونا" التي كانت تفخر بجسدها، وتغتسل كل يوم.. وقالت..

- .. لقد كانت "ماري أنطوانيت" تأتي بالمغطس الصغير.. إلى غرفتها.. وتنزل فيه، دون خلع ثيابها الداخلية! تصوروا!

علّقت "الكونتيسة دل بيلار".. موافقة..

- ثلاث مرات.. أو أربعاً في السنة! على أكثر تقدير!!

كان "باتريس" على وشك قول شيءٍ ما.. ربّما، دفاعاً عن ملوك أسلافه.. فأشارت "الماركيزا" إليه بيدها.. قائلة..

- لا.. يا عزيزي.. فأنا من أصلٍ فرنسي.. وأعرف خفايا حياة القصور!.. فإن كان في إمكاننا السكوت عن معظم مساوئها.. أو المرور عليها، لتسويغها، بشرح أسبابها

التاريخية.. فإن هنالك أموراً حضارية لا يمكن السكوت عليها، أو تسويغها!.. لا من بعيدٍ.. ولا من قريب!

نظر "باتريس" إليها قلقاً.. مستفسراً.. فأجابت، ضاحكة..

- حقاً إني لا أفهم ذلك! كيف كان الملك يدير مؤخرته العارية.. لأحد النبلاء.. بعد انتهائه من التغوّط.. كي يمسحها النبيل بقطعة من القطن!! ثم يهديه الملك

تلك القطعة، القذرة.. كذكرى عزيزة، لما نابه من شرفٍ رفيع!!

علا صوت "بالوما" بصرخة مكتومة..

- لابدّ أنكم تمزحون!! وهل يعقل ذلك؟! إنني لم أقرأ هذا في أيّ من كتب التاريخ التي درسناها!! "ملك الشمس"، موحّد فرنسا!!

هزء فراس منها..

- وهل التاريخ يدرس في المدارس؟!

عادت إلى تساؤلها، في عصبية ظاهرة.. تكرر ما سمعته، كأنما لا تحسن استيعابه..

- وهل كان ملك فرنسا، فعلاً، يقوم بذلك؟! أمام النبلاء؟! كل صباح؟! ويهدي القطنة لمن يقوم بمسح مؤخرته؟! يالها من حضارة!! خيرٌ لعلماء "الانثروبولوجيا"

دراسة مثل هذه الظواهر.. البدائية.. في مجتمعاتنا نحن.. بدل من دراستها في جزر "هاييتي"، أو غابات " الأمازون"!!

علقت الكونتيسة "دل بيلار" قائلة..

- إن ما يحيرني هو.. هل كان النبلاء يعتقدون، فعلاً، أن تلك القطنة، بما عليها من غائط ملكيّ، هديّة ملكية رفيعة.. ذكرى، تجب المحافظة عليها؟! هل كانوا

يقومون بذلك عن قناعة أم، مجاراة لنزوة الملك؟!

هزّ فراس رأسه في شيء من النزق، وقال..

- سيدتي.. ليس الأمر نزوة عابرة، ولم يقتصر على ملوك فرنسا وحدها.. إن أوربا ظلّت تتناسى عيوب ماضيها .. حتى نسيتها! وهل تظنين ان ملكاً، يدير مؤخرته

أمام بلاطه، إذا لم يكن ذلك البلاط يرحّب ويبتهج بما يرى؟! أم هل تظنين أن مثل هذه الفعلة "الحضارية"، يمكن أن تكون من ابتكار جيلٍ واحدٍ!! ولا يبدّل

في الأمر شيئاً، أن يفسّر أحدهم ذلك‘ فيرّجعه إلى أحد الطقوس التي لها علاقة بالتوتم "الفرويدي"!}

* * *

(ص150)

{- لقد قرأت في إحدى روايات الدوقا "دي لامبادوزا"، وصفاً مثيراً لسهرة أرستقراطية، في بداية هذا القرن.. كان النبلاء يبولون ويتغوّطون، أثناءها، في

إحدى حجرات القصر.. في أوعية، وآنية خزفية، أو معدنية.. بلغ عددها المئات!!.. هل ذلك صحيح؟

قهقه "الدوقا داوستي" على مهل.. وأجاب..

- صغيرتي.. كانت تلك الحال، في بيوت الجميع، وخلال كل الحفلات.. حتى الحرب العالمية الأولى! لكن ما أهمل "لامبادوزا" توصيله للقارئ.. هو تلك الرائحة

الزكية.. التي كانت تتدفق على الحاضرين.. من تلك الغرف المليئة بمئات آنية البول.. والغائط!! وقد يطفح بعضها.. أو تندلق محتوياته على الأرض! إن تلك الرائحة

النتنة المروعة .. لم تكن تملأ على الأوربيين بيوتهم، وشوارعهم فحسب، بل إنها كانت تخيم على المدن، تطفو فوقها!.. حتى إن رائحة الغائط.. كانت تستقبل المسافرين

وهم على بعد أميال من مدنٍ شهيرةٍ مثل باريز، ولندن، وغيرها!! فما قولك؟!}

* * *

(ص160-162)

{كانت عادة إيطالية قديمة، تقضي أن تقصّ الخمائل في الحدائق، في شكل أقواسٍ، وقببٍ، ومغائر.. كأنها أعشاش لمخلوقات كبيرة..

سمع أصواتاً خفيفة، أشبه بالهمس، تنبعث من وسط الجدار النباتي العريض، فتعجب، إذ لم ير خلفه، مباشرة، من فراغ، يتسع لغير سور الحديقة الحجري!..

مشى إزاءه برهة في الظلام، يلامس بيده المفتوحة سطحه المورق.. يتعجب لما سمع، إلى أن وجد نفسه أمام فتحة بدت له، كأنها مدخلٌ لنفق كان قد شُذّب وسط ذلك

الحائط النباتي..

ولج داخل عتمة الخميلة، يعبر النفق، يعلل نفسه بأنه إنما يحتمي من زخّة مطرٍ خفيفةٍ كانت قد بدت بالهطول!.. لكنه، تسلل على رؤوس أصابعه، في هدوءٍ وحذرٍ،

وقد شحذ أذنيه، يتسقّط مصدر ما سمعه من همس.. يسعى نحوه.. يودّ مفاجأة غيره، لا أن يباغت بهم!!

توقف على بعد خطواتٍ من حركة بانت قبالته.. تسمّر في مكانه، برهة طويلة، سمع بعدها همساً مكتوماً، لم يفهم دلالته!!

سمع صوت احتكاك عود ثقابٍ، سطع بعده نوره البرتقالي، بغتة، لبرهة جزيئاتٍ من الثانية.. ثم عاد المكان، إلى ما كان عليه، من ظلامٍ دامسٍ!

طُبِع في ذهنه خيالاتٍ مما رأى.. ماذا رأى؟!.. شخصين، أم ثلاثة؟.. ثلاثة.. بالتأكيد!.. ثلاثةٌ، واقفون.. هل كان غيرهم.. على الأرض؟!.. لم يعد يذكر!.. والواقفون؟..

من هم؟!.. جميعهم عراة.. أو أنصاف عراة!! الثلاثة متلاصقون.. لم يتبيّن لون شعر الفتاة.. كانت وسط الشابين.. مستسلمة لهما.. لا تبدي حراكاً!

أحس بالدم يعلو إلى وجهه، وسمع ضربات قلبه في صدغيه!!.. من تكون الفتاة؟!.. لا.. لايمكن أن تكون هي.. لا.. هذا لا يمكن!!..

من تكون إذن؟!.. إنه لم ير شعراً أشقر.. لعلها إحدى المدعوات.. أو فتاة من شغّالات القصر!.. والشابان؟!.. هل كانا من النُدُل؟!.. لا شك في ذلك!

تذكر وهج نور عود الكبريت على أجسادهم الشابة.. المتوترة!!.. ماذا يفعل؟!.. ماذا يفعل؟!

أحس فجأة بلمسٍ خفيفٍ على جسده!!.. يدٌ تتجول على ساقيه.. كأنها آتية من جسمٍ متسلقٍ، أو متربعٍ على الأرض!!.. ثم أحس باليد الأخرى تفتح أزرار بنطاله!!

لم يفاجئه ما رأى منذ لحظات، قدر ما باغته، أنه قد وجد نفسه، بغتة، وإثر ملامسة ذلك الشخص المجهول، جزءاً مما يحدث، دون أن يبادر، للمشاركة في ذلك!!

هل شاء أن يتحرك؟!.. هل شاء أن يتملّص؟.. ولم يقو على قطع ما انتابه من إحساسٍ بالخدر، لدى ملامسة الشفاه المجهولة ما تعرّى من جسده؟!.. هل شاء أن يتقدم،

ليشارك، فيما بقي في ذهنه، من صورة الأشخاص الثلاثة الذين ما زالوا على خطوات منه؟!

فطن إلى أنه كان مع رابعهم!!.. حرك يديه، أمام ساقيه، يبغي ملامسة الرأس الذي انهمك في إثارة جسده!.. لامس بشرة ناعمة.. ثم شعراً طويلاً أملس.. تتبع

امتداده.. وطوله، وإذا به ينساب على ظهرٍ، أملس، عارٍ!!

لم يشأ أن يتعرف، أكثر من ذلك!.. لم يشأ أن يزيد من مقدار تأكده، ولا أن يقلل منه!!

غمره إحساسُ عجيبٌ بأنه في حلمٍ، وأنه تحت تأثير مخدر فعّال!!.. كان مع من يشتهيها، دون أن يكون!.. يلامس رأسها.. جبينها، وخديها، وعنقها.. في الواقع،

كأنه يفعل ذلك في الخفاء!.. يقوم بما يشتهي.. كيفما شاء، دون أن يكون لما يقوم به من رديفٍ واقعي.. أو لذلك الرأس، من وجودٍ إنسانيّ حقيقي!!.. يستقلّ

بالمتعة، مع إنسانة، معروفةٍ، مجهولة.. وفي الوقت ذاته، يرى، في ذهنه، ما يقوم به الأشخاص الثلاثة، ويحس بوجودهم، كأنه يشعّ بحرارة أجسادٍ ذات وجوه، لا

معالم لها!!

ما أمتع لذة الشفاه المجهولة!!.. وما أقوى سحر يدٍ خفية، تلامس جسده في الظلام!!

ما إن بلغ نشوته، حتى تبدّل جميع ما حوله.. وخبا سحره,, في نفس الصمت، والإبهام، الذين كان قد ابتدأ بهما تلك الرحلة إلى الظلام والمجهول!

عاد أدراجه، عبر النفق المظلم، وخرج منه، ليتلقف وابلاً من زخّات المطر، احتمى منها ، تحت شجرةٍ كثيفةٍ.. تمهّل برهةً، يستجمع كامل حضور ذهنه، وقواه،

ثم أسرع راكضاً نحو القصر الذي لم يكن ليبدو منه، في الظلام، سوى فتحات نوافذه.. ينبعث منها نورٌ برتقالي خافت..}

* * *

(ص166)

{عاد إلى خاطره ما جرى له، تلك الليلة، في حديقة "الفيللا لودوفيزي".. وتلاشى من ذهنه كل معنى جنسيّ لتلك التجربة!.. ماذا؟.. ألم يكن يشارك أشخاصاً مجهولين،

في طقوسٍ غريبةٍ لا يعرف اسماً لها؟!.. يعود تاريخها إلى آلاف السنين؟!.. ألم تكن، تلك الامتداد المباشر للطقوس الوثنية التي عُرفت بها أوربا.. والتي

انقلبت عليها الكنيسة فاشتطت في محاربتها، حتى كادت تحرّم الجنس نفسه على الإنسان الأوربي؟!..

لقد كان إنساناً، في تلك اللحظة، لحظة مارس تلك الطقوس.. ذلك أمر لا شكّ فيه.. لكنه كان إنساناً غربيّاً، يتجاوب مع ضبابها.. يجري لقاحاً غامضاً في رهبة

الليل.. فوق أرضٍ تسطع بلغز نور قمرها الفضي المهيب!

ما الذي دفع الإنسان الغربيّ للثورة على واقعه الغريزي، فانقلب على الجنس، في محاولة يائسة للتخلص من جذوره الطبيعية؟!.. وماذا عن الشرق؟.. أليس الإنسان

فيه جزء من أرضه كذلك؟!.. بلى.. لكنه جزءٌ من أرضٍ سما عنها.. أرضٌ، لا ديمومة فوقها للنباتات، بطحالبها.. والأشباح، بأشكالها البشرية الإلهية..}

* * *

(ص190-191)

{غابت أصوات السيارات، وخرج من القوس الثانية إلى ممر جديد، أقل عتمة من الممر الأول، يحيط بفناء الملعب الشاسع، البيضوي الشكل.. وينفتح عليه، عبر أقواس

جديدة، ضيقة، تطل فتحاتها على المدرّج، وينفتح عليه، عبر أقواس جديدة، ضيقة، تطل فتحاتها على المدرج، وأرض الفناء الذي سُرقت أحجاره، ورخامه، فبان ما

تحته من جميع دروب الأقبية المتعرجة، كانت تقاد الحيوانات الكاسرة عبرها، لتباغت الجمهور، فتظهر فجأة أمامه، وتتقاتل تحت أنظار سبعين ألفاً من المتفرجين!

لم يكن فراس قد دخل "الكولوسيو" من قبل، في تلك الساعة المتأخرة.. لعله أُخذ، لبرهة وجيزةٍ، برهبة المكان، فراح يتأمل ما حوله، كأنما نسي ما جاء من أجله!

تنبه إلى ظلالٍ تسبح على أرض الممر.. سرعان ما فطن إلى أنها ظلال أناس متخفّين.. يتنقلون في حذرٍ وصمت، بين خبايا المكان.. يتوقفون، من حين إلى آخر،

فيغيبون في ظلمة عشرات الأعمدة، والصخور الكبيرة، وزوايا، وخبايا ذلك التيه الكبير!

كيف يجد "بالوما" بين هؤلاء؟!.. ولماذا تيقّن أنها لا بد واحدة من تلك الأشباح المتنقلة في الظلام؟!

كان قلبه يطرق بشدّة.. أحس أن أطرافه قد انتابها الصقيع!

تذكّر حديقة "الفيللا لوفيزي".. ووحشة النفق الذي دخله، في جدارها النباتي!.. فأحسّ أنه، بالمقارنة مع ذلك المكان، كان، في تلك الحديقة، كأنه في أمان

بيته!.. وبدا له ذلك النفق النباتي، المعتم، مريحاً، هادئاً، وكأنه تحت غطاء فراشه الدافئ!

كيف يتعرّفها؟!.. وهو لا يستطيع حتى أن يناديها، كي لا يلفت إليه الانتباه!.. وكيف يأمن شرّ أشخاصٍ، يتنقلون في ذاك الحذر.. ويهرعون، من ظلمةٍ ساترةٍ،

إلى أخرى!

تنبه إلى صخرة كبيرة كثرت حولها الحركة.. وتجمعت قربها ظلال كثيرة، تحلقت حول أشخاص صدر عنهم ما يشبه حفحفة العراك!

تقدم في وجلٍ من هؤلاء.. يتلفت حوله، كلما قام بخطوة.. ينظر خلفه، كي لا يفاجأ بما لا يسرّ!

ما إن أصبح على قرب كافٍ، حتى تيقّن مما توقعه، من عددٍ من الأشخاص، يجامع بعضهم بعضاً، عراة، أو أشباه عراة.. وحولهم، تحلّقت تجمعات أخرى، صغيرة العدد،

ثلاثة، أو أربعة أشخاص، هنا وهناك.. يتلقّون الوحي و الإثارة من الحلقة الأم!.. يمارسون، في فلكها، ما تفتّق عنه خيالهم، أو هواجسهم الدافعة، الباطنة،

وما من رقيبٍ، غريبٍ، يردعهم عمّا يشتهون!.. يحرسهم الظلام، من غيرهم من العيون المتفحصة، ومن أنفسهم، تخيفهم رهبة المكان، والخطرالمحدق بكلٍّ منهم، فيتفتّقٌ

خيالهم عن حركاتٍ، أشبه بما قد يبدرعن الإنسان وهو في النزع الأخير!!

لم يجد "بالوما" بين ذلك الجمع.. تريّث برهةً، ثم قرر أن يعود أدراجه إلى سيارة صديقه.. تعامى في البدء عن مضايقة عدد من الأشخاص، كانوا قد حاولوا إشراكه

في تلك الطقوس.. تراجع، مبتعداً عنهم، في بطءٍ، وحذر!.. فما كاد يعبر الممر المظلم في سلام، حتى خرج من بين أقواس الجدار، وركض، مسرعاً، نحو سيارة صديقه!}

* * *

(ص250-255)

{سمع صوت غناءٍ بعيدٍ، يصله من نافذة غرفته.. فتقدّم منها، وفتح مصراعيها.. يتأمل الوادي السحيق الذي تطلّ عليه تلك الدار، وسفوح الجبال التي غطتها غابات

السنديان بلونها الأخضر الداكن.. تتخللها أشجار السرو، كالرماح المشرّعة، وأشجار الحور.. بدت كأن أوراقها الخضراء، الفاتحة اللون، هي التي تداعب النسيم،

فتهتزّ، وتتمايل، لتظهر ما خلفها من لونٍ قطنيّ البياض!.. جميع تلك الأشجار، كست سفوحاً، متشعبةً، متداخلة.. تحدّرت، كلاً على ميلٍ، أو انبساط خاصٍ به..

وتجمّعت حول بحيرة، في قعر الوادي.. سطعت بانعكاس نور الشفق، فبدت كصفيحة نحاسية حمراء.. كرقعة نارية على وشك إضرام النار فيما حولها من غاباتٍ.. أرضٌ

عذراء.. قد لا تكون أقدام البشر وطئت بعض أجزائها، منذ آلاف السنين!

رأى مصدر الغناء عن بعدٍ.. أربع، أو خمس فتيات، تسير الواحدة منهن، وراء الأخرى، على دربٍ شديدة الضيق، تبدو كأنها مسار جدولٍ يلتف ويتعرج على سفح الجبل

الذي تقع عليه الدار، تمر من أمام سورها، على مسقط نظره، تلتف حوله، ثم تغيب بين أشجار السفوح الأخرى..

كانت حديقة الدار ممتلئة بالأزهار البيضاء والأوراد الحمراء.. والغاب من حولها، من وراء السور، كأنه امتداد لها.. تغطت أرضه بأكماتٍ تجلّت بشقائق النعمان،

والنرجس والأقحوان!

التفت فراس إلى "كارميليتا" فجأة.. وقال في لهفةٍ، وعجلة..

- أتعرفين هاتيك الفتيات؟

- وكيف لا يتعارف أهل القرية الواحدة!

- هل في وسعك أن تطلبي إليهن القيام بعمل صغير.. لحسابي؟!

تعجّبت الفتاة، وأجابت.. في مرحٍ..

- بالطبع.. وما العمل يا سيدي؟!

- هل في الدار.. من سلال.. أو ما شابه؟!

- ولمّا هزت رأسها بالإيجاب.. تابع قوله

- إذن، فاطلبي منهن القدوم، إلى الدار، لأخذ السلال منها.. ثم العودة إلى تلك البقع المزهرة، في الغاب.. هناك عند أكمات النرجس.. واطلبي منهن أن يملأن

السلال منها.. ويفرغنها في مدخل الدار.. في أرض الحديقة والفناء الداخلي!

كان صوت الفتيات يقترب من الدار.. و"كارميليتا" تنظر إليه في دهشة بالغة.. لاتصدق ما تسمع.. فقال لها.. ينبهها من جمودها..

- أسرعي "كارميليتا"!.. أشيري إليهن بالتوقف!.. أريد أن تملأ الأزاهير أرض الردهة الداخلية.. من الدور الأسفل!.. أريد أن تكسوها، كالبساط.. وأن تُنثر

على السلّم الذي يقود إلى هذه الغرفة.. ويجلّل بها السرير!!

كانت "كارميليتا" قد بدأت تعي هدف "دون ماكسيميليانو".. وقد تجاوز، في نظرها، خلال لحظة واحدة.. جميع ما كانت قد سمعته عن غرابة تصرفات الأمراء والفرسان

.. و انسياقهم، في الحياة، وراء أحلامهم الجميلة!

صاحت من النافذة إلى الفتيات.. في حماسة.. أن يتوقفن برهةً.. ثم التفتت إليه وسألت متعجبةً..

- وكيف تنام، هذه الليلة.. يا سيدي؟.. وكيف نتمشى نحن، في الدار.. إذا ما امتلأت أرضها بالأوراد؟.. وكيف نحضّر العشاء؟!.. أو نخرج إلى المطبخ؟!

ضحك فراس مبتهجاً لسرورها بمشاركته فيما يقوم به.. وقال..

- لا عليك.. اطلبي منهن إيداع، جميع الأوراد.. في إحدى غرف الدور الأسفل، الباردة.. حتى الصباح!.. سأنام هذه الليلة.. في الغرفة المجاورة لهذه.. أريدك،

منذ بزوغ الفجر.. أن تجللي هذا السرير بالنرجس.. حتى يتشرب الغطاء عطره!.. ثم انثري فوقه النسرين.. وبعد ذلك.. مدّي بساطاً من النرجس.. منذ باب الحديقة،

والممر الذي فيها.. حتى السلم الصاعد إلى هذه الغرفة!.. وأكثري منه حول أقدام السرير!!.. لا أريد أن تطأ قدما "بالوما" شيئاً.. غير النرجس، حين تصل الدار..

وتصعد إلى هذه الغرفة لتستريح..

- وهل هذا هو اسم السيدة.. هل هو "بالوما" يا سيدي؟ ياله من اسم جميل.. ما أجمل حبك لها يا سيدي.. يا له من حبٍّ جميل.. آه!

قالت "كارميليتا" ذلك وقد توردت وجنتاها السمراوان من الخجل، ثم انفلتت راكضة إلى الدور الأسفل.. وإلى رفيقاتها.. تحمل لهن السلال، والمال الذي نقدها

إياه "ماكسيميليانو" مكافأة لهن، على ما سيقمن به من عمل ٍ طريفٍ، غريبٍ!.. روايةٌ، لن يمضي الليل حتى يكون معظم سكان القرية قد اطّلعوا على تفاصيلها!

في الليل، تمنّى لو أنه يحمل حبوباً منوّمةً.. تعينه على الخلاص من الأرق الذي لازمه!.. راح يتقلب في فراشه.. يحاول إقصاء صورة جسد "بالوما" عن ذهنه..

فلم يستطع!

ما ظنّ أن يوماً مثل هذا، سوف يطالعه.. تأتي فيه "بالوما" على كامل إرادته.. تنمو رغبته لفتاةٍ، وتشتدّ.. حتى تزيح من وعيه جميع ما قد يحاربها!.. تسيطر،

في النهاية، على ذاته.. فتصبح الذات.. مجسدة.. شهوةً، تتكلم، وتحيا.. لا تعرف الهدوء أو الراحة!

لجأ في النهاية إلى تشويق نفسه.. ما سيلاقيه غداً من لقاء الحبيبة.. يقنع ذاته بأنه في حاجة إلى النوم، كي يحسن التمتع بنهار الغد!.. دون فائدة!

أشعل عود ثقاب، أضاء به مصباحاً قديماً، إلى جانب فراشه.. ثم نهض من فراشه.. يلفّ جسده برداء صوفي، يتمشى في الغرفة، جيئة وذهابا.. لعلّ التعب يدبّ في

جسده، فيعجل ذلك بمجيئ النعاس!

تقدم من النافذة، وفتحها على مصراعيها.. فطالعه نور القمر، وقد أحال البحيرة إلى صفيحة فضيّة، صقيلة، لامعة.. وبدّل الغابات التي حولها، إلى دثارٍ قاتمٍ..

تلفحت به الجبال.. زينه ما بان على رؤوس الأشجار من تيجانها الخضراء!

سمع عواءً بعيداً كأنه أنينٌ طويلٌ.. فانتابته قشعريرة طفيفة، أنكرها على نفسه، ردها إلى البرد المفاجئ، وتبادر إلى ذهنه، في الحال، احتمال نكوص "بالوما"

عن وعدها، وتراجعها عما عاهدته عليه من لقائهما في عزلة تلك الجنة الرهيبة!

أدرك على الفور أن أفكاره على وشك اتخاذ مسارٍ وعرٍ سيزيد من شقائه، ويمنع النوم منعاً باتاً عن جفونه!.. فعاد إلى فراشه، مسرعاً، وقد أيقظ البرد فيه حاجة

ملحة، إلى الدفء والراحة، ما هي إلا دقائق.. وإذا بالكرى يثقل جفنيه المتعبين!

أحسّ ببلل على خديه، وبلمس شفاهٍ دافئة تداعب شفتيه، وأنفه، وعينيه!.. ثم سمع صوت حبّه، يهمس في أذنه .. بين قبلةٍ وأخرى..

- يا أميري.. يا حبيبي.. يا فارسي..

فتح عينيه.. رافعاً ذراعيه ليضمّ وجه "بالوما" إلى وجهه.. ليعانق جسدها.. قلبه يكاد يتوقف عن الضرب تارة، وتارة أخرى، تتسارع ضرباته، حتى ليكاد يتفجّر

في صدره!!

- متى وصلت؟.. حبيبتي.. متى..

- منذ لحظات!.. وسرت على الأوراد التي رصفتها لي.. ماذا أقول.. لقد طرت عليها.. إليك أنت.. وليس إلى سريري.. حيث تقود الأزهار.. إليك أنت، أنت.. "مكسيم"

يا أميري.. كيف كنت ضائعةً عنك؟.. كيف؟.. كيف؟

شدّها إلى داخل الفراش.. ودفء جسده.. لكنها تملّصت، في وداعةٍ وحنان، لم يعرفهما فيها، من قبل..

قالت، تكاد تغمض جفنيها المرتجفتين..

- ..لا.. أغتسل أولاً.. ثم أهرع إليك..

والتفتت تبحث عن غرفة الاستحمام!

لم ينبس فراس بكلمة!

سارع إلى غسل أسنانه، ووجهه، في طشتٍ كانت "كارميليتا" قد ملأته بماء فاترٍ منذ الصباح.. وعاد، مسرعاً إلى دفء فراشه.. ينصت إلى خرير الماء الذي يسيل فوق

الجسد الحبيب.. يترقب عناقه!

توقف صوت الماء فجأة.. ثم سمع حفيفاً ناعماً، تلاه صوت كحّةٍ، عذبة أليفة.. أجرت الخدر في جسده.. ثم بانت "بالوما"، من فتحة الباب، بشعرها الرطب.. معقوصاً

إلى الخلف، وثوبها الأحمر القاني..

سارت تتقدم منه في بطء، على أنامل قدميها العاريتين.. ثم فتحت لعينيه، ثوبها.. عن الجسد الحبيب.. والنهدين الأبيضين.. المتوردّين..}

* * *

(ص268)

{نهض فراس، تتبعه "بالوما"، وتقدما من النافذة، في حيرة وصمت! لم ير فراس حيث أشار "جيوفاني" إلا بريق القمر على صخور الشاطئ، وانعكاس نوره على سطح

ماء البحيرة الساكن!

تبسمت "بالوما"، وقالت، في شرود..

- من يدري؟.. لعلّ روحه تأتي فعلاً إلى المكان الذي فارقت فيه الجسد.. إن علاقة الأرواح، بالأرض، لأمر غريب..

نظر فراس إليها في وجوم، مكتوم.. كأنه يراها عبر غلالة شفافة، لم يكن قد تنبه إلى وجودها، بينهما، من قبل!

لم يدرك من معنى لذلك الشعور المفاجئ، ولا سبباً مباشراً لما بعثه في نفسه، من غربة وانقباض!

أحس بوطأة حملٍ خفيٍ يجثم على نفسه، سببه ومضٌ سريعٌ من إدراكٍ جديدٍ لما تكشف أمامه، عما يختفي وراء تلك الطبيعة، والأشياء، من روابط أزلية، بين الإنسان،

والأسطورة.. بين البشر، والخرافة!..

كان ينظر إلى ما يغطي الجبال من غابات مدهشة الجمال، وفجأة، تراءى له أن ما تملّكه من شعور، إنما هو إحساس إنسان كان مفتوناً بتموجات وانسياب خصلات شعرٍ

معطرٍ، رائع الجمال.. وإذا به، يدرك فجأة، أن الأزيز الذي كان يدوّي في سمعه، إنما يصدر عن ذلك الشعر!.. وإن لفي طيّاته، اختبأت وعششت خلية حشراتٍ،

ولدت، وستظلَ أبداً متمركزة في ذلك الرأس الجميل!!}

* * *

(ص274-278)

{- وهل رأيت بأم عينيك تلك المعجزات؟!.. حتى تقبلين بصحّتها؟!

- ستراها، غداً يا عزيزي.. بل سنراها معاً، إذا ذهبنا لزيارة الدير، وكنيسة العذراء.. في "أفيزو"!

نظر إليها في دهشة واستغراب، لا يدري ماذا يقول.. فأردفت..

- " مكسيم".. لماذا تنفر من هذه الأمور؟!.. إنما أحسّ.. أحياناً أنك من عالمٍ آخر!.. ما بك تستبعد حدوث ما لا يقبله العقل؟.. أليس الإيمان، بذاته، أمراً

لا يقبله العقل؟.. هل فقدت إيمانك؟!

نهض فراس من الفراش على عجل، يتجنب النقاش مع حبيبته!

دخل غرفة الحمام، يغتسل، ثم عاد يرتدي ثيابه في صمت.. كأنه أزمع الخروج.. دون "بالوما"!

عجبت هذه، فسألت، هادئة..

- "ماكسيميليانو" ماذا بك؟!.. هل تنوي اللحاق بالمسيرة؟!.. لقد كدت تهرب مني.. مساء أمس.. وأدركتك!.. فلا تهرب مني ثانية، اليوم!.. إن اللحاق بك، لصعبٌ،

في وضح النهار!!

عاد إليها، وتبسم في رفق.. ضمّها إلى صدره، ثم قال..

- "بالوما".. حبيبتي.. إن ما أودّ أن أعرفه منك، هو مدى ارتباطك، أو مدى..آه.. لم أعد أدري ماذا أود معرفته بالضبط!.. كل ما هنالك، هو أني لا أفهم

ما يربطك بهذه الأساطير!.. أخشى أن يكون لها صلة بأمور أخرى.. في نفسك.. لا أفهمها!

صمتت "بالوما" طويلاً، ثم قامت تغتسل، هي الأخرى، وترتدي ثيابها.. فما إن أتمت ذلك، وكان فراس، في جميع ما كانت تقوم به، يراقب حركاتها، ينتظر منها التفوه

بشيئ يجيبه على ما سأل، حتى جلست على مقعدٍ، قرب النافذة، وقالت.. وهي ترجّل خصلات شعرها بحركاتٍ شديدةٍ، تجذب رأسها إلى الوراء..

- "مكسيم".. إنك لا بد تظن أني أعيش في عالمٍ وهميّ، أراك تترفّع عنه!.. دعني أنبئك أنك، أنت، هو الذي يعيش في الوهم، وليس أنا!.. لقد كنتَ تظن، بالأمس،

أن هذه الغابات خالية من الناس، لمجرد أنك لم تشاهد أحداً فيها، وأنت تمرّ بها، في السيارة!,, ثم اكتشفتَ البارحة أن فيها بشراً، وبشراً من نوع خاص،

لم تشاهد مثله من قبل!.. دعني أقول لك، إنك تقترف نفس الخطأ، مرتين.. تكتفي برؤية الناس من الخارج.. كأنما الإنسان بشرة وتقاطيع فحسب، إنما الناس عقول،

ونفوس! وأنت تتحاشى الاقتراب مما تتركّب منه هذه النفوس.. ترفض أن تمعن النظر إلى ما بداخلها!!

- ما لي.. ولأهل الجبال.. وما تتركب منه نفوس سكان "الأوبروتزي"؟!..إن في الكون أمماً شتى، وهؤلاء، منهم.. إنما أريد معرفة ما بداخلك أنت!.. ومدى علاقتك

أنت، بهؤلاء!! أنت، "بالوما"، هي الفتاة التي أحب.. وأجهل!.. وليس "كارميليتا"!..

- هزّت "بالوما" رأسها، في شبه يأسٍ.. وقالت..

- كيف تقول ذلك، وأنت ابن الكاثوليكية المدلّل؟.. وهل تظنّ أن جوهر إيمان إنسان، على مثل رفعتك، يختلف كثيراً عن إيمان إنسانة عادية مثل "كارميليتا"؟..

إن المعجزة جزء من الإيمان.. إيمان جميع الشعوب.. ومعجزات شعبٍ، قد لا تشكل إلاّ خرافات شعبٍ آخر!.. هل تظن أن " روما" تختلف كثيراً عن "باريّا"؟.. وهل

الصلاة على الأرواح، في كنائس "روما"، أكثر لياقة من الصلاة عليها في كنيسة عذراء "أفيزو"!.. "مكسيم"!.. إنك إنسان واهمٌ، خياليّ.. قد أعمتك أرستقراطيتك

عما يجول حولك!.. هل الفارق كبير، حقاً بين رعشة التوجس التي تصيب "الماركيزا كولونا"، وبين خوف هؤلاء المساكين، من الغيلان؟!.. إن هؤلاء التعساء لا يعرفون

آداب اللياقة، فيصرخون، حين يخافون! أو يتأوهون.. ومثل "الماركيزا كولونا" او مثلي، تعرف تماماً كيف تضبط الرعشات البدائية، فتخفيها وراء سعلةٍ مهذبةٍ،

وترسم على شفتيها ابتسامتها الجوفاء!

* * *

خرجا من غرفة نومهما التي تطل على الوادي.. يعبران الممر، إلى الطرف المقابل من الدار، إلى غرفة أخرى، تطل نافذتها على الحديقة الخارجية، والطريق العام..

كانت حشود المؤمنين قد حاذت سور الحديقة.. تسير بخطى سريعةٍ، في تناقضٍ تامٍ مع بطء ما تردده من إيقاع التراتيل، والأهازيج!.. مما أعطى لذلك المشهد صفةً

خياليةً.. طابعاً أسطورياً، كأن تلك الحشود تسير، حسب إيقاع حياتها القصيرة المدى، بينما الطبيعة تردد أنغاماً، لها إيقاع نموّها البطيء.. أنغاماً، تمور

فوقها.. تتوارثها الشعوب الأوربية، والديانات، فيها، منذ آلاف السنين!

شاهدا، من حيث وقفا، خلف النافذة، طقوساً وثنيةً لا تزال تُمثّل وتؤدى، على الطريقة الرومانية!.. تقاليد، اختلطت بطقوس الإيمان الإلهي.. حتى باتت مزيجاً

عجيباً من التاريخ، يشابه نفوس تلك البشر!

سارت صفوف الدواب، محملة بسلال تطفح بالهدايا.. من قمحٍ وحنطةٍ، وشعيرٍ.. وإلى جانبها، صفوفٌ من الصبايا، على رؤوسهن سلالٌ أخرى صغيرة.. معبأة بالقمح..

أعدت لتضحية الغد.. بينما مشت أمامهنّ، حمارة مزينة، على ظهرها سلة أخرى، كبيرة، فيها بقية ما أعدّ من حبوب..

كان الرجال والأطفال يسيرون خلف النساء، على رؤوسهم أكاليل مضفورة من النباتات والورود.. يحيطون بطفلٍ، يقود بقرة سمينة، بيضاء.. جُلل ظهرها بغطاء قرمزيّ

عريض.. بقرة، كأنها من العصورالأولى.. عُلفت على مدى العام بنصيبها من الموسم الخصب، تتقدم الجموع بين البيارق المزخرفة، والشموع المشرّعة.. ما إن تتروّث

على الأرض، بين الفينة والأخرى، حتى يهرع من حولها إلى ما تتساقط منها.. يقتطع كلٌ، جزءاً من الروث، والبخار يتصاعد منه، يُحتفظ به، كبركةٍ خصبٍ للموسم

المقبل!

تذكّر فراس طقوس التغوّط في بلاط "لويس" الرابع عشر، لكنه أحجم عن الكلام!

قالت "بالوما" مأخوذة بما ترى..

- "مكسيم".. ليتك ترى العذارى عند بزوغ الفجر، يغسلن أيديهن، ووجوههن، وأقدامهن بالندى، تيمناً.. يتمنًين في السرّ، تحقيق أمنيات دفينة! ليتك تشاهد

كيف تستقبل هذه الجموع، شمس أول الربيع، من كل عام.. وكيف يهزجون.. ويرقصون.. ويصيحون لها، وسط الجلبة والضوضاء التي يحدثونها، وهم يقرقعون بأدوات معدنية!

يبحثون عن أول ما يتحرك من الأفاعي، لدى خروجها من أوكارها، بعد نوم الشتاء الطويل.. يلفونها، حيةً، حول أرسغهم، ورقابهم.. ويتقدمون بها للصلاة.. كل،

يتعبّد أمام قدّيسه المفضل! علّه يحميه طول العام المقبل، من سمها الزعاف!

تذكر فراس تعدد الآلهة، وتماثيلها، عند الرومان.. وتعدد التضحيات لها.. لكنه أحجم عن الكلام!

كانت حشود المسيرة قد بدأت تبتعد عن الدار، وصوتها يخفت ويتلاحم.. يختلط مع الصدى الذي يحدثه، فيصبح صوت الذكور، كأنه نداء حنجرةٍ عريضةٍ واحدةٍ.. رجلٌ

واحدٌ، تنمو ذكورته مع الأشجار.. وصوت النساء، لمرأة واحدةً.. أنثى واحدة، تنتظر الربيع، لتخصب بما تتلقفه من لقاحٍ، تهيّئه، وتحتفظ به، منذ تلك اللحظة..

الوثنية..

التفتت "بالوما" إلى حبيبها، تحدّق في عينيه الشاردتين.. تبتسم لما يجول في نفسه من إحساسٍ غريبٍ..

قالت، وكأنها تتكلم بلسان تلك الأنثى الأزلية..

- إنها علاقة مترابطة متشابكة، متضافرة، بين الإنسان، والأرض، لا ترى لها مثيلاً، إلا بين شعوب هذه القارة! قارتنا نحن، التي لا تمر فيها مناسبة احتفالٍ،

أو لعبٍ، أو عمل، أو ولادة.. سواء في الحبّ، أو في الزواج.. في الولادة، كما في الدفن، إلا وتسمع صوت الإنسان يصدح بغناء معينٍ، تمتدّ جذوره إلى الغناء

"الجورجي*" الذي يمجّد خصب الأرض، ويجعل من كل محصول، ولادة!! لذلك، ترى كل ما يحيط بالإنسان من أشياء، تبدو لنا كأنها مخلوقاتٍ، أتت إلى الوجود، نتيجةً

للقاح أزليّ، بين الأرض، الأم، وما حول الطبيعة، من عناصر مذكّرة تلقحها، وتلفّها.. تارة بالخير.. وتارة بالشرّ.. فأصبح اللغز جزءاً من كل مخلوقٍ، أو

حركة.. يتعشّق ويتغلغل في وجود جميع المخلوقات، حتى سيطر، في النهاية، على الحياة البسيطة والعادية، وخلق فيها أشباحاً، لا حصر لها، ولا عدد.. خيالاتٌ،

لا سبيل إلى تحطيمها! تغلغلت في الحقول.. وبين الجبال.. حتى عكرت صفو المياه، وسكنت جميع البيوت، فباتت تلازم الإنسان في مسكنه، يعايشها، دون أن يراها،

إلى أن ارتبطت في الوعي، أو في الخفاء، بمعظم أسباب أفراحه، وأتراحه! [*غناء كنائسي، قديم، وحيد اللحن، ذو إيقاع لا وزن له.] }

* * *

(ص284-299)

{لم يجل في ذهن أي من الزائرين، أنهما سيقفان يوماً، وجهاً لوجهٍ، أمام مشهد مثل ذاك، فاقت فظاعته، ورهبته، جميع ما يمكن للخيال استقطابه من كوابيس،

مفزعة، مرعبة!

تجمعت أمامهما جميع بشاعات البشر.. بشهواتها المخجلة، ومخاوفها، بتشنجات أجسادها، وتشويهها!.. واختلطت أمامهما دموع الندم، بضحكات السخرية.. الغريبة..

الوقحة!

تمازجت أمامهما أراض الجنون، بمظاهر الخفّة.. والفزع، بالبلاهة! مرّ بهما المحتال والمعتوه.. وتعاقبت نظرات الحسرة على العيون الجامدة.. تراقب، ساخرةً،

عذاب اليأس، في جسد المنحلّ!

سمعا الولولة، والزعيق، وأصوات الأبواق.. تضاهي أصوات الهزيج والبكاء!

اختلط نهيق الحمير، بصهيل الخيل، وأصوات الماشية.. وتحركت جميع الحيوانات، بين البشر.. هذا يعرض للبيع ما لديه من الفواكه، والطعام.. ذاك يعرض الأيقونات،

أوالحليّ، أوالصلبان.. اختلط الحجيج بالمتكسبين، والمتسكعين.. هؤلاء يرقصون، في فحشٍ، ومجونٍ.. وأولئك يتعبدون في خوفٍ، أمام مشاهد تشنجات الصَرَع!

بدا الأمر كأن سيلاً ممن تقيّأته القرى المجاورة، من لصوصٍ، ومحتالين، ومرتزقةٍ، قد تحدّر على ذلك السهل الذي توافدت إليه حشود البسطاء.. أتوا يبغون

بركةً أو شفاعةً، أو شفاءً من مرضٍ عضال..

جميع هؤلاء، تجمعوا، واختلطوا، حول "بيت العذراء"، وأحاطوا بجدران "البيت المقدس".. بسط الباعة منهم، بضاعتهم على الأرض.. يشيرون إلى الوافدين بالتقدم

منهم، لشرائها.. يكلّمون، كلاً، بلغته.. يزعقون، لمن يصيح!.. يرقصون لمن يرقص!.. يضاحكون، من يضحك!.. يقلّدون حركات الصرع، للمرضى، أو العاجزين!!

جلست امرأة، بالغة البدانة، فارجةً ساقيها المفرطتي التورّم، كاشفة صدرها المفتوح، تلعق شفتيها بلسانها الضخم المتشقق.. مشيرة إلى ما وراء ستارة حمراء،

خلفها.. تَعِد المارة بغرائب الدنيا، إذا ما هم دفعوا نقوداً، ودخلوا، ليتفرجوا على ما تخفيه!.. وقفت امرأة أخرى، بجانبها.. مهرّجة عجوز، كأنها وحشٌ لفظته

الحياة، إثر لقاح قزمٍ، بقردة! راحت تطعم سعداناً من فمها، مباشرة!! وقد وقف إلى جانبها، مهرجٌ آخر، في ثياب ملونة، يقفز في جنون.. يقرع أجراسأً يحملها

بكلتي يديه!!

وأمام هؤلاء، مرّت قافلة طويلة من الحجيج، يتقدمها حامل الصليب، ومن ورائه عشرات النسوة تمسك الواحدة منهن الأخرى من ذيل ثوبها.. سرن، محدبات الظهور،

حفاة.. يحملن نعالهن على أكتافهن.. مغمضات العيون، فاغرات الأفواه.. يسيل اللعاب على ذقونهن، ومن فوق طيّات الورم، على رقابهن المريضة.. كان النقرس قد

أتى على أطراف معظمهن، حتى بدت كجذوع نباتاتٍ بريةٍ.. ومن تحت الورم المخيف، بانت خواتم الذهب!.. وإلى جانب هذا وذاك، ارتفعت أصوات الدعاء والضراعة، وصاحت....

AVE MARIA* [* تقبلي يا مريم]

كانت قوافل الحجيج تتناوب المرور حول الكنيسة.. وأطلال الدير.. منها من حملت جميع مرضاها، على محفّاتٍ بعضها صنعت من القش، وبعضها الآخر، من ألواح الخشب..

جلس المرضى عليها، القرفصاء، يسيل البول من أعضائهم العقيمة، بينما أستلقى فوقها آخرون، وقد تراخت سيقانهم، وتدلّت أذرعهم في الهواء، تهتزّ، وتتأرجح وفق

خطوات من يحملهم!.. منهم من سال لعابه!.. ومنهم، من راح يمضغ أشياء لا يستطيع بلعها!.. وفوق أجسادهم، جميعاً، تجمّع الذباب الأزرق، والحشرات الطائرة،

كما تتجمع فوق الجثث!!

وإلى جانب هذا، كله، ارتفعت أصوات الدعاء، والضراعة، وصاحت.. AVE.. MARIA AVE.. MARIA

كانت تلك القوافل تلف وتدور، حول الكنيسة لتي اكتظت بالمصلين، حتى لم يعد في وسع أي مخلوق الدخول إليها.. جميع ما يمكن المرء تصوره، من لصوص، ومحتالينن

ومتحذلقين، ومخادعين، ممن احترفوا جميع مهن الحياة!.. جميع هؤلاء، راحوا يدورون، ويطوفون، حول تلك القوافل.. يرافقون حركتها.. يمشون معها، يتوقفون معها..

يحاولون، أبداً لفت انتباه أفرادها إلى سلعةٍ، أو إلى حيلةٍ، أو تعويذة، أوطلسمٍ ما!.. همهم الأول والأخير، اقتناص ما حمل هؤلاء الحجيج من متاعٍ أو نقودٍ،

أو حليّ، جاؤوا ليضّحوا بها داخل الكنيسة!.. أسرابٌ من الذئاب الكاسرة.. تدور حول فريستها المنهكة القوى.. تنتظر الفرصة المواتية لتنقض عليها!

وإلى جانب هذا.. ارتفع صوت الضراعة والدعاء.. AVE.. MARIA AVE.. MARIA

كانت حشود القوافل تزداد كثافة، مع مرور الوقت، كأن سيلاً لا ينقطع، من البشر قد راح يتدفق على ذلك السهل .. مما زاد في صوت الهزيج، حتى اجتمعت أصوات

الألوف على إيقاع واحدٍ.. يصيحون، كلٌ، كما يحلو له، وفي النغم الذي يختار.. ولا يجتمعون إلا على شيءٍ واحدٍ، وهو الإيقاع

…AVE.. MARIA AVE.. MARIA.. AVE.. MARIA..

فما إن مرت دقائق على الدوي الجديد، حتى نفذ أثره إلى أعماق فراس و "بالوما".. وبان أن الوهن، والضياع، قد نالا منهما كليهما.. زاد من شدة كربهما، ما

تصاعد من الروائح النتنة لتلك الحشود.. فتحول اشمئزازهما إلى غثيان.. حتى باتا على قيد ثوانٍ من الجري، هرباً، من ذلك الخضمّ المخيف!

وإذا ﺒ "بالوما" تصيح، فجأة.. وكأن قوة لا إرادية قد تمكنت منها..

- لنقترب من الكنيسة!.. لنقترب منها!

ردّ فراس، لا يفهم ما يحركها..

- ألم تتعبي؟!.. بل لنذهب من هنا.. لنغادر المكان!

- لا..لا!.. لم أتعب!.. لازلت متماسكة!.. أستطيع المقاومة!.. لنقترب من الكنيسة.. لنقترب منها.. ألا ترى غيرنا؟!.. جميعهم على مثل حالنا.. ألا تسمع..

هذا الصراخ؟!

بان العذاب مجسداً على وجهها.. أصاب شفتيها بعض التشنج، وتقلصت عضلات وجهها، فراحت يدها تشدّ وترتخي في عصبية مرضيّة على ذراع فراس.. وهي تردّد..

- ألا تسمع.. هذا الصراخ؟!

ثم تراخى جسدها، فجأة..

كان الصراخ قد بلغ ذروةً، بدا لهما فيها، كأنه يصدر عن مذبحةٍ بشريةٍ.. كأن رجالاً، ونساءً، يقتتلون.. يذبح بعضهم بعضاً، ليشربوا من دماء ضحاياهم!!

قال "جيوفاني"..

- إنهم يطلبون الشفاعة!

وكان يجاهد، طوال الوقت، لإبعاد المتطفلين عن سيديه.. يدفع هذا، ويركل ذاك!.. إلى أن قال، في إلحاح وتصميم..

- إما ان نتقدم وإما أن نعود!.. لا جدوى من الوقوف هنا!!

ردّت "بالوما".. في وهنٍ..

-.. لا أقوى على الحركة.. أكاد أقع..

-.. إلى الكنيسة، إذن!!

وراح يدفع المحتشدين أمامه بعنفٍ، شاقاً ممراً لفراس.. قاد "بالوما" كأنها إحدى المريضات اللواتي أتين يطلبن الشفاء!.. فإذا بمتسولة تتبعهما، تتطلب حسنة

منهما.. تجري وراءهما، مادّة ذراعها، خلف ظهر فراس.. أمسكت بذراع "بالوما"، وشدّت عليها!

كانت جميع القوافل تتابع مسيرتها الدائرية، حول الكنيسة، تطوف وتدور.. يقود كل قافلة منها، أحدهم.. يحمل رمزاً دينياً ما.. صليباً، أو تمثالاً، أو أيقونة

أو غير ذلك.. يتبعه المؤمنون، يجرّون أقدامهم جرّأً، وقد أنهكت قواهم، حتى كاد بعضهم يسقط على الأرض لفرط الإعياء، والتعب! يلوحون في الهواء بأذرعهم..

يصيحون.. ويزعقون.. ويولولون، لدى مرورهم بباب الكنيسة، ولدى سماعهم ما ازدادت حدّته من جُؤار أولئك الذين وقفوا داخلها، قرب الصخرة المقدسة، فحظوا

بنعمة الانبطاح عليها، وطلب الشفاعة والبركة!!

…AVE.. MARIA AVE.. MARIA.. AVE.. MARIA..

راحوا يضربون صدورهم!! يمزقون ثيابهم!! يلطمون وجوههم! يجرّ البعض أقدامهم جراً، وقد شخصت عيونهم في الفضاء، كأنها لم تعد ترى ما أمامها!!

سقط فريقٌ منهم على ركبهم.. فهرع إليهم أناسٌ، من قادة القوافل، لجأوا إلى لعنهم، وشتمهم، لما تسبب به سقوطهم ذاك، من تأخيرٍ في سير القافلة!.. فتنهض الأجساد

المتهالكة.. وتعود إلى الزحف، مرغمةً يزداد زعيقها، وصراخها، وهي تعود إلى سابق حالها في اللف، والدوران.. تدور، وتدور.. يزداد التصاق الناس، وتداخل القوافل

بعضها ببعض.. فتزداد كثافة الحشود التي تحلّقت حولهم.. حشودٌ، راحت تدور معهم، حتى أصبحت ألوف الأجساد التي حول الكنيسة، مدّاً واحداً.. جسداً واحداً،

يدور ويدور.. يعذب نفسه.. يمزق أعضاء جسده.. يمارس على نفسه جميع ما يمكن تصوره من قسوة وحشيةٍ.. حتى غابت جميع المعالم الإنسانية عن تلك الحشود!! لم

تعد، بشراً يمشي.. بل كتلة متماسكة، صمّاء عمياء.. صنفاً غريباً من أحد أجناس الحياة.. يدور.. ويدور.. يدبّ حول صرحٍ مقدسٍ.. تقوده قوة مخفية، مجهولة!!..

يصرخ.. ويصيح.. في نفسٍ واحدٍ، صريح..

…AVE.. MARIA AVE.. MARIA.. AVE.. MARIA..

كان الإعياء والشحوب قد بلغا مبلغاً على وجه "بالوما" حدا ﺒِ "جيوفاني" إلى التدخل.. فقال في حزم..

- إن الوقوف هنا لن يزيد الأمور إلا سوءاً.. يجب التحرك.. الآن!

نظر إلى الأجساد التي اكتظت، وتدافعت على باب الكنيسة، ومن فوقها، بانت في الداخل، أوشحة الأبخرة الزرقاء، التي تبرق من خلالها أضواء مئات الشموع، فقال

في تصميم..

- لن نستطيع الدخول إلى الكنيسة.. من هذا الباب!.. إني أعرف مدخلاً آخر..

وأشار إلى فراس بالتمسك جيداً بالفتاة، واللحاق به.. ثم راح يدفع من كانوا أمامه، بكفيه.. تاركاً مكانه، على باب الكنيسة، لغيره، متجهاً نحو جدرانها

الخلفية!.. فتبعه الزائران المنهكان.. يستجمعان من أعصابهما، بقايا قوةٍ، تعدهما بالخلاص!.. يسيران لا رغبة في الوصول إلى هدف ما، بل خوفاً من السقوط

على الأرض.. نهبة لنعال وأقدام تلك الكتلة البشرية، المتحركة، العمياء!!

فتح "جيوفاني" باباً قديماً صغيراً، رصف الجدار المحيط به بمئات، ومئات قطع الرخام التذكارية.. كلُ منها تحمل اسم وتاريخ البركة التي تلقّاها أحدهم..

تبعه الزائران، على الفور، دلفا إلى شبه غرفةٍ، أو ممرٍ حجريٍ عريض.. معقود السقف.. تبين لهم، في آخره، منفذٌ إلى أوشحة الأبخرة الزرقاء، وما راح يبرق

عبرها من نور الشموع البرتقالي.. داخل الكنيسة..

كان سقف الممر مرصوفاً، هو الآخر، بنماذج واقعية، لما تلقّى البركة، أو الشفاء، من أعضاء جسد الإنسان!.. علقت عليه.. أو تدلت منه.. نماذج عن الأيدي والأذرع،

والأرجل، والأقدام.. نماذج عن الأفخاذ، والركب.. والوجوه والأثداء.. معظمها من الشمع، والباقي من الخشب أو الحجر، رسم عليها جميعها في دقة مدهشة، نوع

العلة التي كانت تقاسي منها.. فبانت عليها الندوب، والجروح، واضحة، إلى جانب التعفنات والقروح!! بانت الأورام والالتهابات بأنواعها الحقيقية.. فبدا ذلك

السقف المخيف، كأنه أرض مشرحة، في مشفى.. صُفّت عليه قطع الجثث التي أصيبت بجميع أنواع الأمراض، وجميع أسماء العلل!!

أما على أرض ذلك الممر، فلقد تمددت، وتهالكت، عشرات الأجساد، جميعها من الشيوخ، أجسام أولئك العجزة الذين سقطوا أمام محراب الكنيسة مغشياً عليهم.. أزيحوا

عن المذبح، ليُفسح المجال لغيرهم.

جيء بهم إلى ذلك الملاذ، فصفّت أجسادهم، جنباً إلى جنب، كما تصفّ الجثث أثناء وباء الطاعون!.. لا ترى منها إلا أكتافها المتهالكة، ورؤوسها الشائبة..

أو الصلعاء.. يسيل اللعاب والزبد من أفواهها، وقد ارتخت أشداقها، وتهدلت شفاهها!!

كان أحدهم قد وصل.. متهالكاً، ينوء بحمله رجلان.. يسيل الدم من أنفه، ومن جروحٍ على وجهه!.. تدلّى رأسه، فراح يترنح أمامه، مع إيقاع خطوات الرجلين.. يتأرجح،

تارة إلى اليمين، وتارة إلى اليسار، تتساقط قطرات دمه على ثيابه، وشفتيه، وذقنه!!

لم يكن ذلك الكهل قد نال البركة.. فتعالت الصيحات من خلفه!

- يا عذراء!!.. يا عذراء!!.. يا عذراء!!

وكان صراخاً مريعاً، مخيفاً.. أشد ضراوة من صراخ إنسان يحرق على النار!! جؤارٌ أشد رهبة من عويل إنسانٍ يلاقي حتفه خنقاً، في بحرٍ من الظلمات!!

- يا عذراء!!.. يا عذراء!!.. يا عذراء!!

امتدت ألوف الأذرع في ضراعة، نحو المذبح.. في تشنج وحشيّ!! .. ركعت النسوة على ركب يسيل منها الدم.. تبكي وتنتحب.. تشدّ شعرها.. تضرب أوراكها.. تلطم بجباهها

الأرض، وهي تتلوى في تشنجاتٍ شيطانية!!

كان عدد منهن قد انبطحن، ووجوههن إلى الأرض، بلغ بهنّ التشنج أن ارتفعن بأجسادهن المتصلبة، لا يرتكزن إلا على أكواعهن ورؤوس أصابع أقدامهن!! رحن يتقدمن

من المذبح، خطوة، خطوة، يقمن أثناء ذلك بحركات أفعى جريحة.. تزحف في انتفاضاتٍ متتالية! وكانت أيديهن، خلال ذلك، ترتجف أمام رؤوسهن، دون أن تمس أفواههن

المفتوحة عن ألسنٍ مشققة، تدّلت، وهي تقطر دماً.. ينزلن بها على الأرض المرة بعد المرة.. ليرسمن بها الصليب، على ترابه، بلعابهن الدامي! بينما وقف رجل

أمامهن، وفي يده عصا، راح يدّق بها على الأرض، يشير لهن من حيث لاينفع السمع.. يصحح اتجاههن، كي لا يحدن عن وجهة المحراب!!

- يا عذراء!!.. يا عذراء!!.. يا عذراء!!

كان قد ركع إلى جنبي هؤلاء النسوة المتضرعات، عدد آخر من النساء، رحن يراقبن العذاب، ودموعهن تسيل على وجوههن، تشددن من أزر الزاحفات.. يحثّهن على المضيّ

في درب العذاب! ما إن تبدي إحداهن علائم التراخي أو الإغماء، حتى تسعف، فرفع من إبطيها، أو يمسح جبينها بخرقة مبللة..

وكان بكاء هؤلاء يزداد لعذاب الأطفال، والشباب، والشيوخ، ممن ينتظرون دورهم للتقدم من المذبح.. لا يصبحون جديرين بالنظر إلى اللوحة التي صوّرت معجزة الشيخ

والعذراء.. إلا إذا مرّوا بدورهم فوق الأطلال التي رسمتها خيوط اللعاب ذاتها!.. يلطمون جباههم على الأرض الصخرية التي تناثرت فوقها أشلاء صغيرة ممزقة

من اللحم البشري!!

جميع هؤلاء، أخذوا يشحّطون على الأرض.. يقومون بتلك الطقوس، طلباً للبركة، أو وفاءً لندرٍ، أو أملاً بشفاءٍ من مرضٍ عضال!! يصيحون، ويزعقون..

- يا عذراء!!.. يا عذراء!!.. يا عذراء!!

* * *

تجمعت حول المذبح أمهات، جفّ من صدورهن الحليب، كشفن عن أثدائهن للعذراء، يطلبن منها العون!.. وإلى جنبهن، أزواجٌ، رفعوا على أذرعتهم أطفالاً، رضعاً،

جفت أجسادهم من نقص الغذاء، يندّ عنهم عويل مروع مشابه لعويل ذلك الطفل الذي امتصت روحه الغيلان!! وإزاء هؤلاء، وقفت نساءٌ عاقراتٌ.. ينظرن إلى أجساد

الأطفال الضامرة، في هلعٍ.. يضربن على بطونهن.. يقدّمن، كتضحية، ثياب الزفاف، وما لديهن من ذهب..

- أيتها العذراء المقدّسة، باركيني، باسم هذا الطفل الذي بين يديك!!

كنّ في البدء، يخاطبن العذراء، في صوت خفيضٍ، كأن له القدرة على تجاوز الزعيق، والعويل، للوصول إلى لوحتها.. وإجراء اتصال خفيّ مع قدراتها.. لكن سرعان

ما كنّ يرفعن أصواتهن، بالتدريج.. بعدما يجدن أن التوسل، بواسطة الإقناع، لا طائل من ورائه!.. فيبدأن صياحاً ملحّاً، يزداد حدّة، حتى يبلغ زعيقهن درجة

الجنون!.. كأن شدة الصوت، في ذاتها، قادرة على النفاذ إلى قلب العذراء، التي تنظر إليهن من اللوحة في سكون!!

- باركيني!!.. باركيني!!

ثم يتوقفن، فجأة، وقد انتفخت أوداجهن، وكادت عروق أعناقهن أن تنفجر!!.. ينظرن، في تمعّنٍ، إلى تقاطيع وجه العذراء، في اللوحة، علّهن يلحظن على معالمها

تغيراً، يشير إلى أنها تقبّلت الدعاء!!

كانت جموع الوافدين تمرّ أمام شباكٍ حديديةٍ، تفصل المذبح عن المصلّين.. ومن وراء تلك الشباك، وقف الكهنة صفاً واحداً، يتلقون الهدايا والهبات، من نقودٍ

ومجوهراتٍٍ، تنهال عليهم، فيسارعون لتسلمها من أصحابها، مستخدمين في ذلك أيديهم وأذرعهم، فتهتز أجسادهم بموجب الحركة السريعة للأخذ والتسليم، فيبدون،

كمهرّجين، يقومون بدورٍ هزلي، داخل أقفاص "سيرك" غريب!

راحوا يدفعون بتلك الهبات إلى من وراءهم، فكان يسمع لتراكمها على الأطباق الكبيرة، وقع معدنيّ، تنصت له آذان صفٍّ آخر من الكهنة، الكتبة، جلسوا إلى مائدة

مستطيلة، كانت الأطباق توضع عليها، فتجرد الهبات، وتُفحص، ثم تُدوّن أسماؤها، وقيمتها، على السجلات التي أمامهم!

وينهض أحد الكهنة بين الفينة والأخرى، فيسمع قرع الأجراس الصغيرة، وتهتز المباخر العارمة، فتختلط رائحة القذارة، والمرضى، والصديد، برائحة العطر المقدس..

_* Ora Pro nobis sancta Dei Genitrix Ut digini efficiamur promissionibus Christi..

وبين الفينة والأخرى.. يحلّ صمتٌ مخيفٌ، كأنه هدوء ثوانٍ، وسط إعصارٍ هائلٍ مجنون.. كان يسمع فيه، باللاتينية.. وبحروف واضحةٍ..

_** Concede nos famulos tous!

[*صلي لأجلنا يا أم الله القديسة لكي نستحق وعود المسيح..]

[**مُنّ علينا بهباتك..]

* * *

تباعد من كانوا يسدّون المدخل الرئيسي، تحت القوس الكبيرة، وبان على العتبة، زوجان شابان، يرافقهما رهطٌ كبيرٌ.. جميع أفراد أسرتيهما.. تقدموا، وسط طنين

الذهب، وحفحفة الحرير..

كان للزوجة مظهر ملكةٍ بربريةٍ، عريضة الحاجبين، معقودتهما، قوية البنية، مشرقة الوجه.. جمعت شعرها الأسود اللامع، في ضفيرة عريضة، ارتكزت على كتفيها..

زمّت في البدء فمها الدموي، ثم كشفت أسناناً توضّعت في غير انتظام، تعلوها شفة غليظة، بان عليها وبر الرجولة! سارت في وقارٍ، مأخوذة بما هي فيه، غير آبهة

بما حولها، تجلّى حول عنقها عقدٌ من حبّات الذهب، لفّ جيدها، ثلاث مرات.. ومن أذنيها، تدلّى قرطان كبيران من التبر المحلّى باللؤلؤ.. وحول أصابع يدها

التي أحاطت بكتف زوجها، برقت أنواع الخواتم، جميعها مرصّعة بالحجارة الثمينة!

سار زوجها إلى جنبها.. وكان يافعاً، أمرد، رقيق البنية، شاحب الوجه.. تكسو ملامحه كآبة ظاهرة.. يسير إزاء زوجته، كأنه يشترك معها في حمل سرٍ رهيبٍ، بدائيّ

الجذور!

تباعد المحتشدون فجأة، يفسحون الطريق لهما.. يسير رهط من الأقارب من ورائهما، يواكبهما، في شكل حلقة كبيرة، متماسكة.. ما إن اقتربت من الشباك المعدنية

التي تفصلهم عن المذبح، حتى وقفوا قبالتها، جميعاً، في صمتٍ كئيبٍ، ورفع الزوجان أنظارهما إلى العذراء، يطلبان إعادة الرجولة المسلوبة.. إعادة ما سرقه

السحر، من الشاب، من مقدرته على إزالة بكارة زوجته! طالبا بذلك، في دعاءٍ حييّّ صامتٍ.. توجها به إلى العذراء.. لكن والدتيهما اللتين توسطتا حلقة رهط

الأقارب الذي أحاط بهما، تقدمتا خطوتين منهما، ووقفتا خلفهما، تلوحان بأذرعٍ مشدودةٍ قاسيةٍ، تعبت ليلة الزفاف، في رشّ القمح المُخصِب على الزوجين، دون

جدوى!

صاحتا بصوتين حادّين، تعيسين..

- يا عذراء!!.. يا عذراء!!.. يا عذراء!!

وفي صمت كئيب، راحت الزوجة الشابة تخلع خواتمها، خاتماً، خاتماً! ثم فكّت عقدها العائلي، والمتوارث منذ مئات السنين!.. تخلّصت من جميع ما تحلّت به.. جمعته

في كفّيها، وقدمته، صامتة، شاخصة، إلى المذبح!!

- خذي، أيتها العذراء المقدسة!!

وصاحت الوالدتان في صوتٍ بُحّ من شدة الصراخ!!

- خذي أيتها العذراء المقدسة!!.. خذي!!

كانت كل منهما، تلحظ الأخرى.. تراقب ما إذا كانت تضاهيها في شدة التوسل، وقوة الدعاء..

- خذي!.. خذي!!

وراحتا تنظران في لهف واجفٍ، إلى ما يتساقط من ذهب الأسرة في أيدي الكهنة!.. ترقبان، في لوعة ظاهرة، ما جمع ثمنه عبر أجيالٍ طويلةٍ من الكدّ والعناء!!..

من شقاء فلاحة الأرض، وجمع بذورها، وثمارها!!.. حليّ، حفظت في ظلمة الخزائن الحديدية، سنين طويلة، لا ترى النور إلا في مناسبات الزواج.. جيلاً بعد جيل!

شاهدتا تلك الحليّ البرّاقة تتساقط.. وتتساقط.. تبتعد عنهما فجأة، لتختفي من حياتهما إلى الأبد!! وفجأة، أحستا بوقع الصدمة الفادحة، على نفسيهما، وأصابهما

يأس شديدٌ تغلب على شكليّات الطقوس، فاستسلمتا للعويل، و النحيب!!

كانت عدوى المفاجأة قد سرت بين الحشود التي كانت تشاركهما لوعتهما لفقدان الذهب!.. فاشتركوا، جميعاً، مع أفراد الأسرة، في نحيبٍ مدوٍ.. يصيحون فيه..

- يا عذراء!!.. يا عذراء!!.. يا عذراء!!

ما عدا الشاب الحزين!.. فقد ظلّ صامتاً، ينظر إلى صورة العذراء، في حزنٍ، ويسيل على خدّيه جدولٌ من الدموع!

* * *

وقف فراس كما في الحلم، ينظر إلى ما يدور حوله.. يراه حيناً، ويضيع عن تمييز تفاصيل وقائعه، أحياناً.. تدفع به وﺒ "بالوما"، جموع الحشود.. فيفيق إلى

وعيه.. ينظر حوله، من جديد.. يراقب أدقّ التفاصيل، لما يجري حوله!.. يدقق في تقاطيع الوجوه، ورائحة الأجساد!.. فيرى أناساً، لا أسماء لها.. من عالم، لا

إسم له!.. تقوم بطقوس غريبة.. عن روح جميع الفلسفات والأديان!.. كأن الجنون قد تملّك إنسانية غريبة..لا علاقة له بها البتة!.. إنسانية تشكّلت من موادّ

عضوية غير التي صنع هو منها!..تقوم بحركات، وإشاراتٍ، وصيحاتٍ، ما عرف حتى تلك اللحظة، أن العواطف البشرية، كما كان يفهمها، قادرة على تحريكها، في تلك

الأجساد والنفوس!!

كانت وفودٌ جديدةٌ قد حلّت محلّ تلك التي تركت المذبح!

ازداد الزحام في الكنيسة حتى تجاوز، بعضهم، وغطى، فسحة مسرح التضحيات الصغير!.. فتقدمت امرأة، تشبه حيّة رقطاء، أزالت أمراضها الجلدية معالم وجهها..

رفعها ذووها عن الأرض، فأمسكت بالشباك الحديدية، وراحت تهزّها، هزّاً عنيفاً!! تصيح صيحات مخاضٍ، ومؤلمٍ، لا يفهم معناه!.. فتتجاوب الحشود مع صراخها!..

وتصيح الجموع بصوت واحد!

- يا عذراء!!.. يا عذراء!!.. يا عذراء!!

* * *

نظر فراس خلفه، يبحث عن "جيوفاني"، فتنبه إلى أن الرجل كان قد أحاطه، مع فتاته بذراعيه، دون وعيٍ من أيٍ منهما، وأنه كان يشدّهما إليه بقوة، فيقيهما

ذلك من السقوط.. ولعل "جيوفاني" أدرك أنه بات عليه، هو، اتخاذ القرار، فبادر إلى سحبهما بشدّة.. يدفع الناس من ورائه، بكفيه وظهره.. يركل من حوله بقدميه،

ويتراجع، خطوة، خطوة، وقد طوّق بذراعيه كلاًّ من فراس و"بالوما" التي طفقت تجرّ قدميها، وقد استسلمت إلى شبه غيبوبة صاحية..

كانت جميع الأصوات قد تجمّعت واتحدت، كأن ذلك العويل الذي يشقّ الصدور، صار عويلَ إنسانٍ معذّبٍ واحد!! وبات ذلك الدم المهروق، ينزف من جراح جسدٍ واحدٍ..

وأرواح ألوف تلك المخلوقات، أضحت روح مخلوقٍ واحدٍ!! إنسان، شقيّ، متعبٌ، مريضٌ، يُطلِق صرخةً واحدةً!! يرتعش، بانتفاضة واحدة!! ويتأجّج، بغضبة واحدة!!

تجمعت، جميع العلل والأمراض، في علّة واحدة!! وتركزت، جميع المطالب، في أملٍ واحدٍ!! أملٍ، كان على العذراء المسكينة أن تلبيه!!

- امنحينا البركة.. يا عذراء!.. ياعذراء!!

* * *

كان الخروج من ذلك الجحيم مؤلماً، مروعاً، محرّقاً، على مثل ما كان الدخول إليه.. وبان على "جيوفاني" أنه نال قسطه من العراك، والتعب، ولولا الأمل بالخلاص

السريع من بؤرة الآلام تلك، لما وجد فراس من نفسه بقية عزيمة دفعته لمشاركة "جيوفاني" في شقّ الطريق ﻟ "بالوما"، المنهكة، الخائرة القوى، ولمساعدته على

حملها، من حين إلى آخر!

كان اللصوص والمحتالون، والمراوغون، وجميع من لفّ حولهم، ممن قدموا إلى السهل بغية الربح، ينتظرون خروج أولئك الذين طلبوا البركة من المذبح، يعلمون،

سلفاً، ما ستكون عليه حالتهم من الإعياء واليأس.. فيلاحقونهم، رغم علمهم بأن هؤلاء المساكين قد تركوا وراءهم معظم ما معهم.. يتبعونهم، بغية تجريدهم من

القليل، مما تبقى لديهم من طعامٍ أو ثياب!! وكان مظهر "بالوما" يوحي بأنها، هي الأخرى، قد حاولت نيل البركة، ولم يبدُ عليها ما يشير إلى أنها ضحّت بجميع

ما تملك من حليّ!

كانت درباً شاقةً، كاد "جيوفاني" خلالها يلجأ إلى المِدية الطويلة التي استلها، تحسباً للطوارئ!.. ولولا بريق شفرتها الحادة، في يد رجلٍ على مثل تقاطيع

وجهه، المتجعدة الصارمة، ولولا ما يرتديه من ثيابٍ أهل المنطقة، مما دلّ على أنه ليس من عداد أولئك الذين أتوا إلى كنيسة العذراء، طلباً للبركة.. لكانت

اللصوص تمكنت منه، ومن صحبه.. ولكان لا بد التقى، بين أولئك اللصوص، بمن يعرف كيف يحتال على مِديةٍ، في يد فلاّحٍٍ بسيط!

توقفوا برهة، يستريحون، وكانوا قد اجتازوا معظم المسافة التي تفصلهم عن العربة.. نظروا من حيث ارتفعوا فوق جزءٍ من السهل.. فإذا الكنيسة، وأطلال الدير،

تبدو لهما من بعيد، كبقايا صروح ينداح حولها إعصارٌ أسودٌ ينبع سطحه من بطن الأرض.. يدور حولها، في بطء.. يوشك أن يتسارع ويرتفع، ليبتلع الجميع!

أدار فراس وجهه، بغتة، بعيداً عن المشهد.. وكانت "بالوما" غارقة في النظر إلى الجهة الأخرى.. فقال..

- ..لن أستطيع النظر إلى مثل هذه المشاهد.. بعد اليوم!! لن أمرنّ بعد اليوم بمثل هذه التجربة! أو بأية تجربة مشابهة!!

ردّت "بالوما" في وهنٍ شديد..

- أنا، "مكسيم" أنا.. أخذت قسطي من حاجة عيني إلى النظر!.. "مكسيم" إني أحسّ الآن كأن عيناي ترفضان النظر إلى أي إنسان.. كائناً من كان!!.. كأنهما أصيبتا

بإشباعٍ غريبٍ!!

هزّ رأسه، يرفض الانصياع لفكرة أن الذنب كان ذنبها، وأنها هي التي أرادت المضيّ في تلك التجربة..

أدركت ما يجول في خاطره.. فهمست.. تختصر العتاب..

- لا تلق بجميع اللوم على كاهلي وحدي!.. لقد أدركت، منذ البدء، نوع السحر الذي كان يجذبني إلى هذه العوالم التي كانت مجهولة لديّ!

ورفعت يدها إلى رأسها، في إعياء.. كأن الكلام قد استنفذ منها آخر قطرات الحياة.. شحب وجهها فجأة.. فشدّ فراس على خصرها، يمنعها من السقوط، وتلفّت يبحث

عن "جيوفاني" الذي كان يشير إليهما من بعيد، وقد عاد بالعربة، من حيث تركها، في رعاية الحرّاس..}

* * *

(ص302-305)

{- بل أنت لا تزالين على ما كنت.. "بالوما"!.. وإذا كان لابد لك من معرفة ما أحسه.. فلا بأس في أن أقول لك، الآتي.. إنك ما زلت ذلك الجسد الجميل، والوجه

الساحر، والنفس التي تخفي كنوزاً من الطيبة والعذوبة!.. لكني.. لعلّي كنت أحاول، في الماضي، أن أكتشف فيك غير كل هذا!.. كنت أبحث فيك عن أمورٍ أجهل كنهها!..

جذورٍ، أتشوق لمعرفتها، والآن، وقد أدركت وحدي ما يمكن أن يواجهه المرء من عوالم غريبة، إذا ما هو حاول المضيّ قدماً في اكتشاف الجذور، فإني أتراجع عن

هذه المهمة، وأنا راضٍ!!

ردّت "بالوما"، على الفور..

- ولماذا لم تقل منذ البدء؟!.. إنك باختصار شديد، تحمّلني شيئاً مما كرهتَ اليوم!.. إنك باختصار شديد.. تنسب ما بنفسي، إلى تلك الجذور التي شاهدت أحد

اشكالها المخيفة اليوم!

مدّ فراس يده فوق المائدة، يمسك بيدها المرتجفة، قال، وابتسامة صادقة حنون على شفتيه..

- "بالوما" ثقي إني لا أحملك، أنت شخصياً، أي لوم، بخصوص أية تجربةٍ، خضناها معاً، هنا.. وإنك رغم ما قلته البارحة، من فهمك لما يحرّك هذه الأرض، وما

تعرفينه عنها، وتشاركين بالإحساس به من حرارتها، أقول، إنني رغم هذا، لا أنسب جميع جذورك إليها.. جذورك، الواعية منها على الأقل!.. كل ما في الأمر، هو

أني أدركت بعدي، أنا عن جميع ما يمور وينمو، فوق هذه الأرض، من شجرٍ، وعشبٍ، وهواء! لم أقل: إني أدركت ما يبعدني عن أهلها.. وأهل غيرها، من سكان هذه القارة!..

فهذا أمرٌ كنت قد أدركته من قبل!!.. أقول لك الآن، ما هو أهمّ، وأدهى.. لقد أدركت أني بعيدُ، غريبٌ، في أعماقي، حتى عن طبيعتها.. طبيعتها التي كنت لا

أرى فيها، من قبل، إلا روعة جمالها وسحرها، الخارجيين!!

- يا إلهي!.. "مكسيم"، ماذا تقول؟!.. ما هذه المبالغة؟!.. هل تعني ما تقول؟.. هل صرت تكره حتى الأشجار، والقمر؟!

وقامت إلى النافذة، تفتحها على مصراعيها، وتشدّ فراساً إليها، ليشاهد المنظر الخلاب الذي تشرف عليه.. وسألت في عصبيةٍ، حائرة..

- هل تكره هذا!.. هل بتّ تكره نور القمر؟!.. نوره الفضيّ على سطح هذه البحيرة الساطعة؟!

لم يلتفت إلى الوادي.. نظر فراس إلى وجهها الجميل، وردّ في هدوء..

- كنت أرى في هذا المنظر، سطحه الخارجيّ، الخلاّب!

وأمسك بوجهها بين يديه، يطبع قبلة على شفتيها، غير آبه لدهشتها لكل يفعل، ثم تركها، وأردف..

- كما كنت أرى في وجهك الجميل، بشرته الرائعة.. ثغرك الشهيّ..

- والآن؟.. والآن؟.. هيّا قلها!

- والآن صرت أنظر إلى ما وراء الوجوه، إلى ما وراء البشرة الشابة، أو المتجعدة!.. أليس هذا ما دفعني للبحث عنه، بالأمس؟!.. صرت نظر إلى ما تبرق به

العيون، وليس إلى لونها، وشكلها فقط!.. صرت أنظر إلى ما تودّ التفوه به الشفاه، وليس إلى ارتجافة الشهوة فقط!!.. بل أقول لك أكثر من ذلك.. أنا لم أعد

أكتفي بما تتفوه به الشفاه، بل صرت أنظر إلى ما يحضّ هذه الشقاه على الكلام!.. وإلى ما يختفي وراء القدرة على الكلام ذاتها.. من قدراتٍ أخرى، وهكذا دواليك!..

هل تفهمين ما أعني، هل يكفيك ما سمعت؟.. أو أزيد؟!

كانت "بالوما" تنظر إليه، وقد ضاع ذهنها عن معظم ما قال.. أدرك فراس ذلك، لكنه لم يكترث لشرودها.. أدارها نحو النافذة، في رفقٍ، وتابع قوله..

- "بالوما" إن الدين لشيء، والطقوس لشيء آخر!.. إن أوربا لم تخترع المسيحية، بل اكتشفتها.. والتعاليم المسيحية التي أتت إلى أوربا من الشرق، عبر عبيد

روما، وغيرهم.. إن هي في الأصل إلا تعاليم شرقية‘ رائعة.. موجودة في أناجيل طاهرة.. لا مجال للاختلاف عليها.. ولم تدع للقيام بأي طقس من مثل هذه الطقوس

اليونانية، والرومانية، الجذور!..

إن نور فلسفة المحبة الشرقية لم ينتشر، في أوربا، إلا بعد انعكاسه على مرآة رومانية وثنية.. وأخرى يونانية بحتة.. لذلك نراه اليوم قد تلون بطقوس آلهة روما

الإغريق.. لدرجة أن الشرق ذاته، قد نسي النبع، وبات اليوم لا يتوجه في صلواته إلا إلى تفاسير هاتين القبلتين الغربيتين!.. إن تعاليم الروح والمحبة كانت

ضد المعابد، والمتاجرة فيها.. والمعابد في أوربا اليوم أصبح لها بنوك وشركات استثمار.. بل لقد كانت لها جيوشٌ، حتى عهد قريب!.. إن الذي شاهدناه اليوم،

مما قام به الحجيج، إنما كان طقوس هذه البلاد.. بلاد الغابات والجبال، والأشباح والأرواح المتخفية وراء كل شجرة، وكل صخرة!.. بلاد الخوف من القدرات الطبيعية

المجهولة.. يعطيها الإنسان ما يملك، في خوفٍ، وهلعٍ.. كأنه يستسلم إلى قاطع طريق!

إن الإنسان، في أوربا، إن هو في الأساس إلا مخلوقٌ ذو تركيبٍ نفسيٍ ضعيف.. إنسانٌ غبيٌ، يميل إلى الشعوذة.. ولعل ذلك مردّه إلى ما اضطرته القرون الطويلة

لمواجهته، باستمرار، من ظروفٍ حياتيةٍ طبيعيةٍ من أقسى وأشد ما وجد على هذه الأرض!.. "بالوما" إن قوة الإنسان الأوربي، جسدية وظاهرية، بناها وفق ما اضطرته

ظروفه القاسية لبنائه من وسائل دفاع.. فلئن كانت الشدة والتقلب، تقيدان في بناء جسد أقوى.. إلا أن مواجهة المجهول، وبشكل مستمر، متقلب، يضعف التماسك والبناء

النفسي.. خصوصاً، حين يضطر الإنسان، كما هي الحال في أوربا، إلى إيجاد أجوبة مؤقتة، تتماشى مع سعة علمه المؤقتة.. أجوبة، لا يلبث أن يضطر إلى تحطيمها،

جيلاً بعد جيل.. يضطره المجهول لخلق آلهة على شكله وشاكلته، تتوافق مع إدراكه ومقتضيات حياته اليومية.. آلهة تحمل نقصه، وشهوته، وتناقضاته.. ثم لا يلبث

أن يحطمها، ليتبع آلهة أخرى، أنسب له من الأولى تتوافق مع ظروفه الجديدة!.. إن الإنسان الأوربي، اليوم، لا يزال في أعماقه إنسان غابات!.. غاباتٍ باردة،

مظلمة.. رغم آلاته وحضارته الآلية.. فهو ما يزال يرتعد من المجهول الذي قد ينقض عليه، والذي يخافه، منذ الأزل!.. وفي كل لحظة!.. فكيف يتخلى عن وسائل دفاعه

اليوم، من مال، وجاه، ولباس، ومظاهر قدرة؟!.. لذلك تجدين أنه حتى المؤسسات الدينية هنا، لا تقبل بالتخلي عن مثل هذه الوسائل الدفاعية الخارجية!.. ألا

ترين المعنى الحقيقي لأزياء رجال الدين؟! لذلك لم تقبل أوربا، منذ البدء، تعاليم البساطة والتقشف التي هي أسمى التعاليم، وألبستها هياكل الطقوس الوثنية

التي لا يمكنها التخلي عنها!! وجميع ما قلت، إنما أسبابه كامنة في الوجه المخيف للغابات، التي تكسو هذه الجبال!.. خلقت أناساً لا يرهبون الغيلان فقط،

في "أبروتزي" إيطاليا، بل جعلوا منها مخلوقات مخيفة، لا يخشون "النيبيلونغ" في الغابة السوداء، في ألمانيا، بل أسكنوها مياه نهر "الراين"!.. فتّشي جيداً..

وستجدين أن لكل غابةٍ، في أوربا، شياطينها، وعفاريتها الخفية!!..

بدت "بالوما" مأخوذة بما تسمع، وإذا بها تنظر إليه في تمعن، وتقول ساخرة.. متحدية..

- "دون ماكسيميليانو"!.. هل لي بمعرفة كيف تترفع أنت، عن هذه النظرية الأوربية الغيبية للكون؟!.. لئن كانت جذوري، أنا تمتد إلى هذه الأرض القاسية،

التي أنتجت هذه العفاريت، وتلك الطقوس الغريبة.. فهل لي بعرفة أية أرض ينتسب إليها "دون ماكسيميليانو"؟!

تشاغل فراس عن الإجابة برهة، أشعل لفافة، وهو يتيح ﻟ "بالوما" الوقت الكافي ليهدأ بالها، لعلها تفهم ما سيقول لها..

- "بالوما"، إن في أوربا بقعة، كأنها من أرض الشرق الذي نبتت فيه جميع التعاليم المقدسة!.. فكيف تسألين مثل هذا السؤال، وأنت ابنة إسبانيا، والأندلس؟!}

images/clip_image