القسم الثاني

5 0 00

القسم الثاني

(ص330-333)

{نظر إلى السماء، ثم التفت حوله مفتوناً.. لا يصدق، للمرة الثانية، ما رأت عيناه!

بدت.. قبة السماء العالية، زرقاء داكنة.. يوشح أطرافها، التي تهدلت على آفاق دمشق، شريط من ذهب الشفق .. غطّى بعضه سفح قاسيون الذي تلألأ بأنوار خفيفة،

تحدرت، حتى تمازجت مع عتمة وسط المدينة.. ثم غابت في متاهات رسمٍ، منبسطٍ.. حيك من ألوف الأسطحة الدمشقية المستوية! أشكالٌ هندسيةٌ، متشابكة.. معشّقة

بنور الشفق، مكحّلة، بما يفصلها، بعضها عن بعض، من فسحٍ ضيقةٍ مظلمة.. وفي وسط ذلك البساط المزركش، المديد الذي يعجّ بهمس الحياة، ودبيبها الأزلي.. شمخت

مآذن الجامع الأموي الكبير! ثلاثة صروحٍ جليلةٍ، مهيبة فارعات الطول!,, مشرقات الوجوه! مجلّلات بإضاءة نحاسية، عذبة.. بدت، من حيث وقف فراس، على أقدامها..

شاهقات الارتفاع! تجاور قبة السماء!.. تهيمن على قاسيون، وجميع ما تحلق حولها من حياة المدينة! صروحٌ ثلاثة.. شواهد ثلاثةٌ.. تلهج للإسلام بالعزّة.. ولأمية

بالفخار.. تذكّره بما نبض به قلب المدينة يوماً.. فترددت أصداؤه من الصين، حتى بلاد الأندلس!!

لم يدر، كم أمضى من الزمان، وهومسحور بما رأى..

تعود في الماضي، رؤية قلب مدينته، عن بعدٍ.. من سفح قاسيون.. أو فوق أسطحة العمارات.. يدرك أنها التاريخ، لكنه يراها، كما التاريخ.. نائيةً عن عالمه..

منفصلة عنه!.. لا يستطيع الاقتراب منها، إلا بما تسمح به الطرقات والدروب الضيقة، وزحمة المساكن.. فلا يرى قلب المدينة إلا مقترناً بالإهمال، وضوضاء البشر!

في تلك الليلة.. جلس حيث كان، وقد انتابه الخشوع، أمام ما تراءى له من عوالم كانت خافية عليه!

كان تاريخ بلده، حتى تلك اللحظة مبعثراً في ذهنه.. وأحداثه، محطّات، متباعدة، على طريق طويل.. يبدؤه الإنسان متى ازداد وعيه، ويتناساه مع مرور الزمن.. لا

هو قادر على إيقافه، لدراسته، جملة واحدة.. ولا سبيل للتوقف أمامه، فيستوعب منه لحظة واحدة، كما يحبّ.. دون احتمال النسبية، أو الخطأ!

وإذا به، في ذلك المكان المرتفع، المعلّق، فوق أسطحة دمشق، كأنه في كرة كونية للزمان.. ينساب معها، وهو يتربع على مركزها! جلس، كأنه على بساط الريح.. يحوّم

بين مآذن الجامع الأموي، يرى التاريخ رأي العين.. يتحلّق ويتزاحم حولها!!

كم من النوائب أصابت تلك المدينة.. كم من ملايين البشر، تعاقبت على أرضها.. ماتت فيها.. وتبددت أجسادها في كل ذرة من ذرات ترابها!

ليس تذكّر المرء لموقعة تاريخية ما، مثل وقوفه على بقعة الأرض التي دارت عليها تلك الموقعة.. يسترجع التاريخ في ذهنه.. حتى ليكاد يسمع صوت السلاح، ويرى

جثث الموتى بأم عينه!

تاريخ دمشق تجسد أمامه في تلك البيوت القديمة المتشابكة.. تلك الصروح المتجددة، التي ما انفك يهدمها الغزاة، وما تفتأ تعود إلى الحياة.. تهبّ من جسد الأرض،

تمتد، وترتفع في الهواء.. أغصانٌ، تنبت من الجذوع المقصوصة ..من السوق المبتورة.. مما تبقى من جذور الشجرة الأم المختفية تحت التراب!! تعود.. مرّة بعد

مرّة! موقعة بعد موقعة! كارثة.. عقب كارثة! مذبحة.. تلو مذبحة! ألف مرة.. بعد ألف مرة!!

كم من ملايين الغزاة حاصروا تلك الأسوار.. وكم من مئات المرات دكّوا قواعدها.. بعثروا حجارتها.. ومزّقوا أجساد حُماتها!!.. تقتحم جحافلهم بيوتها.. تسبي

نساءها، تقتلع أشجارها.. وتردم آبارها.. ثم تتركها.. خراباً، يباباً.. ليس فيها حجراً فوق حجرٍ.. وما من أثرٍ من كل ما بنى الآباء، وعمّر الجدود!

وكم من مئات المرات.. عاد أهل دمشق إلى البناء من جديد!.. ينكبون على تشييد الجنائن، والقصور.. يعودون إلى حفر الآبار.. وزرع الأشجار.. يخافون الإسراف في

زينة قصورهم، في البدء، فما إن يهنأون إلى الحياة، ويعيدون تجميل مساكنهم ببدائع الفن، من رخامٍ وفسيفساء، ورقشٍ وحفر، حتى يذيع صيت مدينتهم.. فيعود الغزاة

إليها من جديد.. يدكّون حصونها.. ويهدمون بيوتها!.. يقتلعون جميع ما تقع أعينهم عليه!.. يسرقون الكنوز، والرخام.. ثم يتركون المدينة.. هباباً يباباً..

تسرح الأطفال على ركام بيوتها.. يبكون ويصرخون.. ولا مجيب!

وتعود الحياة، من حيث التجأت في الضواحي.. فتقترب من المدينة والخرائب.. في بطءٍ، ووجل.. يرجع من احتمى من سكان دمشق، في قراها المجاورة، إلى مدينتهم..

يعودون للبناء.. مستخدمين الحجارة، كأسلافهم، حتى نفذت الحجارة.. الكبيرة منها، ثم الصغيرة!.. يبحثون عن آثار بيوتهم، بين الركام، حتى ضاعت.. أو يعثر

البعض على قواعد الجدران الحجرية، فيهتدون بها.. ويرفعون الأبنية عليها، باللبن والطين.. على أسلوب الآباء والأجداد.. ويبذلون ما تبقّى معهم.. الغالي

منه، والرخيص.. للحفاظ على روح المدينة، لإعادتها إلى الحياة، على سابق ما كان لها من رونقٍ وبهاء!

نظرةٌ خاطفة إلى ما حوله، كانت كافية لتُظهر لفراس فلسفةً خاصةً في العمران المتجدد، المتكرر، عبر الأجيال، في ذلك الجسد المتماسك!.. فما من دارٍ تستطيع

إزاحة غيرها من مكانها.. وما من مالكٍ يستطيع إزاحة جدارٍ من مكانه، دون هدم الدار المجاورة لها، على أصحابها.. وهكذا دواليك!.. كأن عشرات الألوف من تلك

الدور، بدأت ترتفع عن الأرض، في يومٍ واحد، وحسب إرادة واحدة، وتقسيمٍ متكافئٍ، واحد!

وكانت الطرق الضيقة تجري بين تلك البيوت المتماسكة، كالعروق والشرايين، بين مختلف أعضاء الجسد الواحد! .. قد لا يعرف العضو الواحد إلا ذاته.. وقد لا يعرف

صاحب الدار، إلا سماء داره.. لكن ساكن الدار الدمشقية، لا يعيش في العزلة الممضة التي يعرفها غيره من البشر.. لا يقاسي من ظنٍّ واهمٍ بأنه ولد، ذا حريةٍ

متناهيةٍ، في كونٍ، لا حدود له!,, فهو يعرف أن "حدود حريته، تنتهي، بابتداء حرية جاره!". لقد علّمته تلك الحكمة، فلسفة طراز البناء الذي يعيش فيه.. وهو

بذلك لم ينتظر فلسفة أوربا، في القرن العشرين، كي يحسن معاملة الجار.. أو يدرك، كحال الإنسان الغربي اليوم.. أهمية غيره من البشر، عن طريق حكمةٍ أو فلسفةٍ

يذكرهم بها مفكروهم.. في حين يرفضها نظام معيشتهم!

إنسان دمشق القديمة، إنسانٌ متكامل النفس.. متوازنٌ في إنسانيته وعقيدته.. بصرف النظر عن مستوى علمه أو ثقافته!.. ينشأ مع واقعٍ حياتيٍ صارم، يفرض على الفرد

غدراك حدوده.. بفرض عليه، ويُنمّي فيه، إحساسه بأنه جزء من كلٍّ متماسك البنيان، وأن خراب جدار الجار، خرابٌ لجداره! وأن قلّة مناعة دار جاره ضدّ اللصوص

أو الغزاة، أو عوامل الطبيعة، ستجلب الكوارث والضرر، على داره، وذويه!}

* * *

(ص350-351)

{عاد إلى القاعة بعد قليل، وكان قد صرف أحدهم، فلم يجد للمرأة من أثر.. فتلفّت، برهة، يبحث عنها.. ثم أهمل الأمر.. وتوجه ليتفحّص بقية معالم الدار..

كانت القاعة الشتوية، أصغر من الأولى، وسقفها أقل ارتفاعاً.. لكن زينتها كانت على مثل روعة زينة القاعة الصيفية.. يزيد من دفئها، ألوانها الداكنة.. واعتماد

الفنان على الأشكال الهندسية المتشابكة، الوقور، في الحفر، بدل صَخَب الأزهار، الزاهية الألوان، التي طغت على زينة القاعة الأولى..

لم يكن ذلك اليوم قد تنبه إلى المعنى التحليلي النفسي الذي تتضمنه خطوط هيكلية الفن العربي الإسلامي.. مال إلى الوراء، مسنداً رأسه إلى الحائط.. وأطلق لنظره

وفكره العنان.. يتأمل تفاصيل ما طالعه من زينة السقف، الرائعة..

تبدّى لذهنه أمرٌ لم يكن قد أدركه من قبل.. تجلّت لحواسه معانٍ خفيةٍ، تمور وراء الرسوم... ينظر إليها الكثيرون ولا يصغي إلى همسها أحد!.. إن تلك التشكيلات

الدائرية، والهندسية المتشابكة.. والزينة المتعددة الأطراف، و الجوانب.. تلك الكتابات المنمقة، ضمن ما لاحصر له من أفكارٍ جمالية.. هذا الفن السامي الرفيع

الذي عجز "إلي فور"* عن التطاول على كماله.. في حين أن أهله وأصحابه، تعودوه، وألفوه، حتى باتوا لا يرون فيه اليوم إلا خطوطاً هندسيةً صمّاء!.. هذا الفن

الحضاري المجرّد.. إنما ينبعث عن خيال مُبهم مرهف.. يجمع في بنائه الهيكلي النشوة والشك، والبهاء، والحزن.. يُظهر هذه الإحساسات، من خلال الانحناءات،

والاستقامات، والالتواءات و المتعرّجات، والأفقيات.. وجميع ما تقوى الخطوط على انتهاجه من مسالك تعكس ذهنيةً جماليةً تتوافق مع ما يتجمع ويتراكم في النفس

الإنسانية من عواطف غامضة، معقدة!.. عواطف تتّخِذ عبر الشكل المرئي، صور المربعات، والدوائر المتواصلة.. المتدافعة.. أشكال متعشقة.. تنساب خطوطها عبر

بعضها بعضاً، دون جهد مرئي.. كانسياب الروح بين النشوة، والبؤس.. بين الحلم، والمنطق.. بين قوة الزوايا، ودلال الأقواس.. بين نزوات حرية الخطوط الملتفّة

المنحنية.. والصرامة المطلقة التي هي من خواص الشكل الهندسي..

[*كاتب وناقد فرنسي، اشتهر بأسلوبه الأدبي في النقد] }

* * *

(ص372-373)

{-..ألا يكفي ما نحن عليه من تنكّر.. ألا يكفينا ما نراه من أزياء؟! أمّا عن اللغة.. فأنا موافق.. سنتكلم جميع لغات الأرض، ما عدا العربية! بل يجب أن يُحّرم

النطق بالعربية، على كل من هم ليسوا عرباً.. فخورين بعروبتهم!

خرج فراس من دار ماري روز.. يأسف.. للمرة الألف، على ما يصدمه في بلده، من مثل تلك المطالعات المحزنة! .. ولم يكن مبعث ذلك الإحساس كرهه للنقد، أو غيرةً

عمياء على انتماءاته ومعتقداته! لقد تعوّد ممارسة، وتقّبّل، أقسى وأمرّ أنواع النقد، في حداثته.. في باريس.. بل تعوّد تجاوز التجريح الشخصي، الذي ألف

سماعه من أناسٍ ضعفاء النفوس، لا حجج لديهم!

إنه ليفخر أن تلك الصدامات الفكرية الأولى، لم تفتح ذهنه، لكل جديدٍ، فحسب.. بل كسرت القالب الانطوائي الذي يحمله الكثيرون، والذي يمتلئ، إن عاجلاً أو آجلاً،

بمفاهيم معينة، تتلاءم مع بيئة وظروف الشخص.. فإذا به يشعر بالكفاية والامتلاء الذهني، فينغلق القالب على ذاته، معطياً لما فيه، شكله النهائي، وللذاتية

الذهنية، طابعها الخاص .. الملقّب بالشخصية..

ذلك القالب الأول.. وتلك الهيكلية النفسية التي يبنيها المجتمع فوق متحولاتٍ وراثية، معقدة.. تأئرت أيما تأثر، عند فراس، عبر صداماته العديدة، ومعاناته

الفكرية الأولى، منذ حداثته، وعبر عراكاته الفكرية المستديمة، المتجددة، في باريس.. في خضمّ وسط وجوديّ، لا يعرف الراحة، ولا الاستقرار! لا كرهاً بهما،

بل لأنهما يناقضان ذاتهما، بالتعريف.. فالفكر، حركةٌ.. والاستقرار على أمرٍ، سكون! لذلك، ألف الشك، تعود النقد.. و"نقد النقد"، ونقدَ، "نقد النقد"! يمر

فوق تلك الحالات، تباعاً، دون تبني إحداها.. بل يتعمد الإمعان في هذا السبيل.. حتى يعييه التفكير!!

لكن تلك، لم تكن سفسطائية جوفاء، لا آخر، ولا هدف لها! ولا سلسلة تفكير، معقودة الذيل، لا هدف لها، سوى تحقيق ذاتها! بل كانت، سعياً ممضاً، مجهداً، قد لا

يكون له من آخر، إلا مع نهاية الإنسان.. وتوقف فكره عن الحركة.. سعيٌ، هدفه، هو سعادة الإنسان، أو على الأقل، محاولة إسعاده! سعيٌ، غايته، حركة ايجابية،

إضافة إيجابية، ما، إلى وضع الإنسان العبثيّ، في هذا الوجود!.. لذلك، لم يكن هنالك من موضوع لا يقبل مناقشته في حماسة، مهما كان، إلا موضوعاً واحداً!

موضوعٌ إنسانيٌ وعر.. لم يستطع التغلب على مقته له.. هو موضوع السلبية الفكرية عند الفرد، أو الجماعة.. تلك السلبية التي يسببها ضعف البنية النفسية! ضعفٌ،

من نوع خاص.. تهالكٌ، لا يشابه ذلك الضعف الذي تقع على نقيضه القوة.. بمعنى أنه يكفي المرء المصاب به أن يُحقَن بما يقويه، كي ينهض جالساً.. تعود إليه

ثقته بنفسه.. فيحس بالقوة، من جديد!.. بل ضعفٌ، مرضيّ.. فتّاك.. يقع على نقيض جنون العظمة.. فلا الضعيف، إذا ما أصيب به، قادر على التخلص منه.. ولا المصاب

بجنون العظمة قادرٌ على إدراك حالة شبه الانفصام، الذي يعيش فيها!.. أنها سلبيةٌ، بغيضةٌ، مريضة، سوداء.. تتجلّى، مثلاً، عند المصاب بعلّة دائمة، أو المشرف

على الموت.. تطالع الإنسان لدى الجماعات، متجليةً عند الأقليات التي تعيش في "غيتّو*" نفسيّ، منذ طفولتها.. لا أمل لها في شيء.. تدرك حدود إمكاناتها الحياتيّة..

تقبل بها كارهة، مرغمة. فينقلب ذلك التناحر في نفسها إلى كرهٍ للذات، وحقدٍ أعمى لما حولها!! كرهٍ، أسود، مقيت، لمن تعيش معهم في قارب واحدٍ كبير.. وقد

يكون في عاصفةٍ، فتساعد على إغراق القارب، ظناً منها أن عدوّ عدوّها، هو صديقها! [*"غيتّو":منطقة في المدينة، تسكنها الأقليات منعزلة عن بقية السكان،

شأن مناطق اليهود، في الماضي، في معظم المدن الأوربية]}

* * *

(ص381-383)

{توقف فراس عند مفترق طرقٍ، يسائل نفسه، من حيث لا يدري، ما إذا كان ينوي متابعة المسير برفقة محدّثه!.. فنظر إليه مالك، في وجوم، ثم قال، في مرارة ظاهرة..

- حسنٌ!.. لقد فهمت.. سوف أمضي في سبيلي! لكن لي قول أخير.. لا شك أنك سوف تستغربه.. قد لا تكون آخر أصحاب النسب الشريف، كما تقول.. لكنك قطعاً في نظري،

آخر الأمويين.. نعم آخرهم.. بكل ما تحمله هذه الكلمة من هوسٍ عصبيّ، أدى إلى عزّة الأمويين، ثم إلى فناء دولتهم!

* * *

لم تغب كلمة مالك عن سمع فراس، دون أن تترك في نفسه، أثراً! لعل نفسه ما كانت لتجرؤ على التنفيس بالقليل مما يعذبها، لولا أنه كان يحدّث مالكاً بالذات..

إنسان، يعاني من أشد أنواع الهامشية والاغتراب.. إنسان، تهون عند مصيبته الشجون.. ويتضاءل أمام بليته الألم!

كان فراس يكتم انفعالاته تلك، عن أقرب الناس إليه.. خوفاً من أن تختلط عصبيته، عند فهم السامع، بالتعصّب الأعمى! كان يدرك، بوعي باطنيّ غريزيّ، أنه، كسمك

"السلمون".. قد تاه آلاف الأميال عن موقع نشأته.. وأنه يعود الآن إلى ذلك الموقع.. يجابه الأخطار، يقتحم التيارات المضادة.. يترك البحار الواسعة، المالحة..

سعياً وراء المصدر الضيّق للمياه الصافية.. مصدر النبع.. فيرتقي الأنهار، والشلالات المرتفعة.. سابحاً، عكس اتجاه الماء.. لاشيء يدفعه، سوى وعيه الغريزيّ..

ولا من هدفٍ يبغيه لدى بلوغه أصل النبع، سوى العودة إليه.. والفناء فيه!

لطالما اقشعرّ بدنه لمأساة السلمون، لعمى بصيرته؟! هل يزيد دأب سمك السلمون، وهو في طريق العودة إلى موقع نشأته، من المعنى المأساوي لتلك العودة؟! وهل كان

لتلك السمكة التعيسة أن تعاني، ما تعانيه.. في العودة إلى مكانٍ ما، بذاته.. لولا أنها فتحت عينيها على الحياة فيه فتصورت، أو طبع في جهاز غريزتها،

أن ذلك المكان هو المصدر الوحيد لكل حياة! وأنه البقعة الوحيدة، الصالحة، لإعادة التلقيح.. وتكرار الحياة؟!

هل غريزة العودة تلك، دفينة في ثنايا السلاسل الغريزية لجميع المخلوقات؟! فترى، حتى الإنسان الحضاريّ، الواعي، يتمسك بما ألفه أو تعلمه، خلال نشأته الأولى..

كأنها أمور مُنزَلةٌ، لا محيد له عنها! بل يصل تعلّقه بتلك الأصول، لدرجة، تصبح عندها في ذهنه حقائق بديهية، ليس للعلم وللمحاكمة، والذكاء، من مهمة في

الحياة، سوى إعادة اكتشافها.. وتجديد البرهنة عليها! وتكرار التأكيد بأن لا حقائق في الكون جديرة بالحياة، سوى ما طبعت عليه البصيرة، وهي في طور النشوء!!

ألهذا السبب تبقى جميع الأمم على أسس طبائعها الأولى؟! تستميت من أجل عقائدها البيئية؟ تسجد أكبر العقول للدين الذي نشأت عليه، كأن لا دين سواه! وتبقى أكثر

الأذهان تفتحاً، مغلقة على ما ينافيه؟! لا هم لها سوى دراسة تعاليم "العدو".. وتفنيد حججه "الشيطانية"!!

أليس غريباً أن تضرب عقول جهابذة، من أمثال سقراط، وفيثاغورث، وأرسطوطاليس، وأفلاطون، في طول الكون الفكريّ وعرضه.. حينما تناقش العلوم، والفلسفة.. وتبقى،

فيما يتعلق بالأمور الغيبية الإلهية، رهينة لمفاهيم بيئتها الأولى.. أسيرة، لطقوسٍ هزيلةٍ تثير الضحك، والسخرية في النفوس، اليوم؟! فإذا كان سقراط قد

ضحّى ﻠ "أبولّو".. فهل من الغريب على "غاندي" أن يضحّي ﻟ "كريشنا"؟! وأين العجب في بقاء عقول الديانات السماوية الثلاث، اليوم، كلٌ على "معجزاتها"، وطقوسها..

يتمسك كل عالِمٍ من علمائها، بحذافير أقاويل دينه.. أو طائفته.. فلا يرى الصواب، والحقّ إلا في المعتقدات التي حُفرت في بنائه النفسيّ، أثناء نشوء وتبلور

ذلك البناء، زمن طفولته المبكرة الأولى!}

* * *

(ص393-396)

{- لابد أن في متعة، أو لذّة، كل إنسان، من الذاتيّة، والخصوصية، ما يميّزها عن تلك التي لإنسان آخر.. لكن جملة اللّذات، والإحساسات الجمالية، التي لجماعةٍ

ما، في مكانٍ ما، تتحد بدورها.. رغم اختلافات جزئياتها.. فتشكل وحدة جديدة، في دائرة أكبر.. وحدة، تتباين مع جملة الإحساسات، لأية دائرة كبيرة مماثلة..

هي من خواص جماعة إنسانية أخرى.. وهكذا، دواليك.. لكل قومٍ ما يجمعهم بأبناء ملّتهم.. ولكل قومٍ ما يفرّقهم عن بقية الأقوام.. وجميع هؤلاء، أفراداً وجماعاتٍ،

يزاولون العادات واللذات ذاتها.. لكن.. ترى هل تستوي اللذات في كل زمان ومكان؟!هل تستوي لذّة لقاء الحبيب.. لدى السارق، والشاعر؟! وهل تستوي لذّة الثأر..

لدى المؤمن، والكافر؟! بل هل تستوي لذّة الجماع لدى المومس، والعذراء؟! لدى العفيف الطاهر.. والفاسق، الفاجر؟!

أطرق برهة.. قال بعدها..

- أنا من جهتي.. لا أظن ذلك.. إذ أن لكل إحساسٍ ظرفه، مكانه.. وبما أن العالم متباين الأبعاد والظروف.. متأرجح العادات والتقاليد.. متقلّب القيم والمفاهيم..

فلا بدّ فيه من مكان ما، يمكن للإنسان أن يقف فيه، ولو نسبياً، فيضع، أو يراقب شعرة ميزانٍ وهميةٍ.. تشير إلى ما يمكن للأضداد أن تصل إليه، إذا ما هي

تفاعلت.. وتنبئه إلى ما في استطاعة المتناقضات أن تستوي عليه، إذا ما هي اتّحدت!

هذه النقطة المتوسطة.. هذه الشعرة الدقيقة لميزان العالم المتقلّب الأهواء.. بين روحانية آسيا، ومادية الغرب.. هي بلاد الشام!.. ولقد كانت كذلك.. منذ الأزل!

وكانت دمشق، بالذات، منذ حروب الفرس والإغريق، نقطة الوسط.. محصلة الحلول بين البذخ المادي والروحي للهند وفارس.. وبين التقشف الفكريّ والنفسيّ، الضنك،

للإغريق، ومن عاش إلى غربهم وشمالهم في أوربا، من الشعوب الهمجية التي لم تكن تعرف غير البرد والجوع!!

لذلك، اعتنقت بلاد الشام الإسلام، وتمسكت به.. لأنه الدين الوحيد الذي طبّق التوافق، وشرّع للتسامح.. وأقول "شرّع" للتسامح.. وليس "أوصى" به، فقط.. إنه

دين الحلول الإنسانية المتوازنة الحقة، لمشاكل الإنسان.. دين الحلول السمحة الوسط!.. وأنا أقول ذلك، حتى على مستوى علم النفس الحديث.. فلا حكماء، ولا

"براهمانات" في الإسلام، يجلسون على الأرض، في حالاات ذهولٍ، وتأمل، إلى أن تنمو وتتسلق على أجسادهم الحشرات والنباتات! ولا رهبان يعذبون أنفسهم أو يخلدون

إلى الصمت، طوال حياتهم، أو تعاليم تكره الإنسان بجميع حواسه! تفسر له الحياة، على أنها كفّارة لخطيئة أولى، عليه متابعة دفع ثمنها، إلى أبد الآبدين!!

إن الإسلام يوفّق بين تناقضات الطبيعة الإنسانية، سعياً وراء تكامل النفس وتوازنها.. ولا يشطر الإنسان إلى نصفين، أحدهما شرٌ، والآخر خير! أحدهما نور،

والآخر ظلام! أحدهما نارٌ، والآخر أثيرٌ! لاشكّ أن كل دينٍ أو عقيدةٍ، بالنسبة إلى البيئة التي يعيش فيها، إن هو إلا الدين الصحيح، في المكان الصحيح..

لكن العالم ليس وحدات اجتماعية عقائدية متفككة..لاشيء يربط بعضها ببعض!! بل إنه مدٌّ وجزر.. شئنا أم أبينا.. بين أقصى الشرق، في آسيا.. وأقصى الغرب، في

أوربا! إنه تجاذب أزليّ، أبديّ.. بين أقصى طرفي المعمورة! وأي مكان أنسب للتوازن الروحي، والفلسفي، من بلاد الشام .. التي تقع على محور الدنيا؟! وأي مدينةٍ

من مدن الشام الحية، أقدم من دمشق.. التي تعي هذا التجاذب، وتعيش محصّلته المتوازنة؟! انظر إلى خارطة الدنيا المأهولة منذ الأزل.. من الصين إلى الأندلس..

وضَعْ إصبعك على منتصفها، شرقاً غرباً، شمالاً جنوباً.. تجد أنك إنما تضعها على بلاد الشام! وماذا تبقّى للشام من عريقها، غير دمشق القديمة؟!

كان فراس وجمال ينصتان إليه كأنه يتكلم بصوتٍ ٍيجسد ضميريهما ووجدانيهما!.. فنظر الرجل حوله إلى زخرف القاعة، ثم أشار إلى مجمل الدار وحديقتها، وقال..

- إن هذا الطراز من البيوت، بما فيها من فلسفة البناء، تنازعته الهند، وفارس، في الشرق.. ثم بلاد الإغريق و روما، في الغرب!.. فأين تبلور واستقرّ.. إن لم

يكن في دمشق؟! وأين تجد له من أثرٍ باقٍ حقيقيٍ، اليوم.. إن لم يكن في بلاد الشام.. وفي دمشق بالذات؟!

صمت أبو غزوان، برهةً.. كان ينظر خلالها إلى فراس، ثم قال..

- يا آخر الأمويين إن اللحظة التي تتكلم عنها يا بنيّ، لهي حقيقة واقعة!.. هويّة فريدة، لا خوف على خصوصيتها من الترادف والتكرار! ودمشق، ليست مجرد مورد

الماء الصافي، لأبنائها فقط.. أبنائها التائهين، في طول الأرض وعرضها.. إن لفيها المعادلة الأصلية لتركيب الماء الصافي.. بذاته!.. بصرف النظرعما يعكّرهذا

النبع، عبرالأجيال، من غزاةٍ وظُلاّم!}

* * *

(ص401-402)

{ صمت جمال برهةً، قال بعدها مشيراً إلى حديثهما السابق.. في إصرار يائس..

- إنها مشكلةٌٌ "سيمانتيكية" عويصة.. أليس كذلك؟!

ضحك فراس طويلاً لعودة صديقه إلى ما يؤرقه.. وقال..

- تماماً.. إن الموضوع هو كما تقول، إذا تناولناه من جانبه البسيط، ولندع جانبه المعقد، إلى حديث آخر..

- هل لي بسؤالٍ آخر، بسيط؟ ما تقول في قضية لغتنا، الفصحى منها.. والعامي؟! لقد عالجت هذا الموضوع مرة، ولا شك عندي أن الأمة العربية قاطبة، تتجه نحو الفصحى،

في خطى حثيثة.. ألا تحبّذ ذلك؟!

- وكيف لا أحبذ ذلك.. والفصحى، في نظري، هي محصّلة حضارتنا.. شأنها شأن قصر الحمراء في غرناطة؟! إذا تعثّرالفكرالعامي، اليوم، في استعمال الفصحى، فذلك شأن

الإنسان الأميّ البسيط.. وحاله، كحاله إذا ما تجوّل في أرجاء قصرالحمراء، وقصّر عن فهم فنّه.. وغابت عنه، روعة أسلوب بنائه!! إن كل ما تشكو منه أمتنا

العربية اليوم، يرجع سببه إلى تلك العاميّة في أسلوب المعالجة، والتفكير! إن شعباً يتكلم العامية، لابدّ أن يكون فكره على مستوى لغته!! إن موسيقانا اليوم

عاميّة، وفننا عاميّ، وجَدلُنا عاميّ، وآمالنا عاميّة! بل إن حروبنا عامية، وأساليب ثأرنا مرتجلة، عاميّة، كذلك!

- وكيف تتوافق الحداثة، والفصحى؟ وجذور الفصحى ترجع إلى آلاف السنين؟!

ضحك فراس، في سخرية ظاهرة.. وقال..

- وهل تتوافق الحداثة مع العامية؟.. عجباً!! واستمع جيداً لما سأقول!.. كيف لم يقل مثل هذا القول أعداؤنا من الصهاينة، ولغتهم على مثل قِدَم لغتنا الفصحى،

إن لم تكن أقدم؟!.. هل من ينكر على الصهيونية حداثتها.. وتقدمها العلميّ؟!.. أفلم يدُرْ في خاطرك يوماً أن هؤلاء أقوامٌ، تركوا لغاتهم الأوربية الحديثة،

طائعين.. وعادوا إلى العبرية الجامدة.. التي لا تقارن، بغنى اللغة العربية ومرونتها؟! وأن ذلك لم يقف حجر عثرة في وجه حداثتهم، وتطورهم؟! ما لك يا جمال؟!

أعداؤنا يتمسكون بلغة أجدادهم.. العبريّة.. التي لم تحتك بالعلوم والفكر، منذ آلاف السنين! يلتفّون حولها كحجر الكعبة!.. لا يجدون أنها تقف حاجزاً بينهم

وبين التقدم! ونحن نجرّح لغتنا.. كمن ينتقص من شأن قصر الحمراء، لمجرد لأننا لم نصله بالتيار الكهربائي!! ولم نعدّه بنظام تدفئة مركزية؟! لا يا جمال!!

إن الذين يرفضون الفصحى اليوم، إنما يفعلون ذلك لأنهم يسعون إلى انتماءات محليّة، غير عربية! وأهدافهم هذه، باتت لا تخفى على أحد!! ولن تجد من يؤازرهم،

إلا إذا كان على عقيدتهم، وانتمائهم!! لقد شدّنا القرآن إلى لغتنا.. وسوف تشدّنا لغتنا الرائعة، إن عاجلاً أو آجلاً، إلى ما نبتغيه!}

* * *

(ص417-421)

{قرع جرساً قديماً، وقف أما باب البرج، ينتظر الجواب.. يتعجب لصوت عودٍ، وطربٍ، وغناء، ينبعث من مكان ما في الجوار القريب!

سمع وقع خطواتٍ تقترب منه.. ثم فُتح الباب، وبدت خلفه صبيةٌ في مقتبل العمر.. ترتدي ثوباً طويلاً، مشدود الخصر.. وأشارت إليه بالدخول، على عجل، ثم أقفلت

الباب، وهرعت نحو السلّم المؤدي إلى مخدع أمّ ربيع..

كان صوت الموسيقى قد توقف.. فما إن أغلقت الفتاة الباب، حتى سمع همسأً يأتيه من مدخل المخدع وصوت أوتار عودٍ يصدح من جديد.. ترافقه ضربات خفيفة على دفٍّ

غجريّ.. كأنها تُعلن وصول قافلة محملة، من بعيد!

صعدت الفتاة السلم في خفة وحبور.. ثم دلفت إلى مخدع صاحبته.. يسير فراس خلفها، نحو المركز الذي تألّقت فيه مئات انعكاسات الضوء.. تساقطت على النجوم الزجاجية

التي عُشّقت بها زينة جدران الغرفة، وسقفها الخشبي!

توقف برهة، وسط سَقط النورالحميم.. ينظرعبرغلالةٍ شفافةٍ ترقرقت بين جفنيه.. فرأى أم ربيع، من خلالها، في ثوبٍ من القطيفة الوردية والسوداء، وقد جلست على

منصة منخفضة الارتفاع.. يحيط بها، وإلى جانبيها، عدد من الصبايا، والفتيان.. جميعهم في ثيابٍ عربيةٍ.. جلسوا على وسائد وأرائك فاخرة، كانت مغطاة، يوم

زار المخدع للمرة الأولى.. ينظرون غلى ركن المخدع البعيد، حيث تربّع ضريران، أحدهما يضرب أوتار عوده، في حين شخص الآخر، في الفضاء، لا يرى شيئاً مما حوله..

ينقر على الدف نقراً خفيفاً، كأنما ينتظر أن يبدأ أحدهم الرقص أو الغناء!

وإذا بأم ربيع، تمسك فٍ آخر، كان إلى جانبها.. تداعب صدره باصابعها، ثم تصدح بصوتٍ رخيمٍ، منمرسٍ قي الغناء.. يجيد التلفظ بمخارج الحروف.. يحسن النطق، فلا

يضيع معنى الكلام، على السامع.. وى مغزاه..

أنشدت موشحاً، في مقامٍ، حنونٍ شجيّ..

"إن الذي عذّبَتْ قلبي محبته...... حاكت حروف اسمه في الحسن صورته"

ﻓ"الفاء" مبسمه.. و"الراء" مُقلته.. و"اللآي" عارضــه...و"السين" طرّته "

بهت فراس لإشارتها الشعرية إلى أحرف اسمه.. وإذا أربعة من الفتيان يرددون وراءها، في صوتٍ واحد..

" وقد زاد فيه انتحـــالي...... ...... ولــيس يــدري بحـــالي"

ثم أبطأوا.. وتوقفوا عن الغناء، لترفع أم ربيع عقيرتها، مرة ثانية:

"مولّد.. بين حسن الترك، والعرب قد فـاق أمثالــه في الظرف والأدب"

" و أتقن المزج بين الجد و اللعب و قسـم الثغـر بين الخـمر والطرب"

فما أن تلاشى صوتها المتماوج، حتى أطلقت الفتيات أصواتهن وراءها قائلات..

"أحسنت فيه مقالي.............. ......... فــردٌ، عديــم المثــال"

كان سحر المكان، والمفاجأة، قد نالا من فراس، وأخذا بلبّه، وبمجامع قلبه.. منذ اللحظة الأولى!! فما إن بدأت أم ربيع الغناء، على انغام وإيقاع الضريرين،

وردد الأدوار بعدها، الفتية تارة، والفتيات تارة أخرى.. حتى غصت مآقيه بالدمع، لفرط ما جاش في صدره من حبه لعالمٍ تاه عنه طويلاً.. خلاياه تسري في دمه!!

ما كانت تلك المرة الولى التي جلس فيها إلى الغناء والطرب العربيين.. وما كان صوت أم ربيع، أجمل صوت سمعه، أو تلك اللحظة، طغى على إحساسه.. وتمكن منه! إحساس

لا يعرف اسماً له.. يتوق إلى التبدّي، ومالتمكّن من أبعاد هويته! تدفّق في عاطفته، وعيٌ، هو من عنصر وطبيعة ما نابه، وهو في ضيافة والد الشاب الذي لقيه

في الحمّام..

ذلك التوافق الكامل، بين جميع عباصر ما يجلاي حوله.. تلك العفوية، والأصالة، في كل ما يتحرك أو ما يقال في ذلك المخدع، تلك الإيماءات والملاحظات التي تداولها

الجميع‘ وكأنها أسرار حضارة عريقة تنتقل من جيل إلى جيل في مظروف مختوم.. وذاك اليقين، من أن تلك اللحظة، وإن كانت الصورة المرئية المتجسدة، لتناسخٍ مستمرٍ،

مستديم.. تمتد جذوره في غياهب الزمان.. إلا أن زمان اللحظة تلك، كان حقيقياً، ومكانها كان هناك، حيث وقف من بيوت دمشق القديمة، في إحدى مخادعها المزخرفة..

في إحدى محاربها، فتبدّى له جلياً واضحاً.. مدركاً، لا يقبل التقليد، أو التحوير!

نهضت أم ربيع عن أريكتها.. تدعو فراساً للجلوس مكانها، قائلة..

- إنه مكانك.. كان في الماضي، مكان صاحب الدار.. وإنما أنا أخليه، الآن، لمن سيكون صاحبه، عما قريب!

لم يكن فراس قد رأى في الماضي من معالم مضيفته، إلا ثوبها الأسود، وملاءتها، وبعضاً من ملامح وجههها.. فراح يدقق النظر في تقاطيعها، وزينتها وقد ادهشه ما

طرأ عليها من تبدّل، وما دبّ في جسدها من حيوية وشباب!

تقدم منها، وجلس حيث أشارت، على الأريكة المرتفعة.. ثم نظر إليها، وكانت ما تزال تجمع أطراف ثوبها.. وساءلها، بالنظر، عمّن يكون من حولهما من فتيةٍ، وصبايا..

قالت مبتهجةً، لنظرة الاعجاب على وجهه..

- إنهم أطفالي.. من الميتم الذي أعمل فيه.. أدعوهم من وقت لاخر.. فأحيي وإياهم ذكرى الليالي التي كنا نقضيها مع أبي شفيق.. في طربٍ، ورقصٍ، وغناء، ثم استدركت

قائلة..

- لا.. ليس هؤلاء الذين كنت أدعوهم في الماضي.. إنما هؤلاء، هم أطفالي الجدد، أما أولئك الذين عرفوا عزّ أبي شفيق، وكرمه، فلقد بلغوا سني الرشد، منذ أمدٍ

بعيد! بعضهم تزوج.. وبعضهم الآخر، تفرق في دروب الحياة، وغابت عني أخباره!

داعبت وجنة فتاةٍ إلى جانبها.. في حنانٍ، تكبت لوعة الذكريات، وقالت..

- هؤلاء.. أزهاري الجدد.. ولقد خمعتهم، زهرة ، زهرة!! هؤلاء الأشبال، سيكبرون، ويصبحون رجالاً أشداء، عما قريب..نعيش ليالينا هذه، لا رقيب ولا حسيب! وأقسم،

بتراب المرحوم، أنك أول من دخل مخدعي، وأنا في هذه الزينة، وبين هؤلاء الصحب، منذ وفاة المرحوم! والله، يابن الحلال.. ما من مخلوقٍ يعرف عنا سوى من يظن،

من أهل الحي، أنهم أقربائي، وأنسباء أحفادٍ لزوجي، ولولا أنك ستصبح صاحب هذه الدار، عمّا قريب، لما دخلت مخدعي، إلا فوق جثتي!

ضحك فراس لما جهدت أم ربيع في تبرئة نفسها منه.. وقال..

- إن مفاجأتك هذه.. أشد جمالاً وروعة مما توقعت! والله، أنك لدرّة نادرة، يا أم ربيع! ومن يدري.. قد تبقين في هذه الدار حتى بعد أن أقدم على شرائها! وإن

عندي لك مفاجأة لهذه الليلة لا تقل روعة عن ضيافتك هذه.. أما الآن.. فهل لي بكأس من الشاي؟!

تنبهت إلى ما سهت عنه، من واجبات الضيافة المألوفة.. فسألت.. في لهفة صادقة..

- وهل تناولت عشاءك؟

تبسم فراس، وقال، متردداً..

- نصف عشاء.. ولقد تناولته على مضض!..}

* * *

(ص433-441)

{جلس في فراشه، يتصفح ذلك الفهرس من جديد، لا ينفكّ يقلّب صفحاته.. يعيد قراءة العناوين المجهولة، لمعظم مشاهيرالكتّاب العرب والمسلمين.. يخمّن ما يمكن

أن يحتويه هذا، أو ذاك المخطوط، من معلومات قيمة أو تاريخية أمضى فترة على تلك الحال، فإذا بتعدّد وسعة مواضيع تلك العناوين، يترسب في مخيلته.. فيزداد

إحساسه بالجهل، لما قد غاب عنه من التراث، وهو المحبّ، الباحث، عن كل كتاب علمٍ أو معرفة..

سرعان ما تلاشت بهجته الأولى بالعثور على ذلك الكتيّب، وحل محلّ السرور، إحساس بالوحشة والانقباض، لما أدرك من جهله حتى بوجود تلك المئات من المخطوطات..

لم يكن قد درى عن أمرها شيئاً! ولا قرأعن أخبارها في أي مصدرٍ أدبيّ، أو فلسفيّ!

هل كان ذلك المخطوط حقاً، نسخة عن الفهرس الذي سرق من مكتبة الفاتيكان؟ أم أنه فهرس آخر لمحتويات خزانة ما.. خصوصاً وأن فيه أسماء بعض المؤلفات المعروفة؟!

وإذا صحّ وكان فهرساً لخزانة من خزائن الكتب.. فما صلة "يان فرانتيشتيك" بتلك الخزانة؟! ولماذا يملك نسخةً لفهرسها تماثل هذه النسخة؟! و لماذا توجد مثل

هذه النسخة، في مكتبة أبي شفيق؟!

كان قد هيأ لنفسه أن هنالك رابطاً بين الوريقات التي في حوزته في روما.. وبين فهرس الفاتيكان.. بل تجرأ وذكر أمام "أماديو، دوقا داوستي".. أنه يملك نسخة

عن الفهرس المسروق! وكانت تلك، مقامرة منه، هدفها تثبيت دعائم ثقة ذلك الرجل، فيه! لكنه، آنذاك، كان يقامر بشيء لا يملكه، وكل ما يظن أنه يملك منه،

هو بضع صفحات.. لا علم له بقيمتها الحقيقية!! أما وإنه الآن أمام فهرسٍ كاملٍ !! أما وإن الفهرس الذي بين يديه، هو التتمة للوريقات التي في داره في روما!!

أما وإنه فراس، في دمشق، وليس "دون ماكسيميليانو" في روما.. فإن الأمر اتخذ في نفسه أبعاداً بالغة الأهمية! وأحس أن عليه أن يبادر، على الفور إلى التحقق

من وجود مخطوطاتٍ تحمل تلك العناوين المجهولة، وتعقّب سرّ اختفائها!

تبسم وهو يذكر قولاً قديماً حفرته جدته في ذاكرة طفولته، قولاً كان يطفو إلى وعيه، كلما واجه مجهولاً يرتبط بالعروبة والإسلام:

" أنتم، أحفاد أهل البيت، لكم حق الشفاعة، يوم الدين.. لكن عليكم فرض، واجب.. لا تكتمل آخرتكم دون تحقيقه.. هو إظهار ما اختفى من القول الحق.. رأب الصدع

بين المسلمين.. وإحياء ما استشهد في سبيله الصالحون!"

ضحك في سرّه من صوت النفير هذا.. يستصرخ حماسته كلّما اعترضه أمر يمسّ تاريخ أمته.. وتعجّب لمدى قدرته على تحريك حماسته!

عادت إلى ذهنه علاقة سمك السلمون العمياء، بمورد المياه العذبة.. في موقع ولادته.. يقارن بين الدافعين.. يكرر على نفسه، تفرّد وخصوصية ذلك الرباط الذي

يشده إلى جذوره! فحاله، في تلك اللحظة لم يكن كحال أي إنسانٍ يابانيّ، ينقاد لتعاليم الساموراي، التي نقشت في ذهنه، حتى بات لا يميزها عن ردود أفعاله

الشخصية!

إذا كانت هنالك كتبٌ مفقودةٌ.. تحمل تلك الأسماء المجهولة.. فتلك قضية حية، وليست وهماً في خاطره! والبحث عنها واجبٌ ثقافيٌ، حضاريّ! فما بالك إذا كان جميع

ما سمعه صحيحاً، من أن هنالك من يتلاعبون بالتراث.. يزورون المعرفة والتاريخ.. وأنهم يقومون بذلك في جدّ، ودأب، منذ عدة قرون! ويواصلون جهدهم، بوعيٍ

جهنميٍّ، في سريّة تامة، حتى تلك الساعة!! في حين أن أصحاب التراث ساهون، غافلون.. يجرّح بعضهم بعضاً، يحرّضهم على ذلك ما يدسّ لهم أولئك الأغراب من سمٍّ

في ثقافتهم الناقصة!

مال في فراشه، يجذب آلة الهاتف إليه، يبغي الشروع بمكالمة أشخاصٍ على علمٍ واسعٍ في ذلك الخصوص.. وإذا بالمخطوط يسقط من يده، فيرتطم على الأرض، على حدّة..

مما كاد يمزّق الغلاف القديم، ويبعثر لوحاته التي جمعت بخيوطٍ باليةً.. أوشكت تتفتت..

رفعه في حرص شديدٍ.. يحاول شدّ الغلاف.. يعيده إلى ما كان عليه.. وإذا بطرف ورقةٍ مخفيّةٍ، مطويةٍ.. يبدو من تحت حافة الغلاف.. كان الصمغ قد أخفاها عن النظر!

سحبها في بطء، خوفاً من تمزقها.. فإذا بها لفافة ورقٍ طويلة، أُخفيت ضمن الغلاف.. فتحها، في حذرٍ شديدٍ، ليقرأ عليها النص التالي:

" إعلم يا أخي، أني عبدٌ مأمور.. لا حول له ولا قوة، وإني ماعُدتُ إلى طليطلة، من فاس، إلا بأمرٍ من الملك "فيليب".. نحمل إليه كتباً من خزانة السلطان..

إن القادر الذي لا يعجزه شيء، قد شاء أن ينكشف أمر صاحبي وخليلي، فأذاقه "فيليب" من السم الفاتك الذي أتيناه به من فاس حسب طلبه! وإني، لا محال، هالك

بالسمّ نفسه.. إن عاجلاً أو آجلاً! ولن أُترك حراً طليقاً، لأذيع خبر النُسّاخ المائة والخمسين، الذين أنا منهم، نعمل، ليلاً، نهاراً.. في إعادة كتابة

ما لدينا من مخطوطات عربيّة! ولعل السلطان.. أدام الله عزّه، هوالذي أمر بالقضاء علينا، بعد أن علمنا من أمر ما أجراه النُسّاخ من تعديلٍ على مخطوطات

كتاب "العِبَر"، الذي حملناه معنا من خزانته! والذي لا يحمل، في الأصل كلمة "بربر" في عنوانه! إعلم يا أخي، أن هذه شهادتي قبل أن أموت.. وإني أقسم بالله

العظيم، وبالقرآن الكريم، أني رأيت النُسّاخ "الموريسكاس" يعيدون نسخ كتاب "العِبَر"، وغيره، فيبدّلون كل ذكرٍ لكلمة "أعرابي" بكلمة "عربي"، في كتاب ابن

خلدون، ويضيفون إليه فصولاً بكاملها، في مدح البربر، حسب مشيئة السلطان، وبذمّ العرب، حسب ما بنفوس أصحاب الدير.. يحذفون فصولاً بكاملها، في ذكر مآثر

العرب.. مما كتبه ابن خلدون! إعلم يا أخي، إن السمّ الذي أتينا به، من فاس، سيستر هذه الحقيقة إلى الأبد، عن أهل الدنيا قاطبة! واعلم أن هذه الورقة، هي

شهادتي أمام ربّي، يوم الحشر.. وأن هذا الفهرس الذي أدفن شهادتي فيه، هو واحدٌ من أربعة فهارس، تضم أسماء ما جرى التعديل والتبديل عليه، من كتب! وإن جميع

ما يظن المسلمون إنها أصول مخطوطة في خزائنهم، إنما هي نُسَخٌ زُوِّرت بخطٍ يماثل خط وتواقيع أصحابها!.. وأنا ومن معي من "الموريسكاس" الإسبان، أنا الذي

أكتم إسلامي، وعروبتي.. قد ساعدت في هذا العمل الكريه، أسوة بمن حولي، من مسلمين، غُلبوا على أمرهم! نعمل سوية، مع مولّدين ويهود، جميعاً في خدمة "الأسكوريال"

والملك "فيليب" المأفون، الذي قرّر طردنا جميعاً من الأندلس! ربي اجعل من لدنك قوة تخرج هذا الفهرس من هذا الدير! سأقذف به من الفتحة هذه، علّه يبقى سليماً

حتى أصل إليه.. أو ينقذه أحدٌ من المؤمنين.. ربي هذه شهادتي، يوم الدين.. والآن أشهد أن لاإله إلا الله.. وأنّ محمّداً عبده ووليه ورسوله"

ضج رأس فراس بما قرأ!!

أعاد قراءة النص، مراتٍ حتى كاد يستظهره.. وفي كل مرة.. يضيف إلى الصورة التي تشكلت في ذهنه، بعض التفاصيل التي فاتته.. حتى اكتملت في مخيّلته صورة لما

حدث!

إن الأمر يتعلق بمقدمة ابن خلدون.. هذا أحد السلاطين، أو أمراء البربر.. منذ قرون.. ممن عاصروا "فيليب" الثالث، أو الرابع، من ملوك إسبانيا.. يستعرض ما

في خزانة المُلك من مخطوطات.. فيجيئ على قراءة "كتاب العِبَر" الذي ذاع صيته يوماً، أفل مجده، ونسي التاريخ اسم صاحبه، وقد مضى على وفاته زمن طويل..

دالت دولة العلوم، خلاله، في جميع أنحاء الأمة العربية والإسلامية، حتى لم تعد تجد فيها من يحسن قراءة القرآن! ناهيك عمن يذكر "كتاب العِبَر"، أو صاحبه..

وكانت إسبانيا، قد أضحت في ذلك الزمان، سيدة أوربا، وحاكمتها.. تتوافد رسلها على بلاد المسلمين، تغرف مما تبقى من خيراتهم وهي التي تذكر ما تركوه في الأندلس..

يخافها الجميع.. لا يهبّ أحدٌ لنجدة ما يسرقون .. وليس بين العامة أو الخاصة إلا القلائل، القلائل، ممن يقيمون شأناً للعلم، أو المعرفة! فلماذا لا يزيد

ذلك الحاكم البربري الأصل، فصلاً، أو فصولاً، على "كتاب العِبَر".. في مدح قومه، من البربر؟! وهل أسهل من تقليد خط وتوقيع إنسان، مات منذ قرون.. وما من

شاهدٍ على ما كتب؟! لا! لن يطلب من ناسخٍ عربيٍ القيام بتلك المهمة، كي لا يذيع خبرها، فيبطل أثرها! ماذا يفعل؟! يبعث إلى ملك "قستالة" الإسباني، رسولاً

بهذا الأمر.. فيرد الملك عليه برسولين، من الإسبان "الموريسكاس".. يحسنون قراءة وكتابة العربية.. فيعودون إلى إسبانيا، لا بكتاب العبر فحسب، بل بصناديق

مرصوصة من ثمين ما تحتويه الخزانة الملكية المغربية، تُنقل إلى إسبانيا، بقصد الاستعارة، وما من هدفٍ ظاهرٍ لذلك، سوى نسخ تلك المخطوطات، وإعادتها، سالمة

إلى خزانتها، وصاحبها!

لكن الذي عاد إلى أوطانه، من تلك الكنوز، ليس نفس الذي بارحها، منها! لقد بُدّل العنوان!! "كتاب العِبَر" أصبح: "كتاب العِبَر، في أيام العرب والبربر"..

ثم إن مخطوط "كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر".. الذي عاد إلى فاس، ليس مخطوط "كتاب العِبَر" نفسه الذي ذهب منها! إن ابن خلدون، الفخور بأصله العربي،

لم يكتب العبر لتمجيد العجم والبربر، أو للحطّ من أصله العربي، كما تعلّم القبول بهذا التفسير، جميع فقهاء اللغة العربية اليوم.. في جمود أذهانهم.. وبلاهتهم

المعهودة!

هكذا تحول "كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر" بمسحة قلم.. وأصبح ما نعرفه اليوم ﺒ "مقدمة ابن خلدون".. التي تحتوي صفحاتٍ في هجاء العرب!

لقد زُوِّرت أربع نسخ عن كتاب العبر! إحداها، عادت إلى مكتبة البلاط في فاس.. والثانية وجهت إلى جامع القرويين في تونس.. أما النسختان الأخيرتان، فلقد دُسَتا

في دار الكتب في القاهرة! أفلا يتساءل المرء لماذا لم تُنشَر"المقدمة" في باريس، إلاّ عام 1841؟ وفي بيروت، عام 1879؟ وأخيراً في مصر، عام 1868؟ أي بعد

أن أتيحت لمستشرقي نابليون، خلال احتلاله لمصر فرصة دس نسختين مزورتين عنها، في دار الكتب في القاهرة؟!

هل هنالك من يتساءل عن أصل نسخة جامع القرويين؟! إذن، فليعلم السائل أن واضع الفهرس لمكتبة ذلك الجامع .. ليس عربياً، بل هو "ألفرد بل"، وأن من ساعده وأيده

في جرد محتويات تلك المكتبة لم يكن إلا رجلٌ يدعى "ليفي بروفونساك".. وهو يهوديّ الأصل!

جاءت تلك الرسالة المختفية تؤكد ظنونه، وتدمغ بالدليل القاطع، كل ما سمعه بأذنيه عن عمليات السرقة والتزوير هذه، من "يان فرانتيشتيك".. وما رآه بعينيه من

الكتب العربية المحفوظة في "الأسكوريال" يوم منع، كعربي، من الاقتراب منها!

عاد إلى الصفحات الأخيرة من الكُتَيّب الذي بين يديه، وقرأ، مرة ثانية، ما أثار أولى شعلات فضوله.. يوم رأى وريقات الفهرس في صندوق داره في روما، وقرأ فيه

ذلك العنوان الذي ألهب خياله..

"خلاصة النظر، في فلسفة العبر"

أيكون لابن خلدون مثل هذا الكتاب، في الفلسفة، ولا يعرف إنسان عن أمره شيئاً؟!.. هل عرفه الخاصة يوماً، ثم نسي الأميّون خبره؟!..

أيكون قد كتبه ابن خلدون، وامتنع عن نشره بين الناس، لما كان بينه وبينهم من تباعد في التفكير.. ولم لا يكون لابن خلدون كتابٌ في الفلسفة.. وهو الذي لخّص

كتب الفلسفة لابن رشد.. وأتقن دراسة المنطق؟!

أحس بقلبه يطرق بشدة على دقاّت صدره! هل يقدّر له يوماً أن يعيد مثل هذا المؤلف إلى الوجود.. إذا صح ظنّه وكان موجوداً؟!.. ولماذا لا يكون هذا الكتاب مخفيّاً

في سراديب "الأسكوريال" وهي التي لديها النسخة الأصلية لكتاب ابن خلدون "لُباب المحصّل" التي لا بد قد عبثت بها يد المزورين، والمحورين، ما عبثت!

يا لعار من يدّعون العلم، ويكتبون التاريخ، في هذا القرن.. من مسلمين، وعرب!! لقد مُسِخَت عقولهم بما نقلوه من دراساتٍ غربيةٍ حول تاريخ أمتهم.. حتى باتو

أطوع من الغربيين أنفسهم، في ترديد ما يبتكر في أوربا، وأمريكا، من مقولاتٍ مشينة عن تاريخهم!.. ينقلون آراء أمثال "سيلفستر دوساي" و"ليفي بروفونساك"

عن الإسلام والعرب.. والأول أكبر حاقد على الإسلام، والثاني من أصل يهوديّ!!.. لا يرفضون نظرية قالها مستشرق ما، عن الشرق، إلا بعد أن يرفضها مستشرق

غربي آخر!.. لا ترى دراسةً حول فيلسوف إسلامي، إلا مذيلة بعشرات التوقيعات، والمصادر الأجنبية!!

انتظمت في رأسه الصورة الرهيبة لشبكة أقنية وشرايين السم الزعاف، التي يسير فيها التاريخ المزور إلى أجهزة، وعقول الشرق، ومن ثم إلى طلبة العلم الأبرياء..

وعقول أساتذة المستقبل!! كيف لا، وقد نقل نخاع هذه الأمة الشوكيّ إلى مكتبات ومتاحف وأديرة الغرب.. ولحقت بها زجاجات مصل الدم كذلك.. والكل جالس هنا،

على قفاه، لا يحرّك ساكناً.. سوى استعراض ما كتبه الآخرون عن هذا الوطن!.. وضرب هذه المقولة بتلك.. مما تفنن في تزويره المحرضون!.. وهل يستخرج الماء،

من قعر الحصى، بعضه ببعض!!

* * *

نهض من فراشه يغلي الحقد والقهر في صدره!

رفع الكتيّب إلى مكان أمين، وأعاد إغلاق الرسالة التي فيه، يحار فيما يفعل، أو يقول.. وآخر رجل مسؤول فاتحه بشأن مكتبة "الأسكوريال"، ضحك منه، وقال.. "

كيف تقول مثل هذا القول في مكتبة محترمة.. مثل هذه؟! إن جميع ما فيها من مخطوطات، تحت تصرّف أي طالبٍ للعلم.. في صورة أفلام مصغرة.. يبيعونها لمن يشاء!!

فماذا تتوقع منهم من مساعدة، أكثر من ذلك"؟!

جميع ما فيها؟.. حقاً؟.. يا سيادة المسئول؟!

* * *

كلمة واحدة بقيت عالقة في ذهنه، إثر قراءته لتلك الرسالة، لم يفهم مغزاها.. ماذا أراد كاتبها، بقوله.. "إن السم الذي أتينا به من فاس، سوف يستر الحقيقة،

إلى الأبد"؟.. قد يقضي السم على جميع من نسخوا تلك المخطوطات.. لكن، كيف يقضي السم على الحقيقة ذاتها؟! حقيقة، ما زالت تنبض بالحياة، في صورة أصول تلك

المخطوطات التي لا بد قد دفنت في مكان ما، في أوربا!

أحس فجأة بعقم وجوده في دمشق!.. وماذا يفعل فيها، والكتب التي يجب العثور عليها موجودة في أوربا.. بل ربما في روما!!

هل يعود إلى روما مباشرة؟.. أم يعرج على القاهرة، يرجع إلى وكر المتآمرين في صحبة مبعوثتهم، "بالوما"، التي ذهبت إليها تنفيذاً لمهمّة أخرى!

ماذا يفعل؟.... من أين يبدأ؟... }

* * *

(ص474-479)

{سرعان ما توقفت السيارة الفخمة في ركنٍ هادئٍ منعزلٍ.. يكاد يكون مظلماً.. لولا نور مصباحٍ كهربائي عتيق، تدلى من سلك تلاعب به الهواء، فراح يحرك أمواج

نوره البرتقالي الباهت، على جدران طينية متآكلة.. تحدّ طرقات ضيقة، ما كان فراس ليجرؤ على السير فيها، لولا أنه في صحب إنسان لا يخافها، رغم ضعف بنيته

الظاهر.. يعرف بالضبط الوجهة التي يقصد!

لم تكن تلك، دروب دمشق القديمة.. كانت، إلى وقتٍ قريب، آهلة بخيرة سكانها.. لا تزال تصارع الزمان، آملة أن يعود إليها من ينقذها من الإهمال والدمار! تلك

الحارات القاهرية، القديمة، باتت عظاماً متآكلة، لجسدٍ فارقته الحياة، منذ أمدٍ طويل.. منذ قرر ملوك مصر الألبان وطبقاتها الحاكمة المتفرنسة.. التخلي

عن تراثها العريق.. واللحاق بالتطور، عن طريق الجري وراء كل ما هو أوربي!! فتخلت، بذلك عن أروع القصور العربية، الإسلامية.. متاحف، بذاتها.. ينخلع قلب

الإنسان اسفاً، ولوعة، على ما كان فيها من بديع الزينة، والفن!! يشهد على ذلك، حتى الآن، ما رسمه فنانون أوربيون، تجولوا في تلك المدينة، في بداية القرن

الماضي!!

ضحك غالي، رغم حالة الخدر التي كان هانئاً إليها.. وقال.. وهو يجدّ في السير، عبر حارة، كاد الظلام يخيّم تماماً عليها..

- لست أدري ما الذي حدّثتْك عنه "بالوما".. بالضبط!.. هل أنذرَتْك برثاثة المكان... مثلاً؟!

-لا.. أظن ذلك..

- إذن.. يجب عليّ إنذارك، وتحذيرك من هذه الأمور.. منذ الآن!.. فلا تفاجأ.. أو تصرخ، هلعاً.. لقدم المكان، وتهالك أثاثه..

عاد إلى الضحك المكتوم.. ثم أردف قائلاً..

- أما عن القذارة، والإهمال.. فحدّث ولا حرج!

تعجّب فراس، وقال فجأة، مستنكراً مكر محدثه..

- فلماذا نذهب إليه.. إذن؟!

ردّ غالي ببرود..

- عزيزي.. أنا، لم أقترح هذه الزيارة على أحد! إنها "بالوما".. أم، هل نسيت؟! ولقد أرادت أن تثبت لك أمراً.. فاتني سؤالكما عنه!

كانا قد قاربا ما قصدا إليه.. أنار مدخله نورٌ خافتٌ.. بدت لهما من بعيد.. فقال غالي، كأنه وصل إلى تلك النتيجة بعد محاكمة طويلة..

- على أية حال.. لن تندم على هذه الزيارة.. قد تندم عليها، وأنت داخل الحمام!.. بل.. قد تعتريك حاجة ماسة للصراخ.. فلا تفعل!.. إذ ما من أذى يمكن أن يلحق

بأي إنسان، من هذا الشعب المسالم، اللطيف!.. جلّ ما عليك القيام به، هو تجاهل القذارة.. والتنبه لعدم الجلوس، إذا كنت راغباً في مجانبة الحشرات التي

تعلق في ثيابك.. وأعضاء جسدك!!

تبسم فراس لما سمع، وأدرك أن غالي إنما يقوم بإثارته.. يتعمد ذلك.. يحركه دافع خفيّ للتحدي.. كأنه يرمي إلى أن يظهر ﻟ "دون ماكسيمليانو" عجز الإنسان الأوربي

عن تحمل ما ألفته تجرته الخصبة الواسعة!

دلف الإثنان عبر بقايا بابٍ نخرٍ مفتوحٍ على انحدارٍ بسيط.. فكاد فراس يتعثر فوق درجاتٍ نتأت حجارتها من طينتها المهترئة.. كأنها أسنان متآكلة، كشف عنها

مخلوق عجيب، مفتوح الشدقين على الدوام!

نزلا السلم إلى باحة مكشوفة.. تحيط بجوانبها غرف صغيرة من الخشب النخر.. وإلى يسارها، باب حديدي صدئ.. علق بجدارٍ من طين.. يخرج منه بعض الناس، ويدخل إليه

من الوافدين، من خلع ثيابه، وتركها في عهدة أشخاصٍ أشدّاء، أقوياء البنية، صارمي الوجوه.. يرتدون أثواباً طويلةً، عمائمهم على رؤوسهم.. يتجولون في أنحاء

الباحة .. يرتّبون صرر الثياب الرثة، بعضها فوق بعض، في صمتٍ، ووجوم!

ما إن رأى رئيسهم غالي وضيفه، على الباب.. حتى خفّ للقائهما.. يساعدهما على نزول الدرجات الوعرة.. يكاد يحمل غالي، على ذراعيه، إلى إحدى الغرف الخشبية التي

يحتفظ بها لأمثاله من الزائرين، ذوي المقامات العالية!

أعاد ذلك غالي إلى الضحك، وهو يراقب دهشة "دون ماكسيمليانو"، وقال لصاحب الحمام.. بالعربية.. في لهجة متعالية، آمرة..

- معي ضيف.. يهمّني أن يخرج من هنا، بانطباع حسن!.. كم من الشباب لديكم، في الداخل؟!

- خيرٌ.. وبركة.. يا سعادة الباشا.. لدينا العشرات منهم!! سيكفونكما حاجتكما.. ويؤدون واجبهم خير تأدية!

_ لا..لا.. إنما ضيفي هنا، زائر أجنبي.. قد أتى معي، للتفرج فقط!.. أخفض النور.. في المقاصير، منذ الآن! ولا تبقي إلا على مصباح القاعة الوسطى.. هكذا، تضيع

معالم "النظافة" التي قد تخيفه!

كان الإثنان قد أوشكا يفرغان من خلع ملابسهما.. فوقف فراس، يتلفت حائراً، لا يدري أين يضع، أو يعلّق حوائجه .. وليس حوله غير القذارة، والجدران الترابية

المتآكلة.. المليئة بالفجوات والغبار..

مدّ الرجل لهما منشفة عريضة، قذرة، فألقيا عليها ثيابهما على مضض.. وما إن لفّ غالي مئزراً رثّاً على كرشه.. وحذا فراس حذوه.. حتى أسرع خارجاً من الغرفة..

يتبعه ضيفه.. فتجاوزا الباحة.. وناول غالي البخشيش لرجلٍ آخر، وقف إزاء الباب الحديديّ، فتحه للضيفين.. ساحباً المئزرين، فجأة، عن وسطيهما..

قهقه غالي لمعالم الرعب التي بدت على وجه "دون ماكسيمليانو" وهو يسمع دويّ الباب الحديدي، يغلق خلفه.. ويجد نفسه عارياً تماماً، في ممرٍ مظلمٍ.. يقود إلى

نورٍ خافتٍ، بعيد!!

تبيّن لفراس أن إحدى فردتي القبقاب الذي انتعله كانت أعلى من الأخرى، فكاد أن يخلعه.. مؤثراً الاستغناء عنه.. يسأل رأي غالي في ذلك.. فعاد هذا إلى الضحك..

وقال..

- حاول.. وتَرَ!

فما إن وضع فراس قدمه العارية على الأرض، حتى أحس بقشعريرة تسري في جسده لما لامسته قدمه من مادة لزجة مخاطية، كانت قد كست أرض الممر.. كادت قدمه تنزلق

فوقها! فعاد، ينتعل قبقابه على الفور، يتبع غالي إلى الضوء الخافت، الذي تدلّى من سقف قبّة القاعة الوسطى..

تفرع عن جدرانها عدد من الأقواس، تقود إلى مقصورات اختفت في العتمة التي خيمت عليها، منذ أن أطفأ صاحب الحمام النور عن معظمها، استجابة لرغبة الزائر الجليل!

كانت القاعة زاخرة بأناس عراة.. معظمهم، في سن المراهقة، والشباب.. يتمشون في صمتً.. جيئة وذهاباً.. لا يكترثون لعريهم، أو لما بان للجميع من حالة هياجهم..

يغيبون في المقصورات المظلمة، ثم يخرجون منها، مخلوقاتٍ عجيبةٍ بريّةٍ، أسيرة.. تتحرك ساهمة بدافع غريزيّ بين جدران أقفاصها!

قال غالي، في إعجابٍ ظاهر..

- إن معظم الأجانب الذين يرون هذا المشهد.. يتعجبون للبساطة التي يتقبّل فيها هؤلاء الشباب حالة العريّ الطبيعية، هذه!.. يظنون أن الجميع يمارسون الجنس

في مكان ما.. والواقع هو عكس ذلك تماماً!.. إنهم لا يمارسون شيئاً من هذا القبيل، على الإطلاق.. بعد! وهذا، من حسن حظي!! كل ما في الأمر، هو أنك الآن،

في إفريقيا!.. ويتوجب عليك تفهّم ما سوف تشاهده على أنه ممارسات طبيعية.. تعود أصولها في الزمان، إلى آلاف السنين!.. ومن يدري، لعلها كانت طقوساً فرعونيةً

قديمة!

كان فراس قد تسمّر في مكانه، وقد بردت أوصاله لما رأى.. رغم حرارة المكان.. لا يجرؤ على التحرّك.. يشاهد حركة أسراب الشباب.. يمرّون عراة، أمامه.. كأنهم

لم يسمعوا أو يدروا بمعنى كلمة .. حياء!

أردف غالي، قائلاً، في إعجاب..

- ألا تلاحظ جمال أجسام جميع من ترى؟! أليست، هذه، في حدّ ذاتها، ظاهرة فريدة؟! وهل تعرف سبب ذلك؟ّ إنه الفقر.. يا عزيزي!! العَوَزُ.. الذي يجبر جميع هؤلاء

على الأعمال اليومية المتعبة.. وعلى الاكتفاء بالقليل من الطعام!

عاد إلى الضحك، وهو يقول..

- إنك، لو تراهم في ثيابهم اليومية.. في خرَقَهم البالية التي يسترون بها أجسادهم، أثناء النهار، لأفزعك مظهرهم! أما وهم كما خلقهم ربّهم.. أفلا ترى كيف

تزول الفوارق الاجتماعية، والمادية، بين الجميع!.. ويصبح الفقير، المعذّب، أجمل شكلاً، وأرقى مظهراً، من المترف، المترهّل، الشبق.. مثلي أنا!! أليس في

هذا.. حكمة؟!

قال ذلك، وابتعد عنه.. يسير كمن يتمشى في حلم، يلفت بياض بشرة جسده، النظر.. ويبدو، بقامته، القصيرة، البدينة، الملساء، كإوزة بيضاء، مسمّنة، تنتقل أثناء

الليل، في غابة تعجّ بالعيون الخفية.. تنتظر منها حركة، كي تنقضّ عليها، وتفترسها!!

* * *

طال غياب غالي في إحدى المقصورات المعتمة.. وكان بعضهم قد بدأ التحلق حول فراس، مما اضطره لإبداء امتعاضه.. فسار يبحث عن مضيفه ليخبره بأنه يؤثر مغادرة

المكان، وقد نال كفايته من المشاهد الأثرية!

توقف أمام باب المقصورة المعتمة التي غيّبت غالي، وقد نابه الذهول لما تبدّى أمامه من مشهد تفوق غرابته الوصف!

كان غالي مستلقياً على الأرض.. وجهه إليها.. لا يبدو منه إلا أطراف جسده.. وقد تجمهر في الغرفة، عشرات الشباب.. تحلّقوا حوله.. يقفز بعضهم من خلف بعض..

يستعينون بأكتاف من أمامهم للقفز.. لمشاهدة ما يجري وسط المقصورة!!

كان فراس قد وقف مبهوتاً.. كأنه في حلمٍ مريع.. يراقب ما يجري لغالي.. داخل مقصورةٍ معتمةٍ ينهمر ماء ساخن من أحد أركانها.. تسري أسراب الصراصير، على جدرانها

اللزجة!! فأحس فجأة بدوارٍ نبهه إلى حرارة، ورطوبة المكان!.. فتراجع خطوات في هدوءٍ وحذر.. ثم دار على عقبيه.. وأسرع، عبر القاعة، والممر.. يقرع الباب

الحديدي.. في إلحاحٍ، وعنفٍ.. يطلب ما يستر به جسده، ليخرج من الحمام!!}

* * *

(ص486-491)

{تقدمت السيارة الفضية الفخمة، في إصرار، عبر طرقاتٍ غريبةٍ على مثيلاتها!.. دروبٌ وعرةٌ، ضيقةٌ.. مهجورة، كثيرة المنعطفات. تجبر السائق على القيام بعدد

من الحركات الصعبة لتجاوزها بسلام.. تهبط فجأة في حفرٍ كالفخاخ، يستر الماء والطين حقيقة عمقها، فيتطاير الوحل في جميع الاتجاهات.. ويلتصق على جدران متثاقلة

كادت مراراً أن تمزّق جوانبها الصقيلة..

حملق السائق مراراً في عيني سيّده.. يستشفهما حقيقة ما في ذهنه.. لا يفهم سبباً يبرر مخاطرته بسيارة لطالما أحسّ صاحبها أن في أناقتها، وانسياب خطوطها،

جميع ما ينقص أعضاءه من تكاملٍ.. وما تفتقر إليه حياته، من وزنٍ، أو أية قيمة جمالية!! كاد يحجم عن التقدم، في بعض الأحيان.. يلتفت إلى سيده.. فيزيد

هذا من تقطيب حاجبيه، ويحضه في صمتٍ، وإصرارٍ، على المتابعة في التقدم.. ضارباً بقبضته المجعدة في الهواء.. يأمره بتجاوز ما على الطريق من أحجارٍ، أو

مهملاتٍ، كان لقرقعتها، أو صوت تحطّمها، أثر زاد من جوّ التوتر الذي طغى على الحاضرين، دون أن يفقه أحدهم سبباً مقنعاً، شافياً لذلك!..

فتح غالي كفيه فجأة في الهواء.. آمراً سائقه بالتوقّف!! وترجّل على الفور، من المقعد الأمامي.. ثم دلف في باب متآكل.. ينيره مصباح عتيق، خافت.. اختنق نوره

من وطأة ما تراكم عليه من غبارٍ وأقذار!

جلّ ما بان من غالي، وهو يخرج من سيارته، ويدلف في الحمّام العتيق، جنب وجهه المغبرّ، وأكتافه المقوسة.. لكن، ما عاد منه، مبتسماً، متشفياً، مزموم الشفاه،

كان مفاجأة للجميع!!

نظروا جميعاً إليه.. متسائلين، في ترقّبٍ.. لا يفهمون سبباً للتحوّل الذي طرأ عليه.. فقال، يكلّم "دون ماكسيمليانو" وينظر، في الوقت ذاته إلى الفتاتين بطرف

عينه.. يبتسم لهما، في دماثة، وبرود!!

- "دون ماكسيمليانو".. لقد فاتك قصدي، منذ حين.. في "سيدنا الحسين".. تعال إذن، أُرِكَ منظراً لن تنساه.. في "الست زينب".. منظراً، من معالم القاهرة، التي

تحبّ.. بملايينها الشابة الثلاثة.. التي سوف تتحرك يوماً، على حدّ قولك، مجتمعةً على هدفٍ واحد.. غير الجنس.. تعال!

وفتح باب السيارة الخلفي، بفسح الطريق ﻟ "دون ماكسيمليانو" بالترجّل.. يقول للفتاتين، في أسفٍ ظاهرٍ..

- آه.. لو أن في استطاعتكما الدخول.. لمشاهدة ما سوف أقوم به!! على أية حال.. لا عليكما.. فلن يطول بنا الغياب!

ثم أغلق الباب، وترك الفتاتين في حراسة السائق، على دربٍ مظلمةٍ مهجورة، من دروب "الست زينب".. يصعب حتى على أبناء المنطقة، الوصول إليها!

دخل فراس في ممرّ ترابيّ، مظلم، منخفض السقف.. بان نورٌ شاحبٌ خافتٌ، في آخره.. وسار وراء غالي.. تقدمه، يدفع ببعض خيوط العنكبوت، عن وجهه.. يقول..

- إن الوقت قد تأخر.. ولقد لجأ معظم المستحمين إلى النوم..

- وهل ينامون.. هنا؟.. ظننت أنه حمام، فقط!

- .. إن ظنّك في محلّه.. لكن الفقراء عندنا.. يستحمون، وينامون.. في الحمّام!.. ماذا تريد.. إنه حلٌ عمليّ.. من اختراعات الحاجة! بضعة قروش.. يستحمّ الفقير،

مقابلها.. وينعم بمهجعٍ دافئٍ.. بقية برد الشتاء!

كان صاحب الحمّام قد خفّ للقائهما.. لا يصدق أن النعمة قد هبطت عليه.. من حيث لا يدري.. في تلك الساعة المتأخرة!.. يأسف لنوم عمّاله، ونوم من يحسن استقبال

"الخواجات"، في آخر الليل!!

أدرك على الفور أن "دون ماكسيمليانو" أجنبيّ.. فتوجه إلى الخواجة المصري، في تساؤل ولهفةٍ.. يستزيده بالإشارات من الأجرة المتفق عليها.. ثم قال، مسوّغاً

طلبه..

- ولم لا؟ ألا يريد هو الآخر.. عدداً منهم؟!

ردّ غالي على الفور، في تبرّم، وتعالٍ مسرحيين.. لا يجرؤ على استعمالهما، في أسلوبه بالتمادي.. إلا مع الفقراء، والخدم..

- لا..لا.. قلت لك.. أنا، وحدي.. فقط!! أفٍ منك!!

ندم صاحب الحمّام على قوله الذي أقصى الزبون الأجنبي عن المشاركة.. ولو أنه أخلد إلى الصمت، فلعلّ الأجنبي كان أقدم على مبادرةٍ ما، ناله منها الربح..

قال، متأسفاً على ما بدر منه..

- أنا لا أقصد شيئاً.. يا بيه!.. فالمكان مكانككما، تفعلان فيه ما تشاءان!

كانوا قد خرجوا من الممر الترابي، وولجوا قاعةً مستطيلة الشكل، مترامية الأطراف.. أرضها حجرية، يتصاعد البخار من ماءٍ يسيل على ميلٍ بسيط في مقدمتها.. يسيطر

عليها نورٌ شاحبٌ، خفيّ المصدر..

نظر فراس، وإذا بلون أرضها الترابيّ، الذي تلاعب برؤيته شحوب الإضاءة المصفرة، المعشقة بالرطوبة، ووشاح البخار الشافّ.. يتبدّى عن مئات الأجساد العارية،

المتفاوتة السمرة.. استلقت جميعها على الأرض، في أوضاعٍ جامدةٍ، ساكنة.. جثثٌ ملقاةٌ في مشرحةٍ.. بعضها انكمش على جنبه.. في اتجاهٍ واحدٍ.. شيوخٌ، تهدّلت

طبقات جلدهم المتجعّد، فباتت أقفاصهم الصدرية، وعظام أطرافهم كالعيدان الجافة.. تقاربت الأجساد بعضها من بعض.. تسعى في عريها إلى تبادل الدفء، وقد فترت

حرارة الأرض الحجرية تحتها، ومال الماء الذي يتخللها، للبرود! وبعضها الآخر، أجسادٌ لفتيةٍ مفتولة العضلات، اتخذت، في سباتها، جميع الأوضاع الممكنة، بدت،

هي الأخرى، جثثاً هامدةً، قد فارقتها الحياة.. إلا أغربها، وهي التي تمددت على ظهورها، منفرجة الأفخاذ، والسوق.. وقد تدلّت أعضاؤها.. بعضها، تنبض بحركة

دفق الدم، وبعضها الآخر، ارتفعت في الهواء، ليس سواها من دليل على أن صحابها ما زالوا، على قيد الحياة!

وقف فراس، مشدوهاً لغرابة المفاجأة! يظنّ أنه في أحد بيوت الموتى، في الصين.. أو أنه يعيش لحظةً سحيقة البعد، من تاريخ مصر القديم، ينظر إلى الجثث معدّة

للدفن، أو التحنيط!

لعل وحشة وغرابة المكان، كانتا قد نالتا حتى من برود غالي، وتجربته الواسعة.. فوقف، هو الآخر، حائراً، مرتبكاً، في البدء.. يسعى إدراكه لاستيعاب ما انبسط

أمامه من مئات الأجساد الساكنة! ثم ما لبث أن أبدى بعض التبرّم، وقال للرجل، في صوتٍ نزقٍ، خفيضٍ، يخفي بعض الوجل..

- لكنهم نيام! جميعهم!! ما هذا؟! ما كنّا قد اتفقنا على هذا!! أفٍ.. ماذا نفعل؟!

نظر الرجل إليه، يتعجب لما سمع.. وقال..

- إختر ما شئت منهم، يا "خواجة".. اختر العدد الذي تشاء! والباقي عليّ، أنا!!

برقت عينا غالي لما سمع.. والتفت يراقب وقع قول الرجل على مسامع "دون ماكسيمليانو".. ثم تجاهله، فجأة.. وعاد يمعن النظر فيما اندثر أمامه من ضحايا.. رافعاً

ذراعه، ماداً سبابته، يهزّها.. مشيراً إلى بعض من راقت له أجسادهم، وأعضاؤهم.. فقال..

- هذا.. وذاك!.. وهذا!.. وهؤلاء الثلاثة هناك!!

اندفع يشير إلى عدد كبير منهم.. ضاع ترتيبه، على صاحب الحمّام.. فما كان من هذا إلا أن التفت إلى جانبه، وأخذ وعاءً كبيراً، غطسه في برميل ماءٍ قربه، حتى

امتلأ.. ثم رفعه، وبدفعة واحدةٍ، عريضة، قذف بما فيه، على النائمين.. سافحاً الماء البارد على أجسادهم!! ثم أعاد الكرّة، عدداً من المرات!! في كلّ

مرةٍ، يهيل الماء على أجسادٍ لا تزال تغطّ في سباتٍ عميق!! يصيح للنائمين، بصوت غريب مرتفع.. ينهرهم، يحضهم على النهوض!! صوت القدر، يصرخ على الأجساد..

يأمرها بالنهوض من قبورها.. لتواجه قدرها المحتوم!!

كان فريق منهم قد تناهضوا على أكواعهم، وعيونهم ما زالت مغمضة، لا يفهمون من معنى لما حل عليهم فجأة من بلاء.. وفريقٌ لآخر، رفعوا أذرعتهم، يحتمون بها من

قذف الماء البارد.. وقد بدأوا تأوّهاً عميقاً، مصدوماً، ما لبث أن تجمّع، وارتفعت نبرته المبحوحة، فتحول إلى جؤار أجشّ.. محموم!!

صاح بهم صاحب الحمام في شراسة، وتهديد.. يأمرهم بالصمت.. ثم أشار إلى بعض من استفاقوا ممن كان الخواجة قد أشار إليهم.. وفي الوقت ذاته، استلّ عصى طويلة،

دقيقة، كانت غير بعيدة عنه، راح يلوّح بها في الهواء، منذراً من قد تسوّل له نفسه عصيان أوامره..

- أنت.. تعال!.. وأنت، هناك!.. وأنت!.. وأنتم.. قوموا!.. تعالوا!.. جميعكم. هيّا!

فتناهض هؤلاء.. في كسلٍ وخضوعٍ.. بينما عاد الباقون، ممن أدركوا أن الأمر لم يعد يعنيهم.. فاستلقوا على الأرض ثانية.. وغطّوا في النوم من جديد!

لم ينتظر فراس بقية الكابوس! استدار على عقبيه، واتجه فوراً يقصد الرواق المظلم.. وباب الحمام!!

كاد يصطدم في طريقه، بشخصين، أخفت ظلمة الممر، وعتمة الباب وجودهما.. وإذا هو أمام "بالوما" و"ليزا".. تسللتا إلى مدخل الحمام خفية!! كانتا قد وقفتا، في

آخر الرواق.. تسترقان النظر!!

قالت "بالوما" ويدها ترتعد، وهي تغلق باب السيارة..

- لو أني قرأت ما شاهدته الآن، في كتب الأساطير.. لظننته إسفافاً في المبالغة!.. يا إلهي!.. ياإلهي!.. "مكسيم" كيف يحصل هذا؟! كيف يصل الإنسان، إلى هذا

الدرك؟! في هذا العصر!

شدّ فراس على أسنانه، يكتم غيظه، في سكون.. وقال، يغالب حاجة ملحّة في البكاء..

- إن الدرك يقع في فعلة أولئك الذين يستغلون فقر، وعمى الآخرين.. لتحقيق نزواتهم!

- وتلك الأجساد الفتيّة؟.. كيف تسيّر بهذا الشكل؟ كيف تؤمر بهذا الصلف؟ كيف؟!.. ألا عقول لها.. أليس لها إرادة؟ "ماكسيمليانو" أين نحن؟! أي العصور هذه؟!

- بلى.. بلى.. إن لها إرادة.. لكن الفقر قد خدّرها أو سحقها!.. أين تتجه الإرادة، في عقول لا تقرأ؟! عقول.. جردت من تاريخها؟! إن كرامة الشعوب، في تاريخها!..

وهؤلاء، مساكين.. جردوا من تاريخهم الحقيقيّ!.."بالوما" إنما هي مسألة وقت.. وستعرف هذه الأجساد يوماً، كيف تأكل لحم ظلاّمها.. وترمي بعظامهم للكلاب!!}

images/clip_image