القسم الثالث

8 0 00

القسم الثالث

(ص502-513)

{أدرك الكاردينال أن محدثه ليس على علم بتفاصيل ما يتحدث عنه.. فأطرق برهة.. ثم عاد يمعن النظر في وجهه، كمن قرر في النهاية اطلاع أحد أحفاده على سرٍ طال

كتمانه له، يرى في ذلك الحفيد وريثاً جديراً بالثقة، وأن الوقت قد حان كي يسلمه أسراراً عائلية متوارثة.. فقال..

- "ماكسيمليانو" هب أننا قد أخفينا كتاباً فلسفياً، عربياً، في زمن بعيد.. ونشرنا محتوياته تحت إسم مؤلف فرنسي، أو إيطالي! فإن أول ما يجب عليّ خشيته الآن،

هو محاولة إنسان عربيّ اليوم، كشف أمر هذا المخطوط، ثم إعلانه على الملأ.. وفضح عمليّة "الاستعارة" هذه!.. صحيح؟!

- صحيح!

- لكنني لا أخشى هذا الأمر بتاتاً!.. صدّق ذلك، أولا تصدّق!.. فالعرب اليوم، هم آخر من يبحث عن حقيقة تاريخهم .. وهذه حقيقة، باتت واقعاً علمياً بحتاً..

منذ أن أصبحوا لا يعترفون على علمٍ، أو تاريخٍ، أو فلسفةٍ، إلا إذا كان مصدره ممهوراً بأختامنا الأوربية!.. أليس عجيباً أن نكون قد نجحنا تماماً في

غسل أدمغتهم؟! لدرجة أنهم إذا ما خيّل لهم أنهم أدركوا ذلك، عادوا إلينا نحن، يطلبون، منا نحن، العلاج!! تصوّر! أليس هذا مذهلاً؟! إن أوسعهم علماً، اليوم،

إذا ما أدركوا أن هنالك من زوّر تاريخهم، أو بدّل فيه.. يعودون إلينا نحن!! يطلبون منا نحن! ومن مصادرنا المزوّرة، إرشادهم إلى اكتشاف الحقيقة!! نعم..

نعم.. لا شك أننا نجحنا في إخفاء تاريخ المسلمين الحقيقي .. إلى غير رجعة.. لقد كانت مهمة شاقة.. طويلة.. لكننا قمنا بواجبنا خير قيام..

ضحك فراس، ساخراً، موافقاً.. دون التعليق على ما سمع.. فتابع الكاردينال..

- لا..لا!.. إن ما أخشاه.. هو، الجهة الأخرى.. أخشى أن تكتشف حقيقة ما فعلناه، في الماضي! تعثر على تلك المخطوطات، فتعيد تحويرها، لمصلحتها، ثم تكشفها على

الملأ!

- أية جهة تعني؟.. كيف؟! ومن الذي في استطاعته المطالبة بنصوص عربية، إسلامية.. غير أصحابها.. غير العرب.. والمسلمين؟!

- اليهود!! ليس كل اليهود بالطبع.. بل جماعة صهيون.. الدائبة، العاملة.. التي تحاول إعادة كتابة التاريخ من جديد!! وجميع اليهود وراءها، كما تعلم! وهم يملكون

أشد الأسلحة مضاءً، وفتكاً.. وسائل الإعلام.. في العالم كله!!

أخلد الكاردينال إلى الصمت، وهو ما زال رافعاً حاجبيه.. فاتحاً شفيه.. في وضع من يتابع الكلام.. كأن الزمان قد توقف، فجأة!.. وانقضت ثوان، وهو على ذلك الوضع..

ثم عاد إلى الحركة، والكلام، كأن الحياة دبت في أوصاله، وتقاطيع وجهه من جديد..

- أقول لك، إنني ما كنت لأهاب هذا الأمر، لو أن الخوف اقتصر على العرب، وحدهم! فالفهرس، إذا أرشدهم إلى أن هنالك كتباً فلسفية عربية، يجهلون وجودها، فما

من قوة على الأرض تستطيع أن تقودهم إلى حيث أخفيت هذه المخطوطات! ناهيك عن استحالة محاولة استخراجها، من حيث هي الآن! "ماكسيميليانو".. لولا أنك أحد

القلائل في العالم الذي لا أشك في عقيدته.. نظراً لثقتي المطلقة بعقيدة أسرتك وإيمانها، لما أطلعتك على مخاوفي هذه!! إن جماعة صهيون.. قد تسربت إلى

قواعدنا نحن! وما عدنا ندري إلى أي حدّ، بالضبط، نما هذا السرطان الخبيث في جسدنا، وانتشر!! إني بتّ أخاف أن يكون هذا الفهرس في حوزة أحد من جماعة صهيون،

الآن.. ممن هم اليوم، داخل جهازنا الكنسيّ!.. ولقد نجحوا في الخطوة الأولى ، وهي إقصائي عن المكتبة.. وعن الفهرس!! أما الخطوة التالية، فقد تكون، نسبة

بعض تلك المخطوطات إلى ابن ميمون، مثلاً! بدل، ابن رشد.. أو ابن خلدون! ثم تنشر نصوصها، على الملأ.. فاضحين بذلك ما قمنا به.. مفاخرين بها، على أنها من

تراثهم اليهودي!! إن مثل هذا الأمر، لو حدث، لكان كارثة علينا، وعلى العالم الغربي، بأسره!! خصوصاً، وأن جميع وسائل الإعلام اليوم، في أيديهم.. ولعلهم

لا ينتظرون إلا مثل هذه القضية ليمسكوا بزمام القيادة الثقافية، والروحية، للعالم الغربي، إلى الأبد!!

تساءل "ماكسيميليانو".. في حيرة.. وتمتم..

- ابن ميمون؟!

- بالطبع!.. فلقد كان يهودي الأصل، كما تعلم! .. ولقد أقاموا له التماثيل في إسبانيا اليوم على هذا الأساس.. "ماكسيميليانو"! عزيزي! إن الدولة، في بلادك،

تساعدهم من حيث لا تدري!.. فهي لا تشدد، من مجمل تاريخ العرب، في الأندلس، إلا على ذِكرما كان من أصلٍ يهودي! وسيأتي قريباً.. اليوم الذي سينسبون فيه

جميع حضارة العرب، في الأندلس، إلى تأثير عقيدتهم!.. تماماً كما فعلوا بنا، حين دمجوا العهد القديم، اليهودي، بالأناجيل الطاهرة المسيحية.. التي لا تكف

عن لعنهم!! ألا ترى أن عقيدتنا لا تذكر اليوم، في المحافل الفلسفية، إلا مقرونة بعقيدتهم؟! لا يتكلمون عن الحضارة الأوربية، إلا ذكروا جذورها "اليهودية

المسيحية"، فما بالك إذا كان ذلك الفهرس في أيديهم الآن؟! وتحت إمرتهم، مئات المخطوطات الأصلية التي يجهل العالم وجودها؟! إنما يروّعني الآن، هو أن جماعتهم

هذه، قد تكون، بيننا، دون أن ندري!! إنهم قد يكونون في مثل هذه اللحظة، بالذات، منهمكين في إعادة نسخ و تحرير تلك المخطوطات.. التي ظننت أني قد أخفيتها

إلى الأبد!! آه.. لو دمرتها!! آه لو أحرقتها، أو لو أحرقها من كان قبلي، قيماً على المكتبة!! إن جدك الأول، "ماكسيميليانو".. كان السبب!! جدك، كان رأس

الهرم الذي ابتدع فكرة التحوير، في سبيل العقيدة! لكن حب الخير والصدق، يبقى راسخاً في الإنسان،.. مهما نزع إلى الكذب.. والشر.. لذلك أبقى جدك على الأصول..

ولم يدمرها!!.. وتعاقب بعده عدد ممن هم على شاكلته.. أناس، آثروا في النهاية، على الدوام، ألا يقوم بإفناء تلك المخطوطات!!

كان الكاردينال "بامفيلي" يتكلم، مأخوذاً بما يحرفّه، مفتوناً بما كان في وسع أصابعه شده من خيوط معقدة، تسيطر على مقدرات الفكر في العالم.. فما إن أخلد

إلى الصمت، وراح يمعن النظر في "ماكسيميليانو"، من جديد، حتى تنبه إلى أن وشاحاً من القنوط قد جلل وجه ضيفه.. فتبسم له، في رفق.. وقال..

- أعلمُ.. أعلمُ.. يا بنيّ، أن ما أحدثك عنه، ليس خيراً، كله!.. لكن على الإنسان أن يضحي، في كثير من الأحيان، في سبيل قضية عادلة! وقد يُقترف الشر، في

سبيل الخير..”Todos Modos”.. أنه شعار اليسوعيين، كما تعلم.. "جميع الأساليب" ! ألا يحارب الإنسان، في سبيل عقيدته؟! ألا يقترف القتل ، في الحرب، لإحلال

السلام؟! إنها غنائم الحرب يا بنيّ.. ليس إلاّ!.. لقد انتصرنا في الحرب على الإسلام، في الأندلس.. فحق لنا جمع الغنائم! ولسنا أول من قام بهذه الفعلة،

في التاريخ!

ضحك لفكرةٍ طرأت على ذهنه.. وقال..

- لعله حب المغامرة.. أو القرصنة، عندنا.. أم لعله حب الصيد، عند إنسان تعود الحياة في الغابات.. على أية حال، فإن انتحال الثقافة ليس بالأمر الجديد على

الحضارة الأوربية، وليست عادة مقصورة على رجال الدين، والإيمان.. كما تعلم!!

نظر إليه "ماكسيميليانو" يستوضحه، فأردف قائلاً..

- هل تدري من أول من قام بمثل هذه الفعلة في التاريخ؟ ناهيك عن أن، تلك، كانت عميلة سطو رهيبة التدبير، والتنفيذ!! أين منها.. ما قمنا به نحن؟!

سأل فراس، في دهشة وعجب..

- ومن كان ذلك؟!

- إنه اسكندر المقدوني، بالطبع!.. وبالاتفاق مع أستاذه العظيم، أرسطو! إنها أول، وأكبر عملية سطو منظم في التاريخ.. على العلوم والفلسفة! وليس من سبب يمنع

المؤرخين عن ذكر تفاصيلها، إلا لأننا نحن، اليوم، في الغرب، أساتذة التاريخ! وليس في مصلحتنا تفويض دعائم حضارتنا القائمة على ما نسميه بالحضارة والفلسفة،

الإغريقية! التي هي في الأصل، حصيلة ما جمعه الاسكندر، وبعث به، لأستاذه، أرسطو، من جميع ما عجّت به الخزائن الشرقية من كتب وألواح الفلسفة، والعلوم القديمة،

التي وجدت على طريقه، وهو ماضٍ لاحتلال السند!

نظر إليه"ماكسيميليانو"، يستوضحه، فأردف قائلاً..

أطرق الكاردينال برهة، كأنه عاد بأفكاره كلية إلى ذلك الزمان، ثم قال..

- لكن الاسكندر اقترف خطأً، مريعاً! خطأ سمح لجماعة صهيون، فيما بعد، بالتسرب إلى بنائنا الروحي، والثقافي!.. وليس ما نستطيع القيام به اليوم، للحؤول دون

إتمام سيطرتهم الكلية علينا.. الشيء الذي بات على الأبواب!!

- وكيف يقوم الاسكندر بذلك.. قبل ثلاثة قرون ونصف من الميلاد؟!

- لقد شاء الإسكندر توحيد الآلهة، تحت زعامة إغريقية موحدة، على غرار ما فعل بشأن توحيد الثقافة!.. هدفه في ذلك بالطبع، تثبت سيطرة مقدونيا على العالم الحضاري..

فهو لم يكتفي بأن نسب جميع الفلسفات القديمة، إلى أسماء إغريقية، بل حطّم معابد جميع آلهة الشرف القديم.. المتغنية في تعاليمها بحب السلام.. ليرفع الصروح،

آلهة الأغريق، الداعية إلى الحرب! وأعطى بقية الآلهة التي رضي عنها، أسماء إغريقية!! هكذا.. نفى الإله "أيل" الكنعاني، من الوجود.. وهو أنذاك، أبو الآلهة،

الذي اتصف بالمحبة والرحمة، وحبه لسلام!! وأحل محله "زيوس" الإغريقي، الذي أصبح فيما بعد، "جوبيتر"، الروماني!.. وكلاهما ميّال إلى البطش، والحرب، مثل

"يهوه" تماماً.. الذي ما كان له من الأهمية في سلم الألهة الكنعانية، إلا دور ثانوي، ظرأً لقسوته ولميوله الحربية ولحبه للبطش والانتقام!.. ماذا قال المسيح

وهو على الصليب؟ ومن نادى؟!.. لقد نادى "أيل".. حين قال "إيلي.. إيلي.. لِمَ سبقتني؟" لقد نادى إله كنعان.. ولم يناد "يهوه".. إله اليهود! لكن تدني الثقافة

الأوربية في العصور الوسطى ساعد على طمس هذه الحقيقة.. حتى نجح اليهود في إشاعة الظن بأن تعدد أسماء الآلهة، في العهد القديم، أمر لا أهمية له، وأن جميع

هذه، أسماء تشير إلى الله. في حين أن الحقيقة التاريخية، مخالفة لذلك تماما.. وأن اليهود حين ضلّوا، تبعوا "يهوه"، إله الحرب.. وأعرضوا عن "أيل".. أي

الله.. وهو رب ابراهيم.. إله الرحمة والحكمة والمحبة!

- وما علاقة هذا، بجماعة صهيون؟!

تبسم الكاردينا "بامفيلي".. وقال، في هدوء..

- إن جميع الكتابات اليهودية، عن تاريخهم قبل الميلاد، لم تكن، قبل القرن الخامس عشر، إلا قطعاً وشذرات، منفصلة، بعضها عن بعض، لا علاقة لها بالتوراة اليوم!..

لقد كان لهم في العالم، آلاف المخطوطات المتناقضة! جميعها، لها أسماء دينية مقدسة، ومعظمها ينافي التعاليم المسيحية الحقيقية!.. إن النسخة الموحدة الرسمية

للتوراة، كتبها "يعقوب بن حاييم"، باللغة العبرية في عام 1525 .. ولقد وحدّها من أصل ثمانية آلاف مخطوطٍ دينيّ! جميعها متباين.. متناقض! معظمها، كتب باللغة

الآرامية! بالآرامية..وليس بالعبرية.. تصور! فهل تتصوّر مدى التحوير والتصرف الذي تضمنته مثل تلك المهمة؟! ولقد وُحِّدت تلك النسخة في زمن سيادة، عقيدتنا،

نحن، في أوربا! لذلك، جاءت بما يناسب روح هذه السيادة، وكأنها القاعدة الأساسية التي نشأت عنها عقيدتنا!.. ولم يتقربوا منا، حباً بنا.. أو رهبة من سطوتنا!

بل فعلوا ذلك، وفي أذهانهم قصد الالتصاق بعقيدتنا، وذلك، بهدف التسرب إليها، ثم محاولة القضاء عليها، من الداخل، ولا شك عندي أن" مارتن لوثر" منهم.. وقد

حقق أكبر نجاحاتهم! وهل تريد برهاناً، أكبر من نجاحهم، مؤخراً، في محو اللعنة التي أحلتها الأناجيل ذاتها على شعبهم؟!

أطرق صامتا، يهزّ رأسه أسفاً.. ثم عاد إلى الكلام، فقال...

- أن تلك النسخة من التوراة، لصقت بالأناجيل الأربعة، حتى أصبحت كمقدمة لها، بل أصبحت جزءاً منها!.. وما إن انتشرت البروتستانتية، في أمريكا.. بفضل مؤازرة

هذه الجماعة.. حتى وجدت جماعة صهيون، أن خير حربٍ كاسحةٍ يشنونها علينا، هي حرب مناصرة تلك المذاهب الأمريكية! جميعها لا تروج إلا للعهد القديم.. في

الكتاب المقدس.. الذي بات الجميع يتقبلونه على أنه تاريخ اليهودية الأصلي! فصار لا يذكر اسم عقيدتنا، إلا مقروناً باسم عقيدتهم، كأنهم هم الأصل، ونحن

الفرع! وهكذا يا عزيزي "دون ماكسيميليانو" نكون قد تذوقنا السم الذي قد حضرناه للآخرين وحلّت علينا ذات اللعنة التي سببناها للعرب.. والمسلمين!

- أي لعنة هذه، يا صاحب النيافة؟!

رد الكاردينال والمرارة بادية على معالم وجهه..

-.. كما أن العرب لم يعد في وسعهم، اليوم، البحث عن تاريخهم، إلا بالرجوع إلى مصادرنا الغربية! كذلك، نحن، لم يعد في وسعنا البحث عن جذورنا الأوربية، الحقيقية،

إلا بالرجوع إلى مصادر جماعة صهيون!.. ومن المنتصر في كل هذا؟!.. إنهم يملكون جميع وسائل الإعلام، في العالم اليوم!! وإن أي إنسان يتصدى لهم، بما يخيفهم،

تراه يرزح في اليوم التالي، تحت وطأة فضيحة سياسية، أو أخلاقية، لا أصل لها! تحطم سمعته، وتنسف من الأصل جميع ما قاله ضدهم!!

كان حب العلم والمعرفة لدى الكاردينال "بامفيلي" قد تغلب على حذره المعهود، حين يكلم الغرباء.. لكن "فيليتشي بامفيلي"، الذي جلس يحدث "دون ماكسيمليانو"،

لم يكن في تلك اللحظة ذلك الكاردينال المتزمت، الذي تقيد عقيدته مقداراته الذهنية الواسعة.. بل إنساناً عظيم الاطلاع.. عميق جذور المعرفة، سبر التاريخ،

فهو، وإن كان قد اتخذ موقفاً معيناً منه، إلا أن ذلك لم يمنعه من فهم مقدرات خصمه.. ولم يعمه حبه وولاؤه لعقيدته، عما كان لغيرها، من مزايا..

كان "دون ماكسيمليانو" ينظر إلى عيني الكاردينال، في حيرة، وعجب.. لا يدري ماذا يقول.. ولعل الكاردينال أحب ذلك الانطباع الذي تركه كلامه على مسامع، ومعالم،

ضيفه النبيل، فتابع قائلاً..

- ولم تستغرب ذلك؟ لقد كانت خطوة حضارية، خطاها الاسكندر في زمنٍ كان الفاتحون فيه، لا يكترثون بغير المال، والمتعة!.. فهو، بدل أن يكتفي بسلب ضحاياه، مالها،

وذهبها.. زاد في ذلك خطوة هامة.. علمه إياها أستاذه، أرسطو!.. وهي ، أن في الشرق كنوزاً أثمن من الذهب والفضة.. وهي كنوز الفلسفة، والحكمة، والعلوم! فطلب

منه جمعها في طريقه، وإرسالها إليه، مع البريد المنتظم، أولاً، بأول! فقام الاسكندر بتلك المهمة خير قيام، ولم يكتفي، بذلك، بل ، دمر جميع المدن القديمة،

التي تحمل ذكريات تلك الفلسفة، وبنى مدناً جديدة مكانها تحمل اسمه.. كأنه يريد أن يجتث جميع الجذور التي تربط تلك الفلسفات، بأصولها!! نعم.. نعم.. لقد

بنت أوربا القديمة صروح ثقافتها، بعد معركتين حاسمتين.. وعلى أنقاض ما حطمته واختزلته إثر هاتين المعركتين!.. الأولى، حرب الاسكندر على الشرق وسرقته لتراثه..

مما أسس حضارة اليونان!.. والثانية حروب روما على قرطاجة.. وسرقتها لحضارة صور.. مما كرّس موت الشرق القديم.. شرقه.. وغربه!!

تبسم فراس، وقال..

- أن جميع ما تقوله صحيح.. لكن ذلك لا ينفي أنه كان في اليونان، جميع ما نعرفه اليوم من أسماء إغريقية، عريقة، لامعة.. من فلاسفة، وشعراء، ومؤرخين.. في

زمن، لا نذكر فيه، لبقية الأقوام، أسماء لها مثل ما لأعلام اليونان من ألقٍ وشهرةٍ!!

ضحك الكاردينال، ملء صدره الكليل، وقال، يدحض رأي ضيفه النبيل، بطرحه لسؤال واحد! قال، يسأل "دون ماكسيمليانو"..

- وهل تعرف، يا صاحب النيافة، ما هو"قانون الاسكندرية"؟!

هز "ماكسيمليانو" رأسه نافياً.. مقراً بجهله.. فأردف الكادينال على الفور..

- أنه، يا عزيزي، المَثل الذي حذونا حذوه نحن.. حين جمعنا الأناجيل! فألغينا ما ألغينا منها، وأقررنا ما أحببناه! لقد كان في العالم، مئات الأناجيل، قبل

القرن الرابع.. فحظّرنا استعمالها، جميعها.. ما عدا أربعة، أي، الأناجيل الأربعة المعترف بها، والتي يكاد العالم لا يعرف غيرها، اليوم!

- تقول إنكم حذوتم حذو "قانون الاسكندرية".. فما هذا القانون؟!

أجاب الكاردينال ضيفه على الفور، قائلاً..

- اسمع جيداً.. إذ أن ما سأقوله لك، يكاد لا يتحدث به، إلا قلائل في العالم اليوم! رغم أهميته القصوى!!.. إن "قانون الاسكندرية" هو اللقب الذي أعطي للقائمة

الرسمية التي وضعت في "الاسكندرية" في القرن الثاني، قبل الميلاد!.. من قبل"أريستارك"، و"أريستوفان البيزنطي"، لأسماء الشعراء والفلاسفة!! والتي تحرى

فيها، واضعاها السير في خطا الاسكندر، وأرسطو!! فوحدا العلوم، والشعر، والتاريخ، والفلسفة.. جميعها.. وأقول جميعها.. تحت أسماء.. يونانية.. بحتة!! هي

جميع ما نعرفه اليوم، من أسماءٍ إغريقية بارزة!! مهملين ذكر غيرها من الأسماء الشرقية الي أهملت، حتى اختفى ذكرها، مع مرور الزمن.. تماماً، كما أهمل ذكر

بقية الأناجيل التي لم تعترف الكنيسة بها، في القرن الرابع للميلاد.. هل أكرر ما قلت؟! لقد وحد "أريستارك" و "أريستوفان البيزنطي"، أسماء جميع الشعراء

والفلاسفة الشرقيين.. تحت أسماء "إغريقية".. حتى نُسب إليهم جميع الشعر والفلسفة القديمين! هكذا.. وبكل بساطة!! والغريب في الأمر، هو أن التاريخ، ما يزال

يذكر هذه الواقعة لهم! رغم أنه نسي أسماء الفلاسفة، والمؤرخين، الذين حذفت أسماؤهم من الوجود!! فما رأيك؟! هل ترى يا عزيزي كم هي سهلة عملية تزوير التاريخ؟!

حين يقوم القوي الحاكم، بذلك؟! إذا كان من السهل، اليوم، سرقة أثر أدبيّ، أو فلسفيّ.. فهل جال في ذهنك كم كان الأمر سهلاً على سلطة مثل سلطة الاسكندر،

أن تقوم بما قامت به من نقل اللوائح الفلسفية القديمة، من الشرق، إلى اليونان، وإلى المكتبة التي أنشأها باسمه، في مدينته "الاسكندرية"!.. ثم نسب هذه

الفلسفة إلى أسماء يونانة، قديمة؟!

قال فراس، وقد عظم فجأة على ذهنه وقع أمورٍ، كان يجهلها!! أمور، من صلب الثقافة.. لا حدود لأهميتها!

- كيف لم أطلع على هذه الأمور؟! كيف تغيب هذه الأمور عن معرفة الناس؟! إنها لجريمة، ما بعدها جريمة!! ثم.. نحن، إذن، نعيش في جهلٍ، ما بعده جهل!!

تبسم الكاردينال لما تفهمه من ثورة ضيفه على جهله.. مواسياً..

- لكن جدك، يا "دون ماكسيميليانو"، لم يكن يجهل تلك الأمور!.. إن من يجهل هذه الأمور هو "الشعب" المثقف! وليس"النخبة" من مثقفي العالم، اليوم!! الذين يشدون

خيوط الثقافة بحسب ما يريدون.. تماماً كما هي حال من يشدون خيوط السياسة!! ولقد قام جدّك الأكبر بمثل هذه العملية، على نطاق كتب المعرفة الإسلامية، في

الأندلس.. نقلها إلى هولندا.. وهناك، حور بعضها، بما يقتضيه الإيمان.. ونسب بعضها الآخر إلى مؤلفين غربيين! فهل ترى أروع من ذلك؟! ثم كيف أنسى فضل "ليو

أفريكانوس"، "ليو الإفريقي"، وهو الاسم الذي اتخذه الحسن بن محمد الوزّان، بعد أن اعتنق عقيدتنا، في القرن الخامس عشر؟! لقد حمل إلينا المخطوطات، بالمراكب!

سفنٌ، محملةٌ بكاملها!! ولقد كانت آخر عملية منظمة حصلت في هذا المجال.. ما قام به رجالنا أثناء حملة "نابليون".. فنحن، لم نُغنِ متاحفنا بآثار مصر الحجرية

فحسب! وانظر إلى ما في متحف "اللوفر"، من آثارٍ مصرية!.. بل أغنينا جميع مكتبات أوربا بالمخطوطات التي حوتها مكتبات مصر، وهي التي كانت مركزاً للعلم،

في العالم الإسلامي في ذلك الحين!

ضحك "فيليتشي بامفيلي" هازئاً، مستغرباً فداحة ما حصل، وقال..

- أن رجالنا.. لم يكتفوا بإخلاء مكتبات العرب من كنوزها العلمية والتاريخية، فحسب! بل، وهذا هو الطريف في الأمر! لقد أبدلوا معظمها، بنسخٍ كتبت هنا في أوربا،

نسخ.. لا فارق بينها وبين المخطوطات الأصلية، إلا في المحتوى.. والنصوص!! بل إني أستطيع أن أؤكد لك، أن ما من مخطوط عربي هام، في حوزة العرب اليوم، إلا

جرت عليه رقابة صارمة.. زادت هنا، أو حورت هناك.. بما كانت تقتضيه مصلحة حضارتنا، وعقيدتنا! ولا تستغرب هذا القول.. أفلم نحكم البلدان العربية.. جمعاء؟!

وكانت جميع مكتباتها، تحت إمرتنا.. ورهن تصرفنا؟! في زمن كان معظم زعمائها يكادون لا يحسنون قراءة لغتهم؟! المغرب! القيروان، القاهرة، دمشق، بغداد.. طهران،

الهند، السند! جميع مكتباتها، وذخائرها، كانت تحت رحمة نَسَخِتِنا.. طوال عشرات السنين! لعل البلد الوحيد الذي لم نُخْلِه من مخطوطاته بعد.. هو اليمن!!

قال "دون ماكسيميليانو"، في عجبٍ وذهول، صادقين..

- يا صاحب النيافة.. إنك لتذهلني حقاً بسعة معلوماتك!!

هزّ الكاردينال رأسه، يأسف لزمن المعرفة الموسوعية الذي بدّدته الحضارة الآلية الغربية.. حضارة الاختصاص.. وقال..

- كيف لا أعرف ذلك.. وجدّي الأكبر، القديس "بامفيلي"، كان أول من حوّر في التاريخ اليوناني، لمصلحة العقيدة، والدين! لقد كان قيّماً على مكتبة "أوريجين"

وحوكم، بسبب ما أصلحه من كتابات "هيكسابيليس" فقطع رأسه، في القرن الرابع! نعم، يا عزيزي.. أنت وأنا.. ورثة هؤلاء.. إنما نسير في خطٍّ رسمه لنا أجدادنا..

منذ القدم!.. إنها مهمتنا التاريخية.. لخدمة حضارتنا! فهل تستغرب لقاءنا الحميم اليوم، بعد كل الذي سمعته مما يوحّد سبيلنا في الحياة؟! لم ألقك.. إلا

وأنا على وشك فراق هذه الحياة.. آه.. يا "دون ماكسيميليانو".. ليتنا التقينا.. قبل اليوم! لكن.. ما لك تبتسم؟!

- يجول في خاطري ما يمكن أن تترك هذه المعلومات، من أثر على مثقف عربي، لاقدر الله.. إذا ما وقع عليها.. ولا سبيل أمامه للتحقق من صحّتها!

قهقه الكاردينال، في مرحٍ، وقال..

- لا تقلق، يا عزيزي.. فالجواب بسيط.. لن يهتم بمثل هذه المعلومات إلا مثقف حقيقي.. وإذا وجد، فإما أنه يموت من القهر، والكدر.. أو.. يعلنها على غيره من

أبناء أمته.. وفي تلك الحال.. فسوف يسخرون منه.. أو تقف في وجهه رقابة حاقدة، جاهلة.. حتى يدفعه ذلك للجنون، أو يموت حسرة وحزناً على درجة جهلهم!!

- ألا يمكن لمثل هذه القضية أن تلاقي من صدىً لديهم.. أو لدى بعضهم؟!

- وكيف يتم ذلك، وجميع مثقفيهم، لا يجرؤون على التحدث عن تاريخهم، وقضاياهم الروحية، أو الثقافية، إلا بعد الرجوع إلينا مباشرة أو إلى هذه المخطوطات المحورة

نفسها؟! ثم، لقد أضفنا بحوثاً لا آخر لها، في صالح الأقليات .. حتى بات المسلمون اليوم لا يجرؤون على مناقشتها، علناً، خوفاً من ثورة هؤلاء عليهم!! نعم..

نعم.. إن من سوف يكتشف هذه الحقيقة من العرب، في يوم من الأيام.. سوف يُقضى على اكتشافه.. وربما عليه.. على يد أبناء أمته بالذات..}

* * *

(ص528-535)

{لا شك أن هنالك من خطط بدأبٍ وجهدٍ، لبلوغ ذلك الهدف!! جهةٌ ما يعرفها الكاردينال.. ويخشى بأسها، جهةٌ، عاجزةٌ عن الحركة، ما دامت تجهل مكان المخطوطات..

ولم تكتشف وجودها، إلا بعد اكتشافها للفهرس!!

ذهب فراس، يزور الكاردينال، مرة ثانية.. ينبئه بما اكتشفه في غرفته.. يستطلعه رأيه فيما عليه التحسب له خلال رحلته، الآن، وقد ثبتت لهما شكوكهما حول هويّة

الجهة المتربصة لهما!

كان "فيليتشي بامفيلي" مضطجعاً في فراشه، ذي الأعمدة الخشبية الأربعة، في ثياب نومه البيضاء.. وعلى رأسه قبعة تدلّت من طرفها طرّة ارتكزت على كتفه، زادت

من الطابع التاريخي للغرفة..

قال، وشفته السفلى ترتجف، حنقاً لما سمع..

- يا إلهي!! إنهم زادوا على فنّ الدسّ والمكيدة، وسائل العصر الحديثة.. ونحن ما زلنا في عصر النسخ باليدّ!.. من يدري؟! لعل لهم مثل هذه العيون في معظم دورنا،

وأماكن تباحثنا بالأمور الهامة!.. لقد كانوا يلجؤون إلى نظام الاعتراف.. لنقل أسرار الشعب، إلى رؤسائهم! أما الآن.. فما حاجتهم إليه.. وفي حوزتهم مثل

هذه الآلات الرهيبة، التي لا يقف سرٌ دونها!!

سأل "ماكسيميليانو" مستغرباً..

- أي نظام اعتراف تعنون.. وما كنت أدري أنهم يقومون بالاعتراف مثلنا!

- لا..لا.. لست أعني نظامهم، هم.. بل نظامنا نحن!!

ثم أطلق ضحكة مرحة.. ساخرة، خفيفة، قال بعدها..

- كنّا نُُتّهم بأننا نستعمل نظام الاعتراف الصارم، عندنا، لمصالح العقيدة!.. يلقبون نظامنا هذا، بأنجح نظام للاستخبارات، في العالم! نعرف عبره جميع ما

يدور في نفوس الناس.. وما يقومون به، في الخفاء! بل.. ولم لا؟! لقد كنا أشد باساً، عبر هذا النظام، من القانون نفسه! نعرف معظم أسماء مرتكبي جميع أنواع

الجرائم! خصوصاً، الأخلاقية والإجرامية، منها!.. في حين أن أجهزة الأمن تعجز أحياناً.. حتى اليوم، عن اكتشاف سرقاتٍ بسيطة!!

تنفس "الكاردينال"، في عمقٍ، ثم أردف قائلاً..

-.. كل هذا كان يدور في فلك واحد.. ولمصلحة واحدة.. فلكنا نحن.. ومصلحتنا، نحن! إلى أن اندست جماعة صهيون، بيننا.. وسبقتها الماسونية، من قبل، إلى ذلك!..

ولعلهما، في النهاية ليسا إلا جهازاً واحداً!.. فباتوا بذلك، لا يكتفون بالشرب من رأس الينبوع، فقط.. بل أصبحوا يمنعون عنا الماء.. إذ يقفون في وجهنا

ليمنعوا وصول المعلومات إلينا!

عاد "فيليتشي بافيلي" إلى السكوت، برهة.. قال بعدها..

- إني بالطبع.. لا أتّهم الثقة التامة بكتمان العرّاف المطلق! وهو الذي أقسم أغلظ الأيمان، أن يحافظ على صمته!.. لكن.. ماذا تريد؟!.. إن النفس أمّارة بالخير..

كما هي أمّارة بالشرّ!.. فإذا ما تناهى إلى سمع عرّاف ما، سرٌّ.. قد يستفاد منه لتدعيم ركائز الإيمان.. أو لإعلاء صرح العقيدة.. أفلا يصبح منعه، عنا،

أمراً مخالفاً لروح الإيمان؟!.. ويصبح الاعتراف به، واجباً على من يحمل السرّ؟!

- إذن، فهم يلبسون مسوح الدين.. بيننا، ولا سبيل لمعرفة ذلك! ذئابٌ.. تدثرت بمسوح الرعاة!!

- بل يلبسون مسوح جميع الأديان.. جميعها!! يعتنقونها، في الظاهر.. وينخرون في جذورها، كلها.. لا بهجومٍ، يشنونه من الخارج!.. بل بابتكار المذاهب، والتفاسير..

لهذا أوذاك!.. لهذه الرؤى، أو تلك! فيفرقون جميع أصحاب الأديان، إلى فرقٍ ومذاهب.. ظاهرها، بحثٌ جاد عن تفاسير جديدة، وباطنها، سعيٌ ممضٌ، أكيد.. نحو

هدم صروح جميع الأديان.. ما عدا دينهم!.. هذه هي المعضلة الكبرى التي نواجهها اليوم، ولا نجد لها من حلٍ! فنحن، نضطر للضغط على الرعيّة، نبسّط التفاسير،

ونوحدها، لجمع الشمل، إزاء هذه الأخطار التي تحض الناس على التفرقة!.. فيتصدّون لنا، من الداخل، والخارج معاً.. ويقفون بيننا.. مؤمنين مثلنا.. يتهموننا

بالتزمّت والسلفيّة.. يشهرون في وجوهنا سيف إيقاف التطور!.. إنه لمما يضحك، بل لمما يبكي أصحاب العقيدة الجامعة، الحقة.. أن نرى أعضاء جماعة صهيون، يتبارون

في تطعيم العقائد.. جميع العقائد.. بتفاسير، نحن أول من يرى مصادرها البوذية، أو التاوية، أو المانوية!.. إلى ما هنالك من جميع مصادر الأديان التي عرفها

الإنسان، على مرّ التاريخ!.. بل نحن نملك الكتب والمستندات التي تبرهن على كل ذلك.. لكن كيف نُفهم البسطاء من المؤمنين، هذا؟! كيف نفهم الإنسان "البسيط"

إنه يواجه مشكلة "روحية معقدة"؟! وذهنه البسيط، لا يدرك المعقّد؟! "دون ماكسيميليانو".. ألا ترى معي التناقض الكامن في التعريف؟! كيف يدرك الإنسان البسيط،

أمراً معقداً؟! إن رفض التفاسير الجامعة المبسّطة للأديان، بابٌ تدخل هذه الجماعات، عبره، إلى النفوس الساذجة.. فتفرقها.. يدّعون أنهم حماة التطور.. والحركة!..

فكيف ندخل نحن؟ كيف نعود إلى تلك النفوس، لنفهمها ما هو معقّد؟! ونقنعها بالتخلّي، طواعية، عن حريّةٍ واهمةٍ، ظاهريةٍ.. في سبيل جمع الشمل، ووحدة الإيمان؟!

- ولماذا لا تقومون أنتم بالتطوير.. والتجديد!.. بدل ترك هذه المهمة لأعداء العقيدة؟!

- "ماكسيميليانو".. يا عزيزي!.. إن الراعي يسوق أغنامه، ولا يقودها!! إن الراعي الصالح يسير خلف القطيع، وليس أمامه! أما الثوري، فإنه يكلّم الجميع، لكنه

لا يشد خلفه إلا الأقوياء منهم!.. إن للمصلحين المجددين في الدين، ظاهرياً، الدور المنفتح البنّاء.. لكنه في الواقع دورٌ فوضوي.. لا ينجح في النهاية،

إلا في تشتيت الشمل!.. يسعى إلى الخراب، سواء أدرك ذلك، أم لا! أما نحن رجال الدين.. نحن الذين ورثنا دور جمع الأكثرية، على العقيدة الواحدة.. مهما

اختلفت الأديان.. فلقد ترتّب علينا سياقة الرعية برفق، ومن الخلف.. ثم التريّث معها، للسير مع أضعفها بنية، وأبسطها فهماً!.. ذلك لحمايتها من الذئاب المتربصة

لها!.. فإذا خسرنا القوي.. إذا طار ذلك القوي أمام الركب البطيئ، أثناء ذلك، فلا بأس! أما الضعفاء.. فإذا تركناهم لأنفسهم، فقدوها.. وفقدناهم!.. وهذه

نتيجة محتومة!!

- وماذا يفعل المخلصون من أصحاب الثقافة، والأذهان المنفتحة؟! كيف يقبلون جمود الطقوس.. وسلفية التفاسير ؟! كيف يتفيؤون بمظلة الدين.. والدين لا يظلل إلا

البسطاء!

تبسّم "فيليتشي" في عطفٍ، وذكاء.. وقال

- وهل وضعت الطقوس والتفاسير.. لهؤلاء؟! أقولها.. لك.. وليس لغيرك!.. إن هؤلاء، من الذين تجاوزت ثقافتهم حدود العلوم والطقوس الدينية المبسطة.. عليهم متابعة

المسيرة مع الركب.. مدركين أن الركب، أي ركبٍ كان، كالهرم.. قاعدته، أوسع بكثير من قمته! وإن الركب، لا يكون ركباً، إلا إذا تقدم جميع من فيه، في سرعة

متجانسة.. إن التفاسير، في جميع الأديان، إنما وضعت لأولئك الذين لا يحسنون التفسبر! أما أصحاب العقول، والنفوس النيرة.. فهم ليسوا في حاجة للخوف من نار

جهنم، كي يقلعوا عن فعل الشرّ! لذلك، فإن على المؤمن المثقّف، تجاهل ما قد يبدو صارماً، سلفيّاً لطبيعته.. ولسعة اطلاعه.. والمضيّ قدماً مع الركب، وإلا

فقد الركب مقدمته، وطليعته!

تنبه "فيليتشي بافيلي" إلى شبح ابتسامة تراءت على شفتي "دون ماكسيميليانو"! فتوقف، سائلاً.. مبتسماً بدوره..

-.. ماذا؟ هل تراني أعظ.. دون أن أدري؟! لا تلمني.. إن وعظ النخبة المثقفة أمرٌ لا تتهيأ لي ظروفه دائماً! لذلك، أراني أنتهزها فرصة، معك، لسماع صدى أفكاري!

ضحك "ماكسيميليانو"، وأجاب..

- لا..لا..إنها مجرّد فكرة.. أوانطباع عام! لست أدري.. فما إن يتخذ الحديث في سمعي مجرى الكلام عن "القطيع" و"الرعاة"، وما شابه ذلك.. حتى تراني أميل للهروب

منه نفسياً.. إن لم أقل، النفور منه!.. واعذرني، يا صاحب النيافة.. فأنا أكلّم الصديق، الآن.. وليس الراعي!

- بل هذا ما رأيته فيك منذ البداية.. فلا عليك!.. أما عن نفورك من هذه التشابيه، فإليك رأيي.. لماذا تهرب منها؟! هل لأنها تصوّر لك الشعب، على أنه أغنام

سهلة القياد؟! أم لأنها تعطي للراعي صفات فوقيّة، ترفضها نفسك.. لتتمسك بمبدأ مساواة البشر؟!

تردد "ماكسيميليانو".. ثم قال..

- لست أدري بالضبط.. لقد سبقني سؤالك..

- لا عليك! لكنني أطرح عليك السؤال التالي.. إذا كان صاحب الدين ينتمي إلى القطيع، أو جماعة الرعاة.. فإلام ينتمي من يخرج عليه.. من الثوريين المجدّدين؟!

ومن هو"نيتشه"، في ظنّك، إن لم يكن، راعياً آخر.. لطبقات بأسرها؟! إن كل متكلمٍ في الشعب، راعٍ! وكل مستمعٍ لغيره، جزء من قطيعٍ ما!! فلماذا الهروب من

حتمية هذا الواقع؟!

نظر "دون ماكسيميليانو" طويلاً إلى محدثه، كأنما هو على وشك طرح سؤالٍ أخير، يتردد في المجاهرة به.. ولعل الكاردينال أدرك ذلك.. فقال، في عطف..

- قل.. قل يا عزيزي!.. ولا تتوان.. إنما نحن أصدقاء الآن..

قال "ماكسيميليانو".. في تمهل..

- .. لست أدري.. نحن نكره ما تفعله جماعة صهيون، من الدسّ ومحاولة تفكيك عقيدتنا، وذلك باشتقاق الفِرَق، و الأحزاب منها.. من الداخل.. وماذا نحن فاعلون بتلك

الكتب والمخطوطات التي آلت إلينا.. من تراث الآخرين؟!

تبسّم "فيليتشي".. وقال..

- آه.. إن الأمر معنا يختلف تماماً!.. نحن أصحاب حق!.. وعقيدتنا هي الصحيحة!! وكل ما يساعد على تنميتها، أو تقويتها، لهو صحيح، بالضرورة!! TODOS MODOS*...

هل نسيت؟! [*جميع الوسائل]

هزّ فراس رأسه، متسائلاً.. وقال..

- أليست هذه المقولة، قضية انتماء؟!.. وأي صاحب عقيدة، لا يظن أنه على حق!.. وأن غيره على باطل؟!

- إنها قضية إيمان!

- إيمان؟.. أو ارتباط عضوي.. لا شعوري، بالمنشأ؟!

- لست أفهم بالضبط، ما تشير إليه..

تبسم فراس، وقال، سادراً.. ساهماً..

- إنها قضية سمك السلمون.. لا تنفكّ ترجع إلى ذهني، كلّما حاولت إقصاءها.. إنها مشكلة عدمية قضايا الإيمان.. ووهنها.. في افتقارها إلى أي مستندٍ آخر، غير

العاطفة!

التفت الكاردينال إلى "دون ماكسيميليانو".. يُمعن النظر في عينيه.. يحاول استشفاف ما قد يكون خفي عليه، من صرامة إيمانه.. ثم قال..

- ولِمَ لا.. لئن دفعت الطبيعة سمك السلمون للعودة إلى منابع حياته.. فلا بد أن وراء ذلك سبباً يؤدي إلى تقوية النوع!.. أين العدمية، في ذلك؟!

- إنها تقع في أن الأنواع تسعى، جميعها، تقوية ذاتها!.. ويصطدم، بعضها ببعض.. وهي على تلك الطريق.. فتأكل بعضها بعضاً!.. ولكل منها الحق، في نظرها، بالنهوض

على جثث غيرها!.. لأن كلاً منها يظن أنه يملك الكلمة الحق!

عاد الكاردينال للتفرّس في تقاطيع وجه محدثه.. ثم سأله، في هدوء.. وهو يزمّ جفنيه في مكرٍ محبب!

- وهل لديك شك.. في أننا نملك الكلمة الحق؟! يا صاحب النيافة؟!

ضحك "دون ماكسيميليانو".. فجأة.. وقال، كمن يغامر بجميع ما يملك.. يلقي به.. مرة واحدة.. في حلبة الرهان..

- وأنت.. يا صاحب النيافة؟! ألا تعترضكم مثل هذه الهواجس السوداء؟! من حين.. إلى آخر؟! أم لديكم ذاك الإيمان الفريد، الحق.. الذي تزحزح ذرة منه.. جبالاً،

بكاملها؟!

تابع الكاردينال النظر إلى محدثه.. برهة، لا يبدي ما يشير إلى أنه سمع السؤال.. ثم رفع كفيه في الهواء فجأة، وأطلق ضحكةً، تنفس لها فراس الصعداء!

- "دون ماكسيميليانو" عزيزي!.. لم يخطئ من قال لي إنكم من أشد الأسر بأساً.. في أوربا!! كل ما أرجوه منك.. بعد العودة من مهمتك.. هو الاحتفاظ بتلك الآراء..

لنفسك! خلال مقابلتك للحبر الأعظم!

لم يفهم فراس، في البدء، قصد الكاردينال، من قوله هذا.. فلم يجبه بشيء.. ولعل الكاردينال أدرك حيرته.. فتابع، مستفسراً.. حائراً..

-..إنك.. تنوي طلب مقابلة خاصة.. من الحبرالأعظم.. أليس كذلك؟! وهل يعقل ألا تفعل ها؟! إنكم الأسرة الوحيدة في أوربا، التي تحق لها مقابلته.. على أساسٍ

عائليّ.. خصوصاً وإن آخر "دوقا دالبا" قام بزيارة روما، كان قبل الحرب العالمية الأولى!

نهض "دون ماكسيميليانو" يتمشّى في صمت، قرب سرير الكاردينال.. ثم قال..

- لقد تركت مدريد، سرّاً!.. إثر ما علمته من اختفاء الفهرس!.. لننهي هذه القضية، أولاً.. وبعد ذلك، أعود إلى مدريد .. لأخرج منها، على الملأ.. ثم أقوم حينئذٍ

بجميع واجباتي، بسرور!

تردد برهة، ثم تابع قوله، سائلاً..

- وهل الحبر الأعظم على علمٍ بوجودي؟.. هنا؟

- لا أستطيع الجزم بذلك.. لكن العادة جرت على إحاطته علماً بوجود من هم أقل رفعة، بكثير، من نيافتكم!

تجاذب الرجلان أطراف حديثٍ طويلٍ شمل أموراً عديدة، حوّم فوق الدقيق منها.. إلى أن حطّ في النهاية فوق قضايا الجنس، وكأنه ما من حديثٍ حميمٍ، جديرٍ يربط

أواصر الصداقة بين مخلوقين، إذا لم يطرح بينهما ذاك الموضوع! يخرجان منه، في النهاية، إلى نتائج أنه لا طائل وراء إمعان التدقيق، في تلك الأمور!.. لكن

"دون ماكسيميليانو"، لم يجد بداً من طرح سؤالٍ، طالما حرّقه.. يعرف الأجوبة العلمية عنه.. ويجهل إجابة إنسان مثل الكاردينال "بامفيلي"!.. فما إن فاجأه

بسؤاله، ضاحكاً.. عن سبب كره الدين في أوربا للمتعة الجنسية.. حتى بوغت بردّ "فيليتشي بامفيلي"..

-.. وكيف تريد لشعبٍ.. هانئٍ على الأرض.. أن يلتفت في جديّة إلى أمور السماء؟! أليس هذا عذراً كافياً لشحذ كراهيتنا للجنس.. ولكل ما يبعث على السعادة..

في هذه الحياة الدنيا؟!}

* * *

(ص560-563)

{يتوسط قصر " فوسكاري"، عقدٌ كاملٌ مرصوصٌ من الصروح القديمة، الرائعة الهندسة..يحد أبرز الجزر المشرفة على مدخل البندقية..يراه كل زائر مبحر إلى داخل

المدينة، عبر اﻟ" كانالي غراندي".. يطل على ممرها المائي العريض، فما إن يتجاوز المركب، الرأس الملقب باﻟ "بونتاديللادوغانا" .. ويمخر الماء، تحت جسر"الأكاديميا"

.. حتى يستطلع الزائر، تاريخ البندقية البرّاق، عبر القصور التي تحمل أسماء الأسرالتي بنت، وسكنت تلك البيوتات الشرقية، العريقة! فيصل قصر"فوسكاري"، الذي

يحيط به الماء، من جوانبه الثلاثة.. يتوقف "الجندول" على مدخله البحري.. ليخفّ من وقفوا على بابه، في لباسهم الرسمي، لاستقبال مدعوّين..أتوّا تلك الليلة

لزيارته، ليس تلبية لدعوةٍ حكوميةٍ رسميةٍ، فاترة.. بل نزولاً عند رغبة صاحب القصر! الأمير"فوسكاري".. ابن المدينة.. يحمل أحد أبرز أسماء أسرها النبيلة،

يريد لمدعويه، في تلك الليلة، إحياء أحلى لياليها!

كان صوت "المندولين" طائراً جذلاناً، يرفرف محوماً فوق ألحانٍ موسيقيةٍ تُسمع من بعيد.. ما إن تقترب قوارب الجندول.. تحمل الزائرين من رصيف القصر، حتى يزيد

العازفون من ضرب الدفوف! يرون القادم من الشُرَف المطلّة على المدخل، فيرافقون نزوله، الوجل، من القارب، بألحانٍ موسيقيةٍ مرتجفةٍ ! وما إن تحط قدمه

الثانية، على الرصيف، في ثبات، حتى ترتفع الخشخشة..ويعلو صوت النقرعلى الدفوف.. مرحاً.. وابتهاجاً، فتجمع المدعوّات أطراف أثوابهن التنكريّة، الفضفاضة،

بين أذرعهن.. يرتكزن على سواعد مرافقيهن.. ويمضي جميع هؤلاء، متخفين، وراء أقنعة عريضة، سوداء.. مجوفة العيون.. تدلّى من جوانبها ما يحكم ستر بقية معالم

الوجوه.

تدفق المدعوون على القصر.. أضيئت مشاعله الناريّة المحيطة بجدرانه الخارجية.

وصلوا في قوارب، عملوا، جميعهم، على تزيينها بقناديل زيتية، وأشرطة ملونة، تعلن هدف الحفل التنكري! وليس مثل أهل البندقية يخفّون للمشاركة في إذكاء القصد

من وراء تلك المناسبات.. تذكّرهم بروح مدينتهم الفنية، المسرحية! فما كانت تلك القوارب تقترب من هدفها.. حتى كنت ترى المارة، على أرصفة القنال، يصفقون

لها، في مرح وحماس.. يلوحون لأصحابها.. يطلقون وراءها الأهازيج، وصيحات الإعجاب، المرحبة!

كان جميع المدعوين..أي، ما يزيد على المئتين منهم، قد حرصوا أشد الحرص، على إخفاء أسمائهم، و شخصياتهم! فلا الشقراء، ولا السمراء، كشفت للناس عن حقيقة لون

بشرتها أوشعرها، بما ينبئ عنها! ولا خفيف الشعر، أو ذو الشاربين، أظهر من معالم وجهه ما يشير إلى هويته!

كانوا جميعهم، قد بذلوا جهداً، فائقاً، في التخفي، والاعتناء بأزيائهم السلفيّة، البرّاقة المترفة.. فبدت أروقة القصر..ممراتٌ خياليةٌ، يتمشى فيها التاريخ،

بما تقلّب عليه من عادات وتقاليد، وأشكال!! أمّا القاعة الكبرى.. فلقد احتك فيها الحرير المُشَرَّق، بالقطيفة المبهْرمة .. تهدّل السَدوس، والسّاج، والطيلسان

.. على أكتاف تعرت عن بشراتٍ رائعات البياض!.. تمازجت ألوانها، مع ما تدثّرت به النساء، من ثياب حمراء وبيضاء، وسوداء.. تجللت بغلالات وأخمرة شافّة زرقاء،

وخضراء وبنفسجية.. معظمها، موشحة بخيوط الفضة، والذهب! تعلوها، جميعها، رؤوسٌ مقنعةٌ.. صفف شعر النساء منها، على نمط سلفيّ عريق.. جُمعت ضفائره، أو جدائله،

الحقيقية منها، والمستعارة.. بأشكال تشابكت بحبال اللؤلؤ.. وتهدلت فوق أعناق أحيطت بجميع أنواع القلائد، القديمة الصنع!

لوحةٌ، جامعةٌ، رائعة الألوان، والتشكيل! جميع من شارك فيها، من جُزيئاتها، هو رسمٌ متكاملٌ، في حد ذاته! باهر الأناقة، والتصوير! عالم أسطوري.. دلف "دون

ماكسيميليانو" بين حشوده، لا يتعرف من الأزياء التنكرية، سوى زي "فولف فون فيرتبورغ" الذي أصرّ على ارتداء ثياب مرافقٍ لأحد النبلاء، وسار إلى جنبه،

كأنه يهدف في ذلك إلى تأكيد رفعة مكانة الزيّ الذي اختاره "دون ماكسيميليانو" لنفسه!.. لباسٌ فضفاضٌ.. بندقيٌ.. من القطيفة السوداء، الموشحة بخيوط الذهب..

خطوطه حائرة، بين الشرق والغرب.. ثوب، كان قد انتقاه من بين الأزياء العديدة التي تركها " باولو البرتو" في خزانته العارمة.

* * *

سرعان ما انخرط "دون ماكسيمليانو" في ثنايا ذلك العالم الغريب.. يشرب، على غيرعادته، دون حساب!.. ينحني لفتاة تخفي ابتسامتها تحت مروحتها.. يداعب خصر فتاة

أخرى، تقفز، دائرة على إيقاع أنغام "التارانتيللا" المرحة.. يحاول التقاط قبلةٍ طائرةٍ من شفاهٍ تخفيها غلالات "الدانتيل" السوداء! يهنأ إلى أنه دخل فجأة

معبداً أسطوريّا، لا أحد فيه يكترث إلاّ إلى اللحظة الخاطفة!! عالم، لا جدوى لأحد فيه من محاولة الكلام أو الحوار! والكل، حتى إذا تكلموا.. حريصون على

تبديل نبرات أصواتهم.. وذلك، للاستمتاع بقضاء ساعات نادرات، من العمر، لا يحمل أحدهم فيها ثقل اسمه، أوعبء مركزه الاجتماعي! فيتحرر الجميع من كل التزام

تفرضه عليهم التقاليد.. يمني، كل منهم، النفس، باقتراف أشد المعصيات حرمة.. دون خوف من مراقبة ما.. ولا تحسب لتقريع، أو توبيخ من أحد!!

راح "دون ماكسيمليانو" يمعن النظر في الوجوه المقنعة، والأجساد المزينة.. يجدّ في البحث، يتسلى.. علّه يتعرف إلى أحد من أصدقائه.. أو معارفه! أطال التحديق

في بعض تلك الوجوه المقنعة.. يلاحق حركاتها، الغائبة التعبير.. وكان منها من غطّى جميع تقاطيع وجهه، بوجه اصطناعي، كامل الحجم، ذي تعبيرٍ جامدٍ واحدٍ!..

فكاد يأخذه دوار مفاجئ للحركة الغريبة، الآلية، لتلك الوجوه.. أحس من خلاله، كأنه انتقل إلى عالم "سوريالي" وهمي.. لا إرادة مستقلة لسكانه!.. تتحرك الأشخاص

فيه، لا بوحي من إرادتها المتخفية، الجامدة!..بل بدفق من الموسيقى، التي لا شك، كان يوجهها صاحب الدعوة! تعلو مرحةً، طربةً، حيناً.. فتتسارع الحركة، وترتفع

أصوات الضحك، والمرح، واللهو!.. وتخف أحياناً.. يمور فوقها لحن واحد، بعيد، حزين.. فتسكن النفوس، وتمتد الأيادي الواجفة.. تبحث في الخفاء عن أيادي واجفة،

مماثلة!.. تتشابك، تحت ظلال الأنوار الخافتة!.. أويداعب بعضها أجساد بعض.. في مواضع تمنعها التقاليد المحتشمة.. ويحظرها العرف الاجتماعي السائد..}

* * *

(ص568-570)

{هبط درجات عتيقة، عميقة الانحدار، والبعد.. لحظات.. وجد نفسه بعدها في ممر مظلم طويل.. تنيره مشاعل متهالكة اللهب..علقت على جدرانه ..هنا وهناك.. فسار

بينها.. يتجنب، مرة أخرى، التصادم بغيره من الأشكال التي وقفت تشخص أقنعتها الملونة، في الظلام..لا يبدو من وجوهها إلا فجوات عيونها الفارغة، السود!

كانت الفتاة تنتظره.. تقف أمام باب خشبي، متآكل قديم.. كسته رؤوس مئات المسامير النحاسية المزخرفة،الداكنة العريضة.. همست في أذنه، في صوت أقل رقة وعذوبة،

من صوتها الأول.

هز"دون ماكسيمليانو" رأسه الذي أثقله الشراب، وما تنشقه من أبخرة المخدرات وهو في طريقه الى ذلك المكان.. وانحنى، يتبع الفتاة.. دلفت، تحت قوس الباب المنخفض

الارتفاع.. وإذ به داخل ردهة حجرية واسعة.. معقودة السقف.. كأنها سرداب قصر"فوسكاري".. أو أحد سراديب القصور المجاورة..لا أثاث فيها، سوى مصطباتها الحجرية،

لصق جدرانها.. وبعض الخِوانات، والمقاعد، مما ترك لرطوبة مياه البحر،المحيقة بجدران جميع قصور البندقية..

لم يفهم في البدء من معنى لما طالعه من أشكال، تتحرك في إيقاع وأوضاع غريبة.. تحت الظلال المرتجفة لبضعة مشاعل نارية.. علقت على أربعة أعمدة متينة، غليظة..

توسطت الردهة.. وحملت السقف.. رأى عالماً مقلوباً، رأساً على عقب!..كأن أبيضه أسود اللون، والعكس بالعكس!

غابت وجوه جميع من فيه، وراء أقنعتها الكثيفة الشاخصة، وتعرت.. ودبّت الحياة، في أعضاء عارية بيضاء.. متفرقة.. من باقي أنحاء الجسد! بدت تلك الأجساد الساكنة،

أو المتحركة، أو المستلقية، كأنها لمخلوقات عزلت رؤوسها عن الحركة، وأُحلّت مكانها، في المقام الأول، ما اختارته من بقية أعضائها، لينوب عن الرأس، بالأهمية،

والحركة! فهذا جلس فارجاً فخذيه.. لا يظهر منهما، ومن ثوبه الأسود إلا عضوه المهند، أو المتدلي.. وذلك مستلق على ظهره.. لا وجه له.. غارق في السواد، كأن

بين كعبها وأصابعها، حياة مستقلة، أخرى، لا صلة لها بالساق التي تحملها، ولا بالجسد..! عالم من الجنون المنظّم.. كونٌ من الرموز، تقوم بحركات عصابية،

إيمائية.. كأنها نصوصٌ "فرويديةٌ".. دبّت فيها الحياة!

كانت نساء قد كشفن عن نهد واحد، رفعنه بيد واحدة.. تؤشر إليه، باليد الأخرى! وأخريات.. كشفت الواحدة منهن نهديها، كليهما.. رفعتهما بكلتا يديها.. وقفن،

فخورات بهما، أمام من اختار تأمل أشكالهما الدائرية البضة..!

كذلك الذكور.. منهم من كشف عما أمامه، في فخار!..ومنهم من كشف عن قفاه، يهز ردفيه، أو يقوم برسم دوائر خيالية في الهواء!

انحنت امرأة إلى الأمام على أربع.. تهزّ نهديها المتدليين، هزاً خفيفاً.. بينما كشفت ثوبها عن ردفيها العاريين، رفعته على ظهرها.. تحلق خلفها عدد من الأشخاص،

وقفوا يراقبونها في سكون..تشخص أقنعتهم المفرغة من العيون إلى أستها!.. بينما وقفت أمامها، امرأة أخرى، رفعت ثوبها المخملي الطويل، عن ساقين، وفخذين بيضاوين،

مفتولين.. لتظهر ما انتصب بينهما.. ركع البعض أمامه.. تتأمل أقنعتهم، حركته النابضة..

تلفت عطيل حوله، يبحث عن "ديزدامونا".. فلم يجد أثراً لها.. تنبه إلى صوت كحّةٍ مألوفة لديه.. جدّ في البحث عن مصدرها.. فإذا بها تنبعث عن الشخص البدين ذي

العورة المكشوفة، والجسد المنحني نحو الأمام!.. صعق، إذ جال في ذهنه أن ذاك قد يكون "أماديو".. "دوقا داوستي" ! وأنه قد يكون بين أصدقاء له..لا يعرف

واحدهم شيئاً عن وجود الآخرين!.. هل كان "شارل غوستاف" بينهم؟ هل كان "باتريس".. أو "بالوما"..هناك كذلك؟

رأى امرأة.. تحمل سوطاً متشعب الأطراف.. تقترب ممن ظنّه "أماديو".. راحت تسحب فروعه على بشرة عورته العارية، فيئنّ هذا لملمسها، فرحاً.. ولمّا يذق بعد،

طعم لذة الجلد المترقبة!.. بينما اقترب قناع، راكع من حيث وقف، هو، وانحنى يرفع طرف ثوبه الطويل عن الأرض، يتأمل حذاءه في وله.. يمسح ما بان من خديه وجبينه،

على سطح الحذاء.. يتنشق رائحة الجلد..ويصدر، أثناء ذلك تأوهات، كما لو أنه يقبل وجهاً حبيباً!

تنبه الى أن الباب كان موصداً من الداخل، لا يفتح إلا لقرع معين.. شق أحدهم مصراعه، بعد برهة.. فدلف منه "فولف" في زيه المقنع.. تجد في أثره "ديزدمونا"،

ومن خلفها، سعت فتاة أخرى.. غطى رأسها وكتفيها وشاح أسود، كثيف.. فلم يبد من جسدها إلا يداها.. راحتا تداعبان إحدى فخذي "فولف"، الملفوفة ببنطال فخذه

الواحدة، سوداء اللون.. بينما تركت الفخذ الأخرى الملفوف ببنطال أبيض اللون، ﻟ "ديزدامونا".. جهدت في كشف فتحته، تحاول في الوقت ذاته، التقاط قبلة من

صاحبة الوشاح الأسود، التي نجحت في إدخال يديها تحت درع "فولف"، تسعى لمداعبة بشرة صدره.

لم يدر فراس، إلا وصيحة مكتومة صدرت عن "فولف"! وقف، أثرها مكانه.. كأنه يصحو من غفوة.. ثم لحق بالفتاة ذات الوشاح الأسود، انفلتت منه.. تقصد الباب..لا

تلوي على شيء!!}

* * *

(ص575-581)

{كان بعض الناس، قد تجمهروا على الرصيف.. وقفوا مع الحراس.. ينتظرون وصول قارب السلطة، كي ينتشل الجثة..

تكوكب المحتفلون، في نوافذ القصر، يطلون بأقنعتهم الملونة، الجامدة التعبير، يراقبون القوارب التي بدأت تغادر المكان..

نظرفراس إلى واجهة قصر "فوسكاري" يتمعن فيما تركه وراءه.. ست نوافذ.. في كل أربعة أدوار.. تتوسط كل دور منها، شرفة طويلة، ذات أعمدة تسع.. صفت بعضها فوق

بعض.. نوافذ وشرفات.. نتأت منها تلك الرؤوس.. مئاتها.. برزت فوق أجساد كأنها حمالات ثياب، علقت عليها جميع أنواع الأقمشة ذات الألوان الزاهية المزركشة

.. اتخذ أصحابها أوضاعاً ثابتة.. تراكمت، بعضها، فوق بعض.. شخصت أقنعتها ذات الثقوب الفارغة السوداء، وفجوات الأفواه.. تجمدت فتحاتها، ترسم تعابير، وضحكات،

وابتسامات، غريبة.. متحجرة!!

لوحة عجائبية، مركبة.. ألّف موضوعها الخيالي "أنسور"..ورسمها اﻟ "تيتزيانو" بريشته المتقنة، وألوانه المرتجفة الحارة..

راح "دون ماكسيمليانو" يراقب ذلك المشهد الفريد، وقد جلس في قارب "الجندول".. يشد على خصر "بالوما" التي اضطجعت ورأسها على كتفه.. يقيها من البرد بدفء جسده،

وحماية الهودج، ذي السقف المنخفض.. يحس بقلق دفين لما سيواجهه من أخطار، وقد صمم على التوجه إلى الدير، منذ الصباح الباكر.. يستبق المضايقات.. تحسباً

لما قد يطرأ أمامهما من مضاعفات، إثر حادثة الليلة!

* * *

تصاعد لحن حالم، حزين، من أحد مقاهي رصيف الشاطئ الذي تهادى القارب إزاءه.. فامتزج الحزن في نفس "بالوما"، باللوعة العطشى.. وأجهشت، في بكاء صامت مرير..

نال مما تصلب من نفس فراس، إثر ما مر معه في سراديب قصر" فوسكاري"..

قال، في لهجة ساهمة، صادقة، عطوف..

- .. لو كنا نعيش أحداثاً روائية، خيالية، مثيرة.. لاغتنمتُها الآن، فرصةً، لاسترجاع ما فقدته، منك.. منذ أن عقدت ﻟ" ليزا" مع نفسك!.. أبهذه السهولة تنتقلين..

من حبٍّ، إلى حبّ؟!.. أبهذه السهولة تتخلّين عما كان بيننا؟!

لم ترد على سؤاله.. بل لم تبد ما يشير إلى أنها سمعته!

مسحت "بالوما" دموعها، بكفٍّ مرتعدةٍ.. وتمتمت في صوت يُحرقة الألم..

- .. لقد ماتت!! ياإلهي!! إن جسدها الحبيب يتجمد الآن.. برداً!.. وغداً.. أو بعد غدٍ.. سوف تلتهمه الديدان! .. سوف يتفسخ ذلك الجسد الدافئ الحبيب.. ولن

تبقى منه إلا العظام!

أغرقت وجهها في عنقه.. وتابعت، في صوت ملوّع، مخنوق.. تضرب صدره بكفها المغلقة، ضرباً عصبياً، خفيفاً..

- ماذا يهمني من قيم الناس، وقواعد الكون!!.. لقد أحببتها!!ولقد أحسست في لثم شفافها، ما لم أحس به مع مخلوق قط! أين تلك الشفاه العطرة؟ وماذا سيحل بها،

بعد أيام؟! يالله! سوف تأكلها الديدان..

ما معنى هذه الحياة؟! ما جدوى أن يعيش الإنسان.. وأن يحبّ؟! ونهاية كل ذلك ميتة، مثل هذه!! أو الشيخوخة، والعجز، والتابوت.. والديدان؟!

لم يجد فراس ما يرد به عليها.. ضمها إلى صدره في رفق، بعث الدفء في جسده.. فتنبه إلى أن زي "فولف" ، الرقيق، لا يكفي لحمايته من برد الليل القارس..

أشار إليه بالدخول إلى الهودج المبطن بالقطيفة القرمزية المعجنة، فتقدم هذا، مسرعاً، واندس إلى جنب فراس و "بالوما"، اللذين كانا ينعمان بما اختزناه من

دفء، تحت معطف فراس المخملي الفضفاض..

* * *

صاح النوتي، من حيث وقف عالياً، يجدف إلى طرف الجندول الخلفي، وراء الهودج..

- ما رأي السيّد في نزهة نحو اﻟ "جيوديكا" أو "سان ميكيلي"؟.. أرى عدداً من قوارب المحتفلين.. يبحر في نزهة مماثلة! نعبر الأقنية الضيقة، أولاً.. ثم نخرج

إلى البحر العريض..

مال فراس إلى الأمام، يكشف ستارة نافذة الهودج، التي إلى جانبه، فرأى سرباً من قوارب "الجندول"، التي أقلت أصحابها إلى الحفل.. ينساب في صمت.. يزين الماء

بأنوار مصابيحه المتلألئة، يتهادى كعرائس البحر.. تسبح في الليل، تحت ضوء القمر..

تناءى ذهنه عن أحداث الليلة، وسرت أفكاره فوق المويجات الرقيقة، نحو الأفق البعيد.. تلمع نجومه فوق بساط من زرقة الماء الداكنة.. الموشحة بشرائط الفضة..

ماذا عساه يفكر بعلاقته بمن حوله.. أو بما يربطه بكونٍ، يقال إنه جزء منه.. ولا يجد سبيلاً للإنصهار فيه؟!

لا شك أنه نقطة متناهية في الصغر، وسط كون لا حدود له.. ما بعد المدى الذي يقوى خياله على الترامي في أرجائه؟..أعشرات السنين؟.. مئاتها؟ ألوفها؟.. وما أثر

هذه المقاييس، أو تلك، في كون تصل إلى بصره منه، في تلك اللحظة، أضواء نجوم، ماتت، وتبددت، منذ مئات ملايين السنين الضوئية؟!

كيف؟.. كيف ينصهر في تلك اللحظة مع الكون.. والموت والفناء يتربصان به.. بل لقد كانا على مدى لحظات منه، تلك الليلة.. يذكر أنه بما تبقى أمامه من طريق محدودة،

قصيرة؟! ما قيمة وعيه أو إدراكه لأي موضوع، إذا كان ذلك الإدراك مقيد بمعرفة، وثقافة، يرجع تاريخها الى بضع عشرات السنين.. أو بضع مئاتها.. أو حتى ألوفها؟!

وما ألوف السنين، من المعرفة في مدى هذا الكون السحيق، إلا ومض شرارة.. وسَقط أتون يستعر أواره منذ الأزل.. وإلى الأبد؟!

لماذا يَهِبُ الإنسان نفسه لعقيدة، أو معرفة، أو قضية ما، قد يموت في سبيلها، في الغد.. حين يعلم أن الديدان سوف تأتي على شفتيه.. وتفقأ عينيه.. غير آبهة

بما تلفظتا به أمس من كلمات الحب.. ولا مكترثة لما تعبّدتا إليه، أثناء الحياة من أسماء الآلهة؟! هل لأنه يطمع في الحياة الآخرة؟.. فما شأن الذين لا

يؤمنون بها؟! ما الذي يحض هؤلاء على هدر قدراتهم، والتضحية بحياتهم.. وهم يعلمون أن ليس لهم غيرها؟!

* * *

تناهى إلى سمعه، في تلك اللحظة، صوتٌ مهيبٌ، لغناء جماعي بعيد.. لم يدرك مصدره.. راحت أصداؤه ترتفع كرعشات قلب متوثب.. وتنخفض، كزفرات نفس تجهد في كتمان

نحيب دفين..

سرت في جسده رعشة وهو يزيد من ضم "بالوما" إلى صدره ويهمس..

- يا الله.. هذه ألحان دينية ﻟ "راخمانيوف".. ما أعجبها من مصادفة!.. ترى كيف تصل سمعنا، ونحن في عرض البحر؟!

كان لصوت الغناء أثراً سحرياً، غامضاً، على الجميع..

استوى "فولف"، بعض الشيء.. يخاطب النوتي، من خلال فتحة الستارة.. يسأله عن مصدر الغناء.. فسمع الجميع رده، وهو يقول..

-إننا نحاذي "جزيرة الموتى".. لعلهم يقيمون الصلاة على روح واحد من المشاهير..

أزاح فراس ستارة نافذة الهودج التي إلى جانبه، يستكشف البحر.. فطالعه انعكاس نور القمر البارد على رخام أضرحةٍ صارمةٍ بعيدةٍ، كئيبة.. تتوسط جزيرة صخرية،

صغيرة، مهجورة.. عدا ما احتوته من أشجار السرو الباسقة، والقبور.. مكسوّة بظلالٍ بدت كأشباح متطاولة، داكنة..رست إزاءها بعض القوارب.. أقلت أولئك الذين

جاؤوا، في هزيع الليل.. يحيون ذكرى موت أحد العظماء الذي توارت رفاته في ذاك المكان..

تمازجت أصوات عشرات الذكور والإناث في نداء موسيقي، متناغم، عميق.. ينبع من تراب أرضٍ روسيةٍ ليس مثلها من يعرف كيف يخلق أرواحاً تتفجّر بالحزن المأساوي

المهيب..

قال فراس، وقد نقله ذلك المشهد إلى عالم نفسي لا يمكن وصفه.. تحس فيه الروح أنها معلقة بخيط واه.. تائهة، بين الحياة والموت.. بين المعرفة كلها، والجهل

كله.. بين العاطفة كلها.. والصمت كله..

- إنها ذكرى وفاة "سترافنسكي".. لا بد أنهم.

وكفّ عن الكلام، وقد سيطر على أعماق كيانه إحساس مأساوي، قاتم.. استوت في أبعاده جميع المعاني والقيم..

تشبع إحساسه فجأة بوعي مما لفّ شعر "بول فاليري" من إعصارٍ فكريٍ صامتٍ مخيفٍ، وهو يكتب قصيدة "المقبرة البحرية"!

هاهو ذا نفسه، يمرّ أمام مقبرة بحريةٍ، حقيقيةٍ.. اختلط ترابها برفاة "فاغنر"، و"سترافنسكي"يحمله إليها قارب أسود، كالتابوت.. وإلى جنبيه كل من "بالوما"

و"فولف".. كأنهما اﻟ "بارك".. ملائكة الموت، والعالم الآخر.. يغزلان في صمتٍ، خيط حياته وموته..هو..

طار في ذهنه إلى مقبرة "فاليري" وأزيز الطبيعة، تحت لفح شمس جزر اليونان.. في ظهيرة نهار صيفي قائظ.. واستوى في إحساسه، نور الظهيرة، بما كان فيه من ظلمة

منتصف الليل.. وتماثل عنده لهيب لفحات الشمس، بصقيع نسمات القمر..

ألم تنقل رفات أولئك الموتى، إلى تلك الجزيرة، في مثل قارب الحب الذي كان مضجعاً فيه؟!

ألم يكن في تلك اللحظة نفس الجسد المسجّى الذي سوف ينزلق على سطح ماء ما، أو أرض ما، إلى وجهة مماثلة أخيرة؟!

لفّه إحساسه ذاك حتى غاب عما حوله، كأنه محاط بصقيع كفّنِه الأخير..

* * *

تاه عن الزمان حتى ابتعد عن خربة الموتى.. وغابت موسيقى "راخمانينوف".. وصل سمعه من جديد، صوت غناء النوتي الشاب.. يعلو فوق دغدغة ألحان "الماندولين" الناعسة..

عادت إلى مسامعه من حيث لا يدري.. تنادي الحب بكلمات رقيقة.. تنادي الحياة.. تلفّظها النوتي في لهجة البندقية الدافئة، كأنها نُظمت لانسياب "الجندول"

على إيقاع حركة المجذاف الناعمة..

أين وارت، واختفت، موسيقى "راخمانينوف"..وبريق صخور جزيرة الموتى؟!

أية لحظة تلك التي كان يعيشها في عالم مركب، من مدينة اختلط الخيال، بالواقع فيها.. حتى باتت مآسيها، كأنها هموم خيالية.. تقوم بأدائها عمالقة أسطورية وهمية،

على مسرح إلهيّ مهجور..

كان مضطجعاً بين "بالوما"، و"فولف".. ثلاثتهم، في شبه استلقاءة ناعسة.. يغطيهم معطفه الدافئ الفضفاض..

كيف التقت يد "فولف" بيد "بالوما".. وهو بينهما.. ومن، من الاثنتين، بدأت في البحث عن الأخرى؟!

لعل يديهما، احتكتا مصادفة.. وكانت يد الفتاة، تطوق صدر فراس.. فإذا بها تشتبك بيد "فولف"، في حرارة.. يحس "دون" ماكسيمليانو" بدعابتهما.. تتحاوران، ثم

تصمتان.. في حوار دافيء غريب..

أغلق "دون ماكسيمليانو" عينيه، وكأنه "الجندول"، يسري على ألحان غناء نوتي، حالم.. ينساب، ويسعى للانفلات في مدى لا جذور له.. ولا قيود فيه.. قارب الموت،

يسري إلى عالم، يتبادل سكانه من الكلام ما لا يقال، يكتبون فيه ما لا ينظم في عبارات، إذا قدر لها أن تقراً.. فلن يفهمها أحد..}

* * *

(ص620-625)

{ كان أول ما التفت إليه فراس، هو مخطوط ابن خلدون، الذي مرّ أمام ناظريه بالأمس.. فإذا هو، مفتوحٌ، على أولى صفحاته.. فصلت عنه.. وبُدّل عنوانه، واسم

صاحبه الذي بدا واضحاً جلياً، بانت قطعة ورقٍ منفصلة، كُتب عليها اسمٌ آخر.. اسم "ابن ميمون".. كأن الذي يخطّها، يقلّد الأصل، يهيئها لدمجها بنسخة جديدة..

أوبالمخطوط ذاته.. فلا يتغيّر إلا اسم صاحب الكتاب!!

همس فراس في أذن "فولف".. وصوته يرتعد لما وجد..

- أستر الفانوس.. هيّا.. فلا يظهر انعكاس نوره على السقف!

وانحنى على المخطوط يحاول تصفّح أوراقه!

ما إن لمست أصابعه الصفحة الأولى.. حتى عاد ورفعها بسرعة خاطفة، وراح يبصق عليها في هلعٍ.. ويمسح ما لصق عليها، بكل ما وجد أمامه من أوراق أو غلافات كتب!!

تنفس الصعداء.. ثم أخرج من جيبه منديلاً، لفّه حول أطراف أصابعه، واستعان به على فتح الصفحة الأولى من المخطوط.. وكانت قد التصقت على غيرها من الصفحات،

كأنها، جميعها، قد غُطّست بمادة لزجة!!

ما إن قرأ السطور الأولى من المخطوط.. حتى أحس بوهن مفاجئ في أوصاله.. وراح جبينه يندى بعرقٍ بارد..

قرأ فراس المقطع التالي:

"إعلم أن العقل هو أعدل الأشياء توزعاً بين البشر، لأن كل فردٍ يعتقد أنه قد أوتي منه الكفاية، حتى الذين يصعب إرضاؤهم بأي شيء آخر، ليس من عادتهم أن

يرغبوا في أكثر مما أصابوا منه.. وليس براجحٍ أن يخطئ الجميع في ذلك، بل الراجح أن يكون هذا شاهداً على أن قوة الإصابة في الحكم، وتمييز الحق من الباطل،

وهي القوة التي يُطلق عليها في الحقيقة اسم العقل، أو المنطق، واحدة، بالفطرة عند جميع الناس.. وهكذا، فإن اختلاف آرائنا لا ينشأ عن كون بعضنا أعقل من

بعض، وإنما ينشأ عن كوننا نوجّه أفكارنا في طرقٍ مختلفةٍ، ولا نطالع الأشياء ذاتها .. إذ لا يكفي أن يكون الفكر جيداً، وإنما المهم أن يطبّق تطبيقاً

حسناً.. إن أكبر النفوس مستعدةٌ لأكبر الرذائل، كما هي مستعدّة لأعظم الفضائل"..

طغى على ذهنه وعيٌ بأنه قرأ هذا النص في كتاب ما.. أين؟!.. وفي أية لغة؟!

حاول استجماع ذاكرته، وهو يقلّب الصفحات من جديد.. إلى أن وقف عند النص التالي..

"واعلم إني رأيت أنه، بدلاً من هذا العدد الكبير من الفوائد التي يتألف منها المنطق، يمكنني الاكتفاء بالقواعد الأربع الآتية، شريطة أن أعتزم عزماً صادقاً

وثابتاً على أن لا أخلّ مرة واحدة بمراعاتها..

الأولى.. أن لا أتلقى على الإطلاق شيئاً على أنه حقّ، ما لم أتبيّن بالبداهة أنه كذلك،أي أن أعنى بتجنب التعجّل، والتشبث بالأحكام السابقة.. وأن لا أُدخل

في أحكامي إلاّ ما يتمثّل لعقلي، في وضوحٍ وتميّزٍ، لا يكون لدي معهما أي مجالٍ لوضعه موضع الشك..

والثانية.. أن أُقسّم كل واحدة من المعضلات التي أبحثها إلى عددٍ من الأجزاء الممكنة، واللازمة لحلّها، على أحسن وجه..

والثالثة.. أن أرتّب أفكاري، فأبدأ بأبسط الأمور، وأيسرها معرفةً، وأتدرج في الصعود شيئاً فشيئاً، حتى أصل إلى معرفة أكثر الأمور تركيباً، بل أن أفرض تركيباً

بين الأمور التي لا يسبق بعضها بعضاً بالطبع..

والأخيرة.. أن أقوم في جميع الأحوال بإحصاءات كاملة، ومراجعات عامة، تجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئاً"..

كاد يصيح، وهو يذكر أن هذه قواعد التفكير الذي استند عليها "ديكارت".. في أشهر مؤلفاته!!

فهل يكون "ديكارت" قد قرأ هذا المخطوط، قبل كتابة مؤلفه الشهير "مقال الطريقة"Discour De la Méthode؟! هل اطّلع عليه، والمخطوط أسير في غياهب هولندا؟!

تابع تقليب الصفحات.. يتلّفت حوله، كمخلوقٍ شرس، يكاد يموت جوعاً! يمسك بغذائه، بين يديه، يخاف عليه من هجوم مفاجئ!!

ما إن وصل إلى النص التالي، حتى باتت الجريمة واضحة أمامه، إذ قرأ..

" ولما رأيت أن هذه الحقيقة، (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، هي من الرسوخ بحيث لا تزعزعها فروض الريبيين، مهما يكن فيها من شططٍ، حكمتُ بأنني أستطيع مطمئناً

أن أتخذ مبدأً أول للفلسفة التي كنت أبحث عنها!"

مال فراس برأسه للوراء، يتنفس في عمق، وقد أطبق على نفسه ما تناوب على إحساسه من فرحٍ وكمدٍ، وتوثبٍ، وغمٍّ، وخوف!!

ماذا؟.. هل هو حقاً أمام خميرة الفكر الفلسفي التي ارتكزت عليها أذهان معظم فلاسفة أوربا، إن لم نقل جميعهم؟!

وهل هذا الكنز الفكريّ، الذي طالما فاخر به الفكر الغربيّ، والفرنسيّ خاصةً، ليس إلا من نتاج فكر، ابن خلدون، العربي، المسلم.. سُرق منه، من جهة.. واستبدلت

صفحاتٌ من مخطوطاته من جهة أخرى.. بما أظهرها كأنها تهاجم العرب الذي يفخر ابن خلدون في نسبه إليهم؟!

"أنا أشكّ، إذن، أنا أفكّر.. وبما أني أفكّر، إذن فأنا موجود، والعالم كذلك، وهو بالتالي فِكرٌ ومساحة"..

وأكمل فراس بقيّة التسلسل المنطقي ما يذكره من فلسفة "ديكارت"..

".. بينما الإنسان، جسدٌ، وروح".. وبما أن الجسد يتحرّك دون مساعدة الروح، فقد فتح ذلك الباب أمام علم الحركة، والميكانيك!

كيف لا يكون ابن خلدون كاتب هذا الاستنتاج المنطقي، وهو الذي لخّص دراسة ابن رشد، عن المنطق، واستند في جميع ما ذكره، في مقدمته، عليه؟! ثم كيف لا يتردد

إنسانٌ حذرٌ مثل ابن خلدون، في إظهار هذا الكتاب أمام الملأ، ونزعة الحكم، في العالم الإسلامي، آنذاك، دينيّة صرفة، قد تسبّب لابن خلدون باتهاماتٍ لا

طائل له من ورائها .. تبعده عن منصب القضاء، في مصر، وهو الذي حرص أشد الحرص على التمسّك به!

كيف وقع ذلك المخطوط في يد الإسبان؟! ذلك سؤال أتفه من أن يطرح! وقد سقطت جميع خزائن العرب والمسلمين، تحت رحمتهم، واستولو على جميع كنوزهم، يوم سقوط غرناطة!!

فأين الغرابة في أن يحتفظ "دون فرناندو دي توليدو" به، في خزانته؟ ثم ينقله معه إلى هولندا، التي حكمها!! وهناك.. يُُبقي عليه في عهدة رجال الدين، الذين

وجدوا أن خير طريق للنهوض بالفكر الأوربي، هو في نِسْبة مثل هذه الفلسفة إلى أحد مفكريهم..

" أنا موجود، لكني لستُ كاملاً، وبما أني أدرك الكمال ولست كاملاً، فالكامل هو مسبب وجودي، هو الله"..

وهي المقولة التي، وإن ارتكزت على المناقشة الفكرية، إلا أنها لا تبتعد كلياً عن النتائج المثالية، التي كانت حلاً وسطاً أمام تيارات الفكر الملحد الذي

بانت بشائرها في الأفق!

ولماذا لا يقبل إنسان مثل "رينيه ديكارت" أن تُنسب مثل هذه التحفة الرائعة إلى نتاجه، وهو الحائر في حياته الخاصة، بين الحياة العسكرية، والدنيويّة! ومن

الذي يجهل أن "ديكارت" كان قد أمضى عشرين عاماً في هولندا دون الالتفات إلى الفلسفة، أو الفكر!! ومن الذي يتردّد من المفكرين، حتى في يومنا هذا، في تبنّي

مثل هذا المؤلَّف الرائع.. خصوصاً، حين يعلمون أنها الطريقة الوحيدة لإخراجه من الظلام، وإظهار روعته على الملأ!!

رحمك الله، يا ابن خلدون يا سيّد الفلاسفة، وأنبل المفكرين العرب!! لقد كان ابن خلدون إذن، هو الذي فتح الباب أمام فلسفة الغرب! فتح الباب أمام الفلسفة

الروحية، من جهة، والفلسفة الواقعية من جهة أخرى.. فتتلمذ على يديه، من الروحيين، كل من "ديدرو" و"هيلفيتيوس"، و"ماركوس".. ونما على مذهبه الواقعي،

كل من "هوسّرل"، و"مالبرانش"

* * *

كان "دون ماكسيمليانو" قد تاه كلياً عمّا حوله، يسبح ذهنه في الأثر المدوّي الذي سيحدثه نشر هذه الوثيقة التاريخية على العالم! يتصوّر الهزّة الكبرى التي

ستنتج عن دكّ عرش "ديكارت".. والفكر الفرنسي.. ليتبوّأ مكانها، ابن خلدون، مجده المسروق، الضائع.. مستعيداً بذلك حقيقة مكانته الفلسفية!!

هزّ "فولف" كتفه منبهاً إلى كتابٍ آخر..

- "دون ماكسيمليانو"؟ أليست هذه، نسخة "السبتانت" التي طلبت من "داميانو" مراجعتها وأنكر وجودها في المكتبة؟! إنهم يعيدون نسخها! ويبدّلون في الوقائع

التوراتية!!

تنبه فراس، إلى ما حوله.. وعاد إلى التدقيق فيما وجد أمامه من مخطوطات، ومحاولاتٍ خفيةٍ لتزويرها.. ولم يكن من الصعب عليه التعرّف إلى هويّة الجهة التي سوف

تستفيد من نسبة مؤلف ابن خلدون، إلى ابن ميمون، اليهودي الأصل! ولا إلى تلك التي تتلاعب دوماً بالجذور لبقية الشعوب!

إذن، لقد كان في تلك الحجرة، داخل خليّة جديدة للتزوير، حلقة، تعمل لحسابها الخاص، ضمن معمل التزويرالكبير!! يحوّر، وتغيّر ما يحلو لها، وما تريده، في تلك

المخطوطات!.. تعيد كتابة صفحاتٍ بكاملها، من أولها، إلى آخرها.. ثم تغلّفها من جديدٍ.. على الطريقة القديمة، بحيث لا يمكن، حتى للخبراء، كشف ما قامت به

تلك الأيدي العابثة، من تزوير التاريخ!

استدار يبغي محادثة "فولف".. حين تنبّه إلى حركة خلفه!! فما إن التفت إليها، حتى روّعه ما رأى قبالته، من وجه "داميانو"، وكأنه الشيطان الرجيم، بذاته، وقد

فغر فاه، وطفق جفن عينه الفارغة يرتجف في عصبية مخيفة!! بينما شهر عليهما مطواة حادة طويلة!

قال "داميانو" في صوتٍ أبحّ، مخيف..

- لقد دخلتما مقبرتكما!! ولن تخرجا منها حيََّيْن"}