١

5 0 00

١

في الساعة الثانية بعد منتصف الليل كان بعض فتيان الباريسيين الأغنياء مجتمعين في نادٍ لهم يدعونه نادي كريفيس.

وكانوا جالسين في القاعة العمومية يتحدثون بشأن اختفاء دي مورفر أحد أعضاء هذا النادي، فإنه احتجب منذ عامين، ولم يعلم أحد كيف كان اختفاؤه.

وكان بينهم فتى يُدْعَى كازمير، وهو حديث الدخول في هذا النادي، فأشكل عليه فهم هذه الحكاية، فقال للمتحدثين: عفوًا أيها السادة، فإني حديث العهد بينكم، فهل يتفضَّل عليَّ واحد منكم بتفصيل هذا الاختفاء الغريب؟

فانبرى له الفيكونت دي مونتيجرون، وقال: إني أنا أدخلتُك إلى هذا النادي، وأنا أقصُّ عليك ما تتوق إليه من معرفة اختفاء دي مورفر، فاسمع.

إن غاستون دي مورفر كان في السادسة والثلاثين من عمره، وهو أديب جميل، حلو الحديث، وافر الثروة، وكان طلق الوجهة، فرح القلب، فلم يحزن مرة، ولم يتدلَّه بغرام، ولم يَحْدُث له في أدوار حياته الآمنة ما يدعوه إلى الانتحار.

– ومع ذلك ألعله انتحر؟!

– ليس مِنَّا مَنْ يعلم شيئًا من أمره، وحكايته أنه خرج ليلةً من هذا النادي مع شارل هدنوت ابن الصراف الشهير، فذهبا ماشيين إلى شارع مدلين فشارع سيرسنس، حيث يقيم المركيز دي مورفر، وهناك افترقا على أن يلتقيا في اليوم الثاني، فذهب شارل في شأنه، ودخل المركيز إلى منزله.

وقد أخبر بوَّاب منزله في اليوم التالي أنه أعطاه حين عودته تلك الليلة كتابًا أرسل إليه، ففضه وقرأه وقد بدت عليه علائم التأثُّر، فألقى الغلاف على الأرض، ووضع الرسالة في جيبه، ثم خرج لفوره من المنزل، وقال لبوابه: إني لا أعود في هذه الليلة.

وفي اليوم التالي لم يحضر، ثم توالت الأيام دون أن يعود، فتداخل البوليس في أمره، ونشرت الجرائد خبر اختفائه، وأرسلت صورة المركيز إلى جميع الأنحاء، فذهبت كل هذه المساعي أدراج الرياح، وقد أرسلت عائلته عمالًا على نفقاتها إلى إنكلترا وروسيا والولايات المتحدة كي يبحثوا عنه، فلم يهتدوا إلى أثر من آثاره، ولم يعلموا إذا كان ميتًا فيُبكى، أو كان حيًّا فيُطمع بلقائه.

– وهذا الكتاب الذي ورد إليه، فكان علة اختفائه، ألم يعثروا عليه؟!

– إنهم لم يعثروا عليه، بل عثروا على الغلاف، فعلموا أن خطه خط امرأة.

– إذن كان عاشقًا دون شك، فكيف تقولون إنه لم يعشق؟!

– إنه كان يحب إحدى فتيات المسارح كما يحب الرجل جواده، وقد كلفته كثيرًا من النفقات، ولكنه كان واسع الثروة.

– ألم يكن منغمسًا بالدسائس؟

– ذلك ما لا يعرفه أحد غير أن طرق عيشه لا تدل على شيء من هذا.

أحد اللاعبين: أنا لا أعتقد أنه انتحر.

دي منتجوون: وأنا أعتقد هذا الاعتقاد أيضًا، وحقيقة رأيي في هذا الاختفاء الغريب أنه ناتج عن جناية هائلة، وأن يدًا أثيمة قد عبثت به، فقد كثرت هذه الجرائم في باريس منذ عشرة أعوام، وكلها خفية هائلة تكتنفها الأسرار، فلقد اتفق أنه بينما كان العمَّال يهدمون منزلًا رأوا في أحد أقبيته هيكلًا من عظام الإنسان، ولا يبعد أن يكون المركيز مورفر حُبِسَ في قبو من هذه الأقبية السرية، فيتحدث كهول باريس في مستقبل الأيام حين ينقض البناء، ويقولون: هذه جثة المركيز الذي طالما خاضت الجرائد في سرِّ اختفائه الغريب.

وعند ذلك نهض أحد الحضور وقال: لقد مر بنا عام بجملته ونحن لا نتحدث في كل ليلة إلا بحديث هذا المركيز، فتنقبض صدورنا لنكبته، ولا نحلم في الليل إلا بالجرائم والآثام، فبالله ألا رجعتم عن هذا الحديث المحزن، وهلم نتحدث بغرام صديقنا مريون عاشق البستانية الحسناء.

فوافق الجميع على هذا الرأي، وقال مونتجمرون للعضو الجديد: إن غوستاف مريون الذي سنتحدث بأمر غرامه — وهو فتى حلو الشمائل واسع الثروة — عشق البستانية الحسناء منذ عهد قريب، ولا يزال ساعيًا لاسترضائها.

– ومن هي البستانية الحسناء؟ فإني ما سمعت بها قبل الآن.

– لم نعلم شيئًا من أمرها قبل ثمانية أيام، وغاية ما علمنا أنها بائعة زهر تقيم في شارع بلفي، ويقول عاشقها مريون: إنها لو ظهرت في الأوبرا لكشف جمالها جميع تلك الشموس الساطعة فيها.

– ألعلها تحبه؟

– كلا، ويظهر أنها لا زوج لها ولا عشيق، فإنها دائمًا تلبس السواد فيزيدها جمالًا، وجميع خدامها يحترمونها كل الاحترام، وليس بينهم من يعلم مَوْطِنَها، فإن مريون قد أنفق إلى الآن عشرين ألف فرنك في سبيل معرفة شيء من أحوالها، أو إغواء أحد خدامها، فلم يَفُزْ بمراد.

فقاطعه أحد الحضور وقال: لقد فاتتك أخبارها يا مونتيجرون، فإن مريون تمكَّن أمس من إغواء أحد خدامها، وهو الخادم الوحيد الذي ينام في منزلها، فأعطاه مائة دينار، وأخذ منه مقابل ذلك مفتاح الحديقة ومفتاح المنزل، وعليه أن يجد وسيلة للوصول إليها، فقد قال هذا الخادم: إنه منذ دخل في خدمتها لم يرَها أذنت لرجل بالدخول إلى منزلها.

– إذن ما عساه يصنع؟!

– إنه اختار أربعة من أصدقائنا وأنا منهم؛ كي نرافقه في هذه الليلة إلى منزل الحسناء، فنقف في الطريق موقف الحراس ويدخل هو إلى المنزل.

مونتيجرون: ولكن البوليس أيها الصديق منتشر في كل مكان حتى في شارع بلفي.

– وماذا يهمنا من البوليس؟ فإننا سنقف خارج المنزل وهو يدخل إليه، فإذا رضيت تلك الحسناء أن يختطفها كان ذلك من حسن توفيقه، وإذا أبت واستغاثت هربنا، فما علم بأمرنا أحد.

مونتيجرون: إذا كان ذلك كما تقول، فأنا أذهب معكم أيضًا.

وفيما هو يقول هذا القول دخل مريون الذي يتحدثون عنه، فقال: عافاك الله يا مونتيجرون فأصحبك معنا، فالتفت جميع الأعضاء عند ذلك فرأوا مريون داخلًا، فقال له أحدهم: ماذا تقول يا مريون أجادٌّ أم أنت مازح؟

– بل أقول الجِد، وقد جئت بمركبة تنتظرني عند الباب، وهي تَسَعُ خمسة أشخاص، فمن أحبني فليتبعني.

مونتيجرون (ضاحكًا): أيجب أن يكون معنا سلاح؟

– كما تريدون أما أنا فإن مسدسي لا يفارق جيبي.

فقام عند ذلك الخمسة الذين عوَّلوا على الذهاب، فلبسوا قبعاتهم وخرجوا إلى المركبة الواقفة عند باب النادي، وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فقال لهم مريون: إننا نصل إلى منزل هذه البستانية الحسناء بعد نصف ساعة، وفي الساعة الثالثة نجتمع على المائدة كلنا في القهوة الإنكليزية، فدعا الرفاق له بالنصر وركبوا المركبة، فسارت بهم إلى شارع بلفي وهم يضحكون ويمازحون مريون.