1
الثلاثاء 14/12/2007 الساعة 5 مساء
نظر (ادم) إلى ساعة يده ليجدها الخامسة تماما فأراح ظهر قليلا للوراء وأخذ يتمطى ويحرك رأسه يمينا ويسارا ليعيد لعضلاته النشاط بعد ساعات التي قضاها خلف هذا المكتب في مراجعة الحسابات ومتابعة أعمال الموظفين الذين يديرهم رئيس حسابات شركة (n. m group) المتخصصة في استرداد الحواسيب الآلية .
أخرج هاتفه المحمول وابتسامة ترسم على وجهه وهو يشعر بسعادة وهو يجري تلك المكالمة والتي بمجرد أن رفع الطرف الآخر السماعة ، قال بصوت خفيض وابتسامته تزداد :
- "لقد انتهى عملي يا حبيبتي ، وسأكون في المنزل بعد ساعة على الأكثر ، احبك يا مالكة قلبي "
ثم أغلق الهاتف ونظر حوله ليتأكد من عدم وجود شخص قريب منه كي لا يفقد هيبته أمام موظفي الشركة بعدها قام بغلق الدفاتر والملفات وتأكد من دخول بعض الملفات إلى الخزانة الصغيرة في مكتبه في نفس الوقت سمع طرقات على الباب ففتح الطارق الباب ليظهر رجل ضخم الجثة أشيب الشعر يرتدي نظارة طبية أنيقة وذو لحية خفيفة تميز وجهه مع النظارة التي يرتديها . كان الرجل مبتسما ابتسامة ببسيطة وهو يدخل لمكتب (ادم) الذي حياه باحترام شديد ودعاه للجلوس بعيدا عن المكتب قائلا :
- " أهلا سيادة المدير تفضل "
رد عليه الرجل الوقور ببساطة قائلا :
- "كم من مرة قلت لك لا تقول كلمة سيادة المدير هذه مرة أخرى يا بني أنا أعتبرك كولدي تماما فلماذا تلك الألقاب ؟ "
ابتسم (آدم) بخجل وقال لمديره :
-|"كما تريد يا أستاذ (عماد) ولكن هل هناك شكوى في العمل أو خطأ وصلك الأيام السابقة ؟ "
قهقه الرجل ضاحكا وهو يقول :
-"وهل زيارتي لك تعتبرها نذير شؤم لهذه الدرجة يا (آدم) لا تخف يا بني جئت اليوم لأبلغك بخبر اتفق مجلس الإدارة عليه وديا وسيتم تنفيذ بداية من الشهر القادم بخصوص الصفقة التي أشرفت عليها منذ يومين "
تجمدت ملامح (آدم) من الرعب وهو ينظر للمدير يترقب ولكن المدير أكمل قائلا :
-"لقد تقرر زيادة مرتبك بصفة دائمة خمسمائة جنيها من الشهر القادم مع أعطائك نسبة 2% من أرباح أي صفة تقوم بها منفردا لصالح الشركة" .
اتسعت ابتسامة (آدم) وهو ينظر للمدير شاكرا إياه على كل هذا واخذ يتخيل ما يمكن أن يحققه من صفقات وكيف سيسعد هذا زوجته عندما تسمع الخبر الليلة .
***
ثلاثاء 114/12/2007 الساعة 6 مساء
ارتفعت ضحكة الملازم أول (محمود) وهو يستمع لتلك النكتة البذيئة التي يقصها عليه زميله (عادل) بالرغم من انشغالهم بإحدى القضايا التي ظلوا يعملون عليها لأسبوع وخصوصا بعد التوصل لمعلومات هامة بخصوص أحد أخطر المجرمين ولكن مازال حس الفكاهة يسري بينهم وهم يجلسون بين الأوراق وقد ارتدى كل منهم ملابساً عادية بحكم عملهم في (إدارة مباحث أمن الدولة) .
فجأة انفتح الباب الغرفة ليدلف منه شاب قوي البنيان طويل ذو شعر أسود وعيون زرقاء ووجه وسيم :
-"استمع لضحكاتكم من قبل دخولي الغرفة هل تلقون النكات ؟"
قال الرائد (حسن) تلك العبارة بصوت عال وابتسامة مشرقة فقصوا عليه النكتة فضحك بصوت عال ثم عاد وجهه للجدية وهو يقول بعد أن جلس على أحد مقاعد الغرفة :
-"والآن اللواء (حمدي الصريطي) شخصياً يتابع ملفات القضية وعلم أن هناك أحد المنفذين لعملية التفجير قد تم القبض عليه واعترف ببعض الأسرار وهو الآن يطلب تقريراً عن اعترافاته على مكتبه بعد ساعة من الآن "
نهض (محمود) وهو يقول :
-"سأذهب الآن لإحضار ملف التحقيق الذي تم أول أمس وأقوم بتلخيصه ستكون عندك بعد نصف ساعة على الأكثر "
خرج (محمود) من الغرفة في نفس الوقت الذي تثاءب فيه (حسن) وهو يقول مخاطباً زميل (محمود) :
-"ماذا عن معلومات التي أعطاها لنا منفذ العملية هل قادتنا لشيء ؟"
-"بعد استمرار التحريات أمكننا أن نتوصل لاسم ثلاثي وراء أغلب الأحداث ويبدو الرئيسي داخل مصر ولكن هذا الاسم ينطبق على ثمانية أفراد داخل مصر "
وقف (آدم) يتأمل الخاتم الذهبي في صندوق عرض إحدى محلات الذهب وهو يبتسم فقد كان ينوي شراء هذا الخاتم لزوجته بعد أن يقبض مرتبه في آخر هذا الشهر أي بعد أسبوعين وقد علم أن سعره لا يزيد عن ستمائة جنيها ولكن الوضع سيختلف فبمكنه أن يشتري هذا الخاتم الآن والخمسمائة جنيها- الزيادة في مرتبه من الشهر القادم - ستعوضه عن النقود التي سيدفعها الآن .
ارتفعت عيناه لأعلى وهو يتخيل تلك اللحظة التي سيعطي فيها لزوجته الخاتم وكيف سيري السعادة على وجهها ..
خفض عينيه وزادت ابتسامته ولم يفكر كثيرا وفتح باب المحل ليدخل ..
الثلاثاء 14/12/2007 الساعة 6:36 مساء
-"لا وقت لدي لأضيعه يا حضرة الرائد قل لي سريعا ما حدث مع المتهم "
نطق اللواء (حمدي) العبارة وتبعها بأن أراح ظهره للوراء وهو ينظر للرائد (حسن) الذي يقف أمامه منتصبا والذي قال بثبات :
-" بعد أن تم اكتشاف وجود قنبلة زمنية في فندق (....) بالجيزة الساعة العاشرة والنصف مساء يوم السبت الماضي وتم وثق عملها راجعنا شرائط المراقبة لآخر اثنتي عشرة ساعة وعثرنا على الشخص الذي قام بوضع القنبلة في الملهى الملحق بالفندق تم القبض عليه يوم الأحد الساعة السادسة مساء في أحد المقاهي التي تردد عليها وقد اعترف أنه عن طريق الاتصال الهاتفي قد تلقى عرضا بإيصال تلك القنبلة والدخول بها من بوابة الفندق حيث يستحيل كشفها لأنها صنعت من رقائق بلاستيكية ومواد كيميائية ثم قام المتهم بتثبتها تحت أحد المقاعد وتشغيلها ليبدأ التفاعل حيث كان مقررا انفجارها الساعة الثانية عشر وكل هذا مقابل مبلغ خمسين ألف جنيها وعن طريق هذا المتهم توصلنا للمهندس الذي قام بتركيب القنبلة واعترف أنه لا يعلم أي شيء سوى أن هناك ثلاث قطع يجب تركيبهم وقد دخلوا مصر عن طريق ثلاث بلدان والمواد الكيميائية التي استخدمها أيضا تم جلبها من الخارج وكل هذا وجده في داخل شقة مجهزة بمدينة نصر وتم إبلاغه أيضا عن طريق الهاتف مقابل وضع ثلاثمائة ألف جنيها في حساب شخصي باسمه ."
تم الذهاب لعنوان تلك الشقة وبعد التحريات قادتنا الشقة لعدة أسماء وأرقام هواتف وحسابات بنوك وكل هذا في النهاية قادنا إلى أسم شخص واحر هو نهاية طرف الخيط ..
-"من هو ؟"
-"لا نعرف سوى اسمه الثلاثي (آدم محمد عبد الرحمن) "
ثلاثاء 14/12/2007 الساعة 6:38 مساء
وقف (آدم) أمام العمارة حديثة الإنشاء والتي لم يتم تجهيز ولا شقة بها إلا شقته دخل من باب العمارة وأخذ يصعد درجات السلم بلهفة وشوق كي يصل للطابق الرابع التي تكمن شقته به .
وقف أمام الباب يلتقط أنفاسه ثم وضع المفتاح في ثقب الباب بهدوء كي يفاجئ زوجته الحبيبة بدخوله فتح الباب ببطء كي لا يحدث صريرا ثم دلف إلى الشقة على أطراف أصابعه وهو يغلق الباب بلا صوت ثم يسير ليبحث عن زوجته في الغرف .
فجأة شعر بمن يطوفه من الخلف بحنان فانتفض لحظة من الفزع ليسمع صوت (بتول) زوجته وهي تضحك بمرح من فعل زوجها حاول أن يتحرر من يدها لينظر لها لكنها احتضنته بشدة وأراحت رأسها على كتفيه من خلفه فهدأت حركته وهو يقول بحب :
-"اشتقت إلى هذه اللحظات طوال اليوم "
أغمضت (بتول) عينيها وهي مازالت تريح رأسها وقالت برومانسية :
-"وأنا اشتقت لك طوال اليوم حبيبي لماذا تأخرت نصف ساعة كاملة عن موعدك ؟ كدت أموت من اللهفة عليك ."
هنا تحرر (آدم) من يدها التي تحيط بخصره بلطف قم اعتدل ليصبح أمامها وقرب وجهه من وجهها ليقبلها على خديها بحنان ثم يقبل يدها وتبع ذلك بأن أخذها في أحضانه للحظات .
-"هل تسمح أميرتي بأن تغمض عينيها الجميلتين للحظات ؟"
ابتسمت (بتول) وهي تضحك له ثم أغلقت عينيها فنظر هو لها ثم أخرج من جيبه العلبة التي تحتوي عل الخاتم وفتحها وقربها من وجهها ثم طبع على خديها قبلة أخرى ففتحت عينيها ورأت الخاتم ففرحت واحتضنته سريعا وهي تقبله وهو يقول :
-"لقد منحتني الإدارة من الشهر القادم زيادة في مرتبي خمسمائة جنيها غير نسبة 2% من أرباح أي صفقة أقوم بها منفردا فقلت في نفسي أن أحق الناس إنسان في هذا العالم بتلك المكافأة وهو أنت . اليوم تلك الهدية تعبير بسيط عن شطري لك" .
***
الثلاثاء 14/12/2007 الساعة 7 مساء
رشف (حسن) آخر رشفة من كوب الشاي الساخن الذي وضع أمامه ثم نظر للرائد (صبري) ليستمع لباقي كلامه فأكمل (صبري) قائلا :
- "وبعد أن انتهينا كما قلت لك من تشابه الاسم الثلاثي مع الطفلان ورجل تعدى السبعين فاقد البصر وشخص ميت من ست سنوات يحمل نفس الاسم بقى أمامنا شخصان يحملان اسم (آدم محمد عبد الرحمن) الأول يعمل في شركة (n .m group) لاستيراد أجهزة الحاسب الآلي وقطع غيارها وقد تزوج منذ عامين ونصف وأنجب طفلة صغيرة منذ عام السن خمسة وعشرون عاما يسكن في إحدى ضواحي المرج (الخصوص) في منطقة منعزلة نوعا ما تدرج في عمله في وقت قياسي من محاسب صغير في شركة عن تطوير نظام المحاسبات بطريقة تجعلها تنفق نصف التكاليف في المراجعات والتنظيم وبعد موافقة الإدارة على المشروع وتطبيقه نجح (آدم) في إثبات نفسه وتمت ترقيته بسرعة غير عادية بسبب تقديمه مشروعين آخرين في العام الذي يليه لتطوير نظام حسابات الشركة في وقت قياسي من بداية عمله تزوج بعد تخريجه مباشرة من بنت عمه التي ارتبط معها بقصة حب منذ الصغر ليس له سجلات في أقسام الشرطة اشتهر بحسن السير والسلوك ".
أخرج (حسن) علبة سجائره ثم أخرج سيجارة وأشعلها وهو يدعو (صبري) لأن يكمل :
-"الثاني لا يعلم عنه شيئا إلا أنه يبلغ من العمر ثمان وعشرين عاما وأنه سافر للإمارات مع والده بعد وفاة والدته منذ أن كان في السادسة ثم عاد مرة أخرى وحيدا في العشرين من عمره واعتمد على ميراث تركه له والده في الإنفاق على نفسه وقد تميز في إجادة مجموعة لغات أوربية لحبه الشديد لتعلم اللغات وهذا حاليا ما أمكننا العثور عليه فلا نعلم مكان إقامته الحالي بعد أن انتقل من محل إقامته ولكننا نحاول تتبعه ".
في تلك اللحظة سمع الاثنان صوت دقات على باب الغرفة ثم دخل شاب متوسط الطول ممتلئ قليلا وهو يقول بانفعال :
-"هل توصلتم لهذا الذي يدعى (آدم) ؟ هناك أوامر عليا بأن يكون داخل الإدارة الليلة بأي شكل ".
نظر (حسن) و (صبري) إلى بعضهم ثم تكلم (صبري) بخيبة أمل قائلا :
عثرنا على أثنين الأول بعيد تماما عن الشبهات والثاني اعتقد أنه هدفنا ولكننا سنحتاج إلى يوم آخر لنكمل تحرياتنا عنه كي نجده .
ارتفع صوت الذي دخل الغرفة وهو يقول بغضب :
- "قلت لكم إنه يجب أن يكون الليلة ألم تفهموا ؟"
كاد (صبري) أن يرد عليه بغضب مماثل ولكن (حسن) أخرسه بإرشاده من يده وقال بهدوء :
- "الليلة سيكون عندك المدعو (آدم محمد عبد الرحمن) لا تشغل بالك
قالها بهدوء وشبح ابتسامه يرتسم على وجهه ."
***
الثلاثاء 14/12/2007 الساعة 7:2 مساء
- "ها أكمل ماذا حدث بعد أن قال لك المدير أن لك 2% من أرباح الصفقات ولكن أكمل كلامك وأنت تأكل يا حبيبي "
كانت الفرحة بادية على وجه (بتول) وهي تقول تلك العبارة في حين أنها في نفس اللحظة كانت تجلس (آدم) على المقعد وهو يبتسم لها مما تفعله ثم جلست بجانبه وأمسكت الملعقة ووضعتها في طبق الأرز لتطعمه إياها .
-"كفى يا (بتول) كفى "
قال (آدم) تلك الكلمات بصعوبة وهو يضحك و(بتول) مصممة أن يأكل كعلقة الأرز من يديها وفي النهاية تركها تضع الملعقة بفمه ليمضغها وهو مازال يضحك ولكن (بتول) وضعت قطعة من اللحم في فمه بسرعة وهي تكاد نقفز من مكانها من الفرح قائلة :
- "هيا هيا أكمل كلامك "
بصعوبة تكلم (آدم) والطعام مازال في فمه :
- "قال لي بأن الإدارة ستصدر قرارا يمكنني من الخروج من الشركة قبل انتهاء ساعات العمل عن طريق تقديم طلب إذا كان الأمر بصفقة أقوم بمتابعتها أو اعقدها وبعد شهرين ستصرف لي مكافأة ضخمة بسبب صفقاتي أما الأرباح فسأتسلمها في شهر أغسطس من كل عام ".
وضعت (بتول) في فمه قطعة من اللحم مره أخرى وهو يضحك محاولا الرفض وهي تصر وتقول :
- "ألم أقل لك منذ زمن إنك عبقري يا عمري "
كانت (بتول) تمسك بملعقة الأرز وتقربها من فمه ولكنه أمسك بيدها الممسكة بالمعلقة بيده بلطف ثم نظر إلى عينيها وانحنى برأسه وقبل يدها في حين أنها أمسكت يده الممسكة بيدها وانحنت وقبلت يده هي الأخرى مرت لحظات صمت قطعها صوت (آدم) الحاني قائلا :
-" لم أكن سأصل لشيء لولا وقوفك بجانبي كل تلك السنوات منذ فتحت عيني على الدنيا وأنت أمامي .. بجانبي .. اشعر بدفء جنانك وبعطر أنفاسك أمتع لحظات حياتي كانت يوم أن تلمس يدي يدك ونحن ذاهبان للمدرسة وأتعس لحظاتها عندها كنا نفترق في نهاية اليوم" .
فجأة تركت (بتول ) الملعقة , وهي تقفز من مقعدها بخفة ظل , قائلة :
-" انتظر هنا ولا تتحرك فقد وجدت مفاجأة جميلة وأنا أنظف الشقة اليوم" .
لم تكد تنهي عبارتها حتى جرت ناحية غرفة النوم للحظات ثم عادت وهي تحمل مجموعة ضهمة من الأوراق وألبومات صور كثيرة وضعتها جميعا أمامه بعد أن قامت بإزاحة أطباق الطعام من أمامه على المنضدة
- "وأنا أنظف ما فوق دولاب الملابس وجدت صندوقا قديما مغلقا وتذكرت اننا احضرناه معنا الى الشقة عندما انتقلنا ونسينا ان نفتحه فقمت بفتحه ووجدت جميع الخطابات والكروت التي كنت ترسلها لي منذ كنا اطفالا وألبومات الصور التي جمعتنا"
كان (آدم ) متشوقا حقا ليرى الألبومات فأمسك أحد الألبومات وفتحه فوجد في أوله صورة لمجموعة أطفال لم يتعدوا سن الرابعة وخلفهم آباؤهم يضحكون
- "هل تتذكر أيام المرحلة الابتدائية يا ابن العم"
شرد آدم لثوان وهويقول :
-"نعم أتذكر حتى قبل أن ندخل المدرسة عندما كنا نلعب جنبا إلى جنب"
أراحت بتول رأسها للوراء ونظرت باتجاه السقف وهي تقول:
-"وأنا أيضا أتذكر عندما كان والدي يوصيك أن لا تحرك عينيك من علي ونحن نلعب صغارا هل تتذكر ونحن في السادسة عندما قام عادل الطفل الذي كنا نلعب معه بقذفي بحجر في وجهي؟ "
ضحك آدم وهو يتذكر الموقف قائلا :
- "لحظتها لم تذهبي لوالدك بل أتيت لي ودخلت غرفة نومي وأنت تبكين وتروين لي ما حدث قمت أنا من على الفراش ونزلت إلى الشارع بسرعة حتى وصلت لمنزل عادل ووجدته يلعب تحت المنزل فقفزت عليه وأنا أكيل له اللكمات والركلات وهو مذهول لا يفهم ماذا يحدث"
أكملت بتول :
-"بالرغم من أن عمرك لم يتعد السادسة ولكن بسبب ما فعلته فإن عادل قد شجت رأسه وظلت الكدمات ظاهرة لأسابيع والألم لا يفارقه"
ضحك الاثنان في حين نظرت له بتول وهي تقول:
- "لن تصدقني لو قلت لك إني اعتبرتك والدي منذ ذلك اليوم كنت أنظر لك كأنك كائن خرافي قد جاء من الحكايات التي ترويها لي أمي ليحميني"
- "وأنا كنت أنظر إليك كابنتي التي أخاف عليها ثم تحول ذلك إلى شعور بالحب عند ذهابنا للمدرسة الابتدائية وأنا أسير كل يوم بجانبك كي نصل للمدرسة ثم نعود مرة أخرى لمنزل العائلة كي نأكل سويا"
- "كنت أرفض أن أتناول الطعام بدونك وكثيرا ما كنت أبكي عند غيابك مع والدك في أي مكان وأنتظرك كي أتناول الطعام معك"
أمسك آدم بأحد الخطابات التي على المنضدة وهو يقول:
- "وفي السنة الرابعة تجرأت وأعطيتك أول رسالة حب صارحتك فيها بمشاعري وفي اليوم التالي انتظرت ردك أثناء سيرنا إلى المدرسة ولكنك ظللت صامتة طول الطريق وأنت تسيرين بجانبي ونظرت إلى الأرض وقلت أحبك ثم جريت فجأة إلى فصلك قبل أن ألحقك"
قالت بتول بعتاب :
كنت في قمة الخجل وأنا أقول هذه الكلمة يا آدم
- "ولكن هل تعرفين وجهك لحظتها كأنه وجد ملاك يبتسم في خجل"
ابتسمت بتول ثم قالت:
- "هل تصدق أننا تربينا في منزل واحد كنت لا آكل إلا في حضورك لا أبتسم إلا لك لا أتحدث إلا معك كنا نعامل بعضنا كأننا أزواج منذ الصغروكان الجميع يعرف أننا سنتزوج في يوم من الأيام"
قال آدم لها بسرعة:
- "وكان الزواج منك أمنيتي الوحيدة في الكون"
انحنت رأس بتول في حزن وهي تقول:
- "حتى بعد أن أنجبنا نور واكتشفنا أنني أعاني من ضيق بالشريان التاجي وضعف في عضلة القلب وأنني لن أنجب ثانية ما زلت تحبني؟"
- "ما زلت أعشقك أيتها الطفلة ثم أنت تضخمين الموقف فلقد تحسنت حالة قلبك بعد أن انتظمنا في أخذ الأدوية لا تفتحي هذا الموضوع مرة أخرى أيتها الطفلة الشقية كي لا أعاقبك"
قال آدم العبارة السابقة بمرح فقالت هي بمرح متحدية:
- "لن تقدر"
هنا ارتفع صوت يأتي من غرفة النوم لصراخ طفل صغير فقال آدم بلهفة
- "هل استيقظت نور؟"
نهضت |(بتول) لتذهب إلى غرفة النوم ثم خرجت وهي تحمل طفلة صغيرة تبكي وبتول تحاول أن تضحكها بالرغم من بكاء الطفلة إلا أنها بمجرد أن رأت (آدم )سكتت فجأة فأخذ( آدم ) يقوم بحركات بوجهه وهو يخاطبها فأخذت الطفلة تضحك له وهي تشير بيديها الصغيرتين نحوه وتصدر أصواتا تختلط بضحكاتها فأخذها( آدم )من (بتول)وحملها وأخذ يلاعبها ويلاطفها وهي تضحك له
كانت نور تحمل ملامح أمها بالرغم من صغرها فشعرها الخفيف كان بلون أصفر ذهبي وعيناها بلون أخضر صافي وذات وجه أبيض يمتليء بحمرة الصحة
جلس( آدم ) وأجلس نور على قدمه ثم نظر إلى( بتول) قائلا:
- "بإذن الله بعد أن أتسلم المكافأة سأقوم بدفع مقدم سيارة صغيرة لنا وعند تسلم الأرباح سنحاول أن ننتقل لشقة أخرى في مكان أفضل من هذا المكان الموحش"
اقتربت (بتول )منه وهي تضع يدها على كتفه بحنان قائلة:
- "افعل ما شئت يا عزيزي المهم أن أكون معك في أي مكان تذهب إليه"
***
الثلاثاء 14/12/2007 (الساعة 10:40 مساء)
المرآة تعكس مظهره المهيب والذي يفتخر به أما الناس
طوله الفارع قسمات وجهه الحادة والوسيمة في ذات الوقت عينيه الزرقاوتين شعره المصفف بعناية أسود اللون الذي ورث نعومته من والدته
كان مثالا للرجل في مخيلة النساء اللاتي قابلهن لم ترفض أي فتاة قابلها في صغره أن تصادقه بل كانت تتمنى أن يعطف عليها بنظرة وخاصة بعد دخوله كلية الشرطة زادت هيبته وزاد تعلق الفتيات به فهو العريس المثالي والرجل المطلوب لأي فتاة فكل فتاة قابلها لم ترفضه حتى ولو طلب منها ما يخدش الحياء كانت توافق برضا هنا بدأ تفكيره يقوده إلى أن أي فتاة قابلها من الممكن أن تسلم له نفسها طواعية فماذا سيحدث لو تزوج وجاء رجل آخر وسلمت زوجته نفسها له طواعية؟
ربما لذلك رفض الزواج حتى الأن بالرغم من سهولة التكاليف المادية وإمكانية موافقة أهل أي فتاة عليه فهو حاليا ضابط بإدارة مباحث امن الدولة متيسر الحال يمتلك شقته الخاصة والتي ورثها عن والده المتوفي لا يعيش معه أحد باستثناء أمه التي انتقلت إلى الرفيق الأعلى منذ سنين فأصبح يعيش وحيدا وسيم لكن مع كل هذا وصل إلى سن الثلاثين بدون زواج وكل هذا بسبب شكوكه في أخلاق أي فتاة يقابلها
أفاق الرائد حسن من شروده أمام المرآة ثم نظر نظرة أخيرة إلى القميص والسروال اللذان يرتديهما وذلك المسدس المعلق في الحزام الجلدي تحت إبطه ارتدى جاكيت البذلة وتأكد من مظهره مرة أخيرة ثم غادر الشقة وهو يتصل بزميله من هاتفه المحمول كي يتأكد منه أنه سيقابله في الإدارة الآن كي يتحركا الليلة للقبض على الشخص المطلوب من داخل منزله
***
الثلاثاء 14/12/2007 (الساعة 11:50)
دفعة قوية لباب الشقة لم يتأثر دفعة أخرى أقوى بدأ مصراع الباب في التأثر والتحرك من مكانه دفعة قوية جعلت جزء من خشب الباب يتحطم من ناحية المصراع وأصبح المصراع على وشك الخروج من الباب
هذه المرة أتت دفعة قدم من خارج الشقة لينكسر الباب ويفتح بعنف و(حسن) يدخل الشقة وخلفه ضابطان يرتجيان الملابس العادية ولكنهما أقل منه رتبة.نظر (حسن) يمينا ويسارا بملل ثم تثاءب ومن خلفه ظهر ستة رجال ضخام يدخلون من باب الشقة المحطم وينتشرون في الشقة بسرعة
مد (حسن) يده في جيبه وأخرج علبة السجائر وتناول سيجارة منها وهم بإشعالها لكنه سمع صوت صراخ امرأة يأتي من إحدى الغرف ثم صوت رجل يتكلم بعنف فأكمل إشعال السيجارة وتوجه بخطوات بطيئة إلى الغرفة حتى دخلها بتقع عيناه على فتاة شابة ترتدي قميص نوم وتحاول أن تغطي جسدها بغطاء الفراش وشاب يرتجي سروال نوم وجذعه مكشوف وهو يقف يحاول أن يدفع أحد رجال الذين يمسكون به وبيده الأخرى يضع يده أمام زوجته في محاولة يائسة منه لحمايتها من أيديهم
كانت صرخات( بتول) مستمرة اختلطت بصرخات طفلة أتت من مكان ما و(بتول) ما زالت تحاول أن تغطي جسدها و(آدم) لا يكف عن محاولة فهم ما يحدث وهو يصيح في الجميع بأن يبتعدوا عن زوجته حتى تكلم (حسن) بعد اهتمام قائلا لآدم:
- "أنت المدعو آدم محمد عبد الرحمن؟"
- "نعم أنا !!! "
أشار حسن لأحد الرجال الذين قد دخلوا الغرفة بيده إشارة ما فاقترب بسرعة من آدم ثم كال له لكمة عنيفة أطاحت به ليقع على الأرض.
هنا بدون وعي صرخت (بتول) وقفزت من على الفراش متناسية الغطاء الذي يلف جسدها والذي وقع وهي تحاول الوصول( لآدم) الذي وقع على الأرض ولكن(حسن) تجمد في مكانه وهو ينظر إليها وهي تهرع لزوجها.
لقد اشتعل في داخله رغبة في تلك الفتاة شعرها الأصفر الطويل الناعم وجسدها المنمق وعينيها الخضراء ووجهها.
الذي حمل جمالا لم يره من قبل كل هذا مع ظهور أجزاء من جسدها بدون قصد جعله يأخذ قرارا.
خذوه
كانت (بتول) تجلس على الأرض بجانبه تحتضنه وتكلمه كي يفيق من إغمائه ولكن سبقتها أيادي الرجال الذين تكاتفوا عليه وأخذوه منها وهي تحاول التشبت به ومقاومتهم حتى خرجوا به خارج الغرفة وهي تحاول أن تتبعه ولكن (حسن) قال لأحد الرجال الباقيين سريعا:
خذوها هي الأخرى فأنا لن أقدر على حرمان حبيبين من بعضهما
أمسكها أحد الرجال أثناء اندفاعها وراء زوجها وآخر لفها بغطاء أخذه من على الفراش وهي تحاول إبعاد أيديهم عنها
أخذ (حسن) نفساً ضخماً من السيجارة التي يحملها ثم خرج بهدوء وهو يحدث أحد الضباط بجانبه و(بتول) ما زالت تصرخ وفجأة كأنها تذكرت شيئا والرجال يجرونها جرا فأخذت تنادي بحرقة محاولة الإفلات منهم :
نورررررررررررررر
ولكنهم لم يستمعوا لها وجروها حتى خرجوا خارج الشقة وأغلقوها.. ولم يبق في الشقة سوى صراخ الطفلة.
غرفة صغيرة هي تشبه غرفة النوم الصغيرة ولكنها بلا أثاث تقريباً سوى مقعدين من الخشب يجلس على أحدهما حسن، وعلى الآخر الرائد علي، ويقف خلفهما ثلاثة رجال ضخام يرتدون ملابس مختلفة، وعلى الأرض آدم ملقى وأنفه محطم وهناك آثار دماء قد جفت على وجهه ويبدو أنه يفيق من غيبوبته. بالفعل عندما فتح عينيه وتأوه، نظر بدهشة في البداية لحسن وعلي ثم تحولت الدهشة إلى رعب عندما تذكر الموقف وهو يقول:
"ماذا يحدث، وأين أنا ومن أنتم؟"
قال علي بنبرات حادة:
"لا تسأل أيها الكلب أنت هنا بترد على أسئلتنا نحن"
في حين ابتسم حسن لآدم وقال بطريقة ودودة:
"صديقي العزيز أنت هنا داخل مباحث أمن الدولة، وصدقني لو فعلت ما أقوله لك بهدوء فسنكون أصدقاء في