الفصل الثامن

6 0 00

الفصل الثامن

لم تكن ميلودي تتوقع رؤية جايمس مرة أخرى ، خاصة ظهوره في متجرها في الأسبوع التالي بصحبة عضو مجلس التشريع في المدينة تشارلز رينز الذي كان أحد أصدقاء جدها . ومن الطريقة التي وقف فيها جايمس وهو ينظر فوق رأسها ، استنتجت أنه كان مجبراً على الحضور رغماً عنه . وحاولت مرغمة أن تتجاهله ما أمكنها محولة نظراتها المتسائلة إلى تشارلز .

ابتسم لها الرجل العجوز وهو يهز رأسه مجيباً عن سؤالها الذي لم تنطق به: "كلا. إنني لست هنا اليوم لأستأجر أي شيء من متجرك يا ميلودي ، ولكنني جئت لأتحدث عن عمل من نوع آخر.ذلك أنك قد جئتنا بالخطوط الأولى ،أيتها السيدة الشابة لمشروعك ذاك بإنشاء مركز تجمع للجيران ،وقد أصبح مدار اهتمام العمداء في المدينة وكان مثار اهتمام مجلس التشريع أثناء جلسة يوم الاثنين التي كرست لدراسة تفاصيله ومساندته .

رمقت ميلودي جايمس بنظرة عدائية وهي تسوي من أشرطة قبعة قش وتشبكها إلى وسادة مخملية سوداء .وقالت: "من خلال من ترافقهم هذه الأيام يا تشارلز فإنني أظنك ضد هذه الفكرة ."

أجاب وهو يجلس على كرسي عالٍ: " في الحقيقة، عن كل إنسان في هذا المدينة أصبح يساندك."

قالت بقنوط: "ولكنني اسمع كلمة(ولكن)."

لقد أصبحت الحياة بالنسبة إليها ،مليئة بكلمات (ولكن) خصوصاً في وجود جايمس .

قال تشارلز: "ليس تماماً .ولكن انتخابات البلدية تجري هذه السنة وأكثرنا يعمل لتجميع الأصوات .وبطبيعة الحال ،فإننا لن نساند أي مشروع يسيء إلى الناس."

نفضت شالاً عاجي اللون ثم علقته بجانب القبعة وهي تقول : "ما هي المشكلة أذن يا تشارلز؟ "

قال: " إن المجلس يقدم عرضاً باستئجار المكان لمدة تسع وتسعين سنة وذلك بأجر رمزي ،فلو استطعت أن ترفعي من المبلغ الذي جمعته لضمان انتهاء المشروع لغدت مساعدتك لنا أكثر فعالية."

قالت : "هذه هي نيتنا في الواقع."

تنحنح بينما بقيت أسارير جايمس حيادية . وقال تشارلز: "ثمة شيء أخر ."

تأكدت ميلودي من أن ثمة شيئاً في الأفق ولكنها قالت : "إنني أعرف أنه لابد أن يكون ثمة شيء."

قال: " المسألة هي أن سنة الانتخابات قد بدأت. وعلينا أن نقنع الناخبين بأننا لا نساند المشروعات عديمة الفائدة وندفع فيها أموال دافعي الضرائب. وتعرفين طبعاً أن موقع المشروع المختار هو بناية موروثة وأن هناك شروطاً صارمة بالنسبة إلى استعماله."

قالت: "لقد توقعنا ذلك."

أختار جايمس تلك اللحظة ليقول: "لا شك في أنها تتوقع أن تشق طريقها بالرشوة." كان يعاملها بنفس الطريقة التي عاملها بها أثناء المقابلة التلفزيونية، أي كأنها غير موجودة.

حسناً ...أي شخصان هما كافيان للقيام بهذه اللعبة. وقالت تسأل تشارلز: "لماذا هو هنا؟ "

أجاب: "لكي نحصل على الأخضر لهذا المشروع، عليك أن توافقي على العمل مع شخص يملك عدة خبرات منها الهندسة. شخص من إدارة التخطيط في المدينة ومهندس بناء ويكون طبعاً ممثلاً عن تلك الطبقة."

قالت: "أنه مهندس بحري فما الذي يعرفه عن هندسة البناء ؟ "

قال تشارلز بارتباك: "إن اللجنة تصر على ذلك ،إذ أن والده سيث لوغان ،لما أصبح له شعبية بسبب الحادث الذي تعرض له ،فقد اختير من قبل اللجنة ليكون المتحدث باسم المستفيدين من المشروع ،وكذلك ..."وتنحنح مرة أخرى وهو يتابع : "حسناً يا عزيزتي ."

تنهدت ميلودي وهي تقول : " هاهي كلمة (ولكن ) تفرض نفسها مرة أخرى يا تشارلز ؟ "

شد عقدة ربطة عنقه، مع أنها تكاد تخنقه وهو يقول: " ربما. إنني أخشى أن ثمة كثيرون قد رأوا برنامج التلفزيون ذاك يا عزيزتي . ولسوء الحظ ظن البعض أن الغرض الحقيقي من جمع المساعدة المطلوبة بشكل ملح، قد انتفى بعد الشجار الذي حدث بين الشخصين اللذين ظهرت علاقتهما الشخصية بشكل سيئ. ولكي نحصل على المساندة من المجلس، على المجلس ذاك أن يتمكن من إثبات أن التعاون بين الطرفين... قد علا فوق الخلافات التافهة . إننا نريد أن نراك و جايمس تعملان معاً في هذا المشروع للخير العام."

قال جايمس: "وقد وافقت أنا على ذلك."

قالت ميلودي مدركة أن لهجتها تعبر عن الرعب الذي ظهر في وجهها : " ولماذا ؟ "

أجاب: " لأن جذوري هي هنا، ولأن لي حقاً في النتيجة .وأنا أيضاً واضح ولا أخاف من التعبير عن رأيي ."

قالت بحدة: "إياك أن تذكر التواضع الذي يثير الاشمئزاز."

قال تشارلز متوسلاً وهو يمسح جبينه بمنديله: " حاولا أن تتفقا يا أولاد ، إن تعاونكما ضروري لنجاح هذا المشروع ."

لم تكن ميلودي تريد شيئاً في هذه اللحظة أكثر من أن يترك لها العنان لإنهاء معركتها مع جايمس إلى الحد الذي يشفي غليلها ولو باقتلاع عينيه .ولكن كان عليها أن تذكر نفسها بأن تربيتها لا تسمح لها بمثل هذه التصرفات .فقالت : "إنني مستعدة للقيام بما يتوجب عليّ عمله يا تشارلز ، من دون أن تكلف نفسك عناء إحضاره معك ."

قال تشارلز بارتياح واضح : " أردت أن أتأكد بأنكما تتفهمان في ما عليكما القيام به . فلا مجال هنا لمصالح شخصية .ومهما تكن مشاعر الواحد منكما تجاه الآخر ، فلا بد من تجاوزها في سبيل تقدم المشروع .هل توافقان على هذا؟ "

قال جايمس: "نعم ."

أرادت ميلودي أن تصرخ كلا إنها لا تستطيع احتمال الجلوس أمام جايمس على طاولة الاجتماع والتناقش في أمور عقلانية مهما كان السبب الذي يستحق ذلك، لأن شعورها نحوه منذ البداية لم يكن عقلانياً قط كان شعورها مختلفاً تماماً .وما يقوم على المشاعر والغريزة ليس من السهل أن يتحول إلى المنطق.

تنهدت باستسلام فهي إن لم توافق ، تحقيقاً لطلب تشارلز على الأقل فهذا معناه أنها ستسقط في الفخ ، وهذا السقوط يقود حتماً إلى وضع حدٍ لهذا المشروع الذي كلفها غالياً .وأخيرا اضطرت إلى القول لجايمس : "إنني أوافق على اشتراك والدك معنا ، ولكنني كنت أفضل كثيراً لو لم تكن أنت معنا ."

لم يحاول جايمس إخفاء ابتسامة وقال: " هذا لأنك تعتقدين أنك يمكنك التأثير على أبي بكلامك العذب بسهولة أكثر من تأثيرك عليّ."

قالت: " كلا، وإنما لأنك تعاملنا بمنتهى الازدراء .إنك على كل حال انسلخت من هذه المدينة وكل ما لك فيها وذلك منذ سنوات ." وما لبثت أن غيرت من لهجتها بعد ما رأت على وجه تشارلز ما يشير إلى عدم موافقته على كلامها فعادت تقول لجايمس : " إذا كنت تحتمل فكرة العمل معي ،فيمكنني التعاون معك حتماً أثناء الوقت القصير الذي ستمكثه في المدينة."

ابتسم تشارلز قائلاً : "سيكون جدك فخوراً بك يا عزيزتي فقد ورثت عنه قلبه الكبير ." ومد يده عبر الطاولة يربت على يدها : " إن الاجتماع الأول سيكون مساء الثلاثاء القادم إلى اللقاء إذن في الساعة السابعة تماماً في القاعة المدينة ."

مضى الوقت بسرعة .كانت ميلودي تتوقع أن يكون جو الاجتماع متوتراً كما كان فعلاً .وكانت هذه هي المرة الثالثة التي يلتقيان فيها ، هي وجايمس بعد فراقهما العاصف ذاك في كوخ أبيه . ولكنها ظنت إنها استعدت لذلك تماماً .فقد وصلت في نفس اللحظة التي بدأ فيها الاجتماع وبهذا جنبت نفسها أحاديث غير ضرورية مع هذا وذاك .وابتسمت لسيث كما أومأت لجايمس بتحية وذلك قطعاً للشائعات ، ولكنها تجاهلت الجلوس في صف واحد معه ومع أبيه ،غير مهتمة بمظاهر الخيبة التي ظهرت على وجه سيث .واختارت مقعداً في الطرف الأبعد من الطاولة .

عندما ارتفعت حرارة المناقشة واجتازت اللحظات الأولى الحرجة وكرست بقية المساء للعمل تنفست الصعداء وصممت ميلودي على أن تخرج من المكان قبل أن يلحظ أحد خروجها.

كيف حدث إذن أن فشلت خطتها هذه في غضون ثوان من نهاية الاجتماع لتجد نفسها مدفوعة بقوة إلى المشاركة في عشاء متأخر مع سيث و جايمس؟ ولم يكن ذلك لأن جايمس عرض هذه الدعوة .فقد كان واقفاً ككتلة من الحجر وقد تجمدت ملامح وجهه الوسيم ، عندما أندفع سيث بكرسيه معترضاً طريقها وأوقفها قبل أن تجتاز مسافة الخمس ياردات نحو الباب.

قال: " قفي يا فتاة...إلى أين تذهبين؟ "

"إنني جائعة يا سيث إذ لم أتناول طعاماً قبل حضوري."

"هذا حسن ، إذ يمكنك تناول الطعام معنا .فإن جايمس سيأخذني إلى أحد تلك الأمكنة حيث أمثالك وأمثاله يحبون أن يأكلوا دوماً."

قالت: "هذا رائع يا سيث . ولكنني لا أحب عادة أن أقحم نفسي في مثل هذه المناسبات."

قال بتملق: "أظن أن هذه المناسبة ستكون أفضل إذا حضرتها فتاة جميلة مثلك، وسيتطلع إليّ الناس إذ أكون على هذا الكرسي ذي العجلات مع أحب سيدة أليّ في العالم أليس كذلك؟ أم أنك تخجلين أن تظهري معي أمام الناس ؟ "

قالت: " طبعاً أنا لا أخجل من ذلك."

" اتفقنا إذن .وأنت يا جايمس ، ماذا تفعل هناك كمن بلع لسانه ؟ يمكنها أن تأتي معنا أليس كذلك؟ "

كان جايمس يرتدي بذلة عمل داكنة اللون .وكان قميصه أبيض كالثلج وربطة عنقه من الحرير الخالص .وكان شعره لامعاً وبشرته متألقة ، مما جعله يبدو بوسامته كنجم سينمائي وبمظاهر الكبرياء والجفاء كرئيس دولة أجنبية غير صديقة.

قال ببرود وهو ينظر نحو الباب : "بكل تأكيد .هل نذهب؟ "

نظر إليها قائلاً : " لا تكوني سخيفة فليس ثمة ضرورة لسيارتين ، إذا كانت سيارة واحدة تفي بالغرض دعي سيارتك هنا ." ودون أن يمنحها فرصة للمناقشة ، قاد سيث في كرسيه إلى الخارج حيث برودة الليل .تبعتهما ميلودي مذعنة .

قال جايمس آمراً: " اجلسي في المقعد الأمامي يا ميلودي."

" كلا . أفضل أن أجلس في المقعد الخلفي."

قال سيث: " ليس لك خيار في هذا .فأنا أستطيع مد ساقي اللعينة هذه أفضل في المقعد الخلفي."

كان المطعم كراب آيلندإن ، أحسن مطاعم المنطقة وأجملها ، إذ كان يشرف على المياه من نوافذه البارزة التي تمتد على ستة جدران من غرفة الطعام الثمانية الزوايا ، وذلك بشكل أخاذ بالغ الروعة .كان في الجدار الثامن مدفأة تمتد من الأرض حتى السقف .بينما في الجدار المقابل كان ثمة أحواض السمك والنباتات التي بعثت الحياة في المكان ، وباحة للرقص في منتصف المكان .وهناك ثمة عازف على البيانو يملأ الأجواء بالأنغام .

لم يبد على جايمس أي اهتمام أو استحسان للمكان ، بل كان يبدو وكأنه يرغب في الإسراع بالانتهاء من هذه الأمسية قدر الإمكان .

سألهما ببطء قبل أن تستقر ميلودي في مكانها : " أترغبان في الكوكتيل ؟"

هزت هي رأسها قائلة: "كلا.شكراً."

عاد يسأل : "أي شراب ؟ " فهزت رأسها نفياً .ولاحظت ميلودي أن سيث يراقب ما حوله غير مصدق ما يرى مما يخلب اللب.

أقبل النادل وهو يرقب سيث وكأنه نوع غير عادي من المخلوقات ،ثم تنحنح سائلاً جايمس: " أتريد أن تأمرني بشيء يا سيدي؟ "

قال جايمس: " نعم ."

تمتم سيث بسرعة : " قائمة الطعام هذه مكتوبة بلغة أجنبية يا ميلودي . فكيف يعرف الشخص ماذا يضع في معدته؟ "

همست تجيبه: "اقرأ الحروف الصغيرة فيها الترجمة الإنجليزية."

قال: " وهذا أيضاً لا أفهم منه شيئاً ، الكلمة الوحيدة التي فهمتها هي ، أصداف بحرية وكذلك سمك ." وألقى نظرة ضاحكة على وجه النادل الجامد وقال: " أظن هذا سهلاً .سأطلب سمكاً أو صدفاً بحرياً."

وضع النادل إشارة بقلمه على قائمة الطعام وهو يقول : " توجد أصداف طازجة وأصداف مدخنة يا سيدي .أما بالنسبة إلى السمك فهو إما بالزبدة والليمون أو صينية في الفرن بالقشدة."

قال سيث : "حسناً انك تتحدث إلى صياد سمك عجوز يا بني ، وليس إلى من لا يعرف أجناس السمك .لهذا لا تحاول أن تغشني بتزيين الأشياء .أريد سمكاً بسيطاً مع البطاطا المقلية ."

أثناء هذه المناقشة كان يجلس مسترخياً في كرسيه دون أي تعبير على وجهه، وهو يراقب ميلودي التي كانت تحاول جاهدة إخفاء ابتسامتها ، وأشار إليها النادل سائلاً : " وماذا عن السيدة ؟ "

أجابت : " أريد سمكاً أنا أيضاً ، وبالضبط كما طلبه صديقي .سمكاً بسيطاً مع البطاطا المقلية."

قال جايمس : " وأنا أيضاً أريد الشيء نفسه بالإضافة إلى السلطة ." ونظر إلى ميلودي وخيل إليها أن شبح ابتسامة لاحت في عينيه وهو يتابع : " لماذا لا نطلب سلطة لنا نحن الثلاثة ؟ "

قالت بأدب : " هذا حسن."

سأل سيث مستطلعاً : "كم سننتظر قبل أن يأتي الطعام ؟ "

قال النادل : " حوالي الثلث ساعة يا سيدي . وأنا متأكد من أنك تعرف أن الطعام الجيد يستغرق تجهيزه بعض الوقت .أما السلطة فيمكن إحضارها حالاً ."

قال سيث: " إذن إلى ذلك الوقت ، سأذهب لمشاهدة أحواض السمك تلك، ويمكنكما أن تتسليا معاً حين عودتي."

تمنت ميلودي لو كانت عند حسن ظنه ، ذلك أن الصمت بقي متوتراً بينها وبين جايمس .ألقت عليه نظرة سريعة لتجده يراقبها ، وبسرعة حول نظره إلى النافذة حيث الأمواج تلطم الرمال دون كلل ، تاركاً إياها تتأمل جانب وجهه الوسيم .

هل من الممكن أن تغطي صورة رجل آخر ، يوماً ما صورة جايمس بقوامه الرجولي الرائع القوي؟ وشعرت بقلبها الذي برح به الألم يقول ، كلا.

أخذ يرشف شرابه متابعاً النظر من النافذة ثم تمتم قائلاً: " إننا لا نقوم بتسلية أنفسنا كما يجب.أليس كذلك ؟ "

فكرت هي ، أتراه يظن أن ذلك ما ينبغي أن يقوما به؟ أم تراه يظن أن ذلك يرجو أن تذل نفسها مستجدية كلاماً يخفف من معاناتها ؟ وقالت : " أظن هذا هو الواقع."

سألها: " هل أحرجك تصرف أبي؟ "

أجابت وكأنه وجه إليها إهانة: " كلا يا جايمس إنني أحب أباك جداً .وأشعر بالانشراح لتصرفاته لماذا تسأل ؟ هل لأنك محرج؟ "

قال: "كلا أبداً .حيث أنني لم آت من..." فأكملت كلامه قائلة: " من بيئتي أنا .إنني أعرف يا جايمس أنك لا تريدني أن أنسى ذلك."

قال: " ما رأيك في الرقص؟ "

لم تتلق ميلودي دعوة للرقص من قبل بمثل هذه البساطة .وردت عليه قائلة : " كلا . إن والدك هو ضيفك هذه الليلة ، وما أنا إلا واحدة التصقت أنت بها .فمن فضلك لا أريدك أن تشعر بأن عليك واجب تسليتي ."

ابتسم جايمس متهكماً برقة ، وقال : " إنني نادراً ما أشعر بأن عليّ أن أقوم بشيء لا أريده ، يا ميلودي .كما أنني لا أدفع أي شخص إلى القيام بعمل لا يريده. هل يمكنك أن تقولي نفس الشيء ؟ أم أنك تظنين أن أصدقاءك في اللجنة سيلقون باعتراضاتي عرض الحائط ويسمحون لك بتنفيذ خططك في فرض إحسانك الجدير بالشكر دون شك ، على أبي وأصدقاءه."

وضعت ميلودي كأس الشراب من يدها دون أن تلمسه وهي تقول : " لقد كانت غلطة مني أن أوافق على العشاء معك ."

قال بأسف ساخر: " تباً ! هل ستتركيننا بهذه السرعة يا سيدتي؟ "

قالت بشيء من التهكم: " كلا ، ولكنني أظن أن الرقص هو أفضل من الحديث معك ، وأظن دعوتك لي لذلك ما تزال قائمة ."

انتصب واقفاً وعلى شفتيه ابتسامة وهو يقول : " كما تريدين ، هل من الضروري أن أحصل على بوليصة تأمين على حياتي أولاً ؟ "

قالت بحدة: " أبداً." وجرته إلى الحلبة بعنف يفوق ما يصدر عن سيدة مهذبة وهي تقول: " إنني مصممة على قتلك يوما ما عندما لا يكون حولنا من يشهد هذه المناسبة السعيدة."

قال: " إذا كنت ترينني صعباً لهذا الحد، فلماذا وافقت على العمل معي في اللجنة؟ "

كان رقصه رائعاً ،تماماً ككل شيء يقوم به.

أجابته: " لأنه لم يكن لدي خيار ولا أريد أن أتابع النقاش في القضية."

أصر قائلاً : " إذا كنت مولعة بأبي إلى هذا الحد الذي تريدين من الجميع أن يصدقوه ، فلماذا تصرين على المتابعة مع اللجنة وهذا المشروع اللعين؟ فلا هو ولا أصدقاؤه يهتمون بهذا المشروع أكثر مما أهتم به أنا ."

قالت: " إنني متأكدة من أن سيث سيساند المشروع عندما يدرك أبعاده .أما بالنسبة إلى أصدقاؤه فلا يمكنني طبعاً ، التكلم باسمهم."

دار جايمس بها بمرح في الحلبة وهو يقول: " وما الذي جعلك تعتقدين ذلك يا سيدتي العزيزة؟ "

كيف أمكن لصوته الجذاب هذا أن يحمل هذه السخرية والهزأ؟ أجابت : " إن عقله منفتح للأفكار الجديدة ويجب أن يستمع إلى وجهات النظر الأخرى .بينما أنت عاجز عن النظر إلى الأمور بعقلانية وحياد، وأنت من التطرف بحيث لا يمكنك رؤية ما وراء أفقك الضيق، وأكثر من ذلك..."

قال وهو يزيد من شدها إليه: " ميلودي إنني أرى أكثر مما تتصورين. وأنا أرى حياتي المنتظمة تتهاوى إلى الجحيم لأنني جئت إلى هنا للعناية برجل لا أكاد أعرفه."

وضع يدها على قلبه بينما شدت يدها الأخرى خصرها ليعود إلى الحياة شعورها نحوه الذي كانت تجاهد لتكبحه.

تابع قائلاً: " ووجدت نفسي أدخل في نزاع حول حياة أناس آخرين ، وأقوم باتصالات لم أكن أتوقعها ولا أريدها."

لم يكن ثمة شك أنها كانت و جايمس غريمين وكانت المشكلة الوحيدة أن جسديهما لم يكونا يشعران بذلك وكانا يتجاهلان أسباب الشتائم التي يتبادلانها ويتعانقان بلذة واضحة في باحة الرقص."

قالت متلعثمة : " إذا كنت تحاول أن تقنعني بالتخلي عن المشروع يا جايمس فإنني أخشى أنك تستخف بعزيمتي."

قال: " أخشى أنني استخففت بك على الدوام فمهما كانت أخطاؤك وهي قليلة ، فأنت شخصية مبدعة يا ميلودي ."

حاولت دون جدوى أن تعيد إظهار امتعاضها: " أوه من فضلك لا ضرورة لإعادة الحديث في هذا الموضوع."

قال: " أنني لا أتحدث عن المال أو النشأة هذه المرة بل أتحدث عن اللطف الإنساني الأصيل . وبصراحة إن أية امرأة ممن أعرفهن كانت ستهرب إزاء مناقشة سيث مع النادل."

حدثتها نفسها أن تسأله وكم امرأة تعرف ؟ ولكنها قالت بدلاً من ذلك: " إنه على الفطرة وهذا شيء أفهمه أنا تماماً. وهذا لا يستدعي أي اعتذار يا جايمس مهما كان مقدار ما يملكه أو لا يملكه من نقود."

ابتعد عنها ليتمكن من النظر في عينيها ليرى مبلغ الجد في كلامها أو الكذب. فبادلته النظرات .وتركها بحركة مفاجئة جعلتها تترنح وهو يقول : "إن السلطة في انتظارنا وكذلك سيث. كما أن الرقص لم يكن فكرة جيدة على كل حال ."

هل هي ماكرة ؟ أم لعلها شخص مراوغ يقول الأشياء الصحيحة ويعرف أي زر يضغط...؟ وتلك العينان...إنهما تفيضان بالعاطفة، والحنان، والصدق...تباً! ما كان له أن يدع عينيه تغوصان في أعماقهما الغادرة.

قال وهو يقاوم وخز ضميره لرؤية خيبة الأمل في عيني سيث: " فلنأكل وننته من كل هذا ."

لكن الثلاثة أسابيع التالية استنفدت كل إرادته في سبيل أن يتمكن من البقاء بعيداً عنها، ولم يكن الأمر سيئاً أثناء النهار.إذ كان يشغل نفسه بتحسن حالة المنزل، والاجتماعات البغيضة لتلك اللجنة، كانت شيئاً آخر على كل حال.إنه لم يعرف كيف تداخل معهم .أما كيف كان يذهب لرؤيتهم ، فكان هذا أكثر غموضاً ،خصوصاً عندما هددوا بالمتابعة بشكل غير محدد دون أن يكون ثمة نتيجة بادية .

قال مرة حين أوشك المجتمعون على الغوص في مستنقع المهاترات السياسية : "هل من الممكن من فضلكم أن نتخلص من التعثر هنا وهناك وننتهي من هذه القضية ؟ لقد تعبت من الاستماع إليكم."

قالت ميلودي: " يمكنك أن تستقيل متى شئت ." وابتسمت ببراءة زادت من غيظه.

قال: "صدقيني أنه سيسرني أن أتركك تشنقين نفسك لو كنت أضمن أن ذلك يسرع في خروجي من هنا."

قالت: "التمنيات لا تساعد على إنهاء الأمور يا جايمس ولكن إذا لم يكن في استطاعتك التعامل مع الأمور ، يمكنك أن تستقيل."

ذكرته همهمة إنذار من أحد المجتمعين ، بأن ثمة من ينظر إليهما .وجاهد في أن يرسم ابتسامة على فمه وهو يقول : " كلا، شكراً .ليس من عادتي أن أتخلى عن شيء قبل أن ينتهي . إنه يشابه الهرب تماماً .وربما ، يمكننا أن نجد حلاً إذا ركزنا جهودنا في هذا السبيل بدلاً من المشكلات."

لقد ضغط أخيراً على الزر الصحيح .إذ في الاجتماع التالي بالذات، عرضت ميلودي على اللجنة طريقة مثلى لتخطي العقبات التي كانت تبقيه لوقت غير محدد.

كان ذلك في منتصف شهر آذار_مارس، بعد نهار ربيعي مشمس وكانت أزهار النرجس تنتشر في أنحاء المدينة وفي نفس عصر ذلك اليوم ، أدرك جايمس بما يشبه الصدمة ، انه مضى عليه أكثر من شهرين في مدينة بورت آرمسترونغ .فليس من المستغرب إذن ، أن يشعر أحياناً بأنه في منزله في هذا المكان.

قالت ميلودي من مكانها في الطرف الآخر من طاولة الاجتماع وهي تطلب منه ، بعينيها الكبيرتين الرائعتين ، أن يحاول إيجاد خطأ في اقتراحها هذا: " إن بيننا هنا من يعترض بشدة على محاولات فرض ما يسمونه إحساناً على أولئك الذين لم يفصحوا عن حاجتهم إلى المساعدات . وهناك آخرون يشعرون مثلي أنا أن بلوغ هؤلاء ذلك الحد من اليأس هو عمل مذل وبعيد عن الإحساس .والجهتان تركزان على النفقات التي تلزم لمشروع كهذا. حسناً ، أظنني جئت بطريقة تبدد شكوك الجميع."

فكر جايمس في مقدار ما تبدو عليه ميلودي من نعومة ،وتمرس في الأعمال .أنها في الحقيقة عملية جداً ، ليس ثمة من يمكنه التكهن بأنها تملك حرارة وقوة عواطف ثلاث نساء مجتمعات.كما أنه لن يستطيع التكهن بأن تحت طقمها الأسود البسيط ذاك وقميصها الأبيض الحريري ، يكمن جسد برقة ونعومة ورائحة زهرة الغاردينيا.

أخذ جبينه ينضح عرقاً ... وشتم في سره وهو يغرز طرف قلمه في الورق الذي أمامه في مقدمة المركب الذي كان يخططه.تباً ! لماذا لم يتزوجها رجل ما، قبل أن يعرفها هو، ويبتعد بها عن طريقه فلا تغويه؟

قال له فجأة الرجل الذي يجلس إلى جانبه : "في الحقيقة ،هذا هو الرأي الصواب."

جفل جايمس ، هل تراه قد قرأ أفكاره ؟

وعقبت امرأة : " هذا رأي مكتمل لا يعترض عليه سوى الأحمق."

أبدى سيث موافقته وهو يضرب بيده على مائدة الاجتماع: "يمكنني أن أتفق معك في هذا ،يا فتاة .أنني أعرف رجلين يمكنهما إدارة المطبخ،احدهما بقي سنوات طباخاً في السفينة إلى أن ظهر طفح في جسده جعله لا يستطيع القيام بشيء .وكثيرا منا يمكنه استعمال الفأس والمنشار.لقد اشتغلنا في الأخشاب معظم حياتنا .لم يعد في استطاعتنا تسلق السلالم بعد الآن ،ولكن يمكننا العناية بأشياء كثيرة وإنهاءها بأنفسنا."

قالت له ميلودي بابتسامة حلوة جعلت جايمس يشعر بالغيرة: " لقد رجوت أن يكون هذا شعورك ،في الواقع حتى إنني تساءلت عما إذا كان يمكن أن يهتم بعضكم،في حال انتهاء البناء ،بإقامة دكان لإصلاح ما قد يحضره البعض من تحف وغير ذلك.وسيكون في ذلك مورد لدخل يساعد على توفير نفقات الصيانة ."

قال سيث: " إن وجبة مجانية أحياناً ، تستقر في معدتي بشكل أفضل إذا كنت أعلم أنني أقوم بعمل ما يجعلني أستحقها .وأنا أعرف أن سائر الرجال يشعرون بنفس الشيء .إننا لا نكره أن يكون ثمة مكان نذهب إليه عندما نواجه نهايتنا ولكنه الشعور بأننا نعامل كالأطفال الذين يقدم لهم الطعام والعناية مجاناً، هذا ما لا نريده.ولكن هذه الطريقة..." ابتسم هازاً رأسه مستطرداً: " إنني لست من الكبرياء بحيث أرفض أن أقايض عملاً بآخر."

ابتسمت له ميلودي مرة أخرى قائلة : "إننا بطبيعة الحال ، سنتابع جمع المال وبهذا نكون قد غطينا النفقات الأولية."

قال: "ما الذي تشعرين به عندما تريننا جالسين في الشارع يا فتاتي ميلودي ؟ "

أجابت : " ليس ثمة عند ذاك جيران أحبهم أكثر منكم يا سيث ." واتبعت ذلك بابتسامة ساحرة أخرى لم تتأثر بالنظرة العابسة التي أرسلها جايمس نحوها .

أعلن تشارلز رينر وهو يخرج مجموعة من المغلفات من حقيبته : " ثمة شيء أخير قبل أن ننهي جلستنا هذه.إن محافظ المدينة سيحيي الحفلة الراقصة السنوية ابتهاجاً بقدوم الربيع بعد أسبوع .واعترافاً بجهود الجميع التي كرسوها لهذه الاجتماعات فإنكم جميعاً مدعوون لهذه الحفلة.أما بالنسبة للتقدم الذي وصلنا إليه هذه الليلة، فقد خطر ببالي أن توقيت هذه المناسبة جاء بمثابة احتفال بتقدمنا الباهر أيضاً."

أنحنى إلى الأمام موجهاً كلامه إلى سيث قائلاً : " إن المحافظ يا سيد لوغان عبر عن رجائه الخاص في أن تتمكن أنت من الحضور."

فكر جايمس في مبلغ دهاء المحافظ الذي لا بد أن تصرفه هذا سيضمن له عدداً من أصوات الناخبين.

قال سيث: " أنا ؟ " وغمره شعور بالكبرياء سرعان ما تلاشى أمام الحقيقة التي ظهرت في عينيه. وبدا لجايمس متردداً غير واثق من نفسه وقد أرتجف صوته وهو يقول: "لا أدري إن كنت أستطيع الذهاب إلى هناك بحالتي هذه."

قال جايمس بابتسامة خفيفة : " ولكننا سنكون نحن الاثنين هناك." وما لبث أن بدا يشتم في سره. لقد خالجه شعور بالحماية لهذا الرجل المسن وكذلك التأثر. وماذا بعد ذلك؟ وما هي نهـاية كـل هـذا ؟ .

الفصـل التاسع

لم تكن قليلة تلك المناسبات الاحتفالية التي حضرها جايمس أثناء تسلقه سلم الارتقاء في مهنته ولكنه لم يشهد من قبل قط تجمعاً تجلى فيه ذلك العرض الباهر للثراء والإسراف ، كالذي تجلى في الاحتفال السنوي بالربيع في بورت ارمسترونغ .وهمس لسيث وهما يدخلان قاعة الرقص الكبرى في فندق امباسادور: " أن أي نشال مجوهرات يمكنه أن يتقاعد إن وفـّق هذه الليلة."

هتف سيث متقطع الأنفاس: " أنظر إلى ملابسهم ." ملوحاً بعصاه ذات المقبض الفضي.

قال جايمس : " لا تلوّح بالعصا هكذا فقد تصيب رأس أحدهم .دعنا نجد مكاناً بعيداً عن الزحام."

قال سيث : "أبحث أولاً عن ميلودي."

قال جايمس: "ابحث أولاً عن ميلودي."

قال جايمس : " ان الجموع تملأ قاعتين يا سيث. وقد لا نتمكن من العثور عليها."

قال سيث : " لماذا لم تتصل بها هاتفياً أذن لكي تأتي معنا منذ البداية؟ أريد أن أجلس معها وأرى ماذا ترتدي." ولوّح بعصاه مرة أخرى مشيراً إلى من حوله وهو يتابع قوله: " انها ستغطي على كل هؤلاء."

خوفاً من أن يكون قول سيث صحيحاً ، تمنى جايمس أن يتمكن من تجنب لقائها .إنه يريد أن يكون هذا المساء خاصاً به،يستطيع معه أبوه أن يستمتع بذكراه .فليستمتعا ، إذن بالموسيقى والشراب والتفرج على المجوهرات والثياب الأنيقة والوجوه المعروفة والمشهورة ،ولكن على أن تبقى ميلودي وتأثيرها المزعج صورة منسية فقط في زاوية من ذهنه .ذلك أن ثمة حدوداً لما يمكن أن يتحمله ، وهو الآن يتألم مسبقاً لدى التفكير في ما قد يكون ردة الفعل لهذه الليلة لدى والده ،صبح الغد.

من سخرية القدر أنه في هذا الوقت المتأخر أخذت الروابط العائلية تلتئم بين الرجلين اللذين كانت أهدافهما أكثر اختلافاً مما هي عليه الآن ، ومنازعاتهما أكثر حدة رغم أن جايمس أخذ يعاني أحياناً من وخز في ضميره بعد أن وضع تصميماً نهائياً لحياته الخاصة.كان يشعر في أعماقه بالندم وبنوع من الحزن لذكرى الأيام التي كان يعيشها مع والده . كما أن سماحه لنفسه بتطوير علاقته مع ميلودي، حمّله عبئاً فوق طاقته في المشاعر وهدّد عزلته الرائعة تلك التي شكلت حدود حياته التي وضعها.

كان فندق امباسادور قديم البناء ، وكانت قاعات الرقص والجلوس وغرفة الاستقبال مبطنة الجدران بألواح الزجاج والثريات من البلور الصافي ،وكان الأثاث أثرياً ،كما كانت الأرضية من الخشب المتين اللامع ،وبدا كل شيء رائعاً لجلسة مسائية شاعرية .

تساءلت ميلودي وهي في غرفة السيدات في الفندق ،تصلح زينتها ، عما يدعوها إلى الشعور بالحزن وبأنها غريبة اللباس .كان ثوبها أنيقاً من الساتان العاجي اللون موشحاً باللون الوردي، وكان يشد خصرها ،ثم ينحدر بشلال من الأزهار إلى كاحليها .كانت الألوان تناسب شعرها الأسود وبشرتها العاجية .فما هو الخطأ الذي حدث الآن ليثير فيها هذا الشعور؟

مهما يكن الأمر ، فقد أنتقل هذا الشعور إلى مرافقها هو أيضاً .وهو رجل كانت تخرج معه أحياناً لأكثر من سنة. كان روبرت رجلاً رقيقاً مثقفاً أنيقاً اجتماعياً، ومتفهماً.

يا للعزيز روبرت ،لقد تعب والداه في تنشئته وتثقيفه ،فلماذا لم تعرف قدره ولماذا لا تفتأ تقارنه بينها وبين نفسها ، بجايمس لوغان؟ ربما لو ظهر جايمس وجدت سبباً للتفكير بشكل مختلف .وربما جلوسها إلى جانب رجل ممتاز مثل روبرت، يجعل عيوب جايمس أكثر بروزاً ، وتأثيره عليها أقل .وربما عدم لمحها له هذه الليلة ، هو السبب في شعورها الحالي بالإحباط.

أخيراً رسمت ابتسامة على شفتيها .ستكون هذه الليلة طويلة مجهدة .ولكنها تعتمد على روبرت في عدم إظهارها لشعورها هذا ،فهناك عشرات من النساء يتمنين أن يكنّ مكانها إلى جانبه إذا وجدن الفرصة ، كما أنه يستحق أن تجعله يتساءل عما قد يكون أقترفه ليكون حظه مع هذه الفتاة التي تتمنى لو كانت مع رجل آخر في مكان آخر.

قالت لروبرت الذي كان ينتظرها، بصبر في الردهة: " آسفة لجعلك تنتظرني."

ابتسم وهو يمسك يدها: " لا بأس ،فأنت تستحقين أن ينتظرك المرء .بالمناسبة آل فريزر هنا قد حجزوا لنا مقعدين على مائدتهم."

قالت: "هذا حسن." وانتفضت فجأة ...هذه الكلمة ،حسن،تتبادر إلى ذهنها على الدوام حين لا تكون مع جايمس .لا شك في أنها إن نظرت في أمره بواقعية، ستكون حياتها، أحسن كثيراً بدونه.

قال روبرت: "ثمة وجوه كثيرة جديدة ،هذه السنة."

وأشار إلى الحشد حولهما ينبهها إلى احتمال أن يدوس أحد على أطراف ثوبها.

مدت عنقها آملة أن ترى وجهاً معيناً بين هذه الجموع ولكنها لم تستطع رغم كعب حذائها العالي.

بعد العشاء ،ألقى المحافظ كلمته السنوية ثم بدأ الرقص.وبعد ذلك بحوالي ساعة ،كانت هي وروبرت يجتازان الحضور في طريقهما إلى الردهة لتنشق الهواء الطلق،عندما أعترض طريقهما جسم دس نفسه بينها وبين مرافقها وهو يقول: " كنت أعلم أننا سنقابلك عاجلاً أم آجلاً .لماذا كنت تتجنبيننا يا فتاتي ميلودي؟ "

قالت بإصرار: " أبداً ، أنا لم أفعل ذلك." ولكن الواقع أنها مرت به لحظة ، ولكنها تجاهلت رؤيته دون قصد. إذ أنها لم تتأكد منه تماماً وهو حليق الذقن ملمع الشعر وفي بذلة السهرة الأنيقة، فهو لم يكن سيث لوغان الذي عرفته .وقالت له : " رائع يا سيث ، لم أكد أعرفك."

ضحك وهو يلوّح بعصاه كالفرسان قائلاً: " إن شكلي تغير تماماً، أليس كذلك؟ لا أحسبك توقعت أن أبدو بهذه الأناقة، أليس كذلك؟ "

قالت: "كلا،لم أتوقع ذلك.عليك أن تكون بهذا الشكل أغلب الأحيان يا سيث ، أنك تبدو..." ولوّحت بذراعيها ضاحكة وهي تتابع : "تبدو غاية في الوسامة والوقار."

قال سيث: " وأنت تبدين كلوحة رائعة." وأخذ يدها يقبل أطراف أصابعها بأدب وكياسة أحرجت ميلودي حتى كادت الدموع تطفر من عينيها .ذلك أنه طيلة تعارفهما ،لم يلمسها قط باستثناء التربيت الخفيف على وجنتها أحياناً .

طرفت بأهدابها توقف سيلان دموعها وهي تزدرد غصة في حلقها ، وقالت: " شكراً لك يا سيث." وتنحنح روبرت بأدب يذكرها برقة أنها نسيت واجبها.فاستدارت إليه قائلة: " هذا هو صديقي سيث لوغان يا روبرت .وقد تعارفنا عندما دخل المستشفى في شهر كانون الثاني_يناير، الماضي."

قال روبرت وهو يصافح سيث بأدب: " إنني أذكر ذلك .كيف حالك يا سيدي؟ "

قال سيث: " ها قد عدت إلى السير وفي طريقي لأعود طبيعياً . لماذا لم تزوريني مؤخراً يا ميلودي ؟ "

قالت كاذبة: " كنت مشغولة ، ولا أدري كيف أمضيت أوقاتي هذه الأسابيع الأخيرة.ولكننا نتكلم هاتفياً يا سيث."

قال سيث: " إن هذا مختلف."

قالت: " معك حق وهذا سبب سروري برؤيتك الآن.كنت آمل في رؤيتك الليلة ...هل...هل جايمس هنا أيضاً؟ "

قال سيث: " إنه هنا، فهو في الواقع مستند إلى الحائط منذ خمس دقائق متظاهراً بعدم الاستماع إلينا." وأشار بعصاه إلى روبرت قائلاً : "أظن أن في إمكاننا تناول كأس معاً، أيها الشاب ولندعهما يقومان بجولة في الحلبة."

زمجر جايمس وهو يتقدم نحوهم:" انتبه إلى تلك العصا اللعينة يا سيث، وكف عن محاولة تنظيم حياتي فأنا في إمكاني القيام بواجبي الاجتماعي دون وساطة منك."

قال سيث: "حسناً ،إنك تعرف أين تجدنا بعد ذلك إذن." وابتسم قائلاً: " إنه شرس قليلاً في الحقيقة ." والتفت إلى ميلودي متابعاً: "لقد أرسلته ليفتش عنك حال وصولنا، ولكن آكلة الرجال التي تبيع الفراء في سوقك أعاقته عن ذلك."

قالت ميلودي باستغراب: " من؟ أدريادن؟ " كانت ميلودي تعلم أن المستأجرين الآخرين قد تلقوا دعوات لحضور الاحتفال تقديراً لجهودهم في جمع المال للمشروع.ولكنها لم ترى سوى روجر.

قال سيث: " نعم، إنها هي، لقد أخذت تتبعه في كل مكان .وفكرت أن أحضر لأخلصه منها طبعاً، كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ من ذلك لو كانت المرأة الأخرى هي التي أنشبت مخالبها به...تلك المرأة التي تبدو وكأنها ابتلعت مخللاً شديد الحموضة."

قال له جايمس: " كان يجب أن أحضر لك كمامة مع العصا لكي تمتنع عن الكلام يا سيث."

أغرق سيث في الضحك وهو يربت على مرفق روبرت بطرف عصاه بخفة قائلاً: " حسناً أيها الفتى .هل ستشتري لي كأس الشراب ذاك أم لا ؟ "

ابتسم روبرت فقال: "بمنتهى السرور يا سيدي."

سألها جايمس وهو يقودها إلى حلبة الرقص: " أين وجدت (دمية الخياط ) هذا، الذي ترافقينه؟ " أجابت بحدة: " طبعاً لم أجده في المكان الذي وجدت أنت فيه سلوكك. وأنني آسفة لعدم رغبتك في أن ترغم على الرقص معي، ولكن هذا لا يعطيك عذراً لهذه الفظاظة."

لم يجب بل أخذ يدها وقادها برقة فائقة إلى جانب الحلبة،ثم قال: " ليس ثمة عذر أبداً .وأنا آسف .فلنبدأ هذه المحادثة إذن، أنك تبدين جميلة هذه الليلة ، يا ميلودي ، ويشرفني جداً لو ترقصين معي ، من فضلك."

كان هناك الكثير من الرجال الأنيقين الوسيمين وكان روبرت دون شك واحداً منهم .أما جايمس فلم توجد بعد الكلمة التي يوصف بها كان طبعاً طويلاً ، يفيض رجولة وحيوية له غمازتان وأهداب رائعة ،وابتسامة جذابة ، دون شك ، رغم أنه يمكن أن يحولها إلى ابتسامة ماكرة منفرة...وأحياناً يطلق العنان لطباعه السيئة."

تاهت نظرات ميلودي وهي تقول: " عندما رقصنا معاً أول مرة ،لم نستمتع بذلك كثيراً."

قال وهو يفتح لها ذراعيه: " سيكون الأمر مختلفاً، هذه المرة."

وقفت مغنية أمام المايكروفون وأخذت تغني أغنية"أنني قد اصطدمت بك يا حلوتي." وبهت نور الثريات حتى بدت كالنجوم ،وكان هذا أكثر مما استطاعت ميلودي تحمله. فاندست بين ذراعيه ، ليقودها أينما شاء وحيثما يختار.

لا يهم كون نصف سكان مدينة بورت آرمسترونغ شهوداً على ابنة أكثر العائلات احتراماً وهي تجعل من نفسها أضحوكة في حلبة الرقص، ولا يهم إذا كانت حركات جسمه الرائع أقل تهذيباً مما ينبغي .أنها ببساطة تحبه،وقد تعبت من التظاهر بغير ذلك.

تعرف جيداً أن المرأة العاقلة لا تقع في غرام غمازتين فاتنتين أو كتفين عريضتين، وبحثت عن صفات أخرى تكون بديلاً عن الغمازات إذا ما أخفتهما التجاعيد، أو الكتفين العريضتين إذا ما أحنتهما السنين.ذلك أن المرأة العاقلة إنما تتطلع إلى التلاؤم والانسجام.أنها تدرك أن الزوجين إن لم يضحكا معاً،فإن المرأة تقضي أكثر أوقاتها في البكاء...البكاء على الأشياء التي تجاوزتها لكي تلحق برجل دخل حياتها في الشتاء لينساها في الصيف.

تعلم أيضاً أنه مهما تكن رغبة جايمس فيها لا يبادلها حباً بحب .وعاجلاً أم آجلاً ،عليها أن تواجه الألم الذي تسببها لها هذه المعرفة وعند ذاك ستبكي طويلاً.ولكن ليـس الآن. ليـس في هذه اللـحظة حيـث تأمرها غريزتها أن تأخذ أي شيء يعـطيـها مهـما كـان قليلاً، لتختزنه للأيام القاحلة، إذ أن الفـرصة السانحة الآن، قد لا تعود مرة أخرى.

كان هو أسوأ من أن يتصور المرء ، كما أعترف جايمس لنفسه وهو يحـتضنها بـشيء من الشدة أثناء الرقص. فقد كان وحشاً خالياً من الإنسـانية حين وضع نفسه ووضعها هي في مثل هذا المأزق العاطفي.

كان هو على ما يرام إلى أن مرت به وهي تتأبط ذراع مرافقها ذاك، وإذا بالهياج يعميه. وشعر برغبة طاغية في أن يهجم على ذلك المسكين ليجره من عنقه وهو يزمجر، أرفـع يـديـك القـذرتـين عنها فهذه المرأة لـي أنـا...

هـل هـذه المـرأة تخـصه ؟ ومنـذ متـى؟

إذا كان عنده أي شك في أن عزمه على الرحيل في الغد أفضل سبيل ،فإن هذه اللـحظة التي كـاد أن يفقد فيـها تمالكه لأعصابه كانت كافية لكـي يدرك ، أنه تأخر جداً في هذا التصميم الذي جاء بعد فوات الأوان،ومن الواضح أنه يعيش هنا بشكل مؤقت،وبالنسبة لرجل كان يريد أن يسافر خفيفاً مرتاحاً،فقد حمل حملاً ثقيلاً من الذكريات التي يبدو أنه محكوم عليه بأن يحملها إلى آخر حياته .

لقد حـان الوقت لكي يخبرها ، فهو يدين لها بكثير من الصدق ،فقد كانت بينهما أشياء كثيرة مشتركة لا يمكنه معها أن يتركها دون أن تعلم بذلك إلا من سيث أو غيره كتلك المرأة كلو .ولكن ، لم يحـن الوقت بعد وليمكث عدة دقائق أخرى مـحتضناً إياها بهذا الشكل.

تنهد ، وسـمح لذراعيـه بأن تشتـد حول خصرهـا . يا للروعـة كم هي جمـيلة كيفمـا نظر إليها أو أحس بـها ، وإلـى جانـب أناقتها المفرطـة وجوّ الأنوثة الذي يغمرهـا ،فقد وقفـت كالزهرة الفواحـة .إنه لن يشم زهرة بعد الآن ، دون أن يتـذكرها ،إنه بعد عشر سنوات من الآن ،فـي إمكانه أن يغمض عينيه ويتذكر لمعان شعرها ، وعمق عينـيها القاتمتين ودقة كاحليها....

"ميلودي ، يا عزيزتي." جـاء هذا الصوت من سيدة فضية الشعر ،مالت نحوهما ثم استطردت: "هل هذا هو فتاك؟ "

خففت ميلودي من التحامها بجايمس قليلاً وهي تقول: "كلا."

قالت المرأة بارتياح ملحوظ: " هذا ما فكرت فيه،إذ أكاد أقسم أنني رأيتك قبل فترة ، مع ذلك المحامي الشاب روبرت كامبرلي." وابتسمت لجايمس ابتسامة عابرة ثم تابعت تقول لميلودي: " تعلمين أن ذلك الشاب سليل عائلة من أقدم عائلاتنا."

حسناً ،ها قد حان الوقت لكي يتخلص من حيرته.

سكتت المـوسيقى ولكن بدلاً من أن يتركـها جايمس ، سحبها من يـدها وسـار بـها نحـو المصعد فـي آخـر الردهـة .

وسألته : " إلى أيـن نحن ذاهبان ؟ "

أجـاب بوجه متجهم: " إلـى السـطح ."

قـالت: "جايمس .لا يمكنني الاختفاء هكذا دون كلمة أقولـها لروبرت."

قـال: "فليذهب روبرت إلى الجحيم."

همّت بالاعتـراض، ولكنـها بـدلاً من ذلك، مشت إلى جانبـه صامته، لقد حل مكـان الدفء الذي استمتعت به بين ذراعـيه، نذير السوء ذاك الذي أستقر في أعماقها منذ أيـام.

كانت حديقة السطح تشرف على معظم مناظر المدينة وضواحيها .وأثناء الصيف ، كانت شرفة الحديقة من الأماكن المفضلة لدى ميلودي .وكانت تعشق الجـلوس إلـى إحدى الموائد المغطاة بالزجاج تحت المظلة ،محاطة بالنباتات الاستوائية والسلال المعلقة تتدلـى منها الزهور.

في هذا الوقت من السنة ، كانت الشرفة تقفل في وجه الجمهور .ولكنها و جايمس ، وقفا أمام أحدى النوافذ فـي الناحية الغربية من السطح وأخذا ينظران إلى مياه الميناء التي تتلألأ في عتمة الليل .

سألته: "لـماذا أحضرتني إلى هنا ، يا جايمس ؟"

تساءلت بينها وبين نفسها عما إذا كان في استطاعته أن يلمس رنة الخوف في صوتـها.

قال: " أردت أن أنفرد بك فترة."

تمنت لو أمكنها أن تأخذ كلماته بمعناها الظاهر.وعادت تسـأله: "لمـاذا؟ "

تنهد ،ثم استدار ينظر إليها .لامس وجنتيها بأصابعه ، ثم فمها ، ومر بيده على شعرها ثم أحتوى وجهها بين راحتيه برفق وكأنه مصنوع من مادة ثمينة هشة . أخذ يتلمسها وكأنه أعمى، أو كأنه يريد أن يصنع لها تمثالاً في ذاكرته.

شعر بها ترتجف فأخذها بين ذراعيه. وسمعت صوت خفقان قلبه السريعة، وتنفسه السريع المنخفض، ومع أن يديه كانتا دافئتين فقد استمرت الرجفة في جسدها وقد أصابها الصقيع حتى العظام.

ابتدأ يقول بصوت أجش: " ميلودي ، أنني ......" هل سيقول أحبك؟ أرغب فيك؟ وأغمضت عينيها تخفي دمـوعـها ...كلا...ليست هـذه هي الكلمـات التي ستسمعها.

حاول مرة أخرى الكلام قائلاً: " إنني..." وتدحرجت دمعة على خدها ثم أخرى .

قالت في محاولة لمنعه من الاستمرار في الكلام: " لقد استمتعنا بالرقص هذه المرة.أليس كذلك؟ "

قال: "نعم." ثم ضغط وجهها علـى صدره وامتص قميصه القطني دموعها، ولكن، لا شيء أمكنه أن يمتص الألم من قلبها والذي جعلها تتمنى الموت.

تابع هو قوله : " ولكنه كان مختلفاً هذه المرة ."

همست: " لا أريد أن أعرف السبب."

قال: " ولكن عليّ أن أخبرك."

قالت متوسلة : " كلا .إننا أمضينا معاً وقتاً طيباً، فدعنا نتذكره دوماً بهذا الشكل."

قال بصوت صارم : " كان آخر وقت نقضيه معاً، إنني راحل يا ميلودي .إنني عائد إلى حيث أنتمي ."

قالت وهي تجهش بالبكاء : " نعم .إنني أتفهم هذا.إنك تريد الذهاب لتتفقد شؤونك التي تركتها وراءك."

قال: "إنني لن أراك مرة أخرى ."

"إلى حين عودتك..." وغصت بالكلمات.

"لن تكون لي عودة ."

وهجرها كبرياؤها كما فقدت ضبطها لأعصابها وهي تقول باكية: " لا تقل ذلك. أرجوك يا جايمس قل أنك لا تعني ذلك ."

"عليّ أن أذهب، إن حياتي ليست هنا."

"ولكن حياتي هنا. ولـي علاقات ...وأستطيع أن أتوسط لك..." وتوقفت فجأة عن الكلام وقد أدركت خطورة ما كانت على وشك أن تقول.

أجاب هو بازدراء: " إنك تحبين هذا، أليس كذلك؟ هل هوايتك تنحصر فـي النبش عن مواطن الضعف فـي الرجال، لعرضها على الملأ ؟ "

توهج وجهها حرجاً وقالت: " إنني آسفة يا جايمس . إنني لم أقصد أهانتك."

تابع كلامه مقابلاً اعتذارها بما يستحق من الاحتقار: " ربما يهمك أن تعلمي أنك قدمت إليّ هذه الليلة وظيفة ،لولا الظروف ،لكان من الصعب عليّ أن أرفضها .إنها وظيفة هامة ذات نفوذ يا ميلودي .إنها إعادة تصميم و إنتاج المراكب القديمة الخشبية التـي كانت تستعمل للإيجار من هذا الميناء والرجوع إليه على مدار القرن،حيث أن الطلب عليها يزداد الآن للاحتفالات البحرية وغير ذلك.وميناء بورت آرمسترونغ العزيز يقبض الضرائب عن البضائع والسفن بالحماس والجشع المعتادين .في الواقع ، إن الكبار في المدينة يتلهفون للاتفاق معي على أن أضع شروطـي لكيفية القيام بالعمل."

من ترفعه هذا ، أدركت أنه وقع تحت تأثير إغراء هذا العرض وقالت: " ولكن هذا عرض مشرف جداً يا جايمس ." وداخلها أمل ضعيف في أن يجعله حماسها يعيد النظر فـي هذا العرض.

قال بابتسامة هازئة : " في الواقع ، أنني متأكد من أن صديقتك التي أعترضتنا في حلبة الرقص، كانت ستراني لائقاً برفقتك لو كانت تعلم بالاحترام والاعتبار اللذين يشرفني بهما مجتمعك الموروث."

قالت باكية وهـي ترى آمالها تدفن في التراب: " أنا لا يهمني ماذا يظن أصدقائي، ما يهمني هو أنت ، لم لا تقبل تلك الوظيفة؟ "

قال: " لأن ذلك يعني تأصل جذوري هنا، بينما أنا لا أنتمي إلى هذا المكان كما أننا نحن الاثنين، لا ننتمي لبعضنا البعض."

قالت: " يمكننا ذلك إن حاولت."

قال بخشونة: " ليس عليك أن تحاولي. لقد شاهدت كثيراً من النتائج البائسة لأشخاص حاولوا التمسك بأشياء لا يمكن أن تستقيم أصلاً."

نظـرت إليـه من خلال دمـوعها قـائلة في صمت:أحبـك.

قال وكأنها نطقت بكلمتها جهراً: " كلا، فأنا لا أستحق ذلك."

قالت : " ليس الأمر بيدي في ذلك."

قال: "كلا، يجب أن تبحثي عن شخص من بيئتك."

قالت: " هناك أشياء أهميتها عندي أكثر من بيئتي .ماذا بالنسبة إلينا يا جايمس ؟"

تنفست عميقاً، واستطردت: "ماذا عن الوقت الذي جمعنا فيه الحب؟ ألا يعني هذا لك شيئاً؟ "

هاهي ذي قد فعلتها.فعلت ما كانت قد عزمت على عدم القيام به... لقد اتخذت دور امرأة غرّر بها، لتبدأ بالابتزاز. ولكن ماذا بعد؟

مال إليها يحتضنها لآخر مرة ، لم تشعر قط من قبل بمثل هذه الرقة والحلاوة اللتين تركتا في نفسها أثراً عميقاً ،وعندما أنفصل عنها ، أخذ قسماً من قلبها معه . وكان الألم مبرحاً.

تراجع مبتعداً عنها فلم تعد تحس بدفئه ... هكذا ستمضي بها الحياة بعد الآن، باردة وفارغة.

وقال: " سأقول لك الآن وداعـاً يا سيدتـي، عـودي إلى حيث تنتمين، وسأعود أنا إلى حيث أنتمي."