ـ 4 ـ

8 0 00

ـ 4 ـ

عاد سعد إلى شروده وشعر بلينا تلتصق به، نظر إليها بحنان:

((إنها تلقي رأسها على كتفي وتنام، أشعر أنني أعود لتلك الأيام الجميلة التي قضيناها معاً))

***

((سيداتي وسادتي بدأنا نقترب من الجزيرة البريطانية دقائق ونهبط في مطار لندن الدولي))

رفعت رأسها:

ـ يبدو أنني نمت طويلاً..

ـ نحو ساعة.. كنت متعبة..

ـ أرجو أن لا أكون قد أزعجتك؟

ـ ماذا تقولين يا لينا؟ مازلت الأغلى عندي، لا يمكن أن تحلّ مكانك أية امرأة.. أنا لم أتغير يا عزيزتي..

همست: ـ كأنني في حلم جميل، أخاف أن أستيقظ منه.. ضمني إليك يا سعد..

هبطت الطائرة في المطار، وجلس سعد ولينا في قاعة (الترانزيت) في انتظار قدوم الطائرة الفرنسية التي ستقلهما إلى نيويورك..

كانا سعيدين وهما يستعيدان ذكرياتهما القديمة، ولم يشعرا بمرور الوقت كانت هناك عجوز طاعنة في السنّ تجلس على مقعد مجاور.. وحين أعلن عن قدوم الطائرة الفرنسية، وقف سعد ولينا يستعدان لدخول الطائرة ووقفت وراءهما العجوز وهي تحمل حقيبة يدها الصغيرة.. جلسا متجاورين في الطائرة، واقتربت العجوز منهما، تطلب منهما السماح بالجلوس إلى جانبهما في المقعد الخالي، كانت تتكلّم العربية...

ـ ذاهبان إلى نيويورك؟

ـ نعم .. وأنت يا خالة؟

ـ إلى هناك أيضاً أزور أصدقاء.. يقيمون إلى طرف حي (هارلم)..

ـ حيّ الشغب والمشاكل.؟

ـ بل إنه حي البؤس والفقر، صحيح أن الزنوج يرتكبون أفعالاً غير قانونية، ولكنهم فقراء بؤساء، خارج إطار العناية والرعاية..

ـ ربما كنت محقة يا خالة..

ـ اعذراني، أنا متعبة سأنام.. وإن أتت المضيفة من أجل الطعام والشراب، اعتذرا عني، لا أريد أن يزعجني أحد..

قال سعد: ـ كما تشائين يا خالة..

كان التعب يبدو عليها فعلاً.. كما كانت تبدو غريبة بشكلها وملابسها... أمسك سعد يد لينا :

ـ ألست متعبة؟

ـ ربما، ولكني أحس بسعادة لا توصف بوجودك إلى جانبي..

ـ وأنا أيضاً يا لينا..

وانبعثت ضجّة غريبة وبدأت الطائرة تهتزّ..

ـ ما هذا؟ ما الذي حدث؟

ـ سأسأل المضيفة القادمة..

أصرّ سعد على معرفة سبب هذه الضجة التي تهزّ الطائرة.. ولكن المضيفة أعلنت أنها لا تعرف شيئاً..

ثم انبعث صوت قائد الطائرة يهدئ الركاب الذين أحسّوا بالذعر إلى أنهم يمرون في مطبّات هوائية شديدة..

ولكن اهتزاز الطائرة ازداد لدرجة أنها بدت وكأنها تتمايل في مهب الريح العاصفة وفجأة توقف كل شيء.. وظهر كأن الطائرة اجتازت المطبّات بسلام.. ولكن صوتاً غريباً انبعث من مكبّرات الطائرة: "نحن مضطرون للهبوط فوق مياه المحيط الهادي قرب جزيرة صغيرة.. يرجى الهدوء سننجح جميعاً في اجتياز هذه المحنة إن شاء الله".

ـ يبدو أننا في خطر يا سعد..

ـ يجب أن نواجهه بشجاعة يا حبيبتي..

ـ لست خائفة وأنت إلى جانبي..

عاد الصوت: ((نحن في طريقنا للهبوط، يرجى التأكد من ربط الأحزمة.. والاستعداد لارتداء لباس العوم حالما تستقر الطائرة))..

ـ مازالت العجوز نائمة.. هل أوقظها؟ إنها تربط حزام المقعد.. منذ أن استقرت في مقعدها..

ـ إننا نهبط بسرعة يا سعد..

ـ نعم.. ثقي بالله لن يحدث لنا مكروه..

انتفضت العجوز: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. هل وصلنا نيويورك؟))

ـ لا يا خالة، نحن نهبط في المحيط، إنه هبوط اضطراري، المطبّات الهوائية التي تعرّضت لها الطائرة، عطّلت بعض أجهزتها..

ـ في المحيط؟ يا إله السماوات..

ـ لا تخافي يا خالة، الطائرة مجهزة لتطفو على سطح الماء.. مدّة تكفي الركّاب لأخذ أمكنتهم في قوارب النجاة..

ـ إنّنا نقترب من المحيط بسرعة، كأنّنا سنصطدم به..

ـ ربما لم يحسن الطيّار المناورة..

ـ يجب أن ينجح في المناورة وإلاّ غاصت الطائرة في المياه..

تمتمت العجوز بكلام بدا لهما غامضاً: ((يا إلهي من أحلامي التنبّؤية؟ كأنني رأيت الحدث قبل وقوعه.. بل رأيتكما في أحلامي.. كانت شخصية كل منكما واضحة تماماً))

تنهدت وهي تنظر إليهما بعمق:

ـ لا تخافا، كل شيء سيكون على ما يرام..

كان الطيّار مازال يحاول المناورة والهبوط فوق سطح المياه..

ونجح الطيار أخيراً في تعديل جسم الطائرة أيضاً.. لتسير مثل زورق بخاري.. سألها سعد:

ـ أنت خائفة يا لينا؟ ألا تعرفين السباحة؟ ارتدي سترة النجاة بسرعة.. لا وقت لدينا..

قالت العجوز: ـ ساعدني في ارتداء السترة يا بني..

وعاد الصوت: ((ليس لدينا وقت طويل، عجّلوا بارتداء اللباس الخاص بالعوم، بعد دقيقة واحدة ستنفتح الأبواب، حيث سيخرج أفراد الطاقم مع زوارق النجاة، ليساعدوا الجميع في الصعود إلى الزوارق))

شدّت لينا على يده:

ـ ما دمت إلى جانبك لا أشعر بالخوف أبداً..

***

الفصل الثاني

(جزيرة الأسرار)