الحج إلى واشنطن
المهدي عثمان
--------------------------------------------------------------------------------
تم إهداء هذه الرواية من طرف كاتبها لموقع أنفاس
ANFASSE.ORG
المهدي عثمان
التنظيم
( رواية )
الإهداء
* إلى شباب الثورات العربية.
* إلى أصدقائي بمدينة قصور الساف.
* إلى الصديق المنجي العايدي.
* إلى صديقتي الفلسطينية " عائشة ".
المشهد الأول
هذه اللوحة للخمر
"من ألف عام أكتب إليك رسائل أوجاعي، فتمزقها أو يمزقها وجه غرورك. كيف أحبك يا
حبيبي.. يا ربيع العمر والترحال.. يا قاتلي كلّ مرة ألف مرة.
من ألف عام أخضب كلّ رسائلي بعطر أحلامي وأمنياتي المرفْرفة في سماء شموخك.. بعطري الأنثوي
الذي تشتهي. كن ت أضمخ كلّ أشيائي الجميلة باسمك : شالي الحريري
( مثلا ).. فستاني.. قلم الشفاه.. و حتى رحيق الكلام..
ياه.. كل رسائلي سقطت في و مياهك المالحة، واختنقت بمائك عبير كلماتي. غير أني أرى الوقت
أحلى كلما كنت معي.. أرى الشوق أكبر كلما غبت، وأرى الألوان في أشد الأوقات قتامة.
صارت مساءاتي يا أخير زمانك في العشق وفي الوجع قنديل مخاض وعسر ولادة. أبحث عنك كمن
يمنح وجهه لزخات المطر، ولا أتعثّر إلا على مدارج حزني. و لمّا تعود من غيابك، أعود إليك وأنسى
الرحيل وأنسى الضجر.
ها أنك الآن ترحل دون بوصلة لعودة واضحة. لا مناديل تودع قواربك، ولا ُ قبلة تحتفي بقدومك بعد
الرحيل.
ها أنك الآن ترحل دون إذن من سيد عشقنا. أما أنا، فمن ألف عام أشد الرحيل ولم أرحل.. من ألف
عام أجدف في مكاني وأرسو في بحورك من جديد .
مع ذلك وأنا القارب دون شراع بدونك أشد الرحيل كأوراق خريف يذرفها الوقت. لكنني إن سقط ت،
أرفرف مرة أخرى ولا أنحني.
أنا إذن، أقف لأعشق من جديد، فلي الخيار و لك الخيار.."
كن ت ملقى كالسلحفاة على ظهري، أتلو رسالتها على وجعي المقرفص حذوي، كمن يعود مريضا لا
شفاء له. ُأغالب ثقتي أا من أرسلت هذا البوح إلى الصحيفة التي تعود ت أن أنشر على صفحاا
رسائل عشقي إليها .
كانت هواجس وخواطر في شكل رسائل من سجن لا قضبان له، وأدون أسفل النص: "شاعر مر من هنا".
أدرك جيدا أا كانت تتابع الرسائل بملء الشغف والرغبة الجارفة. و يقينا كانت تجمع الرسائل
لتحتفظ ا.. نعم أرى ذلك في التفاتتها ونظراا المشحونة بالهمس والأنوثة الصارخة .
لم تكن ككل اللواتي عشق ت.. كانت عصية ومتمنعة، تصد حتى رغبتي في الكلام إليها، وتكتفي
بالابتسامة. كان الحديث معها كمن يداعب قطّة تسكن دفء يديه، لتنتفض فجأة منشبة مخالبها في
كفه.
ما أقصر المسافة إليها وما أبعدها.. تقتلني المسافة حينا، وأخرى ذلك الماضي الذي يعلق في أهدابي
كدمع سيدة ممزوج بكحل جفوا.
وأنا في المسافة، كالملقى في بيداء لا بد من قطعها... كلما طالت المسافة، زاد الإصرار على قطعها... كلما
كانت قاسية، زاد الإصرار على كسر غرورها
...........
أغالب ثقتي، أا من أرسلت هذا البوح إلى تلك الصحيفة، مع أني من كتب بوحا على لساا وأرسله،
يحمل إمضاءها وشوقها الذي لم تبح به.
لماذا فعلت هذا ؟
لأني أحبك..
ليس ذه الطريقة.
وبأي الطرق تريدين ؟
... لا شيء.. دعني وشأني..
........
بملء الثقة بالنفس، والغرور أيضا قل ت:
ألست أنت من كتب الرسالة ؟
ردت بعنف لا مثيل له:
أعرف خزعبلات الشعراء ..
Vous êtes un acteur merveilleux
وانصرفت دون أن تلتفت إلى سمات وجهي، وقد تراوحت بين الضحك والبكاء.
لحظتها، قرر ت أن أكتب لها آخر رسالة عشق، لها أن تحتفظ ا، أو أن تلقيها في وجهي.
كمن يكتب رواية بفصل واحد، كن ت أرسم ملامح رسالتي في كراس بأكمله. أمزج فيه ألوان الفرح
والغبطة، بألوان التذمر والقتامة، كمن يحضر مزيجا لرسم لوحة.
كأنني "دافنتشي" أمزج ألوان"الموناليزا" .. كأنّ ما أكتبه،
أعسر من رسم "غربان القمح" لفان كوخ ، أو "صرخة" للفنان النرويجي إدفارد مونش.
هنا ذه المدينة المهزلة، أدخل تجربة عشق جديدة، بعد خمس سنوات قضيتها بالعاصمة، أتراوح بين
الدرس الأكاديمي والنقابة والفن وقصص الحب.. أعود إلى حيث بدأت رحلة الكتابة، بنصف الرغبة
الجامحة ونصف القلب المحترق. وما تبقّى،أزهر سنديانا بأحضان اللواتي عشق ت.
هنا أيضا، تلقى نفسك في مدينة تنحني فيها للرداءة والضجر المميت.. في مدينة أشبه بتمثال من
الشمع لا يتطور، بل ربما يتضاءل بفعل الاحتراق.
أن تقول "قصور الساف" يعني الضجر والروتين وأشياء أخرى، ربما لا تشبه غير الموت.
هنا لا جديد تحت الشمس.. القيء يلف أوتاره حول أعناقنا، وأنت تضطر للانخراط في الشاغل
اليومي، بوعي منك أو بدونه. إما أن تلتحق بطابور العمل اليومي، وإما أن تختار لك مكانا بإحدى
المقاهي، تعين الكسل على التدرب، وتمنح لجسدك مزيدا من القدرة على التكيف مع الكراسي، وطرق
الانطواء المختلفة، ووضع الأرجل والانحناءات والاتكاء.. حسب طبيعة الجلسة ومكاا، داخل المقهى
أو خارجه، وحسب طبيعة الطقس وحالة النادل النفسية ومزاجه.
والمقاهي هنا، مقسمة حسب الرتب الاجتماعية و المكانة السياسية... فللغرباء مقهاهم الخاص،
يعرضون فيها أجسادهم على الراغبين في الانتفاع بجهدهم. أما أعضاء الس البلدي فهم يغيرون
المقهى حسب طبيعة الأحداث والتحالفات والمصالح .. وقد يضطر البعض منهم إلى تغيير وجهته إلى
مقاهي المدن ااورة اتقاء القوادين، وخوفا من كشف التحالفات. وللمقاهي الأخرى روادها ومريدوها
بعضهم قار، والآخر يغير المكان حسب الأهواء والظروف.
وقد أودعت الرسالة/ الكراس إلى "حبيبتي" لتقرر مصير علاقة من طرف واحد ... بدأت
شوارع العاصمة تمْثل في الذاكرة وتحضر صورها ورائحة الرطوبة المنبعثة من الأسواق العتيقة:
ملل ت هذه الجدران.. هذه الأج السرطانية والوجوه المتكررة.. لقد تعود ت على عدم الاستقرار..
هذه أخطر الأشياء التي تقلقني .
الأخطر منها أن تستقر في مكان ينهشك كالسوس القبلي، لتلقى نفسك هيكلا يزين ركنا من أركان
هذه المدينة المهزلة.
يا صديقي.. كل المبدعين غادروها، فانتصروا لإبداعهم وكسبوا ذوام، فارين بجلودهم من الاحتراق.
... هذه مدينة لا يستطاب فيها العيش.
... نعم قد أشاركك الرأي.
هكذا دار الحوار بيني وبين "صديق قديم"، ونحن نحتسي قهوة المساء بمقهى" الأقواس"، وقد انضم
إلينا "النادل" قائلا:
آخرهم السيد الوزير السابق ... حتى مترله على شاطئ "سلقطة" فرط فيه بالبيع هروبا من
أهله ومن سكان هذه المدينة الفاجرة.
علّق ت مساندا رأيه:
الأدهى من ذلك، أن الذي كان لا يقسم إلا باسمه ويقتات من خيراته ومننه، هو من بات يشتري
قوارير الماء والقهوة لرجال الشرطة المكلفين بحراسته أثناء فترة الإقامة الجبرية.
وأنه حتى ببراءة السيد الوزير السابق كان يغادر المقهى الذي يلقاه فيه حتى لا تطاله الشبهات
وحتى لا يتهم بخيانته للوطن.
هذه بلادك يا صديقي.
كم تنكّرت ذاكرتنا الجماعية لشخصيات ومبدعين، أسهموا ويسهمون في بناء هذا الوطن .
"ما عندكشي مشكلة" نحن من صنع مفهوم تنكّر الذات.
وأنا أشعل سيجارة أخرى، وقف "زهير" قبالتنا:
ما شفْتهاش... ما ريتهاش... ما مشيتلْهاش...
هكذا بدا مرتعشا، مرددا نفس الكلمات والحركات... وهو يحرك رأسه في كلّ اتجاه ببطء شديد، كأنّ
على رأسه الطير، وأضاف:
أعطيني سيجارو...
مد له "محسن" سيجارة وأشعلها له، لينصرف مكملا نفس الحوار مع نفسه:
ما شفتهاش... ما ريتهاش... ما مشيتلهاش...
لحظتها مُثل بذهني "الخبز الحافي" و "البؤساء". بل ذهب في اعتقادي أنني صادف ت الشخص نفسه ب
"رخيوت" أو "حوف" ، أو ربما نقلت إليّ الصورة عبر قصائد مظفر النواب، وتذكر ت قوله:
أحد يعرف رخيوت و حوف
ما تلك من الأفلاك السيارة
و اُلمكتشفات
ولكن وطنا عربيا، مملكة للجوع
و للأوبئة الجلدية
و القيء وللثورة أيضا
شاهد ت الحامل تأكل مما يتقيأ طفل محموم
وتغذّي الطفل الآخر من نفس القيء الأسود
كن ت أسرد قصيدته بصوت جهوري مرتفع، يجعل من حولي يستمع بانتباه للقصيدة.
لو كان " لطفي " حاضرا، لأرجع وضعية هذا انون إلى النتائج الحتمية التي يفرزها النظام
الرأسمالي. وحتما سأدخل معه في جدل عقيم لن ينتهي. وسيبرهن لي، أنّ طبيعة النظام الرأسمالي
القائم على الربح واستغلال الطبقة الشغيلة أو طبقة البروليتاريا ( كما يحلو له أن يسميها ).. هو
الذي سيوصل العامل إلى هذه المرحلة، بسبب الاستغلال الفاحش وعدم الاستقرار النفْسي، بسبب غلاء
المعيشة واحتقار الذات الإنسانية، التي لا تعدو كوا وسيلة إنتاج، أو جسدا للإشهار.
و أنا في اتجاه بيتنا وقد ودع ت " الروح" و"محسن" كانت ذاكرتي تفتش في مقاهي العاصمة عن
الرفاق والأصدقاء... تمر إلى الحانات والشوارع، وتعود يائسة لترتمي في حانة " القرصان " بالمهدية،
على طاولة لأربعة أشخاص بركن منزو.
تضيق بي الدنيا، و تحاصرني الهزائم، فتنتصر الخمرة هناك بذات المكان الأبعد عن المصالح
والتروات... الأقْرب للنشوة و استحضار المؤلم والمخيف... الفجيعة و الألم... الجراح والهزائم...
نعم بالخمرة فقط، يمكن أنْ تخْرج من بوتقة الواقعي، إلى جهة صوب ا ُ لحلم، فتأتي إليك عشيقاتك
وحبيباتك ورفاقك، وتحضر السلطة أيضا والفن والشعر والتنكّر للوطن والدين.
كن ت وحيدا على طاولة منفردة، أمزج التعب بحبات العنب، وأضيف الجعة.
سحب ت قلمي وكنشا كثيرا ما يصحبني، وبدأ ت أشاغل شيطان الشعر ليحضر... فحضر النادل
ليغير منفضة السجائر، متسائلا:
هل أزيدك؟
دون أنْ يكمل، أشر ت له برأسي علامة الموافقة، مستعينا بالسبابة والوسطى، فأحضرهما دون أنْ أنتبه
إليه أو أنشغل عن الورقة، وهي تفْتح فخذيها للفكرة اُلمتمردة من الطرة إلى آخر نقطة في الطرف
المقابل. هذيان وعربدة وفوضى وأفكار أشبه بالأناجيل القديمة... لا هي بالشعر ولا بالخاطرة ولا
بالمقالة ولا شيء...
غير أنّ الفكرة تحْضر دون أنْ ترتب هندامها وتغسل وجهها الصباحي... تحْضر متثائبة، متمردة،
فتنفض رائحة نومها على الورقة، دون أنْ تكون لتلك الرائحة معنى... ربما كانت رائحة الخمر أشد
تأثيرا عليها، فترنحت المعاني وسكرت...
ووجدتني أكتب:
رب سامحهم و إنْ لم يسكروا
كيف يشتاق إلى خمْرة جنانك
من لا يعرف الخمر
و يشتاق صباياها
إنْ كان هنا ما عشق.
كأني ما كتب ت غير نص أحفظه للنواب... كأنّ ما حضر غير حانة بأحد شوارع العاصمة مع الشاعر
"عبد الوهاب"، وكان يردد هذا البيت نفْسه وهو ثمل، محتفلا بقدومي على طريقته... نفْس الخمرة...
نفس الأجواء الخانقة والبائسة واُلمتمارضة، مع اختلاف في المكان .
كان يسرد قصة تعرضه لحادث مرور أفقده ساقه، وأفقده نساء نزواته... هذا الشاعر اُلمتكالب على
اللذّة والنساء، كلما التقيته، التقي ت بأصناف من المومسات والساقطات والعاهرات... كأنّ الشعراء ما
بعثوا إلا ليتمموا المهمة الهادفة:
مهمة إنقاذ المومسات من الشرف، وإنقاذ الحانات من الإفلاس، وإنقاذ رجال الأمن من البطالة، وإنقاذ
قطط الشوارع والقوادين والبصاصين والبوليس السياسي... لذلك يجتمع كلّ هؤلاء، للتنكيل بالشعراء
أو الانتقام منهم.
إنّ المشهد الأكثر ألما، هو أنْ تبات وحيدا بلا أنثى تحضن عربدتك، وأنت راغب في زرع نزواتك في تربتها
المالحة لذلك أؤمن حد الكفر، بأنّ سيدة إذا باتت لوحدها، فتلك خطيئتنا نحن الرجال.
أنا و "عبد الوهاب" أعددنا المشهد جيدا، ولم يتبق إلا هي... خصصنا مساء كاملا للبحث عمن تحْتفي
بجنوننا، فلم نظفر بغير خيبتنا. وحتى التي وعدتنا بأنْ تلْتحق بنا آخر الليل، لم تأت.
وبتنا ثلاثتنا، أنا وهو وعلب الجعة، نلعن الشعراء والنساء ومربعات الرصيف والساسة والحكم
الجمهوري وخرائط التقْسيم العنصرية و... و...
في ليلة كهذه أزدا د إصرارا على الانتقام من أي سيدة تعترض طريقي، فأحولها إلى مومس أو حاقدة أو
مصابة بمرض فقْدان مناعة الكره.
في قبو على وجه الكراء أكْملنا ليلتنا بين الشعر والشعراء وسياسات العالم الثالث، محاطة أفكارنا
المترنحة بدواوين الشعر وكتب الفلسفة والصحف اليومية وقوارير الجعة.
....................................
حضرت كلّ هذه الأفكار، وأنا لا زل ت بحانة القرصان تتداول علي العلب الروحية، ويتداول على المكان
بحارة وطلبة وفقراء، يراوح بينهم نادل يقتات من سكرهم وسهوهم وما يتركون من مال تبقّى من
فقرهم. كأنك تحضر مشهدا يتكرر عند "حنا مينة" أو "محمد شكري".
كن ت كثيرا ما أتساءل عن الدوافع التي تجْعل البحارين أكثر رواد الحانات والمواخير. هل الفقْر ؟ أم
الجوع ؟ أم قساوة البحر وموجه ورطانته وحدته . بلْ ربما احتفاء بالحياة بعد خروج من بحر قد لا
يخْرج منه من دخله للمرة الأولى أو حتى للمرة الألف.
قطْعا للبحار دلالاا عند الشعوب ... بعضها تراها امتدادا لها أو تواصلا مع أجسادها وأرواحها
وثقافتها. وبعضها ترى البحار بوابات لهجوم الأوبئة والجيوش والقمع. فإلى أي الشعوب ينتمي هؤلاء
البحارة الذين أمامي ذه الحانة ؟ قطعا للصنف الثاني من الشعوب. وإلا ما غادروه خائفين كمن خرج
للتو من رمسه، فيحتفي بالخمرة و المومسات. ليدخل البحر ثانية كمن يستفز القَدر كرا و فرا.
هنا ذا المكان العتيق الأشبه بحانات أوروبا زمن محاكم التفتيش ... الدخان يحجب الوجوه
والتفاصيل و يضفي على الجدران المطلية بالجير لونا رماديا، كقلب سجين لا يعرف تهمته.
... ضجيج.. وصراخ وفوضى وقرع كؤوس على أنخاب هزائمنا الممتدة من البحر إلى البحر. كأنّ هؤلاء
يهربون من حروبنا المتكررة وخسائرنا المتكررة.
ُأنظرِ الطاولات، ترى عرق الخشب يخرج من مسام الأشجار الأولى، كأنه يتنفّس خارج طبيعته " فما
أدراك لماذا هذه اللوحة للخمر وتلك لصنع النعش وأخرى للإعلان ".
ذكّرني القول بحوار دار بيني وبين صديق يمني يتردد على تونس باستمرار:
أعلن إعلانا، الأمر وبه: أظهره وجاهر به. والإعلام هو إحداث المعرفة عند المخاطَب على وجه
الصدق.
هكذا كان صديقي "الناصر سالم" يفسر لي مفهوم الإعلام والإعلان ووسائلها، مستشهدا بوسائل
الإعلام العربية التي حادت عن دورها.
فهي لا تظهر ولا تجاهر ولا تحدث المعرفة، فهي إذن ليست وسائل إعلام.
علّقْ ت:
وماذا تسميها ؟
أجاب:
ليست إعلاما... بمعنى هي وسائل إعلاء مكانة الحكام والساسة وتقْزيم الحقيقة هي وسائل إعلاء و
وتأليه ا ُ لخطب والقرارات.
ولكنك متحصل على دكتوراه في الصحافة. أليست مفارقة ؟
عندما أكمل ت مرحلة الأستاذية، ُ كلّف ت بالإشراف على دورية تصدرها جامعة صنعاء. اكتشف ت خلالها
أنّ ما أقوم به ليس سوى رش المبيد على جثّة لإبعاد الذباب.
لهذا غادر ت صنعاء بلا عودة إلى ألمانيا .ولأنه ليس بالإمكان التوجه إلى برلين انطلاقا من اليمن، طالما
أنّ اليمن السعيد على قائمة الدول الراعية الإرهاب، وأنه محضنة لتفْريخ المتطرفين والإرهابيين ..
اتصل ت بأصدقاء يساريين يدرسون في روسيا ليساعدوني على الالتحاق بالجامعة وتمّ لي ذلك. وبعد
حصولي على الدكتوراه اتجه ت إلى ألمانيا واشتغل ت هناك.
و العائلة ؟
أكمل بسخرية من يدخل حربا خاسرة:
نحن ثمانية إخوة غادروا كلهم تراب اليمن السعيد في اتجاه الأراضي الأكثر سعادة. أحدنا في
أستراليا وآخر أقام بالولايات المتحدة والبقية يتراوحون بين بريطانيا وألمانيا وفرنسا.
( تنهد ) المهزلة يا صديقي، أنه لا يمكن لك أن تكتشف مفهوم "المواطنة" إلا خارج أرضك العربية...
صدق وأنا مقيم بألمانيا قرابة الست سنوات، تمّ إيقافي مرة واحدة من قبل رجل أمن، تصفّح أوراقي
وحياني لأنصرف.
أما وقد كن ت في وطني السعيد، فلا يمكن أن يمر اليوم دون أن يكشر رجل الأمن في وجهك، وربما يشكك
في وثائق الهوية، وقد يدعوك لاَصطحابه إلى مركز الأمن لإتمام الإجراءات.
( كأني أذكره بحادثة ربما لن ينساها ) ولعلّ ما حصل لك في تونس خير دليلي على ذلك؟
آه... في تونس المسألة مختلفة. تشعر أنّ أنفاسك تسجل في جهاز أمن الدولة أو البوليس السياسي ..
كل حركاتك وسكناتك.
ففي آخر مرة أوقف ت في المطار وتمّ التحقيق معي لمدة فاقت الأربع ساعات، اتضح للأعوان بعدها أنّ
خطأ ورطهم... كتشابه في الأسماء مثلا.
سكب كأسا من "الويسكي"، وكنا لا نزال نتسامر في غرفتي الضيقة المحْشوة بالكتب والصحف
وأشرطة الكاسات. أشعل سيجارة وأكمل:
أتدري يا رفيقي، أنني كلما دخل ت وطنا عربيا أشعر أنّ مكانتي أكبر مما كن ت أعتقد. خاصة وأنني
مطالب بتحديد مكاني وإقامتي ومن سأزورهم ومن سأقابلهم و ...
دون أن أنسى طبعا أنّ إجراءات دخولي قد تستغرق الساعات، بسبب وحيد كوني من اليمن السعيد.
هكذا كان يغرف من جرحه ويبسط الحكايا على طاولة الخشب التي أمامنا، والتي هي بالضرورة
للخمر وليست للإعلان.
كان يسرد لي بمرارة واقعا مؤلما ومأساويا عن المواطن اليمني، وخاصة في الجنوب الاشتراكي. وبسبب
إيديولوجية هذا الجنوب وككلّ جنوب عربي تمّت معاقبته لسنوات، وتواصل العقاب حتى مع تحقيق
الوحدة. لهذا فرخ الفقر ما يسميه الآخر "إرهابا" أو "تطرفا" ، ونسميه كذلك اقتداء بالآخر أو خوفا
منه.
فالآخر يخيط المفاهيم على قياسه، ويعرضها للاستهلاك الخارجي. أما نحن فنرحب بالمفاهيم ونعلّبها
وننمقها للاستهلاك الداخلي. وبين الداخل والخارج طرف يمارس الإرهاب الفكري، على طرف آخر
ويجبره على الاعتراف بمفهوم الإرهاب الذي سطّره.
تناول حقيبته الجلْدية الصغيرة، وسحب من طياا رواية "اُلمستنقع" لحنا مينة، وبسرعة أدركت
أصابعه الصفْحة التي أرادها قائلا:
لم يشدني كاتب عربي مثلما شدني هذا العظيم حنا مينة . وخاصة روايته هذه ... عندما أمر على
سطورها أجدني أعيش تلك الأحداث، داخل ذلك الحدث الروائي... إا أحداثي أنا ... واقعي...
حياتي... وربما أحداث كل مواطن عربي وواقعه وحياته، اسمع ماذا يقول:
"... نحن كنا تلك الدودة على الصخر. كنا دودا على صخر ليس على جوانبه أيما خضرة أو تراب.
كان الحي كلّه دودا يلوب في مستنقع صخري فيه كلّ الأوحال وكلّ الأقذار، وليس فيه أيما شيء يؤكل،
ولم يعد نصف أهل الحي يعملون، ووصلَ الأمر ببعضهم إلى بيع أثاث بيوم وأمتعتهم، وكانوا يفعلون
ذلك وهم ينتظرون الفرح، لكن الفرح كان بعيدا..."
( أعاد الكتاب لمكانه وأكمل )
ما رأيك ؟ أليس من حقّنا أنْ نفجر أنفسنا ضد من جعل وضعنا يأخذ ذلك الشكل ؟
قل ت بيني وبين نفسي:
من الغباء مقاومة الآخر بتلك الطرق الانتحارية .
كمن وجه مضخم الصوت إلى ساحة عمومية بالعاصمة، انتبه" الناصر " لتعليقي، كمن تنصت على
وشوشات القلب، وعلّق:
أنت إرهابي حتى وأنت يساري. حاول مثلا أنْ تشكك في المفاهيم... أو تمدح المقاومين والمناضلين
والانتحاريين ... أو شكك في المحارق النازية ..أو ...
( ولم يكمل كلامه كأن أحدا أشهر خنجرا في خاصرته )
كن ت أستوعب ما يسرد بنبرة يمنية عربية ما زالت تعلق في أهداب لغته المستعملة، رغم سنوات الغربة
والتغريب.
مع ذلك حاول ت أنْ أضيف شارحا أو متسائلا أو متداركا، لكنني لم أجد خيوط اللغة الأولى وانفرطت
الأحرف كحبات عقد مرجانيّ.
انتبه لارتباكي، وأكمل:
ماذا يسمى غزو دولة لإسقاط حكومتها واحتلال أرضها؟
إرهابا.
لا ...
ماذا إذن ؟
دفاعا عن النفس.
أمسك ت بناصية سخريته، وأيقن ت أنه يمارس نوعا من البلاهة المتعمدة.
وأكمل :
كلّ دفاع عن النفس ليس إرهابا.
إذن من يناضل يدافع عن النفس أيضا.
بالضبط، لذلك فكلاهما يملك شرعية سحق الآخر وإلغائه من التاريخ . إذن من يثبت التاريخ أنه
الأقوى، سينتصر.
للمرة الأولى أتعثّر على عتبات تفسير ذا لشكل البسيط والمعقّد، لذلك قبلته بمنطق من شعر
زيمته. ولولا ثقتي بصديقي وإيماني بمواقفه، لقلت أنه تفسير مشبوه.
مع ذلك تساءل ت:
لكن الأقوى لن يبقى دائما كذلك.
............................
لم يجب عن تعليقي، رغم أني وجهته له مباشرة وبصوت عال. واكتفى بإشعال سيجارة.
فهم ت إصراره على عدم الإجابة، ربما لأنّ ملاحظتي لا إجابة يملكها لها، أو ربما هي ملاحظة بلا
إجابة أصلا.
تناول ت شريطا غنائيا، وشغلت آلة التسجيل ليصدح الشيخ الضرير:
والنهاية يا خواجة
من في يوم كانت بداية ؟
البداية بر ضه لازم
بيِيجي يوم توصل اية
مهما زاد الرأسمال
الهلاك هو المآل
والتاريخ هو إلي قال
لعبة الموت في الحياة
يسحب الروح من الحناجر
لا زالت الأفكار تتواتر على صدغي، وأنا بنفس الحانة أناجي الخمرة وأحتفي بالسكارى إلى أنْ تناهى
إلى مسمعي آذان صلاة العصر. تذكّر ت لحظتها أنني وضع ت كأس الخمر على الطاولة احتراما لآذان
الفجر وأنا أجالس الناصر.
فيما لم ينتبه الشيخ الضرير، وأكمل:
توت توت
حاوي توت
خش اتفرج
هرج فوت
استحضر ت قصة العراقي " أبو مصعب ". نقلها لي صديق صحافيّ، كن ت قد تعرفْ ت إليه أثناء زيارتي
الأولى إلى مصر. وقد حكى لي كيف كان أبو مصعب يستمع باستمرار لأغاني الشيخ الضرير معتقدا أنه
إذا ما داهمت مترله القوات الغازية سيخلون سبيله، طالما أنه لا يستمع إلى القرآن أو إلى إحدى
الأشرطة المحرضة على الجهاد لتنظيم القاعدة أو حتى لحزب البعث اُلمنحلّ .
لكنه تمّ اعتقاله، وفهمت القوات العراقية اُلمصاحبة للقوات الأمريكية أنّ ما يقوم به ليس سوى خدعة
.
و بسجن أبو غريب لم يكن يعرف ولمدة ستة أشهر لماذا وكيف وأين سيحاكم ولا يتعقّل مكان وجوده، وكم
عدد الداخلين والخارجين وهوية رجال الأمن نساء ورجالا.
دخلت مجندة أمريكية وقادته إلى غرفة أخرى لا تختلف عن الأولى، تعبق برائحة البول
والرطوبة والقيء والدم المتجمد، كلون الرماد على الجدران، يشكل لوحات تجريدية تحيلك لتشكيلات
الفن الحديث.
بمجرد دخوله الغرفة، دفعته ليسقط أرضا وارتطم وجهه بحذاء مجندة أخرى. انحنت عليه لتفك
قيده، وأمرته بخلع ملابسه ففعل ... لكنه ...
فأشارت إلى ملابسه الداخلية، فارتبك وتجمدت أطرافه ... كالماسك بعشبة بأهداب جبل شاهق يتدلّى
يوشك أنْ يبتلعه السقوط، إلى ر ليغرق أو صخرة ليستحيل عهنا منفوشا.
ظلّ على صبره، ربما ينتظر أنْ ترفعه العشبة إلى أعلى ... ربما تستدرك اندة فتأمره بارتداء
ملابسه، لكنها وخزته بعصاها على إيره.
... ياااا الله ... قالها كمن ينادي"أح د ... أحدا"، تحت صخرة وما هي بالصخرة... تجْثم ككوكب
على أضلعه الباهتة.
تلعثم .. تمايل .. مد يده ليمسك تلك العشبة، أو يمسك العصى. لكنه أمسك وجعا في أضلعه وشرايينه
... وجعا في الذاكرة والأشجار و الأار والمسلات. .. وسقط مغشيا عليه.
تتالت البصقات على وجهه، وكادت إحدى اندات وهي تفك حزام بزا العسكرية أنْ تفتح
فخذيها لتتبول على وجهه. لكن البصاق الذي غطّى وجهه والركل بالأرجل والعصي كان كافيا ليمسك
وعيه.
أفاق، وكانت يداه مقيدتين أمامه، و لا شيء يستر عورته. أوقفته اندة وراحت تحرك إيره بعصاها،
وتمررها بين فخذيه و إليتيه بحركات جنسية لم يدرك معناها.
خرجت اندة الأخرى، ثمّ عادت تصطحب سجينة عراقية بلا ملابسها، تدفعها أمامها بسوط كمن
يقود دابة، ودفعتها بعنف أمامه مقيدة بحبل من عنقها كشاة تقاد إلى الذبح. وأجبراها على البقاء
منحنية كدابة ليعتليها السجين كثور تسبقه العصا والسوط
لم يكن ليتخيل أنْ يجد نفسه في وضعية كهذه. كان يتمناها وهو في عنفوان شبابه، لكن العصا
أفقدته شهوته والرغبة الجامحة، وأبى إيره أنْ يطاوعه.
فيما كان السوط يجبره، كانت اندة اتفها الجوال تصور المشهد المضحك اُلمبكي، و تغير زاوية
التصوير كلّ مرة للحصول على مشهد مغاير.
لم تبد السجينة أي مقاومة، بل رغبة ربما بفعل التعود أو ربما نجحت معها تجربة الانتباه الغريزي
عند "بافلوف".
كان أبو مصعب يسرد قصته لصديق صحافيّ يعمل مراسلا لصحيفة عربية بالعراق. وكان يمني
النفس أنْ يساعده الصحافيّ على فضح تلك الممارسات وتعريتها. غير أنّ الصحافيّ إيراد الحاج تمّ فصله
وإحالته على البطالة الإجبارية.
حكى لي صديقي الصحافيّ، أنّ دولته منعته من الالتحاق بأي مؤسسة إعلامية أخرى، حين تمّ
حجز جواز سفره. وأمام الضغوطات المتواصلة من المنظمات الحقوقية ألحقوه بالعمل في مؤسسة
تعليمية ليحتم بشؤون التوثيق.
وكن ت قد تعرفْ ت إلى الصحافيّ إيراد الحاج في زيارة إلى مصر إثْر دعوة وجهت لي من تنظيم ثقافيّ
يتبع حزب "كفاية".
صادفْته منذ اليوم الأول لدخولي المركز الثقافيّ، وتعارفْنا. لا أعرف ما الذي شدني إلى هذا الدمشقي،
ربما لأنه من دمشق الصامدة لا غير. وربما لأنه صحافيّ، رغْم أنني عرفْت الكثير من الصحافيين ومن
السوريين.
أذكر أنني لمّا أكمل ت قراءة قصيدتي الثانية في الأمسية الثقافية المخصصة للتضامن مع الشعب
الفلسطيني، ض من كرسيه واعترضني فاتحا ذراعيه كمن يستقبل عائدا من الحرب. وانزوينا في ركن
نناقش النصوص الشعرية والمواقف السياسية وجملة الأحداث الحاصلة في المنطقة العربية ودور
المثقف العضوي من جملة تلك الأحداث.
انتهى برنامج الملتقى و ترك لنا خيار تأثيث ذلك المساء.
بعضنا غادر في اتجاه الأسواق العتيقة للتسوق وشراء بعض التحف المصرية وصور "نفرتيتي" المصبوغة
على ورق البردي .وقد حكى لنا بعضهم كيف تمّ ريب تلك التحفة الرائعة واستحواذ ألمانيا عليها.
حتى أن "هتلر" خالها امرأة شرقية قابلة للمضاجعة.
أما أنا وإيراد فلازمنا الترل بقاعة الاستقبال يصحبنا شاعر مغربي، وانخرطنا في الحديث عن الفن
والسياسة وعلب الجعة.
أكملنا حديثنا عن الوضع الراهن، ومواقف الدول والحالة الأمنية في العراق ولبنان وفلسطين.
وفيما كان صديقنا المغربي " حسين " ينحني بالنقاش إلى جهة الشعر والفن والفلسفة، التفت إيراد
جهة ثلة من الخليجيين في ركن من قاعة الاستقبال تطوف عليهم بعض فتيات الهوى، وعلّق بسخرية
مريرة:
ما أقبح مثل هذا الواقع المتعفّن ... ( مشيرا بإصبعه ) أنظروا هؤلاء الخنازير ( مسك علبة الجعة،
ورفعها إلى مستوى وجهه ) تتحدثون عن المقاومة ؤلاء ؟
قولوا ... ؤلاء ؟؟
علّق صديقنا المغربي بسخرية، وهو يستأذن للمغادرة:
هؤلاء يجب أنْ يطبق عليهم قانون الجنس الآري عند صديقنا هتلر.
قل ت مواصلا ج سخريته:
وهل هؤلاء من الجنس الآري ؟ أم من اليهود الواجب ذبحهم ؟
أضاف وهو يغادر مترنحا دون أنْ يحمل كلامه أي شيء من المنطق:
البقاء للأقوى...
غادر صديقنا حسين، فيما بقي ت أنا مع إيراد نكمل ما بدأناه من حديث.
كان ناقما على ذلك المشهد الذي أمامنا إلى حد أنه شتم سيدة حاولت أنْ تقترب من مجلسنا باحثة عن
المتعة.
كن ت لا زل ت لا أعرف صديقي تمام المعرفة، ولا قدرة لي على توقّع ردات أفعاله ، ولذلك سألته بحذر
شديد:
ما بك ؟ لماذا كلّ هذا الهيجان ؟
لا شيء... لا شيء..
رد دوء حاول أنْ يتصنعه، وتراجع بظهره إلى الخلف مستريحا إلى ظهر الأريكة. سحب سيجارة
فرنسية، أشعلها، وانخرط في بكاء كان من الممكن أنْ يلفت انتباه الحضور، لو كانوا قريبين منا.
وأنا أسكب كأس الجعة في جعبتي الظمأى بفعل حرارة القاهرة، خمّن ت أنّ إيراد فقد حبيبته التي لا
مثيل لها على سطح هذا الكوكب... فللعشاق أوهامهم.
سألته:
ما بك إيراد ؟ هل خطرت ببالك حبيبتك ؟
( قاطعني مبتسما بسخرية، وهو يكفكف دمعه )
حبيبتي؟ أنا لا حبيبة لي.. منذ ذلك الحادث الملعون، طلّقت النساء والعشيقات.
لم أفهم... أي حدث ؟
لا داعي فالمسألة مؤلمة، ولا مك في شيء.
إذا كانت مؤلمة، فنحن تعودنا على الآلام والجراح. أما أا لا تخصني، فهذه مسألة أخرى.
شعر إيراد أنني تضايق ت، لأنني لم أكن محل ثقته. انتبه أكثر واقترب مني قليلا وأكمل:
صديقي.. لا أعرف ما الذي جمعني بك في هذا الوقت ؟ رغم أنني فقد ت الثقة في الصداقات التي
جمعتني برجال ومثقفين و سياسيين.. إلا أنني لا أعرف لماذا أقترب منك وشعر ت برغبة جارفة في
صداقتك.
هذه مسألة لا تخضع للمقاييس ..
( أكمل دون أنْ ينتبه لتعليقي ) شعوري أنك من بلد مختلف وبعيد، إضافة لمواقفك التي حملتها
قصائدك، و كلامك... هو ما جعلني أرتاح إليك وأعطيك سري.
هل المسألة خطيرة إلى هذا الحد ؟
ربما ليست ذات أهمية .. فأنا تعودت عليها، ولكنها مسالة مؤلمة وجارحة وحافرة في العمق .
عندما تخرج من حادث مرور وتكتشف أنك... أنك..
أنك ماذا ؟
أنك ... فقدت رجولتك... كيف يمكن أنْ تقبل على الحياة من جديد ؟أنت الآن مخصي... بلا رجولة
ولا فحولة ولا... أيطعم للحياة ؟؟؟
إنّ الجرح الذي بداخلي لا تكفي أدوية العالم لعلاجه... ( كررها متأوها ) مجروح يا صاحبي...
مجروح..
إيراد...
حاولت أنْ أجيب عن أسئلة لم يطرحها، أو أوضح مسائل ليست غامضة.. أنْ أتكلم في وقت لا الكلام له
كامل القدرة على التفسير والإيضاح، ولا الصمت بإمكانه أنْ يواسي صديقي المطعون في رجولته.
طال الصمت بنا، لا هو أضاف على جرحه شيئا، ولا أنا أضفت ما به أواسيه أو ادفعه للنسيان.
ظلّ يدخن بمرارة ويحتسي الجعة بشراهة المنتقم من رجولته، فيما بقيت أداعب علبة السجائر
والولاعة كاستعاضة عن الكلام.
هكذا أكملنا ليلتنا إلى أن ض مرهقا بفعل الجرح والجعة و البكاء. و دون أن يلتفت قال:
تصبح على خير.
تصبح على خير.
انتهت ليلتنا عند هذه القصة المؤلمة، بل لعلّ هذه القصة هي التي وطّدت علاقتي بإيراد. حتى أنني
فقدت السيطرة على مشاعري وأنا أودع القاهرة فبكي ت. شدني بعنف من كتفي وقال: لا تبك نحن
لا نلتقي في المكان، نحن نلْتقي في القضايا.
بآخر رسالة وجهها لي، ولم تكن تحمل اسمه على الظرف ككلّ رسائله السابقة، كتب:
"رفيقي.. كلّ هزيمة وأنت بخير.
اليوم وأنا أكتب لك هذه الرسالة، بصدد التحضير للتسلل إلى لبنان عبر الحدود في اتجاه الولايات
المتحدة....
سأراسلك من هناك.
إذا تأخرت رسالتي لأكثر من شهرين، أكون حينها ضيفا على أحد السجون العربية. هذا إذا لم أكن
ضيفا على غوانتانامو."
الإمضاء
صحفي مفصول
إيراد الحاج
قرأت الرسالة عدة مرات، علّي أعثر بين السطور على نص خفي، ففشلْ ت.
مزق ت الظرف علّي أعثر على نص ُ كتب على واجهته الداخلية، فلم أظفر بغير خيبتي. لذلك اقتنع ت
بالرسالة، وفسرا كما هي، متسائلا:
فهم ت هروبك إلى لبنان، لكن لماذا الولايات المتحدة ؟
ظل السؤال معلّقا بأهداب القتامة والغموض.
لماذا نشد رحيلنا دائما في اتجاه الشمال؟ هل الشمال هو شمس الحقيقة ؟ أم أنّ شمسنا كلّ أوطاننا ؟
ثمّ لماذا الهجرة أصلا ؟ هل هو الخوف ؟ أم الهروب؟
أم البحث عن زوايا أكثر دفئا؟
الغريب أنّ هجرتنا تضاعفت بعد أحداث 11 سبتمبر، في الوقت الذي كان من المفروض أنْ تتقلّص،
طالما أنّ الآخر بات يرفضنا صراحة.
تكهن ت أننا نحمل إليهم صك براءتنا ليوقّعوا عليه. كمن يقول:
ها أننا بينكم، فنحن براء من م الإرهاب.
اعتراف كهذا لم يصدح به المواطنون الفلسطينيون، على خلاف العرب قاطبة.
هؤلاء المنتشرون على سطح هذا الكوكب، لا يحتاجون إلى إثبات براءة، ولا إلى شهادة حسن سيرة
وسلوك، طالما أم شعب لا يستحق تلك الصفة. وأنّ طردهم واغتيالهم ومطاردم، تدخل ضمن
مفاهيم إثبات حق شعب الله المختار في الوجود والبقاء.
لم تكن وسائل الإعلام تظهر تلك الحقيقة الماثلة، رغم التبجح العربي بالدفاع عن قضيتهم. وهو ما
أثبته لي صديقي الناصر سالم بالقول أنّ وسائل الإعلام لا تظهر إلا ما يدعم مواقفها، ويخدم
الأطراف التي تمثّلها.
و قد تأكّد لي ذلك، وأنا ألتقي صدفة بفتاة فلسطينية تدرس في تونس.
حين كانت تستعد للمغادرة نحو قطاع غزة، أعلموها أنه لا يمكن الدخول إلى مصر إلا بطلب تأشيرة من
السفارة المصرية بتونس. وحتى الدخول عبر الأراضي الليبية لا يتم بالمثل إلا بتلك الوثيقة. وهذا
الإجراء خص به الفلسطينيون دون سواهم أثناء الحرب الدائرة رحاها بين إسرائيل وحزب الله.
انتظرت صديقتي"لينا" أسابيع للحصول على تأشيرة دخول التراب المصري. غير أا بقيت على
الحدود قرابة الشهر في انتظار فتح معبر رفح، بإذن من الحكومة الإسرائيلية اُلمنشغلة بحرا مع
الشيعة.
و إذا ب " لينا " تعود إلى تونس قبل انتهاء العطلة الدراسية بأيام، مخافة دخول غزة ومنعها من
المغادرة.
حكت "لينا" أنّ والدها الذي فر بجلده من الأردن إثر مجازر أيلول الأسود تمّت تصفيته في
لبنان "بقلعة الشقيف"، التي كان يسيطر عليها الحزب الشيوعي وحركة فتح . وباعتبار انتمائه
لليسار العربي وقع اغتياله من قبل مجموعة من الفتحاويين المتطرفين، وقد دفن هناك.
وأنّ شقيقها الأكبر الذي ينتمي إلى ألوية صلاح الدين نفّذ عملية انتحارية في نقطة تفتيش
إسرائيلية، مما أدى إلى وفاته وقتل جنديين. فما كان من القوات اليهودية إلا أنْ عمدت إلى اعتقال
شقيقه "عزام"، ونسف مترلهم. وبعده بقيت أمها وأختها الكبرى تقيمان عند جدا.
وهذا المشهد المتكرر بين العائلات الفلسطينية لا يثير استغراب السائل . بل الاستثناء أنْ تصادف عائلة
فلسطينية كلّ أفرادها على قيد الحياة.
سألتها:
كيف يكون والدك يساريا، وشقيقك يمينيا ؟
كيف تجمعهما نفس العائلة ؟
أجابت وكأا كانت تنتظر مثل هذا السؤال:
وعمي "ياسر" ينتمي إلى حركة أمل الشيعية. وهو لا يزال إلى الآن في لبنان، و يشاع أنه انضم إلى
حزب الله الذي يتزعمه حسن نصر الله.
أما ابن عمي "نواف" وبعد حصوله على الجنسية العراقية فقد انظم إلى حزب البعث أثناء
دراسته في العراق، ورفض الخروج من بغداد أثناء الحرب الكويتية ولا حتى الحرب الحالية التي
تقودها الولايات المتحدة. ولا نعرف عنه شيئا، ويشاع أنه ينشط مع المقاومة العراقية.
سألتها، كمن يستجوب سجينا سياسيا:
وبقية العائلة ؟
ليس لي خالات .. وأخوالي كلهم أكلتهم الحرب و هم لا يزالون شبابا. خالي الوحيد الذي نجا، وقع
اغتياله منذ سنتين.
اغتالته القوات الإسرائيلية ؟
لا .... كُثر الحديث عن علاقاته المشبوهة بالكيان الصهيوني، وأنه يمده بمعلومات عن المناضلين.
و ما أفاض الكيل، هو القبض على شاب قبل أنْ ينفّذ عملية انتحارية في حافلة. فتم قتله، باعتباره
عميلا.
سأل ت مرتبكا، وأنا أتحسس علب السجائر:
بتلك السهولة ؟
طبعا لا ... تعرف أنّ التنظيمات الفلسطينية لها أتباعها وعيوا، ولا يمكن أنْ تنفّذ هذا الفعل دون
التأكّد منه.
وما موقفك من هذه التصفية ؟ و الحال أنّ خالك هو الضحية.
ابتسمت بتهكّم ومرارة:
ماذا لو قل ت لك أنّ الذي نفّذ فعل القتل هو ابنه، ( حاولت أنْ تمنع دموعها ) نعم ابنه. لقد قالها أمام
الجميع، دون حياء.
وهل هذا معقول؟ ابنه ؟
نعم ..(استدركت) هو لم يكن مكشوف الوجه أثناء عملية التصفية، لكن الذين حدقوا في عينيه
وكان ملثّما تأكّدوا أا عيونه.
(صمتت برهة)
كان خالي في المقهى يلعب الورق ذات مساء شتوي، حين دخل "حبيب" ابنه و ناداه باسمه .. حين رفع
رأسه والتفت، صوب في اتجاهه رصاصة أولى في الرأس و ثانية في الصدر، وببرود لا مثيل له أرجع
المسدس إلى جيبه وبقي يحدق في المغدور لحظات دون أن ينبس بكلمة.
وقد لاحظ الكثير من رواد المقهى دمعه ينهمر بصمت دون أن يبدي أي صوت، وغادر دوء.
و أكملت "لينا" تسرد لي حال المخيمات وأحيائها القصديرية وشبكات الصرف الصحي والأوبئة
وانعدام الخدمات الصحية، في فلسطين كما في لبنان والأردن.
"لينا" تلك السمراء الرائعة، التقيتها صدفة مع شاعر فلسطيني كان يقيم بتونس، ويشرف على صفحة
أدبية بصحيفة تونسية يومية.
عاد الشاعر إلى فلسطين، وتوقّفت الصحيفة عن الصدور كغيرها من الصحف التي تظهر وتختفي، ولا
تقدم شيئا.
واختفت "لينا" مع الشاعر ومع الصحيفة.
غير أنّ الصدفة عادت لتؤثث موعدا كما أثثته في البداية.
..........................................................
..........................................................
عدل ت أوتار الوعي، وأنا ما زل ت بحانة القرصان حتى آخر قارورة وآخر سيجارة بقيت في علبتي.
اشتدت القتامة بفعل الدخان والصراخ المتشابك، وقرع الكؤوس والقوارير. انتبه ت إلى حوار يدور
بقربي..
الأول:
ثلاثة آلاف دينار.. يمكن أنْ تسقط العقوبة إلى شهرين.
الثاني:
لا أصدق ...ابني محكوم بسنتين.
الأول:
ثمّة دولار .. يمكن أنْ يسقط حتى حكم الإعدام... أمامك أسبوع فقط.
الثاني:
وما هي الضمانات ؟
الأول:
هؤلاء الناس لا يقدمون الضمانات... ثمّ أم لا يستحقّون أموالك. فالواحد منهم يمكن أنْ يشتري
مدينتك بسكاا.
أخمد ت ما بقي من سيجارتي في المنفضة، وانتصب ت في اتجاه النادل أدفع له ثمن ما شرب ت، وقد تركت
الحوار متواصلا حول المبلغ المطلوب لإسقاط عقوبة جنائية.
لحظتها وأنا أدفع للنادل خطرت لي فكرة المغادرة إلى العاصمة... نعم إلى العاصمة، ليس الآن ولكن
غدا. غدا أكون هناك فقد اشتقت إلى الأصدقاء والرفاق والأكشاك و ج الدباغين حيث الكتب
القديمة وشارع الحبيب بورقيبة.
بإحدى المؤسسات الثقافية الجامعية، كنت داخل قاعة شاسعة للعرض، توشح جدراا
رسومات"ناجي العلي"، في معرض نظّمه الاتحاد العام لطلبة تونس .
توقّف ت عند لوحة تجسد عربيا أو أعرابيا متكرشا بذات العقال البدوي، رافعا سبابته اليمنى مهددا :
"لازم تعترفوا بإسرائيل .. وبعدين ترموا سلاحكم .. ثمّ إلى ربكم ترجعون"
بقي ت متسمرا أمام اللوحة أبشر حنظلة بأنّ الخطاب لا زال هو نفسه، وسيبقى. بل نحن اعترفْنا
بإسرائيل وألقينا سلاحنا، وإن كنا لا نملك سلاحا أصلا. ونحن في انتظار أنْ يحسن الله الخاتمة.
أيهما أفضل، نلقيه باختيارنا أم نجبر على إلقائه ؟ بالطبع الخيار الأول هو الأسلم والأصح .
وبينما كن ت أناجي اللوحة وأحاكيها أو أحكي لها، وإذا ب "لينا" تقترب مني وتدس جسدها بين
بوتقة الرؤية ولوحة ناجي العلي .
كأني أرى فلسطين رول هاربة من خارطة الطريق وأوسلو وشرم الشيخ ... كأني أرى فلسطين بشالها
المطرز "كفيروز" تنتصب بشموخ حذر.
صفعتني المفاجأة:
لينا ... ؟
نعم لينا ... أنا بلحمي ودمي .
لا أصدق ...
ولماذا لا تصدق ؟ هل تغير ت ؟
لا .. لا ... ولكن كلما غاب عني صديق فجأة، ينتابني إحساس أنني لن أراه ثانية.
دعك من الترهات.
سحبتني من ذراعي في اتجاه خارج القاعة، محاطا بالدهشة والفجائية، وأكملت:
هل نشرب قهوة في مكان جميل ؟
بالطبع.. بالطبع... من يرفض استضافة فلسطين إلى محرابه ؟
سرنا دوء، دون أنْ يكلّم أحدنا الآخر، حتى احتضنتنا مقهى باريس، في ركن أبعد عن مدخلها.
جلس ت دون أنْ أستنجد ببروتوكولات استضافة النساء. لم أسحب لها الكرسي لتجلس قبلي، ولم
أساعدها على نزع معطفها كعادة الأرستقراطيين، فقط اكتفي ت بالجلوس.
فيما تكفّلت بترتيب حقيبتها اليدوية على ركن من الطاولة... مددت معطفها الشتوي على ظهر الكرسي
ااور... واحتفظت بشالها الفلسطيني يلف جيدها كبحر يحتضن قمرا عند الغروب.
قالت :
أريد قهوة.
أشر ت للنادل بيدي فأسرع نحونا حاملا شكّه أننا عشيقان.
قل ت له:
قهوة وكأسا من البيرة.
أشار برأسه، وانصرف.
فيما تناولت "لينا" سيجارة أشعلتها، كن ت أرتب أفكاري لأعتذر عن البيرة... ربما ترى" لينا" أنّ طلبي
لا يحترم أصول اللياقة. غير أا أسعفتني بالقول:
كعادتك دائما ...
عاداتي لن تتغير.
إذن أنت لن تتغير.
( بفذلكة ) إذا كنت أنا الحقيقة، فلماذا أتغير؟
ومن قال لك أنّ الحقيقة لا تتغير؟
الحقيقة ثابتة، ولكن المواقف تتغير ...
وصل النادل ورتب القهوة وكأس البيرة، وانصرف . وصل وقد أنقذني من مهاترات لن تنتهي،
ولس ت مستعدا للخوض فيها وأنا في هذا اليوم الحزين.
بادرا، قبل أنْ تعود لنفْس الحوار:
دعك من الحقيقة والتغيرات والتحولات ..؟ نحن لا علاقة لنا بكل هذه المفاهيم أصلا. قولي لي، ما
هي أخبارك ؟ وأين أنت طوال هذه المدة ؟ كيف تخْتفين وتظهرين ذه الطريقة ؟
........
بقيت صامتة، لكنها تكشف عن ابتسامة ساخرة، وهي تحرك السكّر في فنجان قهوا.
سحبت حقيبتها اليدوية، وتناولت منها صورة مدتها إليّ.
كن ت لا زل ت قد تذوقْ ت الرشفة الأولى من كأسي .. أشعلْ ت سيجارتي وتناول ت الصورة من أناملها.
سألتها:
من هذه ؟
حاول أنْ تعرفها.
بطبيعة الحال لن أعرفها ... هذه بلباس انتحارية، ولا يخفى عليك أنْ لا علقة لنا كتونسيين ؤلاء.
تأمل ملامح وجهها.
قرب ت الصورة أكثر، ورح ت أفتش في كلّ الصور التي تحفظها الذاكرة.
كانت سيدة في الثلاثين من عمرها تقريبا أو يزيد بقليل، ترتدي لباسا أسود وخمارا يغطّي رأسها، وبين
يديها ورقة تتلوها أو تنشدها.. كانت تلف حول خصرها حزاما ناسفا، فهمت وفق كلّ التفاصيل أا
انتحارية .. نعم انتحارية تقرأ وصيتها، هكذا كما عودتنا الحركات الجهادية، وقد دار حوار بيني وبين
نفسي، هل هذه المرأة ستنفّّذ العملية بلباسها الفضفاض، أم بلباس آخر. وقد دخلت بوتقة التفكير
مشهد امرأة تنفّذ عملية انتحارية بلباس "بيكيني" على شاطئ مزدحم بالمصطافين من عرب وأجانب.
فجأة، توقّف ت عند الحدقات الملأى بالحزن والانكسار والقتامة. لكنني حين تأمل ت جيدا، رأي ت التحدي
ينب ت في تربة الحزن.
قل ت ل " لينا "، ولم أرفع بصري عن الصورة:
رأي ت هذه العيون ... نعم رأيتها .. أين .. أين ؟؟؟ لا أعرف أين .. أنا متأكد أنني رأيتها.
( وهي تشرب قهوا دوء ) حاول أنْ تعرف.. إنْ كنت متأكدا.
رفع ت بصري على "لينا"... تسمرت عيوني في ملامحها، وعد ت مسرعا ببصري إلى الصورة ... ثمّ
إلى عيوا..
وكأني اكتشفْ ت قانون الجاذبية مرة أخرى.وهمم ت بالكلام، لكن " لينا "سبقتني:
إا أختي .. ماجدة .
شعر ت أنني دخلْ ت في بوتقة من الفوضى والارتباك، ولم أفهم أي معنى لهذه الصورة.. هل هي
صورة عادية، أم .... وقل ت :
لينا .. وضحي لي المسألة ... لم أفهم .
( وهي تحاول دون جدوى منع دموعها من التدحرج إلى خدها البرتقاليّ )
أشعلت سيجارة بغضب حاولت أنْ تخفيه وقالت:
هل نغادر ؟
ما زلنا لم نتحدثْ بعد... ثمّ إلى أين ؟ أنا جئ ت إلى العاصمة في زيارة خاطفة، وسأعود إلى
مدينتي في نفس اليوم
أحتاجك الليلة.. أريدك بجانبي كامل هذا اليوم... أنا في حالة نفسية يرثى لها، وأحتاج صديقا
بجانبي.
لا يمكنني أن أبيت هذه الليلة وحيدة.
وهل تقطنين بمفْردك ؟
صديقتي الفلسطينية في تربص، وقد تغيب لمدة ثلاثة أيام.
كما تشائين .
لم يكن بإمكاني أنْ أرفض طلبها ... كن ت موقنا أنني لو رفض ت لانفجرت بالبكاء.. أو فقدت وعيها ..
ربما تقْدم على الانتحار.
كانت وهي تلْتمس بقائي معها، كنبتة عباد الشمس تلْتمس بزوغ الشمس.. كنورس يلتمس انفراج
الأشرعة للريح، ليكتمل المشهد.
هي كعادا دائما حساسة جدا وسريعة البكاء، ولا تتحمل أصغر المواقف المحرجة أو الاستفزازية، فما
بالك وهي تحكي عن أختها التي ووفق تخميني ستنفذ عملية انتحارية أو ربما أقدمت عليها.
في المرات القليلة التي جالستها فيها، يسهل علي أنْ أنتبه لرقتها وبساطتها وقدرا على أنْ تبسط
المواضيع الأكثر تعقيدا بلغة بسيطة جدا.
كنت دائما أتساءل في سري عن العلاقة التي تجمع بساطة منطقها بتعقيد قضيتها.
" لينا " لا تحتاج فلسفة التنوير ولا أدبيات الشعراء والفلاسفة ولا قرارات الأمم المتحدة وترهات
الجامعة العربية والرؤساء والزعماء... هي لا تحتج لأي من هؤلاء لتتحدث عن الإرهاب أو العدالة أو
الجوع الفلسطيني..
وتراها ت مع ذلك مقنعة بذلك الأسلوب البسيط ... غير أا إذا جرحت تصبح قادرة حتى على
استعمال كرسي المقهى لتؤدب الآخر أو توقفه عند حده.
وكن ت شاهدا على موقف مماثل في لقاء سابق معها يصحبنا رسام فلسطيني مقيم في تونس، حين حاول
طالب ينتمي لحركة فتح أنْ يدفعها لتغيير مقر سكناها والابتعاد عن صديقتها التي يشاع أا تنتمي
لحركة حماس.
وحين اشتد الحوار بينهما،ونحن نجلس على الكراسي الإسمنتية بالمركز الثقافي الجامعي حاولت أنْ
تضربه بمحفظة أحد الطلبة، لكنه تمكّن من أنء يمسك بيدها ويمنعها من إصابته، فتناولت كأس الشاي
الذي أمامي وألقته في وجهه بعنف لا مثيل له.
تدخل الطلبة لتهدئة الخواطر، فيما أمسك ت لينا وأبعدا عن المكان كي دأ قليلا.
طبيعتها المزاجية، تدفعها لأنْ تغضب بسرعة وعنف، ودأ بسرعة أيضا كموجة ساكنة آخر ليل
صيفي.