الفصل الثاني
من بغداد إلى دمشق
بعد تجربة السجن، تسلل أبو مصعب عبر الحدود إلى سورية. وانضم هناك إلى مجموعة جهادية
تقود المقاومة من دمشق.
وفي مقهى بمنطقة "المزة"، كان يجالس أبو وليد المصري منتبها إلى تحْليلاته ومواقفه من الوضع
الميداني في العراق، وجغرافية التحركات العسكرية وأولويات المرحلة وخطورا.
لا زال أبو وليد المصري ينبه:
سنترك بعقوبة وبغداد إلى مرحلة أخرى ... الآن سنوجه أسلحتنا إلى الشمال الكردي، حيث بدأت
تظهر بوادر سيطرة الأكراد على مدخرات البلاد . وهذا سيدعم مفهوم الفيدرالية.
طبعا تدرك أنّ هذا التقْسيم شيعي سني كردي، سيفتت الوطن ويجعله لقمة سائغة في فم المخططات
الصهيونية والأمريكية، إضافة إلى أنّ هذا التوجه، سيدخل البلاد في دوامة من العنف والحرب الأهلية
التي ستأتي على الأخضر واليابس.
ما المطلوب عمليا؟
بعض أصدقائنا الخلّص من قرية "شيخ الحديد" السورية التابعة لقضاء "عفرين"، سيصلون بعد
يومين، وهم الذين سيتكفّلون بإدخالك إلى العراق عبر الحدود.
لا تخف... الأوضاع مرتبة على أحسن ما يرام.
وبعد...؟
وبعد .. المهم الآن وقبل اجتيازك للحدود، عليك بالحيطة والانتباه. المنطقة تعج باُلمخبرين
والمخابرات السورية. وحتى أعين الحكومة العراقية التي ترصد تحركات المقاومة في دمشق، كما في
عدة عواصم عربية أخرى حيث تكثر الجالية العراقية ...
حاول ما استطعت أنْ لا تحْتك بأحد، حتى العراقيين الذين تصادفهم.. مفهوم ؟ هذا أمر.
( وزع بصره على الشارع بحذر )
وبعد دخولك للعراق، تلْتحق بمدينة الموصل شمالا. وهنا ينتهي دوري.
وبعد...؟
ماذا سأفعل في الموصل؟ بمن سأتصل؟
أنا ينتهي دوري هنا... الرفاق الذين سيقودونك إلى الحدود، سيفسرون لك المهمة، وسيمدونك ببقية
المعلومات عن رفاقنا هناك.
أكمل ما بقي من"يانسون" بكأسه، وهو يوزع بصره على المارة والجدران والسيارات، بارتباك لا
مثيل له.
وأكمل:
تدرك أنّ الوضع الآن أكثر خطورة من قبل. كلما تأخرنا يوما، ازدادت أقدام العدو ثباتا، وكثرت
الأعين والجواسيس، وأصبحنا أكثر عرضة لل ملاحقة والتصفية.
أعتقد يا أبا وليد، أنّ المقاومة ازدادت صلابة..
( قاطعني ) هذا صحيح... لكن الخلايا والتنظيمات تضاعفت عشرات المرات. حتى أصبح من غير
الممكن معرفتها وحصرها، فما بالك بانتماءاا وإيديولوجياا . حتى أنّ بعض التنظيمات أسستها
أطراف في الحكومة العراقية لاستقطاب المقاومين، بغرض استيعام وكشفهم، واَستعمالهم لأغراض
سياسية أو تصفية خصومهم.
أحذّرك مرة أخرى ... حاول ما استطعت التقيد بالأوامر والتوجهات، ولا تحاول الاجتهاد ... أنت
تعرف القاعدة : من يخطئ أول مرة، قد يكون أخطأ المرة الأخيرة.
بحول الله ستكون الأمور بخير.
علي بالانصراف ... وعليك بانتظار التعليمات.
وقف أبو الوليد، وقد مسح الشارع ببصره ... ثمّ انصرف، وقد ذاب في الطريق الممتد.
انتصب ت... و لس ت مطالبا بالانتباه، كوني لا أعرف الفرق بين المواطنين واُلمخبرين والجواسيس.
كد ت أقتنع أنْ لا أحد يعرفني هنا، غير أنّ تحذيرات أبي الوليد جعلتني أشك في كلّ النظرات والوجوه
والأشخاص.
كلّ سيارة تتوقّف أو تمر، أخالها تراقبني... كلّ من ينظر نحوي، أشك في نزاهته... كلّ من يمشي
خلفي، أتصور أنه يتبعني... حتى بت أخاف من ظلي...
دخلْ ت شقّتي اُلمجهزة بأثاث قديم متواضع، حضرها لي أبو وليد المصري. متسائلا بيني وبين
نفسي، عن أهمية "المزة" ولماذا هذا الحي تحديدا؟
شقّة بحي عتق تعبق برائحة التاريخ والرطوبة... حين دخلتها صفعتني رائحة التربة والطحلب
العالق بالسقف والجدران. حتى استحال اللون الأبيض إلى رمادي مزجته الرطوبة بالأخضر العاب
بالتاريخ.
ألْقي ت بجسدي اُلمنهك على سرير متهالك، يئن من وطأة الزمن والصدإ.
فيما لمحْ ت جهاز راديو ومجلّة "نيوزويك" بالغة العربية... شغلت الراديو على الإذاعة السورية، وهي
تبثّ اليل السياسيين والمثقّفين بالنصر الذي حقّقه حزب الله في الجنوب على الإسرائيليين.
وأثنوا على الدور السوري حكومة وشعبا في دعم المقاومة والوقوف مع الحقوق العربية وقضاياها.
بقي ت منتبها إلى جعجعام، حتى أطلّت مذيعة بصوا الأنثوي، مقْترحة على المستمعين الأحرار
أغنية للسيدة "فيروز":
بحبك يا لبنان يا وطني بحبك
بشمالك بجنوبك بسهلك بحبك
بتسألْ شوبني وشو اللي ما بني
بحبك يا لبنان يا وطني
كانت روحي تحلّق مع صوت سيدة الشرق، وعيوني تسرح في عناوين مجلة "النيوزويك"، حول العراق
والفياغرا والفياتنام.
المضحك، وأنا أستعد لرحلة في اهول، بين الحرب والتقتيل والتشريد... تراني أقرأ دراسة عن إنقاذ
الحيوانات بواسطة والفياغرا.
وللمرة الأولى، أنتبه إلى مسألة غاية في الخطورة والأهمية، وربما هي كذلك. وربما رغبتي في النقمة
واستحضار ما حصل لي في سجن أبو غريب مع اندات الأمريكيات، هو الذي دفعني للاعتقاد في ذلك.
بنفْس الدراسة عن والفياغرا، يقول كاتب أمريكي:
"إنّ نصف الرجال الأمريكيين، من فئة أعمار الأربعين إلى السبعين عاما، يعانون درجة ما من الضعف
الجنسي"
أولاد القحبة... كلّ هذا التدمير والخراب والفوضى في أوطاننا، لأم أقلّ قدرة جنسية منا..
اعتذر ت عن الموقف، مغيرا وجهي جهة إطار قرب النافذة يحتفظ بصورة قديمة لشخص عربي لم
أتعرفْه. لكنني خمّن ت أنه صاحب المترل أو ربما شخصية أدبية أو فنية...
فلو كانت شخصية سياسية، لعرفْتها على الفور، ولماذا لا أعرفها ؟ فشخصياتنا السياسية تعد على أصابع
اليد الواحدة ... كلّ دولنا حكمها حاكم أو إثنان منذ استقلالها . فيما لا يزال الراديو يذيع ترهات
حزب البعث، وإنجازات القائد الفذّ ... شعر ت بالجوع . فاتجه ت نحو المطبخ، وهو عبارة عن غرفة
ضيقة، تتوفّر على بعض الأواني المعلّقة والمرصوفة على الأرض .
وثلاجة ضخمة لا علاقة لها بالمكان.
هذا البيت العتيق الآيل للسقوط، ما كان يخطر ببالي أنّ أجد به ثلاجة أو أي نوع من الأثاث
الإلكترونيّ.
... فتحتها، فكانت محشوة بكل أنواع الغلال والفواكه والبيض. خمّن ت أا من ترتيب أبي الوليد.
كانت الساعة حينها، قد قاربت على الثامنة ليلا، وبدأ الظلام يمد أذرعه على المنطقة . فيما شرع النوم
يغازل أطرافي ويأخذني التعب إلى الخلود... تمدد ت على السرير منهكا ُأكمل قضم تفاحة لا زالت بين
أصابعي، ولا زال الراديو يتحدث عن الإنجازات... فكد ت أختنق من الكذب والنفاق. وكأنّ القناة
السورية هي نفسها العراقية أيام الحاكم المخلوع ..هي نفسها مع حكامنا العرب أجمعين.
غير ت الموجة في اتجاه القاهرة، فاعترضتني المذيعة بصوت مصري مائع، يخبر اُلمستمعين الكرام أنّ
موعدهم الليلة كالعادة مع كوكب الشرق في أغنية "إنت عمري".
يااااا ه .... كلّ حروبنا وهزائمنا كانت هذه السيدة شاهدة عليها، وساهمت بنفْسها في تعاستنا
وتخديرنا.
ياااا ه .... لا زل ت أذكر كيف كان الكثير من العراقيين يربطون هزيمة الجيوش العربية بكوكب
الشرق. وأا حينما كانت تغني، يغيب الناس والساسة والجنود عن وعيهم، فيما كانت القوات
الإسرائيلية تعمل فينا معاولها وفؤوسها .
حتى أنّ جنرالا في الجيش العراقي السابق، كان يقْسم بشرفه أنه لو كان مصريا لطالب بمحاكمة
السيدة أم كلثوم. ولو بقي هذا الجنرال حيا لعرف أنّ هزائمنا ما زالت متواصلة ودون أم كلثوم...
انتهت حروبنا، وبقيت كوكب الشرق.. انتهت حروبنا، وبقي حكامنا .. انتهت حروبنا، ونحن بخير...
لغّ السيد القابع في الإطار القديم اُلمعلّق جهة النافذة:
ومن قال لك إنّ حروبنا انتهت ؟
ارتعدت فرائسي، وانتفض ت كطائر الفينيق مجيبا:
أقصد الحروب القديمة ...بعض الحروب العربية مع أعدائنا اليهود.
( مزمجرا ) ليست هناك حروب قديمة... حروبكم جديدة ومتجددة.
كيف ستدخل محاربا إلى العراق، وأنت لا تعرف لمن ستوجه سلاحك، ومن هو عدوك ؟
سلاحي أوجهه للعدو.
( زمجر وصاح هائجا، ملوحا بعصاه يضرب ا على الجدار )
أي عدو ؟ وهل تعرف كم عدد أعدائك ؟ وهل أنت عدو غيرك أم عدو نفسك ؟
وشرع يضرب الحائط غاضبا ... ضربا متتاليا كطرق الباب.
صارت الطَّرقات متتالية وعنيفة، حتى اختفى وجهه وعصاه، وصر ت أسمع طرق الباب بوضوح ... باب
الشقّة.
انتفض ت كعقرب حركوا بيتها، وكن ت ممددا بملابسي... رفع ت بصري جهة الإطار فإذا الشيخ لا يزال
في مكانه، والراديو لا يزال يذيع أغنية "إنت عمري".
فكّر ت لحظتها في الخطر الداهم ... لا أحد يعرفني هنا.
إذن من الطارق ؟ البوليس السياسي ؟ الجواسيس ؟ أم...؟
فكّر ت في الهروب، لكن إلى أين ؟ ومن أين المفر؟
... الطرق لا يزال متواصلا...
هل يكون أحد رفاقنا من "شيخ الحديد"؟
لكن أبا الوليد قال إم سيأتون بعد يومين.
ما المسألة إذن ؟
من الطارق في هذا الوقت اُلمتأخر ؟
من الطارق ؟
قلتها بصوت مرتفع، ملء الارتباك والريبة والخوف.
.......
( لم يجب، وعاود الطرق بأكثر عنف )
( قرب ت حواسي أكثر للباب ) من الطارق ؟
( مس ) إيراد الحاج... الصحفي إيراد الحاج.
إيراد الحا...
آه... إيراد الحاج... حالا.
فتح ت الباب وقد أقصي ت الشك والريبة، دون أنْ أنتبه إلى كونه ربما ينتمي إلى المخابرات
السورية أو إحدى العيون المبثوثة في شوارع دمشق. فقد كان يعمل في العراق، ولعلّ ذلك يسهل تجنيده،
أو استقطابه. فالمال لوحده كفيل ببيع الذمم.
فتح ت الباب، فارتمى إيراد دون انتباه وأوصد الباب بسرعة وريبة ... رفع غطاءً كان يلف به وجهه،
وارتمى في عنقي مقبلا، كغريق صادف زورقا، وقال:
أعذرني على هذا الارتباك ... الأمور لم تكن مرتبة كما ينبغي ... في نفس الوقت كان من الضروري
أنْ ألتقيك. المسألة على غاية من الخطورة. أي تأخير قد يتسبب في كارثة.
هل ثمّة من يراقبك؟
لا ... لا تخف الأمور ستكون جيدة إذا أسرعنا في التحرك.
اتجه داخل الغرفة، وجلس على طرف السرير... فتح أزرار معطفه، كأنه يهرب من الاختناق، وأكمل:
أسكت صوت الراديو، واستمع إلى ما سأقول.
اتّجه ت نحو الراديو ُأخمد أنفاسه، وعلّقْ ت وأنا أتناول سيجارة لأشعلها:
جعلْتني أشعر بالخوف والارتباك .
لا بد أنْ تغادر هذا المكان فورا، وقبل الصباح.
( ابتسم ت بمرارة ) أغادر المكان؟
إلى أين ؟ كيف أغادر المكان ؟ تعليمات أبي الوليد ال ..
( وتراجع ت عن إتمام اسمه حيطة لا غير )
أبو الوليد المصري.. أليس كذلك ؟
وهو كذلك .. وكيف عرفْت؟
لا يهم .. الأهم من ذلك أنّ أبو الوليد وقع في أيدي القوات السورية، كذلك مجموعته في قرية " شيخ
الحديد " وسيقع إيقاف بقية اموعة.
لا بد من اُلمغادرة ...
( داهمني الغثيان، ودارت رأسي حتى خلْتها سقطت حذْو حذائي، وألقي ت بجسدي على حافة السرير
بجانب إيراد )
كيف يتم ذلك ؟ أبو الوليد كان معي منذ ساعات.. كيف يحدث كلّ هذا في وقت قصير ؟ وبمثل هذه
الغرابة ؟
كلّ أسئلتك ليست مهمة الآن..المهم أنْ نغادر هذا المكان. وفور وصولنا بر الأمان سنتحدث في كلّ
التفاصيل.
لكن...
دون لكن .. لم يعد بالإمكان أنْ نضيع الوقت أكثر.
بأسرع من إطلاقة رصاصة، جمع ت أغراضي في حقيبة صغيرة .. رتبتها على كتفي، وانتصب ت جاهزا
للمغادرة . فيما رتب إيراد وجهه، وخرجنا مسرعين دون أنْ نحكم غلق الباب.
وأنا أركب سيارة فلاحية في اتجاه الضاحية الجنوبية للعاصمة دمشق، كنت استرجع شريط وصول
إيراد الحاج إلى غرفتي .
كأنّ الوعي حضر اللحظة، بعد أنْ حاصرتني الغيبوبة حين وصل وفتح ت له الباب.
ما راعني حقّا أنني تعقّلْ ت اسمه بسرعة لم أعهدها أنا الإنسان المورط في النسيان ... في إتلاف الأسماء
والأشياء .
عرفْته في بغداد حين أجرى معي تحقيقا عن ظروف اعتقالي بسجن "أبو غريب". بعد أنْ رتبت
مجموعة من المقاومين اللقاء بسرية تامة. هذا بغرض كشف الممارسات الأمريكية بذاك الماخور الذي
يسمى سجنا .
وإنْ كان لقائي به لمْ يتجاوز الساعة سرد ت له فيها بقيء لا مثيل له ما حصل لي بين تلك الجدران
اُلمحاطة بالخنازير إلا أني لم أتوقّع أنْ ألتقيه ثانية لا في بغداد ولا في أي مكان آخر.
بعد سنوات من السجن و التعذيب.. تعذيب العراقيين لإخوام وذلّ الأمريكيين لأعدائهم، ألقي بي في
أطراف مدينة بغداد، بعد أن فقدت الوعي لمدة فاقت الساعة. وخوفا ربما من وفاتي في السجن بعد
تسرب صور بواسطة الهواتف المحمولة من داخل السجن، وخوفا من تضاعف الأصوات المنددة بالتعذيب
و الإهانة و المذلة.
لم تكف سنة كاملة من الاعتكاف في غرفتي ألملم جراحي المبعثرة.. لم تكف لتزيل و لو لحظة واحدة
من تلك المعاناة الأشبه بصدإ على واجهة مرآة قديمة.
وفي بيت أحد الحقوقيين الذين ذاقوا ذرعا بطغيان حكم صدام حسين، التقيت بإيراد الحاج، وسكب ت له
ما ترسب في جهة الروح المشروخة من آلام و جراح لم تندمل إلى الآن.
ولولا علمي أنّ الصحافيّ ليس عراقيا، لرفض ت الحوار، لأنّ مليشيات الأحزاب قادرة على على تصفية
الخصوم وكلّ من يشكّك في عملية الانتقال الديمقراطي في العراق.
إنه إيراد الصحفي السوري العامل بصحيفة البعث السورية..ها أنه يحضر الآن، نعم ميزته من كلّ
الشخوص المبعثرة في ذاكرتي المثقوبة.
فلماذا يحضر الآن ؟ وكيف استحضر ت اسمه وميزته من بين كلّ الأسماء والأشياء ؟ ولماذا هو الآن هنا
؟هل هو عراقي بجنسية سورية ؟ أم هو سوري بانتماء عربي ؟
جالت بخاطري ملايين الأسئلة الحيرى، ولم أجد تفْسيرا لها... لا إجابة... مع ذلك لم ألق أمامه
حيرتي في انتظار ما سينكشف لاحقا.