الفصل الخامس

9 0 00

الفصل الخامس

التنظيم

في غرفة ضيقة، بمنزل يقع بالضاحية الجنوبية لدمشق، وصل "أبو مصعب" باستعمال شاحنة نقل

بضائع... كان جالسا مع "إيراد الحاج" و "أمير التوم" و "ميلود عبد القادر".

قال إيراد الحاج،  موجها كلامه إلى الجميع:

مرحبا بالإخوة ااهدين.

( لم يجبه أحد )

( بيده كان يشير إلينا تباعا لنتعرف على بعضنا ) أبو "مصعب العراقي"، مناضل وطني من العراق...

وهو أحد المناضلين الذين مروا بتجربة سجن أبو غريب.

ااهد "أمير التوم" من السودان .. تحديدا من "أم درمان" ( وكأنه يريد تأكيد صحة معلوماته، فوجه

كلامه إلى أمير )

أليس كذالك؟

أجاب "أمير التوم":

وهو كذلك.

ثمّ أكمل "إيراد الحاج" كلامه:

الأخ "أمير التوم"، حارب مع شيخ ااهدين أسامة بن لادن، في حربه ضد السوفيات.

ثمّ وجه يده جهة ميلود، وأكمل:

ميلود عبد القادر،  مجاهد من "تبسة" الجزائرية. لمْ يخْرج من أفغانستان، إلا ليدخل دمشق في اتجاه

بغداد.

وقد أكمل إيراد كلامه... كان الجو مشحونا بالقتامة والتوتر. فيما كان "أبو مصعب" يتأمل ملامح "أمير

التوم" باستغراب.

كان كشيخ يقترب من السبعين أو أكثر... وربما بشرته السوداء الكالحة، زادت في عدد السنوات إلى

عمره المتجعد... ملامحه الهادئة، القريبة من ملامح عرب الجزيرة، زادته وقارا وهيبة، رغم

الشيخوخة.

كان مستغربا من قدرة هذا الشيخ على تحمل مشاق الحروب، ومخاطر حرب العصابات ... بل راوده شك

في قدرته على حمل بندقية الكلاشنكوف.

انتصب "ميلود عبد القادر" واقفا، قائلا:

ما هو الحلّ الآن ؟ إقامتنا في دمشق أشد خطرا من أي مكان آخر.

رد "أيراد الحاج"، وقد وقف بجانبه  مربتا على كتفه:

المسألة تفوتنا ... أفهم هذه الخطورة، وأفهم صعوبة المرحلة. لكن علينا الانتظار، فالوضع متوتر

الآن. مع ذلك، نحن في مأمن بعض الشيء.

علّقْ  ت أنا أبو مصعب و دون لباقة:

أي أمن هذا الذي تتحدث عنه ؟

نعم، نحن في مأمن... لمْ يسبق لأي منا أنْ دخل سوريا، ولمْ يسبق للمخابرات أنْ كشفت إحدى الخلايا

في دمشق أو أي مدينة أخرى. علينا ملازمة الحيطة، وعدم مغادرة المكان، في انتظار التعليمات .

(أرد  ت أنْ أسأل عن مصير أبي الوليد، وعن مجموعته بقرية "شيخ الحديد"، لكنني أدرك  ت الفرق بين

تنظيم سياسي نضاليّ، وتنظيم ديني جهادي... )

قطع "ميلود عبد القادر"علي حبال التفكير، وكأنه يوجه كلامه إلى خوفي:

لنثق بأنفسنا... وبعون الله ما دمنا ندافع عن أمة الإسلام، فإنّ الله سيهدينا إلى السبيل القويم.

قل  ت محاولا إخفاء ارتباكي:

كلنا يعرف أنّ العواصم دائما، أشد خطرا وأكثرها رقابة.خاصة بالنسبة إلى التنظيمات السرية (

موجها كلامي إلى "أمير التوم" الذي لم يشاركنا الحوار ) أنا أسأل لماذا دمشق تحْديدا ؟ لماذا لمْ نغادر

صوب وجهة أخرى؟

كأنّ "أمير التوم" فهم استنجادي به ... أو ربما تفطّن لارتباكي المصبوغ على ملامحي، لهذا علّق ببرود

لا مثيل له، ودون أنْ يبرح مكانه أو يغير من جلْسته:

المسألة يا ابني، أبسط من ذلك بكثير...( حك جبهته بإصبعه، فتعثّر الإصبع على التجاعيد ) يبدو

أنك قليل الخبرة بالحركات الجهادية . صحيح أنك مررت بتجربة سجن أبو غريب، لكن هذا لا يكفي

لتكون مجاهدا.

دع خوفك بعيدا عنك... أطْرده من داخلك.. أشنقْه في الساحات العامة،  مستنجدا بكتاب الله وسنة

رسول الله.

نحن يا بني، نخوض حرب ديانات منذ أرسل الله آدم إلى الأرض... لا تستمع إلى أحاديث الإعلام و

السياسيين والصحافة المأجورة. نحن الآن أمام خيارين، لا ثالث لهما. إما أنْ ينتصر الإسلام، أو تنتصر

المسيحية ( وبسخرية ) أقصد اليهود.

سحب نفسا عميقا، وقطّب جبهته مستعدا، وبسبابته التي تعينه على قول حازم:

بسم الله الرحمان الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى في كتابه العزيز

"ولَن ترضى ع  نك اليهو  د ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم ُ قلْ إنّ  هدى الله هو ا ُ لهدى ولئن اتبعت أهواء  هم

بعد الذي جاءَك من العلْم ما لك من الله من وليّ و لا نصير"

صدق الله العظيم.

ردد الحضور بعده:

صدق الله العظيم.

حاولْ  ت أنْ أغير مجرى الحوار، كي ُأخفّف عني لغة الوعظ والإرشاد:

لكن المسيحية ليست اليهودية، إما ديانتان مخْتلفتان.

دعك من هذه الخزعبلات... المسيحية في خدمة اليهودية. ولا يجب أنْ تفْهم اليهودية كدين يهودي،

وإنما اليهودية باعتبارها العصا التي يلوح ا شرذمة من اليهود، لعنهم الله.

( انتصب واقفا،  معولا على شيخوخته. وأكمل وهو يتنقّل ببطء في أرجاء الغرفة الضيقة )

سأحكي لك واقعة واحدة، لتعرف حجم الصعوبات التي مرت علي (  مستدركا ) هذه آخرها.

هي  مصيبة من جملة المصائب التي يبتلينا الله ا، ليختبر صبرنا وإيماننا.

يكفي أنْ تعلم يا ابني، أنني أتنقّل وأجاهد في أفغانستان منذ 1982 . تعلّم  ت أنواع القتال وكلّ حيل

الحروب، وتدرب  ت على جميع الأسلحة... وخبر  ت كلّ جبال أفغانستان والباكستان وإيران.

أنا يا ابني، جرب  ت الجوع والعطش والوحدة والاعتقال، مرة على يدي السوفيات، وأخرى على يد

القبائل الأفغانية وثالثة على يد المخابرات العسكرية الباكستانية...

آخر مرة وأنا أحاول اجتياز الحدود مع مجموعة من الإخوان تمّ اعتقالي داخل الأراضي

الباكستانية. مع ذلك حمد  ت الله ألف مرة، وكن  ت سعيدا.

سألْته باستغراب:

كنت سعيدا... ؟

( مبتسما ) حمد  ت الله أني ُأعتقل  ت في باكستان .لأنّ إخواننا هناك كثْر، ويمكن أنْ أنجو بطريقة أو

بأخرى. ولو أنّ حكومة "مشرف" لا تتوانى عن خدمة الأمريكيين، لعنهم الله. لكن ....

أسعفه "ميلود عبد القادر"، وكأنه كان حاضرا:

لكن القوات الأمريكية هي التي اعتقلتك، أليس كذلك؟

سألْ  ت ميلود:

وهل كنت مع الإخوان لحظتها؟

أكمل "أمير التوم"، دون أنْ ينتبه إلى تعليقي:

هذا طبيعي، لأنّ الحدود الباكستانية تحت رقابة القوات الأمريكية، ومخابراا التي لا تنام.

سألْته:

وبعد ...؟

أجاب:

أعادوني إلى أفغانستان، وتمّ احتجازي في حفرة محفورة في الأرض بعمق ثلاثة أمتار. وغطّوا الحفرة

بقوالب من الحديد يستحيل أنْ يحملها عشرة رجال.

كن  ت أتصور أم سينقلونك إلى "غوانتانامو".

( بمرارة ) هذا ما كان سيحصل لاحقا. غير أنّ الله بقدرته، أرسل ااهدين لإنقاذي. كانت ثلاث

سيارات مفخخة، كافية لطرد الجبناء من الموقع، وتمّ إنقاذي.

كان يسرد القصة، ببساطة لا مثيل لها .. لمْ يكن  متأثّرا أو  منزعجا أو خائفا. خلْته يحكي قصة

من الخيال الشعبي. وكأنّ تفكيري لمْ يقْتنع أنّ هذه الواقعة أشد وقْعا من تجْربة بسجن أبو غريب.

كيف يمكن أنْ تكون تجْربة هذا الشيخ، بحجم  معاناتي داخل ذلك الماخور، أقْتدي بأوامر المومسات

الأمريكيات، وبقوة السوط وركْل الأحذية العسكرية؟

كيف تتقبل واقعة  يجبر فيها "الشيخ الضاوي" على أنْ ينكح ابنته ونساء أخريات بالقوة، وتحت البصاق

والركل والصفْع ... وهو الإمام الخطيب بأحد مساجد بغداد؟

باستحضار قصة "الشيخ الضاوي"، قرر  ت أنْ أحكيها للإخوان علّهم يتعضون أو  يدركون أنّ غيرهم من

المناضلين في أرجاء الأرض  يعانون مثلهم أو أكثر منهم.

"الشيخ الضاوي" كان رجلا  مخلصا لعلْمه، ولطلابه. وحتى في ظلّ حكومة صدام حسين، لمْ يد  ع مرة في

 خطبه للقائد بالنصر وطول العمر... بل كان مقْداما وثابتا، له من الوقار ما يجعله  محترما و  مهابا من

الجميع.

ولعلّ الحكومة العراقية لمْ تؤدبه زمنئذ، إلا لأنّ سلطته الروحية تتجاوز مدينة بغداد، إلى كل المدن

السنية، لم يكن معارضا قطّن ولكنه لم يهادن ولم يتمسح على عتبات حزب البعث.

علّق "ميلود عبد القادر":

لعن الله صدام حسين وأمثاله ..

وسأل "إيراد الحاج" بتهكّم، وكان  يعد كأسا من اليانسون:

ومن أمثاله؟

أجاب ميلود ضاحكا:

لعنهم الله جميعا ... لا أستثني أحدا.

لمْ أستسغْ هذه التعاليق، رغم قناعتي بصحتها، وأكمل  ت :

تمّ اعتقال "الشيخ الضاوي" بعد سقوط بغداد بشهرين. وأدخلوه إلى سجن أبو غريب باعتباره

إرهابيا.هذا لأنه لم يكف عن التحريض ضد الأمريكيين.

( فركْ  ت جبهتي كي أستعين ا على التذكّر ) دخل عليه بعض الجنود، وعصبوا عينيه، ثمّ أدخلوا عليه

ابنته معصوبة العينين، وأجبروه على أنْ ينكحها. ففعل تحت قرع سياط ووخز العصي الملساء.

كان عاريا تماما، وكانت ابنته كذلك... لما فكّوا عصابته من على عينيه، كاد يفقد وعيه، وقد رأى ابنته

ورأى الجندي الأمريكي يصور المشهد اتفه الجوال.

استحضر الله وملائكته ورسله واليوم الآخر... استحضر الأنبياء جميعا، فحضروا... طغت غشاوة على

عينيه، وارتمى على الحائط يدك رأسه فيه، حتى سالت دماه، وسقط مغشيا عليه .

.....................

جلس "أمير التوم" إلى الأرض حاجبا وجهه بكفّيه، كأنه يحجب دموعه أو خوفه، مرددا :

أستغفر الله... أستغفر الله... اللهم لا رد لقضائك.. اللهم أهلك وشتت جمعهم.

فأجبنا جميعا :

آمين ... آمين يا رب العالمين.

أكْملْنا ليلتنا، نتسامر ونناقش قضايا المنطقة وأخبار ااهدين في أفغانستان وفلسطين والعراق.

وكن  ت مع امتداد الحوار، أكْتشف جهلي بشؤون الجهاد وأخبار السياسة والمناضلين... لمْ أكن أعرف من

الوضع، غير الساحة العراقية الضيقة التي لا أخبرها جيدا.

لمْ أجارِ الجماعة في سعة ثقافتهم الدينية ولا السياسية.

فأنا لمْ أكن رجلا متصوفا، ولمْ تكن لي ميولات تنظيمية، سياسية أو دينية قبل سقوط بغداد.

كن  ت مجرد موظف بسلْك الشرطة العراقية، أيام حكم البعث في العراق. أتقاضى مرتبا يكْفيني أنا

وزوجتي وابني " عاكف "، لنعيش دون خصاصة.

وعلى علاّت حزب البعث الكثيرة، لمْ يكن يخْطر ببالي أنْ أفكّر في شيء آخر غير العمل وقوت العائلة .

 معولا على انضباطي وتفانيّ في العمل. فأنا من عائلة كردية استقرت ببغداد، وبنت علاقات اجتماعية

كثيرة. ولمْ  تثْبت مخابرات حزب البعث، أننا عائلة منشقّة أو مرتدة أو لها مشاكل وانتماءات. لذلك

ساعدتني الوساطات على دخول سلك الشرطة. وكن  ت واثقا أنّ أي خطإ قد يؤدي بي إلى السجن أو

الإعدام.

.... وسقطت بغداد ...

دخلت القوات الغازية، وحلّت أجهزة الأمن والجيش، وأصبح  ت بين عشية وضحاها عاطلا و  مشردا

و  مهددا ... ولم تكن الفوضى السائدة إثْر سقوط بغداد، تسمح بالتحرك أو الشكوى أو اُلمطالبة.

لمن ؟ وبمن ؟ وكيف ؟ وأين ؟

أنت الآن في غابة، لا تعرف فيها عدوك ولا صديقك... لا تعرف الشيعي من السني من الكردي من

اليزيدي من العربي من الأفغانيّ من الأمريكي من ....

لا تعرف المناضل من المنافق من السمسار من العميل من...

أنت الآن لا تعرف الفرق بين الوجه والقفا.

وكانت ليلة القبض على صدام حسين، هي ليلة قصف القوات الأمريكية لحي الأعظمية ببغداد، حيث

أقطن. ودم بيتي مع كلّ بيوت الحي ااور... دمت حياتي كلّها..تحطّم الأمل في داخلي... فقد  ت

زوجتي وابني الوحيد... فقد  ت الإيمان والثقة والصبر...

وقد بان الخيط الأبيض من الأسود، ولم يتبعه آذان صلاة الصبح ككلّ صباح. فلربما صارت المساجد

عصفا مأكولا أو صار المشائخ و الأيمة جثثا  تضيف للشوارع مشاهدها الدموية... كن  ت  ملْقى على

الأنقاض أنبش التراب بأظافري، علّي أعثر على أحدهما حيا...دون جدوى. وقد نسي  ت أنني لمْ أشكر

الله على نجاتي بأعجوبة. وما الفائدة من نجاتي، وقد فقد  ت عائلتي؟

بلْ ربما تمني  ت، لو كن  ت معهما لاسترح  ت من العذاب. لمْ يكن بعدها بإمكاني أنْ أفكّر في الحلم...

أحلامي التي حقّقْتها، صادروها أو هدموها أو قصفوها أو... لا م الوسيلة ما دامت النتيجة واحدة.

...................

نصف الغرفة الباقية من المنزل، هيأا من جديد.  مستعدا لإعادة تشكيل خارطتي، وبوصلتي

واتجاهاتي... لا بد من الحلْم... لا بد ...

من لا  حلْم له، لا  مستقبل له... لا هوية له... لا شمس له  تشرق من أجله وتغيب...

إذن... سقطت بغداد... ُأحتلّ العراق...دم بيتي... ودمت بيوت كثيرة... فقد  ت عائلتي...

وعائلات كثيرة  شردت...

ماذا تبقّى؟

هلْ نبقى ننتظر الحكومة القادمة؟ هلْ نندس كالفئران في جحورنا مخافة القتل والاعتقال والتعذيب؟

هلْ نبقى كالقردة نرقص في الشوارع، ليضحك الجندي الأمريكي، ثمّ  يطلق الرصاص على مؤخراتنا؟

ماذا تبقّى؟

........................

ونحن نعقد أول اجتماع سري، لتأسيس خلية سميناها "مجاهدي الأعظمية " بمنزل

"الشيخ الضاوي" بعد خروجه من سجن أبو غريب... والذي أشيع أنه فقد عقله بعد واقعة هذا السجن.

وصدق كلّ أهل بغداد هذه القصة.

...ونحن نعقد أول اجتماع، كنا نحلم بالنضال وطرد العدو ونصرة قضيتنا... فقط إذا توفّر السلاح.

أجاب "الشيخ الضاوي":

لا تشغلوا بالكم بموضوع السلاح ... لنا ما يكْفي لتسليح جيش بأكمله.

( وأكمل موجها كلامه "لحسين البنا" )

أنت بالذات عليك بالحذر أكثر... تثبت من المعلومات جيدا.. ولا  تسرع في نقْلها إلينا، إذا كانت هناك أي

مجازفة.

أنت موظّف بالشرطة العراقية، وأي خطإ قد يوقعنا جميعا.

سألْ  ت الشيخ:

متى نبدأ عملياتنا؟

أجاب بوقار:

عملياتنا ستكون قليلة . لكنها ثابتة ودقيقة.

حسين يعمل في جهاز الشرطة، وله كامل المعلومات والأخبار عن تنقّلات الأعوان و مواقعهم.

يعني... أننا سنتحرك وفْق المعلومات التي ستصلنا من حسين.

( أرد  ت الكلام، لكنه قاطعني )

الأسلحة موجودة وجاهزة... والذخيرة كذلك .ندعو الله أنْ  يوفّقنا و  يسدد  خطانا، ويحيى العراق.

( أجبنا جميعا )... آمين.

انفض اْلس، وخرجنا ُ فرادى بكامل الحذر والحيطة، في انتظار التعليمات.

كنا نجْتمع كلّ مرة دون أنْ نتخذ أي قرار لتنفيذ أي عملية ضد القوات الأمريكية أو العراقية .

نجْتمع، لنتأكّد من إخلاص اموعة وانضباطها . وكان "الشيخ الضاوي"، هو نفْسه من  يعلمنا بموعد

الاجتماعات ومكاا.

يبدو وهو يتنقّل في الأزقّة والشوارع بلباسه الفضفاض الرثّ، وقبعته اُلمتكلّسة بالغبار والأوساخ، كمعتوه

لا  يعيره أي عابر أي اهتمام، عدا الشفقة.بل لم يعد أحد يمنحها إياه... يسر كمتسول أو معتوه بين

بيته وعتبة مسجد فجره انتحاري شيعي ولم يبق منع غير واجهته المطلية بالسواد. لما تبصره يتنقل

حافي القدمين رثّ الثياب، لحيته كأا عش عناكب يعلوها غبار وبياض ليس بياض الوقار بالضرورة، و

لا يتردد أبدا على أن يتوسد عتبة مسجد أو حانوت أو رصيف. فحتى الأطفال لم يعد يعيرونه أي

اهتمام، فلكل مشاغله وهمومه. ولا سخرية من متسول، فالشعب كلّه يتسول المال أو الشرف أو الكرامة.

مع ذلك يكمل مهمته الهادفة ويواصل قيادته للمجموعة.

وفي كلّ مرة نجتمع كان "حسين البنا" حاضرا بيننا، يسرد علينا تموقع الشرطة العراقية، وتنقّلاا

ومواقعها.

كنا ثمانية،لا يجمع بيننا غير الوطنية، وحب العراق .إضافة إلى أننا من نفْس شارع الأعظمية، رغْم

أننا لم نكن نحمل نفْس التوجهات والقناعات والإيديولوجيات.

وكان "الشيخ الضاوي"، بنفْس لباسه الذي لا يغيره، حتى أثناء اجتماعاتنا.. كثيرا ما  يكرر:

دعوا انتماءاتكم جانبا... أريد أنْ تضعوا العراق نصب أعينكم وفي قلوبكم.

ولمْ نكن ننتبه إلى أهمية هذه الجملة دائما، إلا متى اشتد الصراع بين الشيعة والسنة. حينها فقط،

فهمنا أنّ المقاومة لمْ تنتصر في حرا إلى الآن، بسبب هذا التشرذم.

مع ذلك كانت خليتنا  ملتزمة بمبدإ "الدفاع عن العراق"، وترك الانتماءات جانبا. رغْم أنني كن  ت موظّفا

بحزب البعث.. و"سركس" مسيحي له انتماء شيوعي مع "لقْمان صاحب" و "باقر الربيعي". فيما ينتمي

"سليمان عبد العزيز" و "جواد الشريف" إلى حزب البعث اُلمنحلّ.

أما "حسين البنا" فكان موظّفا، ولا يزال بسلْك الشرطة العراقية التي أسستها الحكومة العراقية اثْر

سقوط بغداد، وهو سني . عكس "عادل الطيب" من أصل شيعي. وهو أستاذ جامعي بكلية بغداد...

ونحرص على مناداته بالدكتور أثناء حديثنا، لما يتمتع به من قدرة على الخطاب والتواصل وتحليل

الأوضاع السياسية، بأساليب فلسفية  مذْهلة. تجعلنا ننتبه إلى خطابه دون قدرة على مجاراته، بنفْس

نسقه الفلْسفي.

في اجتماعاتنا الأولى، كنا نلتقي لنتحاور ونرصد مواقف التيارات الحزبية والمذهبية والشوفينية

والمليشيات والفصائل و... لنمر على سياسات القادة، نشرح أقوال الحكيم، وتصريحات الصدر، وتعليقات

المالكي و علاوي وخليل زاد... وصولا إلى خطابات بوش ورايس ورامسفيلد وبشار الأسد وأحمدي نجاد

.....

لأعود إلى بيتي اُلمتربع على الرماد والركام، أراجع آخر الليل جملة النقاشات والمواقف والآراء... أعيد

صياغتها وتحْليلها، ثمّ أحتضن  حلْما بتدمير آلية عسكرية أو زرع لغم لقافلة أمريكية أو توجيه صاروخ

لثكنة أو شاحنة أو كمشة من الجنود... مع أنني شديد التحفّظ من استهداف أفراد الشرطة العراقية.

وقد كن  ت خلافا لبقية عناصر الخلية، رافضا استهداف المواطنين العراقيين في الشرطة أو غيرها. فيما

يعتبر البقية أنّ رجال الشرطة عملاء، ويخْدمون مصلحة الهيمنة الأمريكية.

وكان الدكتور "عادل الطيب"،  يدافع عن موقفه بالقول:

إنّ هؤلاء لا يعملون تحْت إمرة حكومة عراقية شرعية. وطالما أنّ الحكومة غير شرعية باعتبارها

شرذمة من البيادق، و  تحركها السياسة الأمريكية... فإنّ كلّ من يعمل معهم أو تحْت إمرم، فهو عميل

يستحق التصفية.

كان الدكتور  مقْنعا وثابتا في كلّ مواقفه وتحليلاته، عدا هذه ... عدا استهداف المواطنين

العراقيين. ومع  معارضتي له، إلا أنني لمْ أصرح بموقفي أمام كلّ أفراد التنظيم الذين اقْتنعوا بصحة

تبريره، مخافة أنْ ُأخون أو ُأطرد من تنظيم "  مجاهدي الأعظمية".

كن  ت أجتر كلّ هذه المواقف وتلك، وأنا أخلد للنوم،  محتضنا مسدسي الذي ورثْته عن نظام صدام

حسين.

وفي ليلة من ليلي العراق الفحمية المظلمة، بدا الصف يتضاعف وبوتيرة اشد عنفا و وحشية. حتى

انتابني إحساس أا ليلة تشهد مخاض واقعة فاصلة.

وفي الليلة الفاصلة التي سبقت الإعلان عن اعتقال صدام حسين، كان القصف الأمريكي أشد وقْعا من

أي قصف حضاري آخر... لم ْدأ أصوات الصواريخ وأزيز الطائرات العسكرية والمروحيات... ليلة لا

 تشبه كلّ ليالي بغداد، منذ احتلالها. ولمْ أجد سببا واحدا يجعلني أخلد للنوم.

شغلْ  ت الراديو الصغير بجانبي، دون أنْ أشعل الفانوس النفْطي، وأرسل  ت أصابعي  تفتش عن علبة

السجائر... أسند  ت ظهري إلى ظهر السرير، وأشعلْ  ت سيجارة ل تعينني على التذكّر أو على النسيان.

و فجأة .............

صعقني الخبر، ورجتني الكلمات اُلمنبعثة من صوت أجش لقارئ الأخبار، وهو يتلو عناوين النشرة:

"الزرقاوي يلقى حتفه في قصف أمريكي على مخْبئه"

سحب  ت نفسا عميقا من سيجارتي وأخمدا بداخلي.

وأنا أسحب جسدي من تحت الغطاء لأتربع فوق السرير،  محاولا الانحناء أكثر إلى الراديو للتأكّد من

الخبر . وأكمل قارئ الأخبار:

"... وقد سبق للزرقاوي أنْ أسس مع "أبي محمد المقْدسي" جماعة بيعة الإمام بمدينة الزرقاء سنة

1995 ، و ُ قبض عليه من قبل المخابرات الأردنية ليودع السجن، محكوما عليه بخمسة عشر عاما. لكنه

استفاد من عفْو ملكي بعد أربعة سنوات، ليغادر الأردن في اتجاه أفغانستان فاختفت أخباره. مع ذلك

ُألْصقت به مة اغْتيال الدبلوماسي الأمريكي "لورنس نومي" سنة 2002 .

وقد ظهر الزرقاوي بعد ذلك في العراق كزعيم لتنظيم القاعدة، بعد أنْ بايعه أسامة بن لادن، إلى

حين قصف مكانه بعد عملية مخابراتية أمريكية أردنية ."

مدد  ت يدي بتشنج وخوف لأكتم صوت جهاز الراديو، غير  مستوعب للحدث ولا  مصدق.

وفي الحقيقة لم أكن من  مناصريه ولا من  مناصري تنظيم القاعدة، مع ذلك كن  ت  متعاطفا معه، لأنه

ضد الأمريكيين... أنا  مستعد للتحالف مع الشيطان، إنْ كان سيساعدني على تحْرير العراق.

ألْقي  ت سيجارتي على مربعات الغرفة، ودستها بساقي دون أنْ أنتبه إلى الألم الذي ألْحقه

بقدمي...مدد  ت يدي لأتناول سيجارة أخرى وأشعلها وأحاكيها:

هل المقاومة في طريقها إلى التصفية بمثل هذا الشكل؟

هلْ قَدرنا أنْ نموت، إما فقراء أو  مضطهدين من حكوماتنا أو  مهانين من الدول الطاغية؟

هل الاحتلال فعلا أرحم من طغيان صدام حسين ؟ أم أنّ هذا الأخير أرحم من الاحتلال الصليبي؟ ثمّ

من نقاوم؟ لمن نوجه أسلحتنا؟ من هو العدو؟ لماذا متى؟ كيف؟ أين ؟

كلّها أسئلة لا زالت تتخبط في أحشاء مخيلتي، دون أنْ تجد ترتيبا أو إجابة أو شرحا ... كن  ت فقط

أطرح على  مخيلتي أسئلة ليست قادرة على الإجابة عنها أو استيعاا.

................................

على غير العادة، ودون تحضير  مسبق جاءني طرق على باب بيتي المكْشوف من جوانبه الأربعة.

كان طرقا خفيفا و  منتظما، كقرع حبات الخرز و هي تسقط متتالية على الإسفلت.

وحينها حضرت  حفْرة صدام حسين ومخبأ الزرقاوي والقوات الأمريكية والخونة والجواسيس وأبو

غريب و ...

لمْ أستوعب الطرق جيدا، لذلك كتم  ت أنفاسي، وفتح  ت نافذة التنصت على آخرها .. تتالت الطرقات،

فأجب  ت بارتباك وخوف:

من ...؟

حمورابي..

عادت قطرات الدم لتتجمع في وجهي، وعادت إلى قلْبي دقّاته وعاد النبض... "حمورابي" .. إنه

الشيخ الضاوي .

"حمورابي"... الشفرة السرية لنقْل أخبارنا وإبلاغنا بمواعيد اجتماعات التنظيم وتوقيته. أجب  ت:

حاضر... حاضر...

أشعلْ  ت الفانوس، وتحسس  ت مسدسي من تحت وسادتي، مخافة الخيانة. واتجه  ت إلى الباب أفتحه،

بعد أنْ أزح  ت قطعة الخشب التي كانت  تعينه على الصمود.

دخل "الشيخ الضاوي" محملا بحذره وانتباهه، بعد أنْ أطلّ من الباب على الشارع، وقد دس جسمه في

فضاء الغرفة.

أوصد الباب، ودون أنْ يجلس، قال بحزن باد على ملامحه الراقصة على ضوء الفانوس:

هل سمعت آخر الأخبار؟

بالطبع ( وبِأسى ) أستشهد الزرقاوي. مع ذلك لس  ت مصدقا الخبر .. ربما تكون مجرد دعاية

للاستهلاك السياسي.

لا يهم ... مهما كانت الأسباب، سنلْتقي بعد ساعة بنفْس المكان.

هناك أشياء طارئة ولا بد من مناقشة بعض المسائل ... واضح ؟

آه نسيت أن أقول لك أنّ عادل الطيب كان معي في البيت قبل دقائق، وقد دار نقاش بيننا وتعالت

أصواتنا، وكدنا أن نتعرى.

ما المشكلة؟

تعرف أنّ رجال الفلسفة ربما لهم مواقف معادية من الحركات الاسلامية.

تقصد اليسار؟

تماما .. قال لي بالحرف الواحد "الزرقاوي ككل الانتحاريين جميعا ينشدون جنة موهومة".

دعك من هذا يا شيخ، نحن لا نشك في وطنية عادل الطيب، رغم قساوة خطابه .. ليس هنا اال

للحديث حول الخلافات... علينا برص صفوفنا الآن، عد وسألتحق بك.

خرج متخفيا كشبح، فيما أوصد  ت الباب دوء وحيطة.

...................

حضرت بذهني كلّ هذه الأحداث، وأنا لا زلْ  ت ممددا على ظهري كخنفساء أثقلها ظهرها..لا زلْ  ت ممددا

بنفْس الغرفة التي جمعتني"بميلود عبد القادر" و"أمير التوم" و "إيراد الحاج".

كان كلّ واحد منا،  ملْقى في زاوية ينبش أوراق ماضيه، ويفتش في حاضره عن صور وأحداث يتزيا ا أو

يبسطها أمامه كنبراس  ينير له الدرب أكثر.

لمْ  تغمض جفوننا، ولمْ يعد لنا ما به نوشح سهرتنا... رغْم أنّ كلّ واحد منا له في جعبته ما يستهلك

أطنانا من الورق ووديانا من الحبر.غير أنّ محاسبة الذات، والحديث معها و  محاورا وسؤالها

وتعريتها... كان ضروريا لكلّ واحد منا.

تتفرس في العيون والملامح، فلا ترى غير الحيرة والقلق... ترى النقْمة والقيء والكفْر بالواقع العربي

المتشظّي ... أقول "العربي"، ويقول ميلود وأمير : "الإسلامي " ... والنتيجة واحة.

فقط كان "أمير التوم" ثابتا ورصينا، ولا يحرك نظراته في المدى. فلا تبدو عليه الحيرة والقلق ...

ربما بسبب جرعات التجارب التي شرا أو مصاعب الجبال والأسلحة والمعارك التي خبرها.

بقينا على حالنا تلك، ثلاثة أيام ننام ونصحو على العمليات الجهادية وأخبار الإخوان والساسة

والوضع العراقي والأفغاني وحال الحكومات الكرتونية والبوليسية والعسكرية والكافرة والمستكْفرة...

ننام ونصحو.. دون أنْ نبرح أمكنتنا، عدا لقضاء حاجة بشرية أو للقيام للصلاة.

ولا أحد منا  يسمح له بالخروج من المنزل غير إيراد الحاج .. يخْرج ليغيب ساعة أو أقلّ بكثير، ويعود

 محملا بالخبز وبعض الخضار، وبصحف سورية ودولية، لمتابعة آخر الأخبار.وكنا حريصين على اقْتناء

جريدة "البعث" السورية، لرصد آخر الأخبار الداخلية.

في اليوم الرابع بعد صلاة الظهر، غادرنا إيراد الحاج كعادته، فيما بقينا جلوسا، نناقش تأثير

انتصار حزب الله على الكيان الصهيونيّ.

علّقْ  ت على الحدث:

هذا انتصار للعرب لم يتحقق منذ زرع الكيان الصهيونيّ في المنطقة. ومن الضروري الافْتخار ذا

النصر ودعمه.

أجاب أمير التوم، برصانته المعهودة وبلهجة أقرب إلى المصرية:

هو انتصار لأمة الإسلام... انتصار لكتاب الله وسنة رسوله... هو بداية انتصار كلمة الله على

الأرض.

قاطعه ميلود عبد القادر بتشنج، حاول أنْ  يخفيه:

عفْوك يا شيخ أمير... أنا أعارضك فيما ذهبت إليه... ما قامت به المقاومة اللبنانية، هو انتصار لا

يمكن أنْ ننسبه لا للعرب ولا للمسلمين...

قاطعه أمير التوم:

فهم  ت مقصدك.. تقصد أنه انتصار للشيعة ؟

بالطبع... هو انتصار للهلال الشيعي... انتصار لإيران الفارسية..

طيب... لو خيروك بين أنْ تكون شيعيا أو يهوديا، ماذا تختار؟

( لم  يجب )

لم  تجب... مع ذلك أوضح لك التالي: لا بد في كلّ مرحلة جديدة من إستراتيجية جديدة... يعني

للحروب تكتيكها الخاص.

( طأطأ رأسه وأكمل )

كلنا يعلم أنّ الشيخ أسامة بن لادن، تعامل مع الأمريكيين للقضاء على اُلملحدين السوفيات ... وكان

وقتها تعامل حتمته المرحلة. لأنّ الخطر الشيوعي حينها أهم وأكبر من الخطر الأمريكي أو الأوروبي أو

المسيحي.

أما الآن وبعد دحر العدو السوفياتي عن أفغانستان غير التنظيم قواعد اللعبة، ووجه فوهة

بندقيته للأمريكان واليهود. لا يهم من  يحارب، ألأهم أنْ يندحر العدو.

(  موجها إليّ كلامه )

أليس كذلك يا أبا مصعب؟

أجب  ت  مساندا موقفه:

أوافقك الرأي... مع ذلك لمْ تنتبه الأحزاب والفصائل الفلسطينية لمثْل هذا الوقف. انخرطت في

صراعاا الداخلية، بين حماس ومنظّمة التحرير، واَستنزفت كامل قواها التي من المفْروض أنْ  توظّف

ضد النازيين اليهود.

علّق ميلود، وكأنه  يراجع موقفه بعض الشيء، وهو يمسح لحيته الطويلة:

ما يهم الآن، هو أنْ ينتبه الإخوان إلى خطورة المرحلة... أنْ ينتبهوا إلى المشاريع الأمريكية و

الصهيونية التي  تمررها الحكومات العربية في المنطقة.

لهذا لا زلْ  ت أحترم حكومة دمشق إلى الآن، رغْم كلّ شيء. فهي صامدة حتى هذه اللحظة، رغم

السقوطات المتتالية.

الصمود لا يكفي طالما انذ الشعب السوري يعاني الذلّ و الهوان.

طال الحوار بيننا حول حزب الله وفلسطين وسوريا ولبنان و.... ولمْ ننتبه إلى تأخر إيراد الحاج

لمدة فاقت الساعتين.

علّق "ميلود" حائرا:

أتمنى من الله عز وجلّ أنْ يكون المانع خيرا...إيراد تأخر كثيرا هذه المرة.

رد أمير التوم:

إنْ شاء الله يكون بخير ...

( أغمض عينيه، ورفع يديه إلى السماء داعيا )

اللهم أنصره واَحمه.. اللهم ألْق على أعينهم غشاوة واَجعلهم لا  يبصرون.. اللهم بك نستجير، فأجِره..

آمين يا رب العالمين.

فرددنا بعده:

آمين يا رب العالمين.

وأطبق الصم  ت المَشوب بالخوف والارتباك... لمْ نضف كلمة واحدة بعد "آمين". انطوى كلّ واحد إلى

داخله  يفتش في جيوب ذاكرته عن معاني الخوف والشك والريبة.

وإنْ كان "أمير التوم"، لمْ تظهر على تجاعيد وجهه تلك الحيرة... كان يتمتم على الأرجح، بتلاوة

القرآن لما أبداه من خشوع وثبات.

ومثلت بذهني لحظة القبض علي بحي الأعظمية ببغداد، بنفْس غرفتي اُلمحاطة بالخراب و الركام.

لحظتها، لمْ  يسعفْني الوقْ  ت بسحب  مسدسي، ولا حتى نفْض الدهشة عن  مخيلتي. رغْم أني لمْ أكن

أغطّ في نوم عميق.

وكان الفنان الشيخ إمام،  يلْقي ببحته المعهودة أدران الوجع العربي وقيئه:

شيد ُ قصورك ع المزارع

من كدنا وعرق أيدينا

والخَمارات جنب المَصانع

والسجن مطْرح الجنِينه

واطْلق كلاَبك في الشوارع

واقْفلْ زنازينك علينا

...........

لحظة واحدة، كانت كافية لخلْع باب الغرفة واحتلالها. دون أنْ تتمكّن أصابعي من الوصول إلى

 مسدسي...

لحظة واحدة، كانت كافية لتوجه نحو صدغي عشر فوهات مدافع رشاشة. ولم أستطع التكهن بعدد

الفوهات خارج البيت الآيل للسقوط .

لحظتها لا زال الشيخ الضرير يصدح:

أحنا اتوجعنا واكْتفينا

وعرفْنا مين سبب جراحنا.

لمْ أستطع لحظتها تحت الإنارة الخافتة للفانوس أنْ أميز الأمريكي من العراقي. كيف لي أنْ أميز،

وأنا كالأرنب تحت الإنارة الساطعة ؟ كعصفور جريح تفْصله عن مخالب الصقْر دقّة قلْب واحدة.

تقدم أحدهم، و بلهجة عراقية واضحة وبذيئة:

تسمع الشيخ إمام أيها الكلب ؟ أليس الأجدر بك أنْ تستمع لأسامة بن لادن أو الزرقاوي أو السيد

قطب ؟

لمْ أحرك ساكنا، ولمْ أجبه عن كّمه. فكلّ الإجابات لن تكون  مقْنعة . ولن  تثني بقية الغيلان

الأمريكية والعراقية عن العبث بالغرفة، وتحْويلها إلى مزبلة... أساسا لا شيء ا غير الأثاث القديم

وملابسي، وصورة زوجتي "سها" وابني "عاكف"، وصورة وحيدة للقائد صدم حسين، التي لمْ أنتبه إلى

أنه  خلع من السلطة، ولمْ أخلعه من الجدار.

أحد رجال الشرطة العراقية، فك الصورة بعنف من الجدار ،وألقاها على الجدار المقابل فتهشمت.

فيما أفرغ الثاني ثلاث رصاصات في الصورة، وكأنه يتمنى أنْ  يفرغها في صدام مباشرة.

فتشوا الغرفة، فلم يعثروا على شيء، عدا مسدسي الذي يحمل رقما،  يشير إلى الشرطة العراقية قبل

سقوط بغداد.

تسلّمه أحد رجال الشرطة ... قلّبه بإعجاب، ودسه في جيبه . فيما تكفّل البقية بتقْييدي ووضع

عصابة على عيني، وقادوني إلى اْهول... إلى أبو غريب.

وأنا في الطريق كن  ت أسأل نفْسي، هل  تهمتي ستكون الانتماء إلى حزب البعث المحضور أم تنظيم القاعدة

الإرهابي ؟ لا فرق، فالنتيجة واحدة.

............................

فيما لا زلْ  ت أمرر شريط الذاكرة، دخل "إيراد الحاج" إلى المترل،  مستعملا مفتاحه لفتح الباب

الخارجي.

كانت ملامحه  تخفي خبرا ما... ولم تكن مشيته ثابتة كعادا... ألْقى الصحف على الأرض، وواصل

سيره نحْو المطبخ ليضع ما اقْتناه من  خضر هناك.

قطعنا حبال أفكارنا وانتبهنا... والنظرات تبحث عن المشهد الذي يمكن أنْ  تعلّق عليه حيرا.

حلّ "إيراد" بيننا... أشعل سيجارة كان الوحيد المسموح له بتدخينها ، فهي ن الموبقات كما يقول الشيخ

أمير التوم و بارتباك فاضح رغْم الابتسامة التي حاول أنْ يرسمها على وجهه وراح يقْطع  مربعات

الغرفة بخطوات  مرتبكة وحذرة ... تسمر فجأة .. سحب نفسا عميقا من سيجارته ... التفت إلينا

 محدقا في كلّ واحد منا ونطَق:

وصلتنا آخر التعليمات.

رد الشيخ "أمير التوم ":

هذا سبب تأخرك، أليس كذلك ؟

وهو كذلك..

إذن، أين المهمة القادمة؟

...............

لماذا هذه الحيرة ؟ نحن سخرنا لخدمة الإسلام والمسلمين ... سننفّذ مهمتنا أينما كانت وكيفما كانت

... وسيسدد الله  خطانا ويحمينا بعونه .

( سحب نفسا عميقا ) ونعم بالله ... المهمة القادمة باريس.

انتفض  ت كطائر الفينيق من رماده، وتساءلْ  ت:

ما لنا وباريس ؟ لماذا باريس ؟ لماذا أوربا ؟ نحن نحارب في العراق وفلسطين وأفغانستان ... ما الذي

يدفعنا إلى الذهاب لأوربا؟

رد "إيراد":

تلك أوامر القيادة أبا مصعب... تعرف أننا ننضوي تحت لواء تنظيم دوليّ، ولا بد من التقيد

بالأوامر... لذلك...

أراد أنْ  يكمل حديثه، غير أنّ إشارة من"أمير التوم" بطرف عينه "لإيراد"، جعله يتوقّف عن الحديث.

وفهم  ت أنّ حرجا ما سقط من السقْف على رؤوسهم... كأنني خرج  ت عن التنظيم بسؤالي ذلك.

فهم  ت لحظتها أنني لا بد أنْ أنفّذ الأوامر لا غير.. لا أقرر عوضا عن أحد، ولا حتى عوضا عن نفْسي...

لا أسمع ... لا أرى.. لا أتكلّم.

أنا إذن تلك الآلة التي تبرمج لتنفيذ مهمة وكفى. و لكنني لمْ أترك بسؤالي ذلك لإيراد إمكانية

إكمال حديثه عن دواعي الذهاب إلى باريس ؟ وماذا سنفْعل في باريس ؟ ولماذا في هذا التوقيت ؟

لماذا ذهب بي الظن، أنني سأحارب الجيش الفرنسي أو الشعب الفرنسي ؟ لماذا لا يكون خروجنا من دمشق

إلى باريس هربا أو إستراتيجية أو تكتيكا ما لا بد من إتقانه؟

مع ذلك استغرب  ت، لماذا لم يسأل أي من "ميلود" أو"أمير" عن سبب خروجنا إلى باريس؟ لماذا ؟ هل

تراهما فهما الدور المنوط بعهدتنا، ولم أفهمه لقلّة خبرتي بالتنظيمات والجهاد؟

حاول  ت إصلاح الخطإ، بأنْ كشر  ت عن أسناني  مبتسما، وألقي  ت ملاحظتي دون أنْ أدرك عواقبها :

كم تمني  ت لو كانت المهمة القادمة في تلّ أبيب.. هذه أمنيتي.

كن  ت ولا زلْ  ت أدعو الله أنْ يحققها لي.

لحظتها أدركْ  ت أنّ الطُّعم الذي ألقيته، كان كافيا ليغفروا لي خطئي أو سوء فهمهم لي ...علّق الشيخ

"أمير التوم":

الحمد لله ... لمْ  تخيب نظري فيك. خبرتي بالرجال في هذا العمر لا تسمح لي بأنْ أخطأ في

تقييمهم.

اسمعني يا ابني.. أقول لك يا ابني هذه المرة، لأنني مطالب أنْ أعمل خبرتي وشيخوختي كي تفهمني .

مهما كبرت، ستبقى شابا على الدوام، وسنبقى في حاجة إلى خبرتك.

لا يهم كلّ هذا المديح .. المهم يا ابني أنْ تعرف ماذا  تريد من الدنيا الفانية ؟ ولماذا أنت في هذه الدنيا

؟ ولماذا أنت خليفة الله في الأرض؟

نحن يا ابني، سخرنا أنفسنا طمعا في الآخرة لا في أموال الدنيا... وأنت تعرف أنّ شيخنا أسامة بن

لادن، كان من أكبر أثرياء المسلمين . لكنه فضل أنْ يسخر ماله ذاك لخدمة الإسلام، ولخدمة الجهاد

ضد الكفار و الملحدين. ولو اختار غير ذلك، لأمكن له أنْ يعيش في بذخ لا حدود له... لكن الدنيا

كالجسر نبنيه لنعبر إلى بر الأمان.

أرد  ت أنْ أبرر سوء الفهم:

يا شيخنا أنا...

( قاطعني ) لا داعي للتبرير... نحن سنعبر معا إلى أوربا. وإذا أرد  ت الانسلاخ، فيمكنك أنْ تبقى في

دمشق.

( موجها كلامه لإيراد )

متى سنغادر ؟

رد "إيراد"، وهو لا يزال واقفا:

فجرا... الثالثة صباحا نتوجه إلى الحدود التركية، ومنها إلى اليونان بحرا... ومن أثينا سندخل

باريس عبر البر.

تدخل "ميلود عبد القادر"،  موجها كلامه إلى إيراد:

وأنت...؟

رد " إيراد " بأسف ترقْرق في حدقتيه:

أنا سأبقى في دمشق .. هذه أوامر القيادة .. من الممكن أنْ أسهل التحاق بعض الإخوان بكم في الأيام أو

الأشهر القادمة.

وهل ثمة من سيلْتحق بنا؟

هذا وارد ... ثمّ أنني إذا غب  ت عن دمشق، بعد انتهاء العطلة المرضية التي أتمتع ا، فإنّ ذلك سيثير

الكثير من الشكوك حولي، وقد تتحرك الكثير من المياه الراكدة.

المهم علينا الاستعداد من الآن، حتى نلتزم بالوقْت و بالتعليمات.

(طأطأ رأسه وصمت قليلا وأكمل)

سأبقى مع "أبي مصعب"، وربما هو من سيلتحق بكم، هذه فرضية قد لا تصح.