الفصل الأول
الذكرى الأولى
للطفولة أسرار ومميزات ولكن من ذا الذي يستطيع وصفها ! من ذا الذي يستطيع تعليلها ،
لقد اجتاز كلّ منا ذلك العمر الذي تشبه ذكراه ذكرى غابة هادئة مسحورة ، وخَبَرَ يوما فيه فتح عينيه المملوءتين بدهشة السعادة على سناء الحياة الجديدة الفائضة في روحه .
يومذاك لا ندري أين نحن ومن نحن: بل العالم كله يخصنا ونحن ملك العالم بأسره .
حياة تخال دائمة بلا بداية ولا نهاية لا هم فيها ولا ألم .
القلوب عندها صافية كسماء الربيع ، عذبة كعرف البنفسج ، مطمئنة قدسية كصباح أيام الأحد .
ماذا يطرأ على الطفل فيقلق فيه هذا السلام الإلهي ، وكيف تنتهي تلك الحياة المشبعة سذاجة وطهارة ؟
أي العوامل يحول معاني كيانه ، ويميت فيه الشعور بالاتحاد والتضامن ؟
أي العوامل يعلمه تمييز المفرد من الجمع ، فينتبه ليجد نفسه في معترك الحياة وحيدا كئيبا ؟
لا تقل ، يا ذا الوجه العبوس ، إن ذلك العامل هو الخطيئة ! أَوَ هل يجني الطفل إثما ويقترف ذنبا ؟
بل حري بك أن تعترف أننا لكل شيء جاهلون وإنه ما علينا سوى الاستسلام والامتثال .
أهي الخطيئة التي تنبت البذرة زهرة ، وتنضج الزهرة ثمرة ، ثم تفنى الثمرة وتذرها هباء ؟
أهي الخطيئة التي تحول الحشرة دودة وتجنح الدودة فراشة ، وتذر الفراشة هباء ؟
أهي الخطيئة التي تُسَيِّر الطفل رجلا ، وتشعل منه الرأس بشيب الشيخوخة ، ثم تهمد الشيخ جثة ، ثم تذر الجثة هباء ؟
وما هو هذا الهباء الذي تضيع فيه الصور ؟
ألا فاعترف بأننا لكل شيء جاهلون وإنه ما علينا سوى الامتثال والاستسلام !
ولكنه يحلو التلفت إلى ربيع الحياة وإلقاء نظرة على هيكل التذكار ، سواء أكنا من العمر في قيظ الصيف أو حزن الخريف ، أو زمهرير الشتاء .
بل لا بد من ساعات فيها يناجي القلب ذاته قائلا وأنا أيضا أشعر بالربيع متيقظا فيَّ، هذا ما أشعر به اليوم .
وتراني مستلقيا على ندى العشب في الغابة العطرية لأريح جسمي المضني . أرفع بنظري إلى زرقة السماء البادية من خلال الوريقات الخضراء ؟
ترى كيف كانت طفولتي : وأفكر أخالني ناسيا كل شيء لأن صفحات الذاكرة الأولى تشبه التوراة القديمة المحفوظة في العائلة أي أن أوراق الاستهلال منها ذابلة متجعدة ملوثة ، ولا تتيسر القراءة إلا بعد صفحات وصفحات ،
عند السطور المحدثة عن طرد آدم وحواء من الفردوس .
طفولتي بعيدة العهد يفوتني كثير من حوادثها ولا أعي أيامها القصوى ، أعود بأحلامي إليها ، وأنتقل منها إلى الأبدية التي سبقتها ،
وتظل البداية المبهمة متراجعة أمامي كلما تتبعها فكري القاصر ، لأن فجر الحياة يخت فيَّ في ظلمات الغفلة والحداثة .
وأنا في ذلك كالطفل يبحث عن نقطة ارتكاز السماء على الأرض فيعدو حثيثا وتلبث السماء مجددة آفاقها ، فيتعب الطفل وتكل قدماه ولا ينال من بغيته شيئا .
على أني ما زلت أذكر أول مرة رأيت النجوم وكانت النجوم تعرفني منذ زمنطويل .
كنت في ذلك المساء على ركبتي والدتي ، ورغم ذلك سرى البرد في جسدي واستولى عليّ الخوف ،
فانتبهت لذاتي الصغيرة انتباها غير عادي . ورفعت والدتي أصبعها مشيرة إلى النجوم اللامعة ، فدهشت وفكرت : بأي لباقة صنعت أمي كل هذا ، وعادت الحرارة إلى جسدي وأظنني استسلمت للنوم .
وأذكر كيف اضطجعت مرة على العشب الأخضر وكل ما حولي يموج ويهتز ويطوون همهم ، فاقتربت مني جماعة مخلوقات صغيرة مجنحة ذات أقدام متعددة وحلت عليَّ فشعرت بألم في أجفاني ولم أتمكن من فتح عيني لأرى زرقة السماء ، وصرخت مناديا أمي ،
فجاءت قائلة : يا بني المسكين ، ها قد لسعتك البعوض .
و كانت أمي تحمل طاقة بنفسج نضير فأحسست بالأريج المسكن ذي الزرقة القاتمة يخترق دماغي .
ومنذ ذلك اليوم ما رأيت باكورة البنفسج إلا انتعشت تلك الذكرى في حافظتي
فأغمض عيني لعل سماء ذاك العمر تخيم علي مرة أخرى .
شفيت ، فانبسط أمامي عالم لم أعهده يفوق منه الجمال جمال الكواكب ويفضل منه العطر عطر البنفسج .
وكان صباح عيد الفصح ، فأيقظتني والدتي باكرا فوقفت
أنظر إلى الكنيسة القديمة القائمة إزاء النافذة . لم تكن جميلة كنيسة طفولتي ،
إنما كانت شاهقة ، جدرانها ذات منظر مهيب ، باذخة قبتها يعلوها صليب مذهب ،
وتبدو أقدم جميع المنازل المجاورة . ولطالما تمنيت تعرف من يسكنها
فنظرت من شباك الباب الحديدي ، وأطلت النظر مرة وكان الداخل خاويا خاليا رطبا وليس ثمة نفس واحدة ،
فصرت أفزع كلما مررت بها فأعدو طلبا للهرب . ولكن في ذلك الصباح ، صباح عيد الفصح ، أمطرتنا السماء في الضحى رذاذا ثم بزغت الشمس في أبهى حلة من الأنوار فبهجت جدران الكنيسة القديمة وتألق سطحها المصفح الأشهب ، ولمعت نوافذها الكبيرة ،
وسطعت القبة بسناء صليبها الذهبي سطوعا مدهشا تناول كل شيء منها وحواليها . وبدا النور السائل من النوافذ الكبيرة حيا متموجا وأبهى من أن يمكن التحديق فيه ، فأغمضت عيني . إلا أن النور العجيب ما زال يفيض على روحي جاعلا جميع الأشياء لامعة عطرة ترن وتنشد .
خلت حياة جديدة تنبض فيَّ ، كأن شخص ي الأول تبدل بشخص آخر ، وإذ سألت عن الأصوات الفخمة المتصاعدة من أعماق الكنيسة قالت والدتي: إن هذا نشيد الفصح . لم يتسن لي إلى اليوم معرفة ذلك النشيد الذي هبطت أنغامه على روحي ،
ولا ريب أنه من تلك المزامير الرائعة التي تسربت إلى روح لوثر الصارمة . ولم أعد أسمعه مرة أخرى . أما الآن فعندما أصغي إلى موسيقى بيتهوفن أو مزامير مارسلو ، أو أجواق هيندل ، وأحيانا عندما أسمع الأغاني الساذجة في جبال اسكوتلندا والتيرول ، أشعر بأن نوافذ كنيستي القديمة تسطع بنور باهر ، وأن عالما جديدا ينفتح أمامي من عالم الكواكب وأعذب من عرف البنفسج .
هذا ما علق بذهني من تذكارات طفولتي يتخللها وجه أمي الحنونة وعينا أبي العميقتان ، وحدائق وأشجار أعشاب مخملية الخضرة ، ودالية تحمل العناقيد الناضجة ، وكتاب جليل حافل بالصور الملونة ، التوراة .
هذا كل ما أميزه على الصفحات الأولى من ذاكرتي الذابلة . لكن ما يعقبه واضح جلي .
أرى ملامح الوجوه التي اعتدت مشاهدتها وأنادي أصحاب هذه الوجوه بأسمائهم: أبي وأمي ، وأخواتي وإخوتي ، والأصدقاء والمعارف والمعلمون وبعض الغرباء …
أواه ! يا لحلاوة تذكار تركه الغرباء في فؤادي ! ويا لعمق موضع روحي