ابتسامات ودموع أو الحب الألماني
فريدريخ مكس مولر
ترجمة مي زيادة
جميع الحقوق محفوظة للناشر كلمات عربية للترجمة والنشر (شركة ذات مسئولية محدودة )
إن كلمات عربية للترجمة والنشر غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره وإنما يعبّر الكتاب عن آراء مؤلفه
إهداء :
إلى العينين اللتين أطبقهما الموت قبل أن ألثمهما .
إلى الابتسامة التي لا أعرف منها إلا خيالها .
إلى الاسم العذب الذي لا تهمس به شفتاي دون أن تملأ عيني الدموع .
إلى الطفل الذي رحل إلى خالقه ويتم فيّ عاطفة الحب الأخوي فحرمني من حنو الأخ وقبلته وابتسامته ودمعته:
إلى أخي الوحيد الذي تقاسمه الأثير والثرى .
مي
مقدمة بقلم مي :
أراني راغبة في تقديم الطبعة الجديدة بكلمة تشير إلى كيفية تعريب هذا الكتاب ،
وتوضح باسم Deutsche Liebe الحب الألماني
السبب الذي حملني على استبدال اسمه الأصلي الذي عُرف به لدى قراء العربية . وأن أشرح ما يتناول هذه الطبعة ابتسامات ودموع من تغير يبدو في كل جملة تقريبا ، ومن زيادة أتيت بها في صفحات كثيرة من أغلب الفصول . على أني لا أكاد أذكر الترجمة الأولى إلا ويأخذ محيطي بالتلاشي ، ويسقط القلم من يدي لأحدق في الصحيفة البيضاء كأنها آلة سحرية تستهوي الوسيط وتسطو عليه أسرارها .
ولا يطول حتى تنتقش عليها صورة المكان الذي أظلتائقة تني يومذاك سماؤه ودوت حولي أصواته . هاك حفيف الأوراق ، وتصفيق الأجنحة ، وتغريد الأطيار على الغصون .
ألا فاصْغِ إلى وقع أقدام السائرين في الطرق الحمراء الضيقة المتلوية بين أشجار الصنوبر صعودا إلى قمة أشرفت على المرتفعات والمنخفضات يسرة ويمنة ، شرقا وغربا .
وانظر جانبا إلى صنين وقد أثقلت ذروته ثلوج حولها انعكاس الأشعة ثغرا نورانيا يُسِرّ إلى صدر الفضاء بما توصله إليه أصداء الغبراء من شكاية وتأوه .
تنبثق من جانبه سلسلة آكام تتساند مستديرة ، مستطيلة ، ناشزة ، وتظل في انتقاص وتصاغر على انسجام وحسن دراية حتى تسجد بواقي الصخور منها على الشاطئ . كأن أعالي صنين أنفذتها برسالة إلى البحر لتعود بالجواب عليها .
والبحر ، آه ! ترى ماذا يقول ذلك الأزرق الأفيح المائج
بهدوء ودلال ، كأنه أرجوحة الأثير تهزها أيادي آلهة الهواء لتنوم فيها طفلا عجيبا دهشت بجماله السماوات وافتتنت الأرضين بغرامه ؟
نعم ، ها أنا ذا في ظهور الشوير بلبنان ، ذلك المصيف الهنيء . نحن في صميم القيظ وقد تقاطر المصطافون حتى ضاقت بهم المنازل والفنادق .
والجماعات التي تباينت أفرادها علما وتهذيبا وارتقاء ، وتنافرت عادات ومشارب وأطماعا ، ها هي تعيش تحت سقف واحد ، وتتبع في أمور جمة نظاما فردا وضع لضيوف النزل جميعا . ومن هذا الاجتماع بالغرباء ، ومحاذاتهم أياما وأسابيع وشهورا ، والجلوس وإياهم حول مائدة واحدة مرة بعد مرة ، وحدة تنشأ وتتثبت بالتكرار ، فضلا عن خبرة موفورة لدرس أخلاق الناس ، وتمرين ميسور في أساليب المعاملة والإرضاء .
بيد أني بعد الأحاديث المسلية والضحك والائتناس أظلتائقة شاعرة بفراغ واسع ، أظلتائقة متسائلة ماذا يعرف أولئك المتنادمون المتسامرون المغتابون ، بعضهم من بعض ، أظلتائقة تائقة إلى الوحدة والاختلاء تحت أشجار الحرج الصغير .
لذلك سعيت في أن يُبنى لي هذا الكوخ الضيق من خشب الغصون ويسقف بالأعشاب اليابسة ، وليس في داخله من حطام الدنيا سوى مقعد وطاولة نضدت عليها كتب قليلة .
وإنما دعي كوخي لأني جللت جدرانه من الداخل بنسيج أخضر . عدا عن أفنان مخضوضبة حنت الأخضر عليه ، وخضرة غضة أحدقت به من كل جانب .
هنا تعرفت بمكس مولر وبكتابه الجميل . تعرفت به في الخلوة لأن الأرواح الكبيرة تنكمش في المحافل العادية ولا تتجلى إلا في العزلة لمن كان على استعداد لتلقي فيض بهائها .
كنت شرعت أدرس الألمانية في القاهرة إبان الشتاء ولم ينلني منها سوى عشرين درسا أو أكثر قليلا .
ولما تزودت بالكتب قبيل الرحيل أضفت إلى حقيبتي كتابا ألمانيا هو الحب الألماني ، . وقد وقع عليه اختياري لأن السيدة البروسية التي تتلمذت على يدها ، ذكرته لي ممتدحة أسلوب مكسمولر المشبع فكرا ومعرفة على سهولته ورشاقته . ونسبت هذه الرشاقة وتلك السهولة إلى كون المؤلف شاعرا بفطرته ووراثته رغم اشتهاره بالعلم والبحث ، وإلى كونه إنجليزيا بوالدته كما صار بعدئذ إنجليزيا بزوجته وباستيطانه إنجلترا أعواما طوالا ،
فكان له من إجادة اللغة الإنجليزية ومعالجتها والتأليف فيها مساعد قوي في تجريد جملته الألمانية من التطويل والصعوبة والإبهام الملازم لها غالبا عند كُتّاب الألمان ، لا سيما العلماء والفلاسفة .
ولم أفرغ من إنشاء الكوخ الأخضر حتى أخذت أتصفح الكتاب ، في عزلة وما أن انتهيت من الفصل الأول تملكتني روحه الشعرية الفلسفية وأرهفت ذهني ، فتمكنت من الإحاطة بالمعنى العام
وإن فاتَني من معنى المفردات كثير . وما أتيت عليه إلا وعدت أراجع قراءته مرات حتى ابتهجت بمحاسنه نفسي المنفردة . وعلى قِصَر باعي بالعربية التي كنت نشرت فيها مقالات قلائل ، ومع أني لم يكن لدي معجم ألماني ، استعنت بالقلم والقرطاس لأرسم بلغتي تلك الخطوط البديعة ، ولو كان لي مقدرة مكس مولر الفكرية والإنشائية لما أفصحت عن في ذيل حركات النفس بسواها .
وقد قال لي أحد الأدباء عندما نشرت ابتسامات ودموع أسائل ذاتي ساعة أقرأ ذيل المحروسة ،في الشتاءأأنت ناقلة مكس مولر إلى العربية أم هو ناقلك إلى الألمانية الأولى ، حقيقة أولية هي كل قوة الكاتب الوجداني الذي إنما نحكم له بالتفوق لأنه أحسن التعبير ، ليس عما يشعر به هو ، بل عما نشعر به نحن القراء . وكيف لا نحكم له بذلك وهو الغريب الجاهل أسرار قلوبنا قد اطلع على خفايانا وبسطها لنا وللعالمين .
من هذا القبيل آية سحر وبراعة ، لا يقصر على الوصف ، بل ابتسامات ودموع وكتاب هو مهبط وحي للنفوس الحساسة . كان ذلك في صيف 1911 وبي تيقظ الفتاة الأول ، واستفسارها الصامت إزاء المسائل الكونية والعمرانية والروحية ، وإعجابها المنتبه المتحفز للاهتمام والتحمس ، وبي كذلك خجلها وحيرتها وترددها .
وكنت كئيبة . كنت أكتئب لغير سبب ، وأكتئب للعوامل الدافعة بالاجتماع ، الشاغلة أفراده ليلا ونهارا .
حتى إذا احتميت بحمى الطبيعة وألقيت عليها اتكال روحي رافقت الكآبة حبي واتكالي .
الكآبة خاتمة شعور الإنسان إزاء الجمال والقباحة ، والخير والشر ، والعدل والظلم ، والكره والحب ، والفوز والخذلان .
إليها تنتهي حركات التأثر في جميع حظائر النفس كأن لا شيء وراءها سوى المبهم والمجهول والظلام الدامس .
أهي ناتجة عن شعور المرء بضعفه حيال قوة العالم ، وبعجزه عن تحويل الأشياء عن مجراها ؟ قد يكون .
ولكن الواقع أن التنهد والامتثال نهاية كل عاطفة وكل فكر ، كما أن كل عمر بشري يختم بإرسال الزفرة وإسبال الجفون .
كنت قبلئذ أسير لا ألوي على شيء ، إن وقعت عيني على شخص ، أو طرق سمعي موضوع نظرت في هذا وذاك نظرة استخبار سطحي .
أما هناك فطفِقت ألقي على نفسي أسئلة منطلقة من جهلي المتعطش إلى الارتواء ؛ من أنا ؟ ما هو موقفي في الدنيا ؟ لماذاتزعجني بعض الأحاديث ، وتسخطني بعض الوجوه ، في حين أرتاح لأحاديث أخرى
وتجذبني وجوه غيرها ؟ لماذا أحب هذه ولا أحب تلك ؟ لماذا ينفث هذا في روعي وجوب احترامه فأسعد بتوجيه عاطفة جليلة إلى موضوع يليق بها ،
بينا ذاك الآخر لا يلهمني غير الهزء والامتهان ؟ لماذا يفرحني الناس وأفرحهم ؟ لماذا يؤلمني الناس وأؤلمهم ؟ ومن أين لي ولهم هذه القدرة العميقة النافذة ؟
أسئلة نقضي العمر ناشدين عنها أجوبة ولا نفوز قبل الموت بالجواب الشافي .
وهكذا صار كوخي الأخضر سجنا اختياريا ، وشرفته نافذة مفتوحة على ميدان العجائب والغرائب ، وقد تسنى لي أن أستعرضها وأتفحصها بفكري سائلة عن ماهيتها دون أن يكون ثمة سامع أو مجيب .
الفكر ! ما أجذب الفكر إذا هو مزج بطلاوة العاطفة وخيمت عليه أوشِحة الخيال !
عشت السنوات الأولى من حياتي دون تفكير ، وها قد غدا الجناح الملون بألوان قوس السحاب يضرب جبهتي ليفسح له فيها ، وكْرا فصار كل موضوع ، وكل شخص وكل مشهد طبيعي ، ينفحني بتأملات زرقاء ، وردية ، ذهبية ، فضية ، رمادية تحوم حولي تارة ، وطورا تجثم فيَّ متعاونة مع ما في الكتاب على إيصالي إلى روح الإنسانية ،
فأكاد أسمع دقات قلبها وصدى أنينها فأدرك أنها شقية بجهلها واضطرابها وهمومها ،
وأنه قدر على المختارين من بنيها أن يتألموا أضعافا لأنهم السابقون إلى مقاتلة المجهول ، وكجميع الطلائع يتلقون ضربات المصادرة والمقاومة ، فلا تَضْعُف عزائمهم ، ولا تكل أقدامهم ، ويثابرون على تلمس السبيل في حالك الظلمات ، ويسيرون إلى الأمام حاملين غنيمة الجهود الإنسانية والثقة بتحقيق الآمال .
والطبيعة ! يا لاستهواء الطبيعة وقد انتشرت الأشجار والصخور على الجبال والوهاد فرقصت هناك الأشعة وانسلت هنالك الأظل تائقة ال! يا لخشوعها وقد تجمعت منازل القرى حول قبة الأجراس المنتصبة كالمسلة ، بل هي قامت في الوسط ككاهن مد يمينه نحو العلاء مبتهلا وجثت حوله الرعية خاضعة ضارعة !
يا لبراعة الطبيعة بالتنوع في لبناني الجميل ! لقد تصرفت بجميع فنون الجمال فهي منه كل يوم في حلة جديدة وهيئة طريفة .
فساعة تغرق الكائنات جميعا في أوقيانس ضياء يبهر الأنظار ويذهل العقول ، وساعة تزحف كتائب الضباب المتراصة من أطراف البحار وتهجم فيالق السحب المتكاثفة من أقاصي الآفاق فتكتسح ما قام أمامها وتبسط رواقها الرمادي ،
كأن العالم في دوره السديمي . ويعتدل النور والحرارة يوما ، ويبرز روح التيقظ والكتمان فتصبح ألياف كل نبت ، وكل قطرة ماء ، وكل ذرة هواء ، شاعرة بسر الوجود الخطير ،
تؤيد بحركتها اللطيفة ضرورة مساعدتها وحقيقة كيانها ، ويخال الهواء حساسا كقلب الولهان داويا كالنحاس المجوف . وآنا تبدو خطوط الموجودات ونبرات الأصوات بوضوح غير عادي ، وتنمو روعة الأشياء كأنها كبرت واتسعت وربضت في مجاهلها الأهوال باتفاق فجائي بين آلهة القدر ،
فيتولاني افتتان ، به ينقلب الزمن والمسافة سائلا متحركا أو عبابا متموجا يحملني تياره إلى حيث لا أدري من عوالم الخيال ؛
شأن الحياة بالإنسانية الضعيفة الساذجة ، الإنسانية التي تجهل الغرض من تحركها ووجودها ولا تفتأ تذوب شوقا إلى بلوغ غاية تزعم الإحاطة بها وهي في الواقع لا تعلم ما هي !
وكم خلت القوة الحيوية غبارا ذهبيا أو سيالا أثيريا منبعثا من البحر والجبال والكائنات جميعا ، وكم عبدت الطبيعة عبادة حارة خاشعة كعبادة المتدينين والشعراء والمتيمين ، أولئك الذين يقدسون الحياة خارجا عن أشخاصهم ومحصورة في إله ، أو رمز ، أو إنسان ،
وكم ملأت الدموع عيني شكرا للحياة ، شكرا للطبيعة ، شكرا لجميع الموجودات ، شكرا لهذا الكتاب الذي تتهادى بين سطوره خيالات اليأس والأمل والبكاء والابتسام والحب والموت واللانهاية .
أظنني قلت في مطلع الكلام أن القلم سقط من يدي ، وكان ذلك وهما . ها هو القلم يجري على الصحائف قليلا قليلا مستحضرا تلك الساعات تباعا كما تتعاقب الصور المتحركة على غطاء المسرح ، وما الألفاظ سوى رسوم إيمائية لحقيقتها . غير أن النفس تدخرها ككنوز ثمينة لأنها كبيرة الشأن في تطوري الروحي والفكري .
كلا ، ليس هذا الكتاب حبا ألمانيا فقط بل هو خلاصة بسمات الإنسان فإن كان ذلك تزييفا لفكرة المؤلف الواجب احترامها ، وعبراته ، فسميته الحب الألماني ،ابتسامت ودموع . على كل مترجم ، فهو صادق من حيث اقتناعي الخاص ، أمين للصورة التي ارتسمت منه في نفسي .
انتشر الكتيب وكادت نسخه تنفد منذ ثلاثة أو أربعة أعوام فحال دون طبعه اعتقادي بوجوب إعادة الترجمة ، لأني وإن رأيت بسرور أني ألممت بروح الكتاب إلماما يكاد يكون تاما إلا أنه كان يخجلني ويسوءني معا أني أهملت طائفة من الأفكار الجميلة والمعاني الرائقة التي لا يجوز الإغضاء عنها .
والآن أهدي إليك ، أيها القارئ ، هذه الطبعة الجديدة . لقد تقيدت بالأصل معنى وتعبيرا محاولة إبرازه إلى العربية بصيغته الشعرية البسيطة خاليا من الاستعارة الغريبة والتنميق الشرقي . والألفاظ التي أكثر المؤلف من استعمالها مثل جميع هذه الألفاظ وغيرها وضعتها في أماكنها ، قلبي و نفسي و روحي و ظننت ولأنهاضرورية للغة التذكار . وستحب هذا الكتاب سواء أكنت معلما أو متعلما ، فيلسوفا أو شاعرا ، سياسيا أو تاجرا ، سعيدا أو شقيا ، كبيرا أو صغيرا .
ستحيا فيه وبه كما حييت . ستنمو به وتتوحد وإياه حينا فينتزعك من ميدان المزاحمة والمنافسة والحقد والتهكم والحسد والإجهاد .
ستتوحد وإياه مستدعيا ماضيك ، أو مفكرا في حاضرك ، أو مترقبا مستقبلك .
أو هو يمثللك فصولا من ماضيك وحاضرك ومستقبلك جميعا في آن واحد ، كائنا عمرك ما كان ،
لأن العواطف لا تفنى والقلب لا تدركه الشيخوخة . بل يسير جامعا من يأسه وآلامه وانتصاره واندحاره خبرة وقوة توصلانه إلى سبل جديدة ومعارف مطلوبة .
وحسبه أن ينبه فيك الذكريات الحلوة المرة من مباغتات الحب والحياة والموت والابتسامات والدموع ، وهي إرث بني الإنسان أجمعين .
العلّامة اللغوي مكس مولر المقتطف عدد تشرين الثاني/نوفمبر ، سنة 1900
كا نفريدريخ مكس مولر . عالما من شيوخ العلماء وأستاذا جليل الشأن طبقت شهرته الخافقين ، وكان له اليد الطولى في وضع علم اللغات وتسهيل الاطلاع على عقائد الأمم الشرقية .
وهوأ لماني المولد إنكليزي الموطن ولد بدساو من دوقية انهلت سنة 1823 وأبوه شاعر ألماني أورثه قريحته ومخيلته فامتاز من صغره بالذكاء وسرعة الخاطر وقوة الخيال حتى يكاد نثره يكون شعرا لما فيه من الصور الخيالية .
وقد قال إني ابن شاعر ، ولقد بذلت جهدي العمر كله لكي لا أكون شاعرا لكن الطبيعة تغلب ، وكيف لا تغلب وقد ربي على ما ينميها ويقويها
فقد كان بيت أبيه ناديا لرجال الأدب من الشعراء والمغنين حتى إنه علق صناعة الغناء وصار غرضه الأكبر أن يصير من كبار الموسيقيين وبقي على حبه لها العمر كله .
درس في ليبسك وبرلين وباريس وامتاز وهو في كلية برلين بالاجتهاد وسرعة التحصيل وذهب مذهب
ثم مال إلى درس اللغات الشرقية فنال منها النصيب الأوفر وبرع في السنسكريتية والفارسية وترجم الهيتوبادسا (كتاب قصص الهنود) إيجين من السنسكريتية ونشرها وهو في العشرين من عمره
ثم انتقل إلى باريس ودرس على العلامة المستشرق الأستاذ الكبير برنوف
ولم يكن على سعة من العيش لكن كان من حسن بخته أن صادقه البارون الأرتشديكن فمد إليه يد المساعدة وكتب عنه إلى العالم الإنكليزي كارل بنصن يقول: : لقد أوصاني بعض ذوي المقامات العليا بشاب عمره اثنتان وعشرون سنة له مقام كبير في عيني شلنغ (فيلسوف ألماني) أشهر نفسه بترجمته الهيتوبادسامن السنسكريت ، وهو واسع الاطلاع بارع في كل شيء ، ويود أن يقيم في إنكلترا الذي أعلمه من وليم مولر بضع سنوات ، وهو ابن الشاعر اللغوي المشهور أمره أنه رائع الآداب رزين العقل . لفائدة اللغات الشرقية هو بنصن ويقال إن أعظم اكتشاف اكتشفه البارون على الشروع في ولسن والأستاذ بنصن وقد ساعده البارون . مكس مولر اكتشافه العمل الذي بقي عاكفا عليه إلى أن أدركته الوفاة فوكلت إليهشركة الهند الشرقية ترجمة بنصن كتاب ترانيم البراهمة وهو أساس الآداب السنسكريتية . وقال له الرغ فيدا لقد وكلت بعمل يكفيك العمر كله قطعة كبيرة لا تنحت ولا تصقل إلا في سنوات : حينئذ فجعلت هذه النتف . كثيرة ، لكن لا بد لك من أن تعطينا نتفا منها من وقت إلى آخر 16
العلامة اللغوي مكس مولر لكنه لم يقتصر عليه الرغ فيدا تنهال من قلمه كالمطر . وبقى عشرين سنة في تحرير بل اشتغل بمواضيع كثيرة وبرع فيها كلها ، فدرس اللغة الإنكليزية وصار من البلغاءفيها كلاما وإنشاء ، وله الخطب الرنانة التي كان الناس يتقاطرون لاستماعها ، ولوكانت في أعوص المواضيع اللغوية والفلسفية ، لبلاغة عبارتها وسهولة مأخذها . والكتب لغات دار الحرب : الكثيرة التي أعيد طبعها مرارا لرغبة الناس فيها . ومن هذه الكتب تاريخ الآداب طبعه سنة 1856 ، و عقائد الأمم (أي بلاد الهند) طبعه سنة 1854 ، وطبعها بين سنة 1861 خطب في علم اللغات طبعه سنة 1859 ، و السنسكريتية طبعها سنة 1870 ، وكتاب النتف في أربعة مجلدات خطب في علم الدين و1863 ، و، طبعت بين سنة 1868 و1875 ، وخطب في أصل الدين ونحوه طبعت سنة 1878 ومقالات مختارة طبعت سنة 1881 ، ومقالات في ترجمات المشاهير من أصدقائه ومنمعلمي بلاد الهند طبعت سنة 1883 ، وكتاب في الدين الطبيعي طبع سنة 1889 . وحرر في ستة مجلدات كبيرة فيها ثمانية آلاف صفحة متنا وشرحا ، وقد فحصه الرغ فيدا سبع مئة من البراهمة فحكموا أنه أفضل نسخة وأصلحوا نسخهم عليه . وحرر كتبالمشرق الدينية وهي خمسون مجلدا .
وله غير ذلك من الكتب والمقالات ومن آخر مقالاته مقالة في أديان أهالي الصين نشرت في جزء شهر (نوفمبر سنة 1900 ) من مجلة القرن التاسع عشر .
وحالما ظهرت مقدرته في علم اللغات اختير أستاذا فيه ، في مدرسة أكسفورد الجامعة ، فأقام فيها نحو خمسين سنة .
ولبعض العلماء مثل هكسلي وتندل وفوستر مقدرة فائقة على بسط المواضيع العلمية وهم يخطبون فيها حتى ترى الناس يتقاطرون إلى نوادي الخطابة عن طيب نفس ولو كان الموضوع من المسائل الطبيعية العويصة ،
فجرى مكس مولر مجراهم وبلغ الطبقة العليا بينهم ، فكان يخطب في علم اللغات وقد لا يقول شيئا جديدا أو شيئا لم يذكره أحد قبله ،
ولكنه كان يفصح عنه على أسلوب يختلب الألباب لم يسبقه أحد إليه حتى ذاع اسمه في البلاد الإنكليزية كلها وصارت خطبه من المواضيع التي يتحدث الناس بها في مجتمعاتهم وولائمهم وذهب كثير من أقواله أمثالا .
ولم تكن آراؤه كلها مما يقوى على النقد والتمحيص ولا لقي الطاعة العمياء من معاصريه والتسليم التام لمقدماته ونتائجه ،
بل لقي من علماء عصره كل منتقد عنيد كما هوتني ترى في ما ذكرناه في المجلد السادس عن رأيه في أصل اللغات وانتقاد الأستاذ عليه . وكذا مذهبه في اشتقاق الشعوب الأوربية من الشعوب الآرية وتولد الأوروبيين
والهنود من أصل واحد ومهاجرة الأوروبيين إلى أوروبا من قلب آسيا ، فإن كثيرين من نخبة العلماء يخالفونه الآن في هذا المذهب .
ويقال بنوع عام إنه كان متطرفا في مذاهبه متسرعا في أحكامه ، لكن لا ينكر أحد أن علم اللغات (الفيلولوجيا) الذي وضعه الأستاذ عقائد الأمم وكتابه في . مكس مولر بوب سنة 1835 لم يوسعه أحد مثل تلميذه لا يخلو من آراء غير سديدة ولكنه هدى العلماء إلى مكتشفات عديدة في هذا الموضوع وأوضح كثيرا من الغوامض بذكاء عقله وقوة بداهته .
ولا شبهة عندنا في أنه وسع نطاق علم اللغات ورغب الناس في درسه وعلم الأوروبيين والمشارقة أنفسهم كثيرا مما لم يكونوا يعلمونه من تاريخ لغاتهم ومعتقداتهم ،
ولكننا نرتاب كثيرا في أن ذلك أفاد سكان المشرق سياسيا ؛
فقد بذل جهده مدة خمسين سنة ليقنع الإنكليز أن الهنود أبناء أعمامهم ، لكن هذا لم يغير رأي الإنكليز في الهنود ولا أفاد الهنود مثقال ذرة .
ومن لا يقنعه قول الكتاب أن الناس كلهم من أب واحد وأم واحدة لا تقنعه آراء العلماء وأقوال الفلاسفة .
وكان رضي الأخلاق كثير الأصدقاء يقصده الزوار من أقطار المسكونة ويكاتبه الناس بلغات شتى .
اختار إنكلترا وطنا له لكن حب ألمانيا وطنه الأصلي لم يهجر فؤاده ، فلما نشبت الحرب بين فرنسا وألمانيا سنة 1870 نشر خمس مقالات في جريدة التي مسوأقام الأدلة على أنه كان يقصد بها السلم لا الحرب . بسمارك دافع فيها عن سياسة وبقي العمر كله عالما ألمانيا بين العلماء الإنكليز .
وقد بذل الإنكليز جهدهم في إكرام مثواه وخلقوا له منصب أستاذية اللغات الأجنبية خلقة لكي لا يحرموا فوائده ولا يدعوه يهجر بلادهم . ثم أبدلوها بأستاذية علم اللغات (الفيلولوجيا) . ولما كثرت أشغاله وود أن يعفى من هذا المنصب لأنه لم يعد قادرا على القيام به عينت المدرسة أستاذا آخر نائبا عنه يقوم بأعبائه وأبقت الأستاذية له .
ولكن لما خلت كرسي أستاذ السنسكريت وترشح لها هوعليه ، لا لأنه أكفى مونير وليمس فضل المنتخبون مونير وليمس والأستاذ الإنكليزي ألماني ، فاستاء من ذلك لكنه لم يحقد مكس مولر منه لهذا المنصب بل لأنه إنكليزي وعلى الذين فضلوا غيره عليه .
وود مرارا أن يترك أكسفورد ، وأما أكسفورد فلم تتركه ، وقد أكرمته كما أكرمت أشهر تلامذتها وأعظم أساتذتها ، وكان الصلة المتينة بينها وبين علماء أوروبا ولا سيما علماء ألمانيا حتى إن إمبراطور ألمانيا كان يبعث إليه بتلغراف التهنئة كلما فازت أكسفورد في سباق أو نحوه . توفي في الثامن والعشرين من أكتوبر سنة 1900 في بيته بأكسفورد على أثر مرض عقام في كبده ،
واحتفل بدفنه في غرة نوفمبر/تشرين الثاني وحضر الاحتفال الجنرال بسمارك
العلامة اللغوي مكس مولر من قبل جلالة إمبراطور شلز ستينورتز من قبل جلالة الملكة ، والهر غودفراي كلارك ألمانيا ، وبعث الإمبراطور بإكليل فاخر من الأزهار البيضاء وضع على النعش وقد كتب وبعث ملك اسوج إكليلا من الزنابق . وحضر الاحتفال أيضا ولي ، لصديقي العزيز عليه عهد سيام ونواب المدارس الجامعة والجمعيات العلمية .
مقدمة المؤلف
بقلم فريدريخ مكس مولر
الحرقة اللاذعة قلب من جلس إلى منضدة طالما اتكأ عليها صديق نام الآن في القبر ليستريح ،
ترى من لا يشعر بتلك الحرقة بعد فراق الحبيب ؟ من ذا الذي لم يحاول ولو مرة فتح أبواب حفظت أسرار فؤاد يخت في اليوم وراء هدوء المدافن وجلالها ؟
هذه رسائل أحبها كثيرا ذاك الذي أجمعنا القلوب على محبته . وهذه صور ، وأشرطة ، وكتب وضعت بين صفحاتها العلامات والرموز .
من ذا الذي يستطيع الآن تقليبها ليستشف الغاية منها ؟
وهل من يد سحرية تلم شمل هذه الوردة الممزقة الجافة وتنفث فيها من جديد روح الحياة وأريجها ؟
كان اليونان يضعون موتاهم على فراش ناري فيلتهمها اللهيب .
واعتاد الأقدمون إيداع النار كل عزيز لديهم ، وإنما النار مستودع أمين لهاتيك الذخائر .
كذلك يقرأ الصديق الأسيف صحائف لم تقع عليها عين غير تلك التي أطبقت إلى الأبد . وإذ يتثبت من خلوها مما يعبأ به العالم يحملها بيد مرتجفة ويلقيها في النار ،
فيضم اللهيب وديعته هنيهة ولا يطول حتى ينقلب وإياها رمادا . لقد نجت الصفحات التالية من مثل هذا المقدور .
ولم يكن يراد في البدء سوى إذاعتها بين خلان الصديق الراحل . أما وقد وجدت أصدقاء بين الغرباء فهي جديرة بالانتشار في العالم الوسيع .
وكان يود ناشرها إظهارها على صورة أتم إلا أن الأوراق بالية في الأصل لا يتيسر نشرها بحذافيرها .