مقدمة

5 0 00

الفتى

الذي صمد

محمد بهاء الدين محمد عبد الحميد

الفتى الذى صمد

هذه القصة فازت فى مسابقة نادى القصة المصرى عام 74/1975 وكان ترتيبها الخامس على عشر روايات أخرى تم إجازة دخولها المسابقة .. وكنت قد دخلت بها قبل ذلك مسابقة النادى عام 71/1972 بإسم " غدا تنطق الأحجار " وكان ترتيبها الرابع .. وكان يرأس النادى وقتها الأديب الكبير المرحوم " يوسف السباعى " وأذكر من أعضاء لجنتى القراءة والتحكيم أدباء وأساتذة كبار هم جميعا فى ذمة الله الآن وهم الأساتذة :

د / سهير القلماوى .

د/ سمير سرحان .

د / سيد حامد النساج .

ا / صالح جودت .

ا / عباس خضر .

ا / حسين القبانى .

ا / توفيق حنا .

أسأل الله لهم جميعا الرحمة وأن يدخلهم فسيح جناته فقد قدموا جميعا خدمات جليلة لوطنهم وللعروبة .

كما أتوسم فى أنفسنا وفى الأجيال الجديدة ألا يحبطوا أبدا فالخير فى رسولنا وفى أمتنا الى يوم القيامة .

المؤلف :

مهندس زراعى

محمد بهاء الدين محمد عبد الحميد .

مقدمـة

ارجو قراءة هذه القصة على اساس انها قصة انسانية ووطنية معا لان قراءتها خارج هذا الاطار سيجردها من كل مقوماته لاسيما ان اعتبرها القارىء قصة وطنية فحسب ... فانه انذاك لن يجد فيها ما يرضيه .. وبالتالى سيكون حكمه عليها سيئا ... لان القصة الوطنية بالمفهوم الذى شاع ورسخ بالاذهان .. هى القصة الحماسية .. او القصة التى تعالج القضايا الوطنية .. او المواقف التاريخية .. على انها بطولات وصور نضالية فقط .. وصولا الى مؤثرات وجدانية معينة فى نفس القارئ .. ولو على حساب الحقيقة التاريخية او الانسانية .. التى يجوز ان اسميها بالحقيقة الموضوعية .. فأنا فى هذه القصة عمدت الى مخاطبة العقل والوجدان معا .. وصولا الى مؤثرات فكرية ووجدانية اثبت وأبقى ... مع ملاحظة أننى لا ازعم بقولى هذ اننى أتيت بشئ جديد .. لعلمى بأن بعض كتابنا الكبار قد انتهج هذا المنهج .. ولم يقلل من قيمة عمله أحد .. ببساطه هكذا لانه كاتب كبير .

ثم أننى أعتذر عما قد توحى به كلمتى تلك من محاولة لتوجيه ذهن القارئ وجهة معينة أو التأثير فى رأيه .. فأنا لم أقصد إلا عرض رأيى ككاتب جديد .. الأمر الذى أعتقد أنه من حقى .. فى عهد أصبح الفكر

فيه حرا .

المؤلف :

محمد بهاء الدين .

يناير 1971

فؤجئ " سامح " وهو فتى صغير فى الصف الثامن من مدرسة " يافا " الابتدائية برجل لامع الوجه فارع الطول يعترض طريقة ويمنعه من دخول مدرسته قائلا له فى صوت دمث مهذب :

- آسف يا سيدى ...... !

وأربكته المفاجأة ومنظر الرجل المخيف لطفل مثله بساعته الذهبية التى تتلألأ حول معصمه وبزته السوداء والخواتم الثلاثة التى تتحلق أنامله فى غثاثه المغالاة وينافس بريقها الأخاذ ذلك البريق الأكثر رهبة فى عينيه فارتد إلى الوراء مذعورا دهشا يكتسح المرئيات أمامه بنظرة فاحصة متأملة وتساءل " أو تراه أخطأ طريقة فولج مكانا محرما عليه دخوله ؟" لكن السؤال لم يدم أكثر من الوقت الذى استغرقة فى إمتلاك انفاسه المبهورة وفى تلاشى الغمامة التى غشيت عينيه ذهولا .. من إجتراء رجل مهما بلغ به الحول والطول على الحيلولة بينه وبين دخول مدرسته ، التى أصبح يقينا الآن أنها هى ببوابتها الحديدية الخضراء وبسياجها الأبيض المرتفع إلى الحد الذى يجد معه التلاميذ الأشقياء – وبالأخص تلاميذ الصف السابع والثامن – صعوبة بالغة فى إعتلائه هربا من ملل الدراسة ، أو هربا من أمر آخر لا يدركه ، والذى يحيط مبنى المدرسة وفناءها وحديقتها إحاطة تامة . إلا فى هذا الجزء الذى تحتله البوابة . تلك التى يقف امامها هذا الرجل الغريب المحتل الذى حار فى تبيان شخصيته حيرة شديدة .. " ترى من هو ؟ " . أهو المدير الجديد يطبق أحدث أساليب التربية الحديثة ..؟! أم هو .. هو ماذا ؟. من المستحيل أن يكون مدرسا . فالمدرسون وإن كان فيهم المسلمون والمسحيون والدروز واليهود . إلا أنهم لا يمنعون التلاميذ من دخول المدرسة ... وأكثر إستحالة ان يكون .. يكون ماذا ... ؟ البواب .. إن البواب رجل عجوز وأنا أعرفه حق المعرفة . وهو يعطف على لاننى فقير مثلة .. ولأن أبى مات فى المعتقل .. اما هذا ... آه ... أيكون أحد رجال البوليس السرى المرافق للشخصيات البارزه .. وإن كان فمن أمره أن يرافق البوابة ؟! ربما يكون هناك ثمة شخص هام .. وزير المعارف والثقافة مثلا . قادم لزيارة المدرسة .. وهل هذا يمنع إدخالى .. إن الوزير حين يزور مدرسة من مدارس الاقليات يفعل ذلك ليلتقى بهيئة التدريس والتلاميذ على سبيل الـ ... ال. ماذا ... ؟ .. آه ... إن اكثر الوزراء تطرفا يفعل هذا ويحرص عليه بقلبة وكيانه .. إذن ماذا ... ؟ .. يا الهى لا يمكن ان يكون صحيحا ان هذا الرجل يمنعى من دخول مدرستى ! " هكذا كان يحدث نفسه قبل ان يعاود محاولة الدخول راجف الفؤاد متعثر الخطو .. وكان يتوقع فى حالة رفض الرجل دخولة مرة ثانية انه سيعلن ذلك بدفعه او لكزه أو أى شىء آخر من قبيل العنف ، إلا أنه أذهله ثانية بلطفة المفتعل وبترفقه فى الطريقة التى يعامله بها كأنه احد السادة قائلا له بهدوء يختلط فى صوته لكنه مرح ساخر طفيف :

- ألم أقل لك آسف يا سيدى .. أم أنك تشك فى وجود سيد آخر غيرك فى هذا المكان .. ؟!

فتقهقر إلى الخلف بضع خطوات ، تعروه الدهشة أكثر من الخوف واليأس ، ويأخذ بختافة السلوك المهذب الذى يبديه الرجل تجاهه ، رغم نحوله ورثاثة ثوبه .. وكل شىء يحتمل إلا سيدى تلك .. إنها كلمة مثيرة للخيال حقا ، وتضيف الى الموقف شحنه قوية من اللبس والغموض وسقوط الأمور غير المغهومة فى يديه الصغيرتين !!..

إن الرجل يبدو جادا فى عزمة الشاذ .. ولا يخال ابدا انه يمزح معه .. فأى سبب شيطانى يدعوه إلى إعتراض سبيله .. أ أكون قد ارتكبت فى حق العلم والمدرسة جريمة أستحق عليها العقاب .. وكيف يحدث ذلك دون أن أدرى .. ثم أننى أعرف تماما أن المدرسين جميعهم على إختلاف مللهم يشهدون لى بالنبوغ المبكر والخلق القويم .. وبالأمس ..بالأمس فقط .. نلت جائزة على تفوقى .. ولا يزال صدى التصفيق لمئات الأيدى التى التهبت إعجابا بى فى الحفل الذى حضره الجميع بما فيهم .. نائب مدير إدارة المعارف والثقافة للعرب ورئيس المجلس البلدى .. إلا أمى بالطبع .. آه .. كالعادة لم تحضر لأنها لم تكن تملك كالعادة الثوب المناسب .. لا يزال صدى هذا التصقيف المبهج يرن فى أذنى .. وأنا نفسى أشعر ان فى اعماقى قوة كامنة للعلم .. ولولاها ما شعرت قط بمثل تلك الثقة التى تلهمنى ذاتى .. حين امثل المدرسة فى المسابقات العلمية التى تدخل فيها مع المدارس الأخرى .. متحديا ببنيتى الضعيفة وثوبى الباهت يكاد يتفتق .. أوائل طلبة هذه المدارس الأقوياء البنية الذين يرفلون فى الأثواب الجديدة الأنيقة .. وكل هذا الكلام طيب .. إلا أنه .. طيب .. ماذا يريد هذا الرجل منى بالضبط ؟ .. إستغرقه هذا السؤال طويلا وهو يقدح ذهنه باحثا عن دليل واحد يقنعه بأن تلك المعاملة نوع من العقاب له ، وإستبعد أن يكون هناك خطأ ما . كتشابه الأسماء . أو تماثل الأشباه فلا يوجد تلميذ واحد يماثله ذكاء ورقة حال .. إ .. كما انه فيما بدا له يوقن أن هذا الرجل لم يرأى وجه من وجوه تلاميذ المدرسة قبل هذا الصباح .. حتى يخلط بين تلميذ وآخر يستحق هذا العقاب وبينه ، ثم أنه بوجه ما من الوجوه ولسبب باطنى لا يفهمه ، يعتقد أن الأمر ليس فيه أدنى خطأ ، وانه المقصود فعلا بتلك القسوة ..!

وخطر فى ذهنة خاطر عجيب ، لما لم يجد تفسيرا واحدا يبدد له سحائب الغموض وحين إمتلأ نور عينية الخابى بأنوار الساعة الذهبية البراقة ، انه ربما يكون الوقت قد خانه لعدم وجود ساعة معه ، وانه ربما يكون قد تأخر عن الميعاد وانهم وضعوا هذا الرجل فى ذاك المكان ليقول له " آسف يا سيدى " وحين يسائله السبب سيجيبه بأنه تأخر وانه ينصحه لكيلا يتكرر هذا التأخير بأن يشترى ساعة " س !! " .. اجل فهكذا تلح الاعلانات التى يسمعها – على البعد – فى راديو الجيران .. إ .. وربما يكون هذا هو التفسير الوحيد لأناقة هذا الرجل ولما يعنيه العمل الذى أنيط به ، فهو مندوب متجول لشركة " س " لا ريب ..!.. وتساءل " كيف تسمح له المدرسة بذلك ؟ " ثم كاد أن يصدق تلك الأكذوبة المريحة التى أختلقها له خياله الخصب .. لولا انه – لدهشته – لاحظ ان التلاميذ مازالوا يتوافدون على المدرسة ، وان الرجل أهم من ذلك لا يفكر – مجرد تفكير – فى إعتراض طريق أحد منهم .. وآلمه هذا الاكتشاف المريع ألما شديدا .. فقد صار يقينا لديه أنه لا أحد غيره المقصود بتلك المعاملة ، واكتظ الغيظ فى قلبة وأوشك أن يصرخ فى وجه الرجل .. بيد أن ملامح هذه اللينه تكفلت بتهدئته فتشجع قليلا وأردف فى قوة من يدافع عن حقة :

- سيدى .. هل حقا هذا .. انى لا أكاد ان أصدق ..!

- أنت ممنوع من دخول المدرسة هذا اليوم يا بنى .. !

صاح مشدوها :

- لماذا .. ؟

فأجابة الرجل بهدوئة المثير للغيظ وهو يمط شفتيه فى لامبالاه وينظر إلى ساعته وخواتمه فى مباهاه :

- معذره .. ليس مسموحا لى أن أقول لك أكثر مما قلت .. !

هتف محتدا :

- وهل قلت شيئا .. ؟

فقال مبتسما وترتسم فى عينيه نظره إشفاق غريبة :

- تأكد أننى قلت لك أكثر مما يجب .. !

صرخ متسائلا :

- كيف .. ؟

ثم سكت ليفسح له فرصه يتكلم فيها ، إلا أن الرجل أدار له ظهره ووضع يديه فى وضع متشابك خلف ظهره كأنما يقول له بتلك الحركة " إنتهينا .. أنصرف .. ! " فاستشاط غضبا ولم يطق صبرا وعن له أن يقتحم البوابة حتف أنفه المتعاظم وليكن ما يكون غير أنه بعد الذى سمعه إستعرفه اللغز وأصبح جل إهتمامه منصبا على شخصية الرجل من يكون ؟ وإلى أى تنظيم ينتمى ، ثم لماذا هذا الإعتداء على فتى هين الشأن مثله إن الموقف لا يبدو منطقيا على الاطلاق وليس على وجه الارض عقل واحد يقبل حرمان تلميذ فقير من دخول مدرسته دون أبداء الأسباب حتى .. ! .. فماذا يفعل ؟ أيصرخ مستنجدا بزملائه ومدرسية من طغيان هذا الغريب الذى لا يدرى له مله .. ! .. سيكون مفرطا فى حق نفسه إن لم يصرخ وسؤذى شعور هذا الرجل الرقيق الحاشية الذى عامله برفق حتى الآن إن صرخ .. وسيفقده الى الأبد .. ! .. لكن ما باله يحرص على شعوره ويخشى أن يفقدة ؟ .. إن هذا لأمر غريب .. ففى الرجل سر ما .. أجل لابد انه ينطوى على سر هائل حتى يفكر على هذا النحو نحو شعوره .. آه لو أنه قال له فقط من يكون ؟ .. لا فائدة من تكرار سؤاله فهو على حد قوله " غير مسموح له بأن يفصح أكثر مما أفصح له وهو أكثر مما يجب " وماذا قال ؟ .. أيمكن هذا .. أن ينطوى هذا الرجل على كل هذا الغموض .. وأن يستسلم لغموضه هو أن هذا يصبح أمرا غير معقول ، ولابد له من أن يدخل مدرسته قبل أن يدق الجرس وتفلت الفرصة .. ثم إن الرجل يبدو متشاغلا عنه بتأمل تلميذين صغيرين يتعاركان بطريقة مضحكة تبدو فيها الأسنان أكثر همه ونشاطا من أى عضو آخر وأنه إن لم يتحين تلك الفرصة السانحة فلن تؤاتيه فرصة أفضل منها .. ولم يضع وقته فى التردد إذ سارع بالاندفاع داخلا كالقذيفة .. لكن كان الرجل يقظا على غير ما أحتسب فعاجله قبل أن يعبر البوابة بإمساكه من كتفية ، صرخ مستغيثا صرخة كاد أن ينشق لها بدنه الرهيف ، وفى أنين مبعثه الخوف من أن يتمزق ثوبة اليتيم المتفكك الانسجة اكثر – قليلا – من الخوف على حرمانه من الدراسة ، بيند انه لحظة المنكود علا عويل الجرس فى تلك اللحظة منذرا التلاميذ بالتجمع لدخول الفصول فلم يسمح صراخه أحد .. ولا هو نفسه ، ثم بسرعة رهيبة أغلقت البوابة دونهما ، ووجد " سامح " نفسه خارج أسوار المدرسة وحيدا فى قبضة الرجل الغريب الذى ما إن إطمأن إلى انه لن يسمح له بالدخول بعد الميعاد حتى أولاه ظهره وانصرف تاركا إياه ينعى يوما ضاع من حياته متباكيا فى صمت برهة أسرع بعدها فى الابتعاد عن المكان قبل أن يطل عليه البواب العجوز ويراه فيظن أنه جاء بعدالميعاد،وقد كان هذا شيئا تعافه نفسه ذلك أن العجوز يعرفه خير المعرفة وهو يعطف عليه لأنه فقير مثله ولأن أباه مات فى المعتقل .