- 3 -

5 0 00

- 3 -

ما كاد سامح يبارح أسوار الحديقة حتى أدرك كم اخطأ إذ كاشف صديقة بسر الرجل الغريب دونما ترو أو تفكير ، فمن أدراه أن ما وقع له أمام البوابة هو عين الذى وقع لهذا الرفيق حتى يصارحه تلك المصارحة الغبية ، ويعطيه بلا مقابل ذريعة سهلة يعلل بها روغانه الذى أشتهر به فجأة بعد أن أعطوه جائزة التفوق السنة الماضية مباشرة حتى أصبح رائدا لا يضارع فى سباق " الزوغان " من الدراسة كما كان من قبل ذلك الرائد بلا منافس فى إرتياد أجواء العلم العليا ، وكيف أنه ينبغى لهذا أن يعود أدراجه إليه وينفى ما أسره فى أذنيه نفيا قاطعا " فهو فتى لا يعرف الكتمان علاوة على اننى اخشى إضرارة بهذا العذر الذى سيتيح له الظهور امام الجميع بمظهر الضحية تبريرا لانحداد مستواة ، فانه يداخلنى شعور بانه قد يكون حلما من أحلام اليقظة ما حدث لى .. نعم قد يكون حلما فأنا تلميذ فقير وأجهد نفسى جدا فى الإستذكار وما أكثر أحلام الفقراء خصوصا إذا كانوا يستهلكون قواهم فى العمل ولا يجدون تعويضا ! الافضل اذن ان اعود اليه واغسل مخة غسلا مما علق به من اقوالى .. سأبرر له الأمر باننى خجلت من أن أظهر امامه بمظهر التلميذ البليد الهارب من مدرسته فأختلقت تلك الاكذوبة التى لا يمكن ان تقنع احدا .. والتى يبدو الاعتراف بالذنب منها أجمل ! "

- سامح .. سامح ..

- آه ... أهذا أنت .. كنت سأعود اليك لطيتى ! .. أتذكر يا زميلى العزيز ما قلته لك .

- دعنى أسألك اولا .. لماذا تركتنى فى الحديقة وحدى . لقد تقطعت انفاسى وأنا اجرى باحثا عنك ..

استجمع سامح أفكاره ووجد الفرصة مهيأة لعملية غسيل المخ التى أزمعها فأسرع بإغتصاب إبتسامة من هذا النوع الذى يوهم الثقة قائلا :

- آه .. هذا بالضبط ما أردت العودة اليك للحديث فيه .. لقد كذبت يا صديقى كذبة فاحشة وأنى على ذلك لمن النادمين ..!

أبتسم عارف بدورة بطريقة لم يسترح لها سامح وغمغم :

- آه .. تقصد ..

وأكمل بقية كلامة بغمزة من عينية تنطوى على معنى هروب سامح من ملل الدراسة وارتجالة أكذوبة مضحكمة تبريرا لسلوكه المشين ، ورغم ان تلك الطريقة فى الحديث لم ترض المزاج الدمث الذى جبل عليه سامح .. إلا انه لشدة رغبته فى إيهامة بأنه أذنب واعتذر بقبح / إندفع يصدق على وجهة نظرة بنفس الطريقة التى يسكن فيها اللسان وتتكفل العينان وما حولهما من عطايا الله بالكلام .. ! .. وربما لم يتقن الدور الذى لم يقم بها قبلا .. مما أضحك رفيقه على نحو ما .. زراية به واستخفافا بضعف حيلته ولكن .. " لتضحك أيها الرفيق ولتسخر منى كيفما شئت .. أنى أسلم لك بعبقريتك التى لا تبارى فى هذا المضمار .. طالما أن هذا ينسيك سرى ويمسح عن ذاكرتك علائق الحقيقة التى لا تمحوها غير أنامل الكذب ! .. " .. بتلك الكلمات تحدثت مشاعر سامح الذى إيغالا فى تمعن دور المذنب المعتذر عن عذر أقبح منه الذنب نكس رأسه على صدره وبدا كما لو كان يوشك على البكاء ندما .. مما قوى عوامل السخرية فى نفس زميله فاشتدت نوبة المرح التى إنتابته لسذاجة هذا الزميل الجاد .. ! .. وأصبح تضاحكه عصفا وقصفا فأنشأ يقول بصوت متقطع من الضحك وعيناه تدمعان رثاء لهذا الزميل التعس الساذج :

- لعنك الله .. أضحكتنى من قلبى .. هل تظن .. أوه .. سأموت من الضحك ! .. أيها الغبى .. أيها الغبى العبقرى .. أيها العبقرى الساذج .. أتظن حقا اننى من البلاهة والغفلة بحيث أصدق أكذوبتك التافهة البارعة .. أصدق هذا التخريف .. إنك تحلم يا بنى تلك الأيام بطريقة مخيفة دون أن تدرى ويلهمك خيالك الشديد الخصوبة بأوهام لا أساس لها .. رجل .. رجل ياملك الأرز باللبن ..!.. رجل يعترض طريقك آمرا إباك ألا تدخل المدرسة .. هكذا بتلك البساطة .. ثم هكذا بتلك البساطة أردتنى أن أصدق .. هاها ! .. يا إلهى قد جن جنونك من شدة فرحتك بجائزة التفوق !.. جن جنونك فرحا هاها .. يا إلهى .. الرحمة .. سأموت من الضحك !

كانت نبرات صوته وهو يتكلم متدفقا بتلك الطلاقة وهذا الصخب .. تتهدج برنين مرارة مستتر ، لم يفت على ذكاء سامح أن يستشفة ويسمعه فشعر برغبة حقيقية فى النحيب تحت وطأة عوامل الشفقة التى إعتملت فى فؤاده تجاهه فقد تباهى المسكين بألمعيته الخارقة التى أتاحت له إدراك الحقيقة التى لم تكن من الحقيقة فى شىء أبدا .. وآلمه كثير أن يصدقه زميله بتلك السرعة مدعيا مع ذلك أنه لم يصدقه لا سيما أنه كان يؤمن بأن الملل الذى خال أنه يدفعه إلى الهروب دفعا ليس إلى عيوب النفس يعزى بقدر ما ينتمى إلىعيوب العقل فكيف يدعه فى عماية الجهل يعمه ..! وكيف يتركة فريسة للغباء الذى لم يكن فى خيالة قط .. لهذا الأمر الذى أخطأ إذ اخبره به وأخطأ أكثر إذ عاد فأنكره موقعا إياه فى شراك الغرور بهذا الذكاء الغبى المدعى ..!..

أجل تلك هى الحقيقة بكل أسف وسوف يواجهه بها وليكن ما يكون .. فمهما يفقد .. إنه على الأقل سيظفر حين يضع أمام عينيه الحقيقة التى لا يعلمها عن نفسه .. قد يصدمه حقا .. ولكنه آنذاك قد يصحو ..

- عارف .. أريد أن أخبرك بشىء ..!

- ........................... هاها ..!

- عارف يا ..... أيها الرفيق التعس إنتبه إلى وكفى ضحكا ..

- ........................... هاها ..!

- حسنا .. ليكن .. فأنت الخاسر لا أنا ...!

- ........................... هاها ..!

- لا تريد ان تنصت .. طيب .. سنتقابل يوما .. وسأصر على أخبارك بالحقيقة ولكن بعد فوات الأوان .. سوف تصحو ..!

قالها له .. ثم أدار له ظهره وأنصرف غير نادم على شىء .