-5-
انسل سامح داخلا البيت فى توتر الحرص على الا تلمحه احدى الجارات فتنبىء امه بانه عاد مبكرا على غير العادة .. وهو نبأ اعظم من ان تحفظة الصدور .. فإذا به يجد نفسه امام من " من .. من .. ؟ " ليست أمه وياليتها كانت هى وعرفت من أمره ما تمنى ألا تعرف .. وإنما .. وبعد أن أوصد الباب خلفة فى عجلة وضجة من يروم الإختباء عن الأعين .. وبقلب إنخلع وسقط بين أرجله من عنف المفاجأة.. الفى عينية تلتقيان مباشرة بعينى الرجل الغريب المنتفخ الأوداج ببزته وساعته وخواتمه.. فصرخ وعيناة تغيمان فى اللاوعى مغالبا كيلا يخر مغشيا عليه :
- من اوقفك هنا ..؟!
فلم يجب الرجل بغير الابتسامة الباهتة العالقة كبقايا الطعام على شفتيه وكان التفسير الوحيد المحتمل والمقبول شكلا والذى طرأ على ذهنه فألجمه إشفاقا وحذرا ورعبا هو أن تكون أمه قد أتت مبكرة أيضا لسبب ما وأدخلته تحاشيا لشرورة .. فتغيظ واكتظ فؤاده بغضب لاحد له واندفع الدم ساخنا فى اذنيه على المعنى الخبيث الذى أقام له ألف حساب وخشى أشد الخشية أن يقع فتقع الأم فى ذاك الفم القبيح كقطعة الحلوى السائغة الحلوة .. وبلغ به الانفعال صداه فضخت غدده اللعاب ضخا حمله على ابتلاعه فى سرعة الوفرة كما لو كان يشرب كوب ماء مكرها مخافة ان يسيل على شدقية فيبدو كالأبله ويراها الرجل فرصة للمغالاة فى السخرية به .. مما أسال الدمع فى مقلتيه فأخفى وجهه بين كفية كيلا يرى الرجل مظاهر ضعفه ومكث على هذا الوضع وقتا طويلا ، ومع ذلك لم يهدأ ولم يستقر له انفعال .. وانتظر وقتا آخر آملا إستعادة شجاعته لمجابهة الرجل دون فائدة .. فقد كان شرف أمه يتماثل لعينية داميا فى كفة الميزان ، وكان جسدها العارى يتخايل أمام بصرة كقضاء لا مفر منه تحت أغطية الفراش .. وحاول ان يصرخ ثانية فخرج صراخه من فوهة فمه الواسعة التى لا يعيقها شىء .. مكتوما .. مبحوحا كما لو كانت آلاف الأيدى تنحشر فى حلقه .. والدمع يتفجر من عينية كنبع بئر حفر لتوه .. وهو يتساءل مكررا تلك الكلمات التى خرجت هى الاخرى همهمة لا مفهومة :
- يا الهى .. من أوقفك هنا ..؟!
وبدلا من أن ينتظر أن يجيب الرجل بتلك البسمة الملتوية .. إستجمع شتات غضبة وحقدة وخوفه وحيرته فى ساقية واندفع صاعدا السلم الى الطابق العلوى .. ثم راح يتوائب باحثا فى حجراته وأركانه وزواياة وحتى فى دورة المياة عن أمه ، وكلما أطل فى غرفة أو دفع بصرة فى زاوية صاح مناديا :
- امى ..!
فيبعث اليه الرجل من اسفل مضحكة هازئة من هذا الفتى المسل الذى يستعين عليه بأمه .. وفيما هو يعود ادراجه هابطا الدرج اليه وفد ابترد صدره بعض الشىء وسكنت نفسه قليلا وتطامئت الى أن دخول الرجل لم يكن بإرادة أمه لام نفسه بشدة وتركيز لأنه فكر لحظة فى إرتياب بنقائها وعفتها وطهرها ، وكان لهذا وحده الفضل - كل الفضل - فى إستعادته لأفكاره التى طاشت سهامها ، وفى إسترجاعه لثقته وعزمة فعاد اليه بجنان ثابت وسأله مبادرا فى صلافة الخصم حين يواجه قريعه :
- قل لى من فضلك يا سيدى .. من أدخلك هنا .. ؟
رد عليه الرجل دفعة كما لو كان يبغى الابقاء على حالة الرعب الى إنتابته قبلا :
- الشيطان ...!
- ماذا ... ؟
- هبطت من السقف !
- ماذا ... ماذا تقول ...؟
- نفذت من الجدران ..!
حدق سامح فى عينية متحديا وهتف محنقا :
- اسمع ..!.. ليكن مفهوما لديك اننى لست ارهبك او ينخلع فؤادى رعبا مثل بقية الاولاد وانت تصطنع الهيبة الساذجة او تطلق كلمات الرعب الخرافية ..!.. اتفهم .. تحدث الى كما يتحدث الرجال .. سنا بسن وعينا بعين .. لا كما يتحدث رجل قوى إلى .. آه .. !
والآن اخبرنى بوضوح .. ماذا تريد منى ..؟
كانت لهجته وهو يتكلم فيها الكثير من الحزم والتحدى حار الرجل لحظة فى أن تتوفر لفتى فى مثل سنه فصمت كأنما يتردد فى الإفصاح عما يريد منه .. ثم أخيرا كأنما إنتوى أن يتخلى عن أساليب اللف والدوران وقرر ان يدخل فى صميم الموضوع قال :
- حسنا .. سأحترم لك رغبتك إعجابا منى بشجاعتك .. والآن هيا معى ..!
- إلى اين ..؟
صاح بها سامح فى وجل فأجابه وهو يتأمل مزهوا فى لا مبالاه ساعته الذهبية وخواتمه المتلألأة وبعين اللهجة التى إنتهجها أمام بوابة المدرسة :
- قلت لك .. ولعلك لم تنس .. غير مسموح لى ..
فقاطعه متهكما ومكملا :
- بأن تقول اكثر مما قلت ..!..
وقلد الرجل لهجته مبادلا اياه نفس السخرية :
- وهل قلت شيئا ..؟..
فجاوبة سامح بعين الطريقة وأساريره تومض زراية :
- تأكد أنك قلت لى أكثر مما يجب ..!
ووضع الرجل نهاية لتلك اللعبة فقال غير مكترث :
- هيا يا بنى .. هيا بدلا من الثرثرة ..
فصعر سامح خده قائلا فى عناد وصبر :
- لن اذهب معك قبل ان تقول لى ..
- طيب بسيطة ..!.. سأجلس انا هنا الى ان تعود امك ..!..
قالها الرجل وهو يجلس فى تثاقل على اول الدرج الواقع خلف الباب مباشرة .. فقضم سامح لسانه كمدا وراح يفكر " ان الرجل يعرف سرى !.. لقد بدا يهددنى بالشىء الذى أخشى عليه من النسيم ..!.. سيبقى جالسا حين لا أذهب معه دون صوت الى أن تعود أمى .. وحينئذ .. رباه .. حينئذ .. أنا لا أريد ان تكون لأمى بهذا الرجل الخطر صلة أوهى صلة .. لأذهب معه وليكن الموت هو ما يقودنى اليه .. فان هذا أهون على من أن تأتى أمى ويقع بصرها عليه فيراها ثم اننى سأخرج معه الآن وبعد قليل نصل الى المكان الذى ينطلق منه فينكشف اللغز لى وأعرف منه ما كان خافيا .. وهذا فى حد ذاته أمر يستأهل المخاطرة ..
القى على الرجل نظرة عابره مقيته فوجده يضطجع مسترخيا ومستريحا كأنما عزم على الجلوس للأبد فغصت عيناه بريقا وصاح فى وجهه :
- انت ..!.. هيا يا ...
ولم يكمل قوله إذ هب الرجل من جلسته فى حماسة أفزعت منها سامح الذى لم يملك برغمها أن يتردد فى فتح الباب داعيا الرجل أن يتفضل فيخلص البيت من ظله الثقيل .. وتمنى آنذاك لو كانت بينه وبين الحشرات فى الشقوق الغائرة لغة مشتركة يتفاهمان بها .. مثل تلك التى بين " جنرال حيفا " وثعبانه .. حتى يستنجد بها منه داعيا إياها أن تثب فى وجه الرجل فلا تدع قطرة من دمه وإلا ونفثت فيها سمومها بيد أنه للأسف لم يكن قد سما - أو هبط - إلى هذا المستوى .. فأدرك وهو يتابع الرجل بالخطو .. أنه أضاع وقتا طواه الماضى فى هراء التأمل الدراسى وأنه كان عليه أن يكون اكثر إيجابية معها ومع نفسه فيسلك كل المسالك التى تفضى به فى النهاية - أيا كانت التضحية وأيا كانت وعورة الطريق - الى خلق تلك اللغة المشتركة التى كان سيسمو إليها بالهبوط إلى مستوى الحيوانات التى هبط اليها من قبل سيدنا سليمان .. فارتفع ملكه بتسخيرها له – لطفا – وبتسخيرالجن والريح .. بارادة الله ..!