-3-
قلت للينا بعدما خرجنا من بيت (غورديب سينغ)- إنه صديق لأحد أعز أصدقائي الراحلين استفسرت متهمة: -ومن هو؟. قلت: -أوم باركاش سينغ.. قالت: -كأنني سمعت باسمه من قبل ..؟.
تعود معرفتي بـ (أوم بركاش سنغ) إلى أوائل الثمانينات، ففي يوم من أيام حزيران-يونيو- الحارّة وكنت أمشي في (كانات بليس) وهو سوق كبير في دلهي عاصمة الهند، استوقفني رجل مسن بلحية بيضاء وعمامه ملفوفة جيداً على عادة السيخ: -أيها الشاب.. أيها الشاب
توقفت أنظر باستغراب إليه… -ماذا تريد؟
- أنت شاب لديك طموحات عديدة، يأتي إليك مال كثير من حياتك، ولكنك لا تحب الاحتفاظ به.. قلت ممتعضاً: استوقفتني لتقول لي مثل هذا الكلام؟ أرى فيك منجماً تقرأ الطالع، ولكني لا أؤمن كثيراً بألاعيبكم…
ابتسم بهدوء: -أتحب أن تحاورني؟
قلت لنفسي وأنا أتفرس فيه بعمق (يبدو رجلاً متمكناً، لابأس أن أتسلى معه قليلاً) همس حين توقفت: أهلاً بك يا بني.. وأردف وهو يتأملني: تعذبت كثيراً في حياتك، لكنك شاب عنيد قهرت صعاباً عديدة وصمدت في وجه ظروف بالغة التعقيد.. اسمع ستزور بلداناً كثيرة، في الشهر القادم ستزور بلداً أوربياً وتتعرف على شخصية تصبح لها أهمية في حياتك..
حكى لي الرجل المسنّ عن أشياء كثيرة، وتنبأ بأحداث سأمر بها، ولم أكن في ذلك الوقت ألقي بالاً لمثل هذه الأمور، إن ما شدني إلى (اوم بركاش سنغ) وهو اسم الرجل، قدرته على قراءة الأفكار، وكنت مقتنعاً أن القدرة على قراءة الأفكار ومعرفة خبايا النفس عن طريق متابعة الذهن وومضاته، أصبحت في هذا العصر علماً قائماً بذاته.. حاولت أن أضلل معلوماته فحصرت تفكيري في قضية معينة، وهو يحدق بي بصمت، وأنا أستجرّه لمعرفة المزيد من أفكاري، ولكنه بعد لحظات أعترف أنني شخص صعب.. قلت له حينذاك: ليس ذلك صعباً، كل ما في الأمر أنني أركز أفكاري ولا أتركها سهلة تصطادها.. وحين عرف أنني أتابع دراستي في الرياضيات العالية وحكى لي قصة عجيبة حدثت معه:..
-أنتم يا من تنشغل أفكارهم بالمسائل الصعب التجريدية، تبدو أدمغتكم صعبة في بث الأفكار.. والأوامر إليها.. آه يا بني.. لن أنسى ما حييت ذلك الرجل الأصلع حليق الوجه، المتقدم في السن بنظارته السميكة الذي يخفي خلفها عينين نفاذتين تتغلغل زرقتهما في أعماقك، فتشعر أنك صغير أمامه.. كان يمشي في السوق هنا في مثل هذا الوقت من السنة، قبل عامين ومعه امرأة أطول منه قليلاً يستند إليها أحياناً.. تحرشت به كالعادة، وقلت لـه أنه رجل محظوظ، وأنه يرتفّع فوق سلم الشهرة، وسيصل إلى مراتب عالمية عالية.. توقف حينها ونظر لي.. ثم قال.. (لست سائحاً عادياً يا سيدي حتى تجذبني بعباراتك) فأجبته على الفور (بل أنت رجل علم، تحضر مؤتمراً علمياً هذا وظيفتك تدر عليك دخلاً ممتازاً، وأنت كثير التنقل، والأسفار في العام الماضي كنت تعيش بين أناس قدّموا لك الكثير ولكنك مولع في البحث عن الأسرار.. ورغم اختصاصك العالي في الرياضيات، فأنت مشدود للبحث في تاريخ العلم.. وقد قضيت سنوات في مدينة سورية عريقة، تنبش في المخطوطات والكتب القديمة أنت رجل أصيل تسعى للوصول إلى الحقيقة وتعلنها دون تردد حتى وإن انزعج منها الآخرون.)).. نظر الرجل لي بعمق بعد أن خلع نظارته الطبية (أنت رجل ذكي بارع في لعبة قراءة الأفكار) وأخرج من جيبه مائة روبيه.. ولكنني رفضت المال وقد شدتني شخصيته وشعرت بالرغبة في محاورته…. لم أستطع كتمان سؤالي الملهوف عندها: -وحاورته؟
-كانت تساوره الرغبة نفسها، همس لزوجته البدينة قليلاً يستشيرها فهزت رأسها موافقة.. رافقتهما إلى منزلي، وكان حديثاً طويلاً ممتعاً أكد لي البروفسور(أرنولد) وهو اسم الرجل، إنّ ما قلته كان صحيحاً وأنه قضى في حلب، وهو اسم المدينة السورية العريقة، عدة أشهر يبحث في أسرار المخطوطات العربية والكتب القديمة، وهو رجل يتقن اللغة العربية جيداً وقد أعلن عدة اكتشافات لصالح العلماء العرب رغم احتجاج بعض الأوربيين المتعصبين.. ..
شدّني حديث أوم بركاش سنغ فسألته: -وحكى لك عن السنوات التي أنفقتها في البحوث والمؤتمرات والندوات الدولية؟
قال: نعم.. كان كل ما قلته صحيحاً، أعترف بصحته.. ولكنه قال لي بعد ذلك (ربما استطعت أيها الرجل المسن أن تقرأ أفكاري لأنني كنت طيّعاً معك.. ولكن حاول الآن)
-وحاولت معه؟
-بالطبع وفشلت.. كان رجلاً صعباً دار بيننا حوار ذهني، أحسست في نهايته أنني حزين، ثم همست له (خلال خمسين عاماً من دراستي للتخاطر واليوغا، بترويض الذهن وقراءة الأفكار، لم أصادف دماغاً صعباً مثل دماغك) ابتسم البروفسور (أرنولد) عندها وقال: (قد يكون ترويض الدماغ عملاً صعباً لمن يعملون بالفكر فقط، ولا يستخدمون سواه في حياتهم العملية، ولكن من يعملون بقواهم البدنية يمكن ترويض أذهانهم دون صعوبة، وأخذ أوم بركاش سنغ يحكي لي أشياء كثيرة كان يفعلها. كان بإمكانه أن يقرأ أي شيء يجول في ذهن من يختبره.. وإن السياح يقصدونه لاختبار مقدرته، وكان يبث من ذهنه أحياناً أوامر صغيرة يفعلها السائح دون انتباه قبل أن يفاجئه أنه يعرفها تماماً..
×××××××××××××××××
كل ذلك تذكرته وأنا أبحث عن الرجل المسن بعد خمس سنوات من آخر لقاء التقينا به.. لم أترك مكاناً أو زاوية في (الكانات بليس) إلا وبحثت عنه فيه… حتى يئست.. فجلست على أحد المداخل أفكر (هل يمكن أن يكون قد مات خاصة وأنه في عمر يقارب الثمانين) حزنت فعلاً لهذه الفكرة، بل وأعتقدتها صحيحه، ولكن ذكرياتي التي أحملها عنه وعن قوة بدنه جعلتني أصمم فعلاً على الذهاب إلى منزله لأقطع الشك باليقين وعن وجوده في هذه الحياة، أو عن موته.. الذي أقلقني التفكير فيه قليلاً…
وهكذا يممت وجهي شطر منزله في دلهي القديمة، هبطت من الباص الأزرق قرب (كشميري غيت) واتجهت شمالاً صوب منزله الذي يقع بين مجموعة من البيوت الفقيرة هناك في حي صغير، غالبية سكانه من السيخ وصلت البيت ووقفت لدقائق أمام بابه قبل أن أطرقه، وقلبي يضرب بعنف، كان حدثاً مفجعاً في انتظاري فتحت لي الباب صبية في مقتبل العمر، استغربت سحنتي الغريبة سألتها: -هل السيد أوم بركاش سنغ هنا؟
-نعم هذا هو منزله..
-أريد أن أقابله…
-أنا آسفة، أنه لا يكلم أحداً.. معذرة…
حاولت إغلاق الباب ولكني دفعته قليلاً: -آسف….
استغربت الصبية موقفي هذا وبدا أنها ستتشاجر معي، فقلت لها بهدوء: -أنا صديق قديم لوالدك لن يتردد في مقابلتي أبداً ثم همست باسمي وجنسيتي وعملي، فغرت فاها مدهوشة، ثم دخلت لدقائق وأنا أنتظر ملهوفاً أمام الباب.. وحين عادت كان وجهها يشرق بابتسامة عريضة: -تفضل يا سيدي والدي سيستقبلك.. سألتها وأنا أدخل الباب- تبدين فرحة؟
- فعلاً إنها أول مرة يبدو فيها والدي مهتماً بشخص ما، منذ عدة أشهر إنه لا يقابل أحداً حتى نحن لا يكلمنا تقريباً…
- صحته جيدة؟
-نعم.. ولكن انزواءه كان قاسياً علينا
كنا قد وصلنا باب غرفة العجوز، دفعت الصبية الباب بلطف ودعتني إلى الدخول، ثم أغلقت الباب خلفي رأيت وجه الرجل المسنّ يشرق بابتسامة.. كان يفتح ذراعيه ليحتضنني بتودد بالغ:
-حلمت بك أمس.. تدخل بنفس ثيابك هذه..
-أنا أزور الهند، بحثت عنك كثيراً في الكانات بليس...
آه يا بني، واسمح لي أن أناديك بهذا.. قليل من الناس من يفهم أسرار الدماغ البشري، وكثير منهم من يعانون الحقد والتعصب واللهاث وراء نزوات جسدهم الفاني.. تفضل اجلس..
-بدت لي ابنتك قلقة عليك، تعتبر أن انزواءك كان قاسياً على الأسرة…
تنهد العجوز بمرارة: -هم لا يفهمون ما أقوم به من عمل، أقصد زوجتي وأولادي، منذ سنوات وأنا أؤجل تمريناتي واختباراتي الهامة، ولكنني قبل أشهر اقتنعت أن عليّ البدء بها، لم يبق في العمر ما يكفي..
-عن أية تمرينات واختبارات تتكلم؟
-آه يا بني.. منذ زمن بعيد وأنا أحاول السيطرة على نفسي والدخول في حالة من (الليتارجيا) السبات غير الطبيعي.. والقدرة على التخشب بلا حراك كالجثة الميتة…
- أعتقد أن مثل هذه الحالات تحتاج لتدريب غير عادي..؟
منذ أن كنت في العشرين وأنا أتدرب، استطعت الوصول إلى نتائج لا بأس بها، ولكن الوضع الآن يختلف……
-تقصد أنك متقدم في السن؟
-لا.. هذا لا يهم… منذ أشهر وأنا أحاول الانفلات من جسدي تماماً والخروج لأي مكان، بكامل حواسي.. في حين يبقى جسمي هامداً بلا حركة.
- رأيت مثل هذه الحالة من قبل، عند الطيّار كابيل سنغ الذي يدفن نفسه لأيام في قبر مغلق؟
- إنه أستاذ قدير بلا شك…
-وإلى أين وصلت نتائجك؟
-آه يا بني.. هذا ما يعذبني، أريد أن أحكي شيئاً مما أراه لشخص عزيز يفهم تماماً ما أقوله.. وقد كنت سعيداً حين أبلغتني ابنتي بحضورك.. أنت كاتب، تتعمق في دراسة النفس البشرية، ستكون عوناً حقيقياً لي…
-حسناً…
-قلت لابنتي منذ شهرين: جهزي لي طعاماً لعشرة أيام، سأنزوي في غرفتي أتعبّد، ولا أريد أحداً أن يزعجني أو يقطع عليّ خلوتي بأي شكل.. وحالما تنتهي الأيام العشرة، لا بأس باقتحام غرفتي إذا لم أفتحها بنفسي…
-نعم.. وماذا حدث بعد ذلك؟
-سهرت مع زوجتي وأولادي سهرة عائلية، أسبغت فيها عاطفتي على الجميع وأقنعتهم أنني بصحة جيدة وأن كل شيء على ما يرام.. ثم دخلت صومعتي..
-لتنزوي محاولاً أن تتمرن بهدوء على (الليتارجيا)؟
-نعم.. وتمكنت من الخروج من جسدي والدوران والتجول في أماكن عديدة من العالم، لمدة تسعة أيام كاملة قبل أن أعود وقد قرعت عليّ ابنتي الباب.. نهضت بصعوبة من هذا الجسد المتهالك، وعدت إلى وعي سريعاً حيث فتحت الباب وكنت متعباً أحسّ بدوار شديد…
-وسببت الخوف للجميع بلا شك؟
-نعم، خاصة وأنهم وجدوا طعامي لم يمس تقريباً.. ولكنني سرعان ما عدت لمرحي وحكاياتي التي يحبها الأولاد، فاطمأنوا جميعاً أنني بخير.. آه لو تعلم ماذا رأيت خلال تلك الفترة الطويلة؟
-ماذا؟
-كنت سعيداً حال خروجي من جسدي، كنت سعيداً وأنا أبصر جسدي أمامي ممدداً على السرير.. وسرعان ما اخترقت الجدران وخرجت من بيتي، أنني أطير في حلم جميل دون أن أحس بالحرّارة والضوء المنتشر حولي آه.. ها هم المنبوذون ينتشرون على أرصفة محطّات السكك الحديدية يطاردون الناس من أجل لقمة تسدّ أودهم.. آه أحد الناس ينهال بالسوط على أحدهم.. ها هو نسر ضخم ينقض على أرنب يحمله بمخالبه والأرنب يتخبط.. لماذا يتجمع الناس هنا؟ إنها مشاجرة-.. آه.. أحسّ أنني أندفع في الجوّ بسرعة خارقة.. أرى باخرة تجنح نحو جزيرة صخرية تدفعها الأمواج.. أقمار صناعية تتجسّس أسلحة مخيفة تنتشر في كل مكان لماذا لا يُحب الناس بعضهم بعضاً؟ لماذا يتقاتلون من أجل تفاهات يمكن الاستغناء عنها؟ آه يا صديقي، كنت أتعذب وأنا أتنقل من مكان لآخر أرى الأمور على حقيقتها، وأحسّ بتفاهة البشر….
-كأنك كنت تشهد كابوساً؟
-كان كابوساً حقيقياً بكل بشاعته.. ورغم جولتي السريعة فقد شاهدت مجموعة من الناس في جزيرة نائية أحسست أنهم يختلفون عن غيرهم لسلوكهم الطيّب وتعاونهم، ولكن لم أتمكّن من النفاذ بينهم…
-لماذا؟
-أيقظني القرع المتواصل على الباب…
-كنت تحلم؟
-لا يا دكتور.. كنت خارج جسدي.. ما شهدته كان حقيقة…
-أرأيت كل هذه الأشياء.؟.
-كان الزمن يمرّ عليّ بسرعة خارقة كأن كل تجربتي لم تستغرق سوى دقائق…
-كأنك قفزت فوق الزمن؟. أهذا ما تعنيه؟
-لا.. كنت أعيش الزمن، مبهوراً بما أرى، ولكنه كان يمر بسرعة هكذا اعتقدت… كانت تجربة فريدة؟.
-تجربة تجعلك تعيش شيئاً خارقاً لا يصدّق…
-لقد أثّرت بك تأثيراً كبيراً، كأنك لأول مرّة تقوم بها؟
-في المرات الماضية، كان استعدادي ضئيلاً، لم أكن أشعر بالوقت يمضي بتلك السرعة.. تلك المرّات السابقة كانت كالحلم.. وكانت فتراتها قصيرة جداً.. إما الآن فالوضع يختلف.. لست مهتماً بخطورة التجربة، فأنا رجل في عقدي التاسع.. لذلك فإحساسي وأنا أقوم بالاختبار، إحساس حرّ ستكون نتائجه مدهشة تماماً…
دخلت ابنته ومعها صينية الشاي بالحليب، مع صحن يحوي بعض قطع البسكويت.. وحين خرجت نظر لي بعمق ثم قال:
-ستكون تجربتي القادمة، تجربة مذهلة، لأنها ستستغرق ثلاثة أسابيع بكاملها…
-يا إلهي، إنها مدة طويلة…
-وفيها كثير من الخطورة عليّ.. قد أموت، أليس هذا ما تعنيه….؟
-بالطبع.. يجب أن لا تغامر بالانتحار هكذا.. أنت رجل خارق يحتاجك تلاميذك وأصدقاؤك وأهل بيتك؟
-لا يا بني.. ليست حياتي هامة لهذه الدرجة، أنا رجل عجوز متقدم في السنّ…
ثم صمت هنيهة وقال بحزم…: أعتقد أنني سأنجح، وسأحقق رقماً قياسياً في الخروج من الجسد أخافتني نظراته العميقة، وشعرت أنه جادّ تماماً فيما يقوله:
-ومتى ستبدأ التجربة الجديدة؟
-بعد غد، وأرجو أن ألقاك في نهايتها.. أتعلم؟ أشعر بالراحة وأنا أتحدث إليك، أنت تفهمني جيداً، وتفهم أن الإنسان يتمتع بقدرات خارقة ولا يستثمر سوى جزء ضئيل منها…
كان الوقت قد تأخر قليلاً فشددت على يد العجوز أتمنى لـه التوفيق والنجاح في تجربته الخطيرة.. فهمس وهو يودعني: لا تنسَ أن تزورني في نهاية المدّة..
-بالطبع لن أنسى..
وهكذا استعد (اوم بركاش سنغ) للقيام بتجربته الفريدة، وأقنع عائلته أنه سينعزل من جديد لثلاثة أسابيع، وأن هذه العزلة ستكون الأخيرة، ولا داعي للقلق عليه، فهو لا يريد أحداً أن يزعجه لأي سبب كان، وحتى تبدو عزلته التعبدية، عزلة عادية، تزود بالطعام والشراب على الطريقة الهندية أي طعام خفيف غير دسم وماء….
وبعد ثلاثة وعشرين يوماً من ذلك التاريخ، وكنت أتجول خلال تلك الأيام في مناطق عديدة من شبه القارة الهندية، شعرت بدافع يدفعني لزيارة صديقي العجوز.. خاصة وأن رحلتي إلى الهند قاربت على نهايتها، كنت متشوقاً لرؤيته وسماع حكاياته عن رحلته الأسطورية خارج الجسد….
طرقت باب منزل العجوز، وأنا متلهف للقائه، فتحت ابنته الباب، وحين رأتني ابتسمت في وجهي معتذرة: -والدي مازال في عزلته يا دكتور.. آسفة.
-لم يستيقظ؟..
-إنه منعزل.. وليس نائماً…..
-منذ متى وهو في عزلته.؟..
-منذ اثنين وعشرين يوماً..
-أيمكن أن أدخل..؟.
-أرجوك يا دكتور، طلب مني منع دخول أي شخص إليه، لأي سبب كان، تعلم أن غرفته منعزلة عن البيت وهو غارق في عبادته….
-اسمعي يا آنسة، والدك في خطر…
-ماذا تقول؟
-إنه في خطر صدقيني….
دفعت الباب الخارجي جانباً وسط دهشة الصبية، وهي تراني أتجه صوب غرفة والدها، كان الباب مغلقاً من الداخل، طرقته بقوة ولم أسمع صوتاً، ثم دفعته بكتفي دفعة قوية فانفتح على مصراعيه..
كان العجوز ممدداً على السرير دون حركة، وطعامه على المنضدة، لم يمّس، دخل بقية أفراد العائلة على صوت الضجة، كانت الفتاة تهمس:
-لم يذق طعاماً ولا شراباً منذ أيام طويلة…
بدأت الفتاة تنتحب، وشاركتها أمها وأختها.. وأخوها الصغير ولم أجد بدّاً من الانسحاب وسط هذا النحيب المفجع، وأنا أفكر بذلك الرجل الخارق الذي أسقطته تجربته في سبات طويل لم ينهض منه حيّاً….
كان رجلاً خارقاً (اوم بركاش سنغ) هذا، وربما من أكثر الرجال الذين صادفتهم في حياتي غرابة، من يعرف ماذا حصل له خلال تجربته؟
الذي أعرفه ومتأكد منه، هو أنه خاطبني تخاطرياً دون أن أراه.. يؤكد لي أنه يتجول طليقاً في العالم (دون قيود) هل كانت زياراته لي في الحلم، بعد وفاته حقيقية؟ أم أنني لكثرة ما شغلني بتجربته كنت أتخيل؟
كم هي محيّرة الإجابة عن تلك التساؤلات؟…..
كانت لينا تصغي لي وأنا أتحدّث عن ذلك الرجل العجوز الذي ترك آثاراً لا تمحى في ذاكرتي، وكان (غورديب سينغ) الذي التقينا به أحد رفاقه، ولكنه لم يكن مغامراً مثله..
***