- 4 -

10 0 00

- 4 -

رفض الدكتور (ماهر) محاولاتي في دفع ثمن بطاقتي الطائرة، وقال حاسماً الموضوع:

-لا أحب التعامل في مثل هذه الأمور بطريقتك يا دكتور.. أنتما ضيفاي ولن أغفر لك محاولتك هذه.. غمغمت معتذراً، خائفاً أن أجرح بكلامي إحساسه المرهف والطائرة تقلع بنا من مطار (بالم) في دلهي قال لي:

-بالنسبة للإقامة، هي مؤمنة لنا في (لخنو) حجز لنا المرافق في بيت الضيف في الجامعة.. إنه أفضل مكان بالنسبة لنا.. المهم أن تنجح محاولاتنا في العثور على الدكتور (زيدي).

أمسك كتاباً في يده، وفتحه عند صفحة معينة وأخذ يطالع باهتمام.. أسندت (لينا) رأسها على كتفي وغرقت بالنوم.. كانت مدة الطيران تقارب الخمسين دقيقة.. مرّت سريعاً.. ولم نشعر إلاّ والصوت يطلب منا ربط الأحزمة استعداداً للهبوط.

قال لي الدكتور ماهر ونحن نهبط، سلّم الطائرة:

-هناك شخص ينتظرنا ليرافقنا إلى الجامعة..

وفعلاً وجدنا يافطة مرفوعة باسم الدكتور (ماهر الضامن) يرفعها شاب ملتح، اقترب منه الدكتور ماهر يعرّفه بنفسه، كانت هناك أيضاً سيارة من الجامعة في انتظارنا، أقلتنا والحقائب واتجهت صوب الحرم الجامعي حيث (بيت الضيف) همس الشاب الملتحي:

-رئيس الجامعة سيقيم حفلة غداء على شرفك يا سيدي.. في الثانية ظهر الغد ..

هزّ الدكتور ماهر رأسه دون اهتمام.. وحين وصلنا إلى بيت الضيف. هرع مدير البيت والخدم نحونا ينقلون الحقائب ويعرفوننا على الغرف وهم يبذلون جهودهم لنيل رضا الدكتور ماهر.. همست لينا.

-إنهم يقدرونه كثيراً..

-في الهند يحترمون العلماء الكبار ويتسابقون لخدمتهم .

استأذن الدكتور ماهر ودخل إلى غرفته وهو يهمس:

-سنلتقي على العشاء في السابعة..

طلبت من مدير البيت أن يبدل الغرفتين المفردتين اللتين حجرهما لي ولزوجتي، بغرفة مزدوجة.. فاعتذر بلطف وهو يقودنا إلى غرفة واسعة مرتبة، من أنه لم يعرف أننا متزوجان.. أشارت (لينا) بعد خروجه إلى سقف الغرفة كانت هناك مجموعة من (أبي بريص) وهو حيوان زاحف صغير أشبه بالسحلية تنتشر في سقف الغرفة.. همست لها:

-إنها حيوانات غير مؤذية.. تنظف الغرف من الحشرات..

-تبدو مقرفة.

-إذا كنت خائفة منها، سأطردها خارج الغرفة، ليست العملية صعبة.. ثم أن البعوض في الغرفة سينشط بعد قليل.. لذلك أعتقد أننا سنستخدم (الناموسية)

ونحن نتحادث قرع الباب بلطف، كان أحد الخدم يحمل قطعتين من البخور الحلزوني لطرد البعوض وضع قربهما علبة من الكبريت.. ثم خرج دون أن يتكلم.

-إذن لا داعي للناموسية، البخور والدخان سيطردان البعوض..

-ولكن يجب أن تطرد هذه الزواحف المقرفة من الغرفة..

-كما تشائين

لم أجد صعوبة في مطاردة جماعات (أبي بريص) إلى خارج النافذة.. وكذلك فعلت في الحمام المرافق للغرفة.. سألت لينا:

-ما رأيك بقدح من الشاي بالحليب؟

-لا بأس

خرجت من الغرفة أطلب الشاي من الخادم الجالس قرب الباب فانحنى بلطف واختفى.. وحين عدت إلى الغرفة كانت (لينا) ممدّدة على السرير.. أغراني منظرها بالتمدد قربها ومعانقتها.. أحسست بأنفاسها الدافئة تلفح وجهي سألت:

-ترى كيف حال الأولاد الآن؟

-لا تقلقي إنهم بخير.. أمك تعتني بهم جيداً.

-أنا قلقة على لينا..

-لينا؟ إنها بخير يا حبيبتي.. لا تقلقي..

-كان من اللازم أن تتصل أمس من الفندق .

-لن نبقى هنا كما فهمت من الدكتور ماهر، سوى يوم أو يومين وعند عودتنا سنتصل بأمك ونطمئن على الأولاد أغرقت رأسها في صدري، وهي تشدني إليها.. ولم نصح إلا على قرع الباب.. نهضت بهدوء افتحه وقد سوّت (لينا) هندامها دخل الخادم يحمل الشاي.. وضع الصينية بلطف على المنضدة قرب السرير وسأل إن كنا نحتاج شيئاً، وحين سمع جوابي بالنفي، خرج وأغلق الباب خلفه .

صبّت (لينا) الشاي بالفنجانين وصبّت بعض الحليب أيضاً..

-أتريدين سيجارة؟

-لا.. ما الذي خطر ببالك لتسألني هذا السؤال؟ لم ترني منذ سنوات أشعل سيجارة .

-لا أدري.. ربما تذكرت أيامنا معاً، قبل زواجنا، كنت تدخنين كثيراً.

شدت على يدي:

-كانت حياتي فارغة بدونك.. ربما كان تدخيني الزائد أحياناً في ذلك الوقت نوعاً من الهرب من واقعي واحباطاتي المتتالية.. آه.. لم أشعر بالفرح الحقيقي والأمان إلاّ معك. أنت تعرف ذلك جيداً ..

-أعرف أنني لم أعرف الحب الحقيقي، إلا حين رأيتك.. لو تعرفين يا لينا كم أحمل لك من العاطفة.. التي لم تخبُ يوماً..

جلست في حضني على عادتها حين ترغب في التعبير عن عاطفتها ولفت ذراعيها حول عنقي، وأغمضت عينيها وهي تغرق رأسها في صدري..

تناولنا العشاء على المنضدة الضخمة في بيت الضيف.. وهمس الدكتور ماهر لنا:

-سنذهب بعد قليل لمنزل الدكتور زيدي، إنه ليس بعيداً عن هنا.

قالت لينا: -لماذا لا نؤجلها للغد؟

-هل أنت خائفة يا سيدتي؟

-لا يا دكتور.. ولكن الوقت قد يكون متأخراً على الدكتور زيدي، الذي فهمته أنه متقدم في السن.

-نعم.. وأكبر من جدي بسنة واحدة.. وهو يعيش مع أحفاده في المنزل.. هذا ما أعرفه… على كل حال إذا كنتما مترددين في الذهاب معي، سأذهب لوحدي

قلت له وأنا أرمق لينا: -سنذهب معك بالطبع..

-حسن جهزا نفسيكما إذن.. سنتناول الشاي هناك في منزل الدكتور زيدي،

تركنا ودخل غرفته، وحين عاد بعد قليل كان يحمل محفظته الجلدية

-بإمكاننا أن نذهب إذن.

-بالطبع

رافقكم أحد الخدم إلى السيارة الواقفة أمام باب (بيت الضيف) شقّت السيارة طريقاً مشجّراً، وقد بدا ضوء الشمس يتضاءل والساعة تقارب الثامنة إلا ربعاً.. وبعد دقائق وقفت السيارة أمام منزل منعزل تحف به الأشجار، طلب الدكتور ماهر من السائق أن يذهب ويعود بعد ساعتين.. وحالما ابتعدت السيارة سألته:

-لماذا طلبت منه الرحيل، قد لا نعثر على أحد؟

-لا أدري كأن هاتفاً في داخلي أمرني أن أبعده عن المكان..

فتح الدكتور ماهر باب الحديقة، لم يكن هناك ما ينبيء أن في البيت حياة.. اقتربتم من باب البيت فوجدتم خادماً كهلاً يتمدد على سرير من الحبال.. وهو نائم تماماً.. حاول الدكتور (ماهر) إيقاظه، دون نتيجة، كان غارقاً في نوم عميق..

فتح الدكتور ماهر باب البيت الخشبي، الذي أزّ بخشونة، وصلكم صوتاً، كأنه مخلوط بصدى:

-أهلاً بكم يا أبنائي.. ادخلوا

سأل الدكتور ماهر: -أسمعتما ما سمعته؟

-بالطبع.. يبدو أن البيت ليس فارغاً"

دخلتم بهدوء فإذا بأنوار الصالة الكبيرة تتوهج من تلقاء نفسها..

-أضيئت الأنوار في الصالة، ولكني لا أرى أحداً.

هكذا همست لك لينا وهي تشّد ذراعك..

-أنا خائفة..

-لا تخافي يا حبيبتي، لا داعي للخوف أبداً.

وهمس الدكتور ماهر أيضاً:

-من الذي كلمنا؟ نحن لا نراه رغم أنه كما لحظتم تحدث معنا بالعربية..

عاد الصوت من جديد: -ستعرف كل شيء يا دكتور ماهر لا تتعجّل.

-من أنت؟ لماذا لا نراك يا سيدي؟

-قلت لك لا تتعجّل يا ماهر.. هناك باب على اليمين، إنه باب غرفة مليئة بالكتب..

سار الدكتور ماهر نحو اليمين، وتبعتماه بهدوء:

-هل تحمل مذكّرات جدّك الدكتور (حامد)؟

-بالطبع هي معي الآن.. في الحقيبة.

-اقترب من المكتب أمامك.. هناك أوراق تحت المغلّف الأزرق..

-نعم رأيتها..

-انظر إليها جيداً، إنها بخط يشبه خط جدك الدكتور حامد أليس كذلك؟

-نعم.. إنها بخط يشبه خط جدي فعلاً..

-حتى لا أجعل زيارتكم لهذا المنزل دون نتيجة، سأعطيكم هذه الأوراق إنها خلاصة تجاربي والدكتور حامد أيضاً، خطي أصبح شبيهاً تماماً بخط جدك.

-ولكن من أنت؟

-أنا الدكتور (زيدي) يا ماهر، رفيق جدك في رحلة عمره، وهو الذي علّمني العربية.

-ولكن لماذا لا نراك؟

-إنه سؤال صعب.. ولكن سأحاول تقريب إجابته إليك.. أنا في البعد الخامس يا ماهر.. لن تراني رغم أنني أراك جيداً.

-البعد الخامس؟ لا أفهم شيئاً، أعلم أن في الكون أربعة أبعاد.. أبعاد المكان الثلاثة.. زائد البعد الرابع وهو الزمن.. ما هو البعد الخامس الذي تقصده؟

-إنه مكان المكان وزمان الزمان..

-أرجوك أوضح لي ما تقصد، كأن الأمر يبدو لغزاً؟

-البعد الخامس هو مكان وزمان أيضاً، مكان لأنني أتواجد فيه ضمن حيّز محدود، وزمان لأن الوقت يمر فيه بسرعة أيضاً.

-كأنها ألغاز، هذه الجمل التي تقولها.

-لا أعرف من الذي يرافقك.. يبدوان صديقين طيبين.. يرغبان في المعرفة، إنهما يحبان بعضهما..

-هل تمانع وجودهما معي؟

-لا.. أبداً.. لأنني أعرف صدقهما وحماسهما للمعرفة، اسمع يا ماهر.. لا أستطيع أن أقول لك أكثر من أنني موجود خارج دائرة المكان الذي تتواجدون فيه.. لذلك لن تروني.. تسمعون صوتي فقط.. وهذا الصوت الذي يصلكم مني، أبذل في سبيل إيصاله إليكم جهداً خارقاً.. لذلك أرجوكم لا تكثروا من الأسئلة.

-حسن يا دكتور (زيدي) هلى ترى جدي كثيراً؟

-نعم.

-هل هو مثلك في مكان المكان وزمان الزمان، أو البعد الخامس كما سميته؟

-أحياناً..

-لم أفهم.

-جدك تفوّق عليّ بسرعة الانتقال بين الأمكنة والأزمنة..

-أيمكنه أن يكلمني مثلك الآن؟

-إنه ليس بصحبتي، ولا أعلم أين هو.. ولكن اقرأ الأوراق التي بين يديك وأضف معلوماتها إلى معلومات مذكراته.. ستتوضح لك أمور كثيرة..

-ولكن..؟

-أرجوك لا تطرح عليّ أسئلة أخرى.. لقد بذلت جهداً خارقاً في سبيل التحدث إليك وقد أشفقت على لهفتك المستمرة في محاولة العثور علي..

-لماذا لم نر أحداً من أحفادك هنا؟

-أمرتهم بالإيحاء بمغادرة المكان، وطلبت من الخادم أن ينام حتى لا يزعجكم أحد.. سأرحل الآن يا ماهر.. وداعاً..

بدأت رياح خفيفة تعبث بالمكان، مع أنه كان مغلقاً بلا نوافذ أو أبواب مفتوحة.. وصرخ ماهر:

-دكتور زيدي.. دكتور زيدي

ولكن الرياح ازدادت شدّة وعبثت بأجسامكم.. واختلط صوتها بصوت الدكتور زيدي وهو يقول: وداعاً..

وفجأة سكتت الريح، وعاد كل شيء إلى طبيعته، ضغطت على كتف الدكتور ماهر:

-يبدو الأمر غامضاً تماماً..

-فعلاً..

وهمست لينا وهي ترتجف: -كدت أسقط فاقدة الوعي؟

هدّأتها وأنت تشد أصابعها: -ليس الأمر مخيفاً إلى هذا الحدّ..

-كأنا نتحادث مع الجان ولا نراهم..

قال ماهر بهدوء: -ماذا تقولين يا سيدتي؟ إن الأمر حقيقي، ليس خرافياً كما تعتقدين..

-أنا آسفة..

-على كل حال، زوجك يبدو طبيعياً في تقبله للأمر، وأعتقد أنك ستقبلين الأمر مثله أيضاً..

-بالطبع يا دكتور..

-بما أنك بدأت تتعمّق في القضية، ما رأيك لو حاولنا فكّ اللغز سويّة سنقرأ معاً مذكّرات جدّي الدكتور حامد، ثم نطلّع على هذه الأوراق التي أشار إليها الدكتور (زيدي)؟

-لا بأس

-سنذهب الآن إلى (بيت الضيف) ونجلس معاً.. وتبدأ في استجلاء غموض هذه القضيّة.. لقد أفادني مجيئكما معي، في إحضار هذه الأوراق الجديدة، لا بد وأنها أوراق هامة.

حين خرجتم من المنزل، كان الخادم الكهل ما زال نائماً، وما إن أغلقتم باب الحديقة، حتى ظهرت أنوار السيارة وسط دهشة الدكتور ماهر الذي سألك:

-أظن أنني قلت للسائق أن يعود بعد ساعتين؟

-نعم.. والساعة الآن هي الثامنة والنصف

توقفت السيارة، قال الدكتور ماهر للسائق:

-جيّد إنك جئت مبكراً، أنهينا زيارتنا بسرعة.

-أنت طلبت مني ذلك يا سيدي.

-أنا؟

-نعم.

أيقنتم أن السائق عاد بإيحاء من الدكتور ماهر.. وصله الأمر تخاطرياً.. ولم يكن السائق سوى رجل بسيط من السهل استدعائه تخاطرياً، هكذا فكّرت بينك وبين نفسك..

في بيت الضيف اجتمعتم في الصالة الرئيسية كانت خالية، إلاّ من خادم كهل، وقف على أهبة الاستعداد لتلبية طلباتكم

-المذكرات ليست طويلة، إنها نحو (60) صفحة من القطع المتوسط كتبها جدّي بيده في أوقات متباعدة.. انظر إلى هذه الصورة.. قدم لك صورة دقيقة مرسومة بعناية:

-إنها صورة مصغّرة لشجرة البشرية التي رأيناها في المعرض.

-هذا صحيح.. لذلك وقفت طويلاً أمامها.. لم يشرح جدّي عنها شيئاً في مذكراته، رغم أنها من بين الأوراق التي تركها.. هه.. سأبدأ بقراءة المذكّرات انتبها جيداً..

***