الجزء الثالث
حق رجلٍ في الفتاة
لم تكن إيبرل تعتزم العمل لدى السيد بوكستر ، ولكنها لم تفهم السبب الذي
جعلها تهتم بالاحتفاظ برقم
هاتفه المسجل على آلة الرد بحيث لم تعد تفكر ، بعد أن أوصلت ليز ذلك
المساء، سوى باسمه . كانت الرسالة على آلة الرد رسالة عملية.. مع ذلك، فقد
شعرت بإحساس لذيذ
لدى سماعها صوته:"غرايغ بوكستر يتكلم : آنسة ساوندرز.. لدي مسالة هامة أريد
بحثها معك.
سأكون في ساكر امنتو بعد ظهر اليوم .. وساسمح لنفسي بزيارتك على أمل أن
أجدك .. إن أردتك الاتصال بي يمكن الوصول إلى في المزرعة ثم أعطى رقم الهاتف .
مسألة هامة ..كيف يكون أمر إيجاد جنائني مسألة هامة لرجل مثله؟ رجل وسيم
ناجح كما هو واضح، وفي الثلاثين من عمره مثل غرايغ بوكستر، لديه دون أدنى
شك أشياء أخرى أكثر أهمية
بكثير. استخلصت إيبرل، أن الأهمية الملحة للأمر، ومن وجهة نظره، هي رغبته
بالخلاص مما يعتبره
عملاً مزعجاً. أجل ..
هذا هو الجواب الواضح..إنه مثل أغلبية الرجال اعتاد الحصول على مايريد..
فبالنسبة إليه لا شك أنه أمر ملح له أن يتخلص من هذه المشكلة كي يتمكن من
متابعة عمله.. حسناً، تتمنى له إيبرل الحظ في ذلك. من وجهة نظرها، حالة
الأرض المزرية تستدعي عملاً كثيراً.
واذا لم تُرش بمبيد للأعشاب الضارة، فستنمو وتتكاثر ولن يبقى أي سبيل لإنقادها
سوى حرث الأرض و تسميد التراب ، قبل زراعة مرجة جديدة.. وتلك الورود
المسكينة! بالرغم مما قال، فهو لن يشذبها وكانها سياج أشواك على حافة
الطريق.. هل يفعل؟
مرت الصورة مخيفة في خيال إيبرل فعقدت العزم على الاهتمام بالورود في
الصباح التالي .. لكن، هذا فقط! إنها مصممة على عدم العمل لديها بالرغم من
حاجته الملحة لجنائني.. كانت تدرك أنه قام بابتزازها للوصول إلى هذا
القرار.. لكن فكرة الهلاك الذي ينتظر الورود أزعجتها كثيراً لدرجة أنستها
خيبة أملها..
ترددت إيبرل قليلاً قبل أن تقوم بطلب الرقم.. أرادت أن تسمع صوته، أن تكون
على صلة ما معه، ومع ذلك لا تريد.هكذا أحست بمزيج من الارتياح والخيبة، حين
أعلمتها السيدة أغريبا أن السيد بوكستر غير موجود.
_ أوه.. هكذا إذن. وتسألت ما إذا كانت هذه فرصة لها لتنسى الأمر كله، وسألت
السيدة أغريبا:
_ من المتكلم؟
_ أنا إيبرل ساوندرز.. قابلتك بالأمس.. قاطعتها المرأة ساخرة:
_ وكأنه يمكنني النسيان.. قال السيد بوكستر إنك إن اتصلت بخصوص الورود،
فبإمكانك المجىء متى شئت.لاحظت إيبرل أنه كان واثقاً أنها ستتصل. وبطريقة
مماثلة، باردة، ردت على المرأة.
_ شكر اًلك، سأكون هناك بعد قليل. أقفلت الخط قبل أن تقوم المرأة بذلك
قبلها.. من أين تعلمت هذه المرأة أن تتصرف بمثل هذه الطريقة الفظة شخص لم
يسبب لها ضرراً ؟ وصلت إيبرل إلى المزرعة بعد أقل من ساعة .. قامت بارتداء
قفاز عمل وجدته في صندوق أدواتها، وباشرت فوراً بعملها. كان الطقس ممتعاً
أكثر من الأمس .. يوم وصافٍ ومشمس ومرتفع الحرارة قليلاً.
قاربت الساعة الحادية عشرة، فتوقفت إيبرل عن العمل بعد أن أنهت نصفه تقريباً
لإحساسها بالجوع، وتناولت الغداء الذي أحضرته معها . فجأة اخترق سكون الريف
صوت هدير محرك سيارة، ورفعت إيبرل رأسها لترى جاغوار بلون فضي تتقدم في
الممر الداخلي الوعر، وتتوقف أمام المنزل.. لم تستطيع إيبرل أن ترى المرأة
التي نزلت من الجانب الآخر بوضوح ودخلت المنزل دون قرع الجرس، لكن بدا
واضحاً أنها شقراء، أنيقة الملبس .. من هي؟ لا بد أنها مقربة من غرايغ
بوكستر لتدخل منزله وكأنها من العائلة .. ربما تكون كذلك؟ أحست إيبرل
بالحرج لفضولها الغريب، ولتفكيرها العدائي الواضح ..
وقالت لنفسها: واجهي الواقع! رجل مثل غرايغ بوكستر لا بد أن تكون امرأة
كهذه في حياته.. امرأة مقربة وكأنها من العائلة، أو ربما أكثر .. ثم هناك
احتمال آخر .. لكن إيبرل رمت بالفكرة بعيداً وانكبت تتابع عملها .. فلاشيء
يعنيها من أمور السيد بوكستر.
من المثير للقلق أن تستمر بالتفكير بذلك الرجل المثير للسخط والحيرة معاً ..
عرفت إيبرل عدداً من الرجال في حياتها وأغرمت بالبعض منهم.. وهي حالياً معجبة
بمات مورهيد المسئول الاجتماعي عن ليز .. لكن أفكارها ام تتجه بإلحاح نحو
رجل، ولم تتجاوب من قبل للمسة منه أو لسماع صوته بمثل هذه الطريقة المثيرة
للخوف.. هذا أمر سخيف! لم تكن تعتقد بأنها من النساء اللواتي يفقدن عقولهن
لأجل رجل.. ورجل أبعد بكثير من منالها.. ولم كل هذا.. إنها تتصرف كمراهقة!
وفي الحقيقة، إنها ليست معجبة بطراز غرابغ العابث الذي لا يقيم وزناً
للعلاقات الجدية.
كان الوقت ظهراً حين نظرت إيبرل برضى إلى كميات الأغصان المشذبة حول الورود،
وعادت إلى سيارتها الصغيرة لتفتح لفافة طعامها.. أكلت سندويش الدجاج، وكانت
تقضم تفاحة ندية حين لمحت من خلال زجاج سيارتها باب المنزل ينفتح لتخرج منه
السيدة أغريبا متجهة نحوها ونظرة معاناة على وجهها.. قالت:
_ السيدة بوكسترتريد أن تراك. أحست إيبرل بقلبها يقع بين قدميها. جف حلقها
بسبب الخيبة و الإحباط حتى إنها كادت تختنق.. كم كانت غبية لظنها أن عدم
وجود خاتم زواج يعني شيئاً في هذه الأيام .. بالطبع هو متزوج.. وأجبرتها
كرامتها على استعادة تماسكها أمام المرأة.. وتنحنحت لتسأل بخشونة: الآن؟
_ أجل .. الأن.
أعادت إيبرل التفاحة إلى صندوق الغداء وراحت تفكر بمظهرها المشعث والمتسخ
بعد صباح عمل. أحست بالنظرة الخبيثة التي علت وجه السيدة إغريبا.. ثم
تبعتها إلى داخل الردهة وهناك لاحظت وجود نباتات عليلة وكأنها تحتاج إلى
غذاء. تقدمت السيدة أغريبا أمام إيبرل في الردهة نحو الحمام الذي استخدمته
منذ أيام، ثم تخطته نحو مايبدو أنه جناح من الغرف المتصلة ببعضها ، وتوقفت
عند باب مقفل لتقرعه ولدى سماعها كلمة "ادخل" دخلت تتبعها إيبرل على مضض.
وقعت عينا إيبرل فوراً على امراتين جالستين في مواجهة بعضهما البعض على
مقعدين مزدوجين بيضاوي اللون وموضوعين على جانبي مدفأ مصنوعة من حجارة
بيضاء، وبينهما طاولة وضعت عليها صينية بدت فيها بقايا غداء. كانت الشابة
التي شاهدت إيبرل وصولها تجلس مسترخية على المفرش الناعم للأريكة.. كانت
نظرة عينيها الزرقاوين حادة ومتفحصة..أما المرأة الأكبر سناً فقد كانت تجلس
مستقيمة، مظهرها يدل على وقار واثق.. خصلتان من الشعر الأبيض مرتدتان إلى
الخلف عن وجه وسيم قوي البنية، لتنتهيا خلف رأسها بتسريحة على الطراز الفرنسي .
لكن العجيب في الأمر أن النظرة الباردة للسيدة أغريبا انقلبت إلى أخرى ذات
تقدير، وأصبحت لهجة صوتها عذبة وهي تقدمها بلباقة :آنسة
ساوندرز..سيدتي.أربكها هذا التحول في تصرفات المرأة، وازداد حين مدت المرأة
المسنة يدها لمصافحة إيبرل وابتسامة لطيفة تعلو وجهها: أنا سعيدة بلقائك،
آنسة ساوندرز.. هذه ريبيكا ماونتن.
وأشارت إلى الشابة الأنيقة، التي أومات لإيبرل بهزة رأس كسولة .. وأكملت
المرأة المسنة:
_سيدة أغريبا.. أعتقد أن الآنسة ساوندرز ستكون مسرورة إن قدمت لها شراباً
ساخناً.. أتفضلين الشاي أم القهوة عزيزتي؟ ردت إيبرل وهي تحاول جاهدة
استرجاع هدوئها:
_أوه!شكراً لك.. سأخذ فنجان قهوة.
_ وأنت ريبيكا؟
_ لا شيء لي ماريان.. يجب أن آكل وأسرع في الذهاب فأنا أتوقع زيارة غرايغ
لشرب القهوة بعد الظهر.. ثم لدي بعض المهمات التي أنجزها في هذه الأثناء .
شعرت إيبرل بارتياح كبير، فلا بأس أن يكون غرايغ على علاقة حميمة مع هذه
المراة طالما ليسا متزوجين .. مع أن الأمر لا يعنيها على أي حال. وقفت
ريبيكا ماونتن برشاقة، وطبعت قبلة خفيفة على خد المسنة.. ثم استدارت نحو
إيبرل بابتسامة خبيثة، وقالت بصوت أجش:
_ أمر ساحر أن ألتقي بأمرأة تقوم بأعمال جسدية.. لكن لكل امرىْ ميوله كما
أعتقد. قالت السيدة أغريبا بإبتسامة نصر:
_ سأرافقك إلى الخارج. رفعت صينية الطعام ولحقت ريبيكا بمشيتها التي تشبهه
مشية عارضات الأزياء، ثم أقفلت الباب وراءهما.
قالت السيدة بوكستر: اجلسي أرجوك، آنسة ساوندرز. وأشارت إلى أريكة التي
كانت تحتلها ريبيكا.. أجالت إيبرل نظرها في الغرفة بحثاً عن كرسي خشبي لا
يتسخ من ملابسها الملطخة، لكن السيدة بوكستر فهمت نيتها وقالت: لا تقلقي
عزيزتي، ثيابك تبدو نظيفة..
على أي حال .. أغطية الأراك يمكن غسلها.. فأنا امرأة عملية، لن اختار هذا
اللون الفاتح لو لم يكن من السهل غسله. جلست إيبرل بحذر شديد وهي تحاول أن
تستخلص جاهدة السبب الذي استدعيت من أجله .. ربما سيتضح الأمر بعد إدخال
السيدة أغريبا للقهوة.
قالت السيدة بوكستر بخفة: لهذا اشك أنك لاحظت أن الأراضي الخارجية في حالة
فوضى..
لقد اشترى ولدي هذا المنزل مؤخراً، وأنا وصلت إليه في نهاية الأسبوع الماضي
.. كان لدى المالكين القدامى مشاكل كثيرة منعتهم من الاهتمام بأمور المنزل
. وكانوا يعتبرونه مجرد منزل ريفي لهم .. لكنني أنوي وولدي أن نجعله منزلنا
الرئيسي.. هكذا ،وكما ترين ، أمامنا عمل كثير ملزمان بإنهائه.
تمتمت إيبرل بأدب توافق على كلامها، ثم امتنعت عن التعليق مع دخول السيدة
إغريبا التي وضعت الصينية فوق الطاولة الصغيرة وأحست إيبرل بأنها تتصرف نحو
المرأة المسنة بولاء كبير. وابتسمت لها كذلك بانحناءة خفيفة وهي تخرج من
الغرفة مجدداً.
قالت السيدة بوكستر تتابع الحديث، وهي تصب القهوة: سيصبح هذا المنزل مميزاً
جداً كما أعتقد.. وأعرف أن على المرء أن يحب ويحترم المنزل العائلي.. لكن
يجب أن أعترف أنني سعيدة لخلاصي من منزلي.. لقد عشت طويلاً في واحد من تلك
البيوت القديمة الضخمة قرب " ما كنلي بارك".. أتعرفين المنطقة؟
ذهلت إيبرل للمصادفة وقالت: أوه بالتاكيد أعرفها.. لقد تربيت هناك.
_ حقاً! ستفهمين إذن كيف أن امرأة مسنة مثلي، تعيش بمفردها تفضل منزلاً ظريفاً
دافئاً كهذا .. وأنا ممتنة جداً لغرايغ لإصراره على أن أسكن معه هنا.. فليس
كل ابن أعزب يرغب بأن تكون أمه العجوز بين يديه.
اعترضت إيبرل على قول السيدة بوكستر بأنها امرأة عجوز.. لكنها وافقت في
سرها على أن بقاء أم مع ابنها الأعزب، بغض النظر إن كانت عجوز أم لا، هو
أمر قد لا يرحب به الكثير من العزاب.. وهذا أمر يظهر جانباً انسانياً من
نفسية الرجل لم تقدره إيبرل أبداً.وتابعت المرأة : بالطبع ، أريد أن يفيده
وجودي معه، فبسبب أعماله لديه مكان سكن في ساكرمنتو، وشقة في سان فرانسيسكو..
،
لكنه الآن وقد تجاوز الثلاثين، يبدو أنه شعر بالحاجة إلى بيت حقيقي،
ألأ توافقينني الرأي؟ وإلى أن يتزوج ويكون له زوجة تصبح محور حياته،أتمنى أن
أساعده قدر استطاعتي. قالت إيبرل : أفهم هذا.
ربما لهذه المرأة علاقة بتصميم ابنها الملح على إصلاح الأراضي.. وراودتها
فكرة أن الحديقة منزل السيدة بوكستر السابق لا بد كانت مرتبة ومعتنى بها
مثل حدائق الخالة مارغريت.. قد لا تعترض أمه على منزل ريفي بسيط لكنها لن
تقبل العيش بالتاكيد وسط هذه البرية.. وبكل تأكيد، ريبيكا المتكبرة التي
أحست إيبرل أنها المرشحة الأولى لمحور حياة غرايغ المستقبلية، ستتوقع محيطاً
يناسب جمالها.. وعاد انتباه إيبرل إلى السيدة بوكستر وهي تسمعها تقول:
_ أرى ، حسب كتاب تعريفك، أن إيان هيوشو هو الذي دربك.. وفي ساكرمنتو، لا
يستطيع أحد سوى التفاخر بشرف كهذا.
أحست إيبرل بالاعتزاز لمعرفة أن اسم إيان العزيز وشهرته يعيشان بعده،
وسألت:أوه..أتعرفين إيان؟
_ أجل ..قد كانت حدائق مارغريت باون مثار حسد كل أهالي ساكرمنتو.. وعرض
عليه كثيرون رواتب مغرية جداً للعمل لديهم ولكنه لم يقبل تركها.. وما من أحد
فهم السبب، فهي لم تكن تقدره كما يجب وكان بإمكانه العمل لحساب غيرها
وتحسين وضعه.
أحست إيبرل بالاحراج لما سمعته من السيدة بوكستر، ومع أن معظمه كان جديداً
على مسمعها ومذهلاً، إلا أنها أحست أن عليها أن تتكلم فوراً قبل أن تتفوه
العجوز عن الخالة مارغريت قد يجده كلامها محرجاً . أكملت السيدة بلهجة من
يتذكر: أذكر حفلة أقامتها مارغريت في الحديقة.. قاطعتها إيبرل بسرعة:
_ مارغريت باون هي خالتي سيدة بوكستر .. لقد ربتني، وهكذا دربني إيان..بدت
الصدمة على وجه المرأة :
_ أوه.. يافتاتي العزيزة .. ماذا فعلت! هل قلت شيئاً أساء إليك؟ سارعت إيبرل
تطمئنها بصوت لطيف: بالطبع لا .. فأنا كذلك كنت أدرك أن خالتي لا تقدر إيان
حق قدره.
لكن السيدة بوكستر بدت محرجة، ربما من الافكار التي روادتها بشأن السيدة
مارغيت وكانت تهم بقولها ، لو لم تتدارك إيبرل الموقف . رق قلبها للمرأة
المسنة التي بدت تائهة، فاختارت كلماتها بحذر في محاولة لتلطيف الجو، وكي
لا تكون جاحدة لجميل خالتها. قالت للسيدة بوكستر بخفة وصوت مرح:
_ أتعرفين؟ .. لقد شرح إيان لخالتي عدة مرات أن قطع الورود يجب أن يتم من
فوق خمسة عقد للبراعم.. لكنها كانت تصر على قطعها بشكل عشوائي حتى يتناسب
طول سيقانها مع الفازة التي تفكر بها.. حتى أننا اضطررنا، هو وأنا ، إلى
منعها من قطع الورود.
ارتاحت إيبرل لاسترخاء وجه السيدة بوكستر وضحكت وهي تعيد ملء فنجاني
القهوة، أصبح تعبير وجه السيدة مفكراً:
_ إذن أنت هي ابنة الأخت الصغيرة التي ربتها مارغريت بعد وفاة أختها.
وكأنها رجعت إلى ماضٍ مليء بالذكريات الجميلة، رفعت رأسها مبتسمة بحياء.
ورأت إيبرل ابتسامة غرايغ الفاتنة مرتسمة على وجه أمه، لا شك أنه ورثها عنها.
_أعتقد أننا التقينا من قبل، مع أنك كنت صغيرة جداً لتتذكري.لقد زرت مارغريت
يوماً،وخلال الزيارة ذكرت أن صديقة لنا تحدثت بإعجاب عن الورود رائعة في
حديقتها، وسألتها إن كان بإمكاني رؤيتها. فاصطحبتني إلى الحديقة.. وهناك
وجدت إيان يعتني بالورود كالعادة، وفتاة صغيرة تلعب إلى جانبه.. وهناك وقفت
السيدة مارغريت مرتبكة أمام مجموعات الورود المختلفة ، ولاحظتُ وقتها أنها
لا تعرف أي من الأنواع هو ورد السلام الأبيض .. ثم مدت يدها إلى وردة
بيضاء، فناداها إيان وتقدم نحونا بسرعة فائقة وهو يلهث، ثم ابتسم وانحنى
أمامنا قائلاً إن الآنسة إيبرل ستكون مسرورة بأن تقطف لنا الورود التي
نريدها، فأخبرتها مارغريت بأن السيدة بوكستر ترغب في وردة سلام .. ومع أنك
لم تتجاوزي الثامنة يومها، فقد تناولت المقص من إيان، ودون أي تردد، تقدمت
نحو الورود المطلوبة، وقطعت ثلاث زهور بدرجة متساوية من الطول.. هل تذكرين
هذا؟
ابتسمت إيبرل والحنين يملأ قلبها.وقالت: لا ..أنا آسفة، لا أذكر هذه
الحادثة بالذات، فقد كان هذا الأمر يحدث دائماً..
امتنعت إيبرل عن تناول فنجان قهوة آخر،وقالت:كان هذا لقاء ساراً جداً سيدة
بوكستر.. لكنني يجب أن أنهي عمل.. هل تمانعين الآن.
_ بالطبع.. لقد كنت أنانية.. امرأة عجوز ثرثارة. لكن قبل أن تذهبي.. أتساءل
إن كان بإمكانك الإصغاء إلى قصتي المؤسفة، إيبرل .. هل تمانعين في أن
أناديك باسمك؟
فقالت إيبرل : بالطبع لا . أرجوك.
_ شكراً لك عزيزتي.. الواقع أنني تسرعت ووعدت منظمي جمعية أنتمي إليها بأنهم
يستطيعون استخدام هذه الحدائق لحفل خيري صيفي.. سيكون ذلك في حزيران
(يونيو).. ولقد حاول غرايغ العزيز استخدام جنائني لمركز دائم.. لكن ، كما
تعرفين..وبدأت عيناها تلمعان فأكملت .. لم ينجح. لطالما كان لغرايغ طبيعة
متقلبة، لكن بجب أن أعترف أنني نادراً ما رأيته ضجراً ومحبطاً كهذه الأيام..
حين عودته بعد ظهر الأحد مباشرة، كان شديد الحيرة والتفكير.
قال إنه وجد جوهر بين النفايات.. لكنها رفضت العمل. وقال: لقد فعلت ما
بوسعي .. والباقي عليك.. وحين سألته أكثر قال لي على مضض إن هذا حدث يوم
جئت لمقابلته. أحست إيبرل بحرج رهيب لمعرفة السيدة بوكستر بتفاصيل ما حدث،
وكم تمنت أن تعرف كيف شرح لأمه تصرفه الخشن معها. ولكنها حاولت ولأجل
العجوز، أن تستخف بما حصل.
_ كان مجرد سوء تفاهم سخيف سيدة بوكستر .. أعتقد أنني كنت متوترة أكثر من
اللازم.
_ ربما، وربما لا عزيزتي.. فغرايغ يميل إلى التصرف بحرية كبيرة في بعض
الأحيان.. لكن المهم في الأمر أنني أخذت على عاتقي أن أجد جنائنياً لأنني
أنا المستعجلة. لذلك سيكون موظفاً عندي ولا علاقة لغرايغ به فهل لهذا فرق في
مسألة قبولك العمل أم لا؟
ترددت إيبرل تفكر.. كم ستؤثر عليها هذا التغيير؟ لا مجال للسؤال أنها بحاجة
إلى العمل .. وبكل تأكيد ستكون سعيدة بالعمل مع امرأة تعرف فعلاً أن هناك
قواعد وأوقات معينة يمكن قطع الورود خلالها.. وإذا لم تكن على اتصال مع ذلك
الرجل .. قالت مبتسمة: أجل سيدة بوكستر أظن لهذا فارق كبير.
ابتسمت السيدة بارتياح: أوه..أنا مسرورة جدلً إيبرل. سنقضي أوقاتاً ممتعة
لجعل هذا المكان كالجنة.. وأريدك أن تعلمي أنني أكن كل الإعجاب لخيارك
العملي. أحنت إيبرل رأسها لتخفي دموع العرفان بالجميل التي لسعت عينيها
..فعدا عن إيان ، كانت السيدة بوكستر الوحيدة التي أعطتها التقدير لخيارها
بأن تكون جنائنية.
تكلمت السيدة بصوت منخفض وكأنها تسر لها: ألست ممتنة لأنك شابة في زمن
تستطيع الفتاة فيه أن تقوم بالعمل الذي يثير اهتمامها؟ أتعلمين، لو كنت
فتاة شابة اليوم لرغبت في أن أمتهن قيادة الطائرات.
ضحكت إيبرل: أتمنى لو أن معظم الناس ينظرون إلى الأشياء كنظرتك سيدة بوكستر.
قالت السيدة : أوه .. تباً عزيزتي..إنهم تافهو العقول ودون إبداع، يخافون
المغامرات وحياة المخاطرة .. يجب أن تتعلمي عدم الاهتمام بهم.
أحست إيبرل بالنشاط لكلام السيدة بوكستر، ووضعت الأخيرة معطفها فوق كتفيها
استعداداً لأن تريها مكان نومها.. الراتب الذي اتفقتا عليه كان أكثر من سخي،
وستتمكن الآن من مساعدة الزوجين إيفنز مادياً .. مرت المرأتان عبر غرفة
الجلوس الكبيرة المواجهة للمدخل، وقالت السيدة بوكستر إن بإمكان إيبرل أن
تهتم بالنباتات الداخلية الاستوائية، اتجهتا عبر الشرفة نحو المنزل التابع
لبركة السباحة و قالت إيبرل للسيدة:
_ لدي قط سيدة بوكستر.. آمل أن لا يكون هناك إزعاج في هذا.
_لا بأس أبداً .. أنا مغرمة بالقطط.لا تبدو هذه السيدة كغيرها من العجائز!
كانت تسير متمتعة بجو الريف النقي.
_ مااسم قطك؟
_ برنس.
أحست إيبرل بصحبة حميمة وبرغبة كبيرة في احتضان السيدة بوكستر.
_ لقد أسميته برنس، لأنه قوي المظهر ولطيف المعشر. وصلتا إلى المنزل
ضاحكتين، ودفعت السيدة بوكستر الباب لينفتح، ثم أشارت إلى إيبرل بالدخول..
كان تصميمه أكثر دقة.. الغرفة الرئيسية كبيرة، بمدفئة من الحجر الأسود.
النوافذ العريضة من الخشب الأبيض.
دعتها السيدة بوكستر:
_تعالي لتشاهدي المطبخ. كان المطبخ الأكثر جمالاً الذي رأته إيبرل في
حياتها، مكتملاً بكل الأدوات التي تم اختراعها.سألت السيدة بوكستر: هل تحبين
الطبخ؟ فقالت إيبرل:أجل ، وأنا بارعة فيه.. قالت المرأة المسنة بحماس: حقاً!
ربما تقومين بدعوتي يوماً للغداء.
تممت إيبرل أنه يشرفها هذا، لكنها تساءلت عما إذا كانت ستجد صعوبة في
المحافظة على هذه العلاقة بين رب عمل وموظفه. محاولة تغيير الموضوع:
_ بما أن هذا المنزل تابع لبركة السباحة، ألن ينزعج ضيوفكم صيفاً؟
_ أوه..لا.. فغرف الضيوف في الجانب الآخر الأقرب إلى المنزل .. وماهو أهم،
أرجو أن لا تنزعجي أنت من الضيوف! على أي حال،سنستقبل الناس في نهايات
الأسابيع وأتوقع أن تكون لفتاة جميلة مثلك اهتمامات أخرى لقضاء أوقات
فراغها الأسبوعية بدلآً من إمضائها في المنزل.
لمحت السيدة نظرة مترددة على وجه إيبرل فأكملت مضيفة: لكن لا يجب أبداً أن
تشعري بأنك مضطرة لمغادرة بيتك إذا كنت لا تريدين.. وأتصور أنك سترغبين في
استضافة أصدقاء لك من وقت لآخر.. أؤكدأن كل شيء سيكون على مايرام .. فعائلة
بوكستر ليست اجتماعية جداً على أي حال .
بحثت إيبرل مع المرأة كافة التفاصيل المتعلقة بالسكن وموعد انتقالها إليه
بالإضافة إلى مصاريف احتياجاتها المنزلية اليومية.ثم ودعت السيدة بوكستر
بمصافحة قوية ، وعادت لتكمل عملها في الحديقة ..وهناك راحت تستعيد كل ما
جرى معها في هذا اليوم المميز وأحست بأنه من أسعد الأيام التي مرت في
حياتها خلال الأربع وعشرين سنة الماضية .. لقد حصلت على منطقة خاصة بها..
بما .. أن الأرض تعتبر ملكاً لمن يعمل فيها .. وهذا أقصى ما كانت تطمح
بالحصول عليه حتى إن بقيت دون تأسيس عائلة خاصة ، فهي قانعة بما وصلت إليه.
كانت الساعة تقارب الرابعة بعد الظهر والظلام يوشك على الهبوط، حين أنهت
إيبرل وضع كل الأغصان المقلمة في أكياس بلاستيكية سوداء، ليقوم بأخذها عامل
التنظيفات ..
جمعت إيبرل معداتها، وكانت تفتح الباب الخلفي لسيارتها حين أطلت البورش
السوداء من حيث لا تدري، متهادية فوق الحفر في الممر الداخلي.. حفر يجب أن
يتم إصلاحها قبل أي شيء آخر.. وتوقفت السيارة في مواجهة سيارتها مباشرة.
وبما أنها كانت تشعر بالرضى والقناعة من عملها الجديد والمستقبل الهانئ
الذي ينتظرها، فقد أحست بسعادة غامرة لرؤية غرايغ بوكستر .. لاشيء مما حدث
في الماضي يمكن أن تكون له أهمية في هذه اللحظة ..ربما لن يدوم الأمر ، ولا
يجب أن يدوم .. لكنها الآن مبتهجة لرؤيته نشيطاً، يمتلئ رجولية وقوة، وهو
ينزل برشاقة من السيارة ويتقدم نحوها بابتسامته الساحرة التي لاتقاوم.
قال يحييها:تبدين مشرقة بعد نهار عمل بهذه الثياب والقفازات.. مع أنك كنت
جميلة أيضاً مع الفم الليلكي! ضحكت إيبرل وقالت: لاتبدو عليك الدهشة
لرؤيتي..قال :كنت أعرف أن أمي ستنجح في التحاور معك، فهي لم ترض يوماً سوى
بالأفضل.. ولقد تعلمت هذا منها.
_لكن مالذي جعلك تظن أنني قادمة؟
_ أوه.. أنت مستعدة للسير في النار جهنم لأجل عملك. وعرفت أنك لو قابلت أمي
.. فلن تألو جهداً لإقناعك بالبقاء . أحست بارتباك وأضافت: حسناً ..لاشك أن
الأخبار تنتقل بسرعة . _ الأخبار الجيدة طبعاً .. لقد اتصلت بأمي لأستعلم إن
سار كل شيء على مايرام ..لم أكن واثقاً من أنك ستخضعين حتى لسحر أمي .. ولو
لم تفعلي.. فلم أكن على استعداد لمواجهة طباعك الغاضبة مجدداً .
ضحكت إيبرل: تجعلني أبدو وكأنني من برج العذراء!قال: لا..أبداً .. لكنك خصم
يحسب له حساب. ساد بينهما صمت قصير، بدا خلاله لإيبرل أن بإمكانه قول
مايحلو له الآن ولن تظن ذلك سخيفاً أومضحكاً. وردت ممازحة:الآن على الأقل لن
أموت جوعاً.
وشاركها بأن رمى رأسه إلى الوراء وضحك بطريقة حركت مشاعرها وأثارت تسارع
خفقات قلبها.. وظلت البسمة مرتسمة على وجهه وهو ينظر إليها متفرساً في
العتمة المتزايدة.
تبدين لي كوردة حمراء ندية.. أتعرفين هذا؟ احمر وجهها وأدارته بعيداً
فقال:لا..لاتنظر بعيداً..أظن أنني سأدعوك"الحمراء"إن لم يكن لديك اعتراض.لم
تعد تملك القوة للاعتراض،كل ما فعلته هو أنها وقفت مسمرة ونظرتها متشابكة
بنظرته.
أخيراً قال بمرح:لا شك تذكرين أنك أعربت عن تفضيلك الموت جوعاً على العمل
لدي، لكن بما أنك الآن تعملين بأمان مع أمي ..
هل لي أن أقول لك شيئاً؟أنا كذلك أفضل الموت جوعاً على أن تعملي لي.
فغرت إيبرل شفتيها دهشة لهذه الملاحظة المثيرة للسخط، لكن قبل أن تجمع
شجاعتها لترد، خطفها كما يخطف الصقر فريسته ولف ذراعيه حولها بقوة لم
تستطيع معها أية مقاومة. وزاد من ضغط عناقه لها حتى أحست بمشاعر دافئة
تتسلل عبر جسدها،وتوقف دماغها عن التفكير. وسرعان ما لم يعد هناك في العالم
شيء سواهما.
عادت فجأة إلى وعيها، فجذبت نفسها بعيداً عنه لترى السيدة أغريبا تقف أمام
الباب المفتوح للمنزل.. كان الوقت قد أصبح شديد الظلمة لتميز تعابير وجهها،
لكن هناك ما يكفي من ضوء لرؤية الرفض المصدوم في وقفتها.. الآن ستضيف هذه
المرأة الرهيبة نقطة سوداء لإيبرل،وستزداد كراهيتها لها.
فجأة تعالى صوتها كنورس:
_ سيد بوكستر! هاتف مهم لك. هزت إيبرل نفسها كحمامة متعبة، واستدارت إليه
وقالت: ماذا تعني بجرأتك هذه؟ ومن أعطاك الحق.. بأن تتصرف هكذا...
_ حق أي رجل في فتاة، ياوردتي الجميلة الحمراء.. أما بالنسبة لجرأتي، فإن
لم يكن لديك ما يشغلك الليلة، فكري بها. وأنا واثق أن فتاة ذكية مثلك
تستطيع فهمها. صاحت به وهو يستدير متجهاً نحو المنزل: حقير!
رده الوحيد كان أن استدار ولوح لها بغير اكتراث، قبل أن يركض ليرد على
المخابرة الملحة.. ولم تكن بحاجة لكثير من التفكير كي تعرف من المتكلم! عضت
إيبرل بشدة على شفتها السفلى لتوقف دموع الغضب التي كانت تغرق عينيها..
لسوف تموت قبل أن تسمح له باستغلالها مرة أخرى! "حق رجل في فتاة.." حقاً!
وأحست بالحقد يعتمر في قلبها.
أدارت إيبرل سيارتها بعنف، وانطلقت بسرعة عبر الطريق الداخلية الوعرة،
باتجاه منزلها الذي تخلت عنه لتوها وإلى بؤس لا تعرف مقداره سوى السماء وحدها!
4_ حلاوة الانتقام
كانت إيبرل تغلي غضباً .. دفعت سيارتها الى أقصى درجات سرعتها في رغبة منها
كي تضع أطول مسافة ممكنة بينها وبين ذلك الرجل المتعجرف .. حتى لفتاة
بلهاء، لم يكن يلزمها طوال المساء لتفهم معنى ملاحظته المثيرة للسخط.. إنه
يفضل الموت جوعاً على أن تعمل له.. إنه رجل متعال أكثر من اللازم ويخشى أن
يتهامس بنو جنسه حوله لا ستئجاره امرأة من أجل القيام " بعمل رجل".
ثم.. لو أن إيبرل موظفة لديه، ما كان ليأخذ حريته كما هو واضح أنه يعتقد
الآن ، وربما تخلى عن التزاماته نحوها. أوه.. إنها تعرف أن العديد من أرباب
العمل يستغلون موظفاتهم بطريقة أو بأخرى.. لكنها تشعر، وبقدر ماتكره غرايغ،
أنه ليس من النوع الذي يستخدم نفوذه كرب عمل لاستغلال موظفة لديه..
ولكن مهما يكن من أمر فقد أخطأ بحساباته هذه المرة! لقد وافقت على الوظيفة
وتريدها، ولن تدعه يفسد كل شيء.. لا لها، ولا لأمه! لكنها ستتأكد أولاً من
أن يفهم القواعد الأساسية: إيبرل موظفة لدى السيدة بوكستر وليس لديه.. وهي
ليست بالفتاة التي تنغمس في عبث عابر.. لذا، فليوفر عناقه وإطراءه للجميلة
ريبيكا.
حين وصلت منزلها، وجدت رسالة على آلة الرد في هاتفها من مات مورهيد .. حين
طلبته دعاها للعشاء، فقالت بسرور:
_ لن أتمنى شيئاً أفضل.. أشعر برغبة في الاحتفال الليلة.. أتذكر ذلك العمل
الذي تقدمت له؟ لقد حصلت عليه!
_ رائع! في هذه الحالة ، سأصطبحك الى مطعم " أولد ساكر منتو" فهذا يدعو إلى
احتفال مميز.. لايتحقق كل يوم حلم لفتاة.
لم تكن بحاجة لصديق أكثر إخلاصاً من مات.. لسوف تعتني أكثر من العادة
بزينتها ولباسها، وستجعله فخوراً بها.. لكن أولاً يجب أن تكلم مدير مجمع
الشقق بأمر انتقالها .بدا أن السيد واتسون كان ينتظرها، فقد هز رأسه بنفاد
صبر حين بدأت تخبره عن سبب زيارتها
_ أجل..أجل..أعرف..لقد اتصلت السيدة بوكستر للتو وشرحت لي الأمر كله..من
الطبيعي ان أكون سعيداً بتنفيذ ما طلبته مني.. فآخر شيء أفكر به هو أن أقف
في طريقك، إيبرل.. فهذه فرصة رائعة لك.. ومع وجود عائلة بوكستر كمرجع تعريف
عنك في المستقبل، ستتمكنين من كتابة تذكرة نجاحك بنفسك.
صاحت به ممازحة: واو! بدلاَ من أن أخبرك بنفسي عن خططي .. لماذا لا تخبرني
أنت عنها! مالذي طلبته السيدة بوكستر وستكون سعيداً للقيام به؟
_ لقد قالت إنكما اتفقتما على أن تبدأي العمل لديها فوراً.. لكنك لن تنتقلي
إلى هناك قبل أن يمر ثلاثون يوماً على إنذارك بترك العمل هنا.
_ هذا صحيح.. فأنا متفقة معك على العناية بالحدائق سيد واتسون.. ولن أدعك
في موقف محرج.
_ لا تأبهي لهذا.. فهناك القليل من كانون الثاني على أي حال.. قالت السيدة
بوكستر إن لم يكن هناك مانع لديك ولدي ، أنها ستدفع عنك إيجار آخر شهر
مقابل شهر الإنذار بترك العمل كي تتمكني من الاستقرار عندها بسرعة، وبذلك
تتجنبين الانتقال ذهاباً وإياباً لعشرين ميلاً كل يوم.. وأظن أن هذه لباقة
منها ، ألا تعتقدين ذلك؟ لن يتوقع المرء أقل من هذا من عائلة بوكستر.
لاحظت إيبرل أن السيد واتسون يعرف أشياءً عن العائلة لا تعرفها هي .. لكن
بدلاً من أن يسخر منها لجهلها، هزت رأسها تتمتم بالموافقة على كلامه.. وبعد
ان اتفقت معه على كل التفاصيل، رجعت الى شقتها لتستعد للخروج إلى العشاء مع
مات .
اغتسلت وجففت شعرها، ثم عقصت أطرافه إلى الداخل ، ووضعت طبقة رقيقة من كريم
الأساس على بشرتها ولمسة من اللون الأحمر لتزيد بروز خديها ،ظلال للعيون
أعطت لوجهها إشراقاً رائعاً أحست به، وهي التي لا تعي مدى جمالها.
من بين فساتينها القليلة الجميلة، اختارت فستاناً من الجيرسي الأخضر الجادي
اللون، بأكمام طويلة وياقة مرتفعة، وتدلى القماش بنعومة فوق جسدها.
وكانت تضع قرطاً من الجاد أرسلته لها خالتها في آخر عيد ميلاد لها حين قرع
جرس الباب وركضت لتفتحه. بدا مات كذلك وكأنه اعتنى عناية خاصة بما يرتديه
لموعدهما . شعره الاشقر القاتم المجعد بدا مقصوصاً ومسرحاً، ابتسامة الإعجاب
على وجهه انعكست في عينيه البنيتين الدافئتين.
أخبرته إيبرل باختصار اثناء المسافة القصيرة إلى المطعم، عن عملها الجديد..
وصفت له الأملاك وموقعها، ومكان إقامتها الجديد في ذلك المنزل الرائع،
واجباتها، وما إلى ذلك.. دهشت من نفسها لإخفائها عن مات ما حصل خلال
المقابلة الأولى مع غرايغ.. منذ أسبوع خلا، كانت ستسرد عليه بالتأكيد مثل
هذه القصة كنوع من الفكاهة المسلية. ولضحكا معاً.. لكنها الآن، تشعر أنها لا
تريد أن تشارك هذا مع أحد، حتى العزيز مات .. وهناك تفسير واضح لترددها،
فهي لا زالت تغلي غضباً من الإذلال المتكرر الذي عرّضها
له غرايغ بوكستر، ولا تريد أن يعرف مات بهذا الأمر.
إنها السادسة والنصف الآن وقد حملت ظلمة الشتاء في الشوارع المعبدة . في
المساء هذا الأثنين من الشتاء، كانت المنطقة هنا أقل ازدحاماً بالسياح
والمواطنين، مما تذكره إيبرل..قال مات : ها قد وصلنا. وقاد إيبرل إلى مدخل
بناء كان قديماً معرضاً مزدهراً.
كانت السلالم العريضة والدرابزين مصنوعة من الخشب السنديان الصلب، المتحول
لونه إلى الذهبي من تأثير ملامسة مئات الأيادي عبر السنين.. وقف مات عند
منصة الاستقبال، التي كانت يوماً مكاناً للصراف، وأعطى اسمه .ثم دخلا المقهى
الصغير بانتظار تقديم العشاء.
قالت إيبرل بخفة:
_كم أحب المجيء إلى ساكرمنتو القديمة، ورؤية المباني القديمة، والارصفة،
وكل المنحوتات اليدوية ..ألا تتصور كم أبدو سخيفة ،وأنا مأخوذة ببناء يزيد
عمره عن المئة عام بقليل؟ ضحك وقال:
_ لابأس في هذا .. فأنت تعيشين في بلد لازال حديثاً.. فحتى الزمن هنا قصير.
وصل شرابهما، وهي ترفع كوبها إلى فمها لتحيي صورتها المنعكسة في المرآة مع
مات . رأت وبرجفة قلب قوية، الوجه الأسمر المبتسم الساخر لغرايغ بوكستر
يبرز فجأة فوق كتفها الأيمن، وإلى جانبه ريبيكا ماونتن البادية الانزعاج.قال
بلهجة جافة:
_ مساء الخير آنسة ساوندرز.. كم من الممتع أن أراك مرة أخرى وسريعاً.
ابتلعت إيبرل ريقها بصعوبة، وهزت رأسها تحية لصورته المنعكسة .. ثم استعادت
شجاعتها، واستدارت لتواجهه مباشرة، وقدمته إلى مات مع إحساس بالدوار.. مد
مات يده مصافحاً غرايغ:
_ أنا سعيد جداً بمقابلتك سيد بوكستر..كانت إيبرل تبدي إعجابها للتو بالعمل
الذي أتممته هنا. عم يتحدث مات بحق السماء؟ ولماذاهذا الاهتمام في صوته؟
وتابع قائلاً:
_ هل لك بأية علاقة بترميم هذا المبنى؟
_ أنا فخور بأن أقول نعم.. كما إننا رممنا مرآب وقوف السيارات وبعض
الأبنية في الشارع الثاني.
_ لقد قمت بعمل جبار.. إيبرل وأنا كنا نقول لتونا إن المكان يبدو وقد انتقل
في الزمن نحو مئة إلى الوراء.
_ لطف شديد منك أن تقول هذا سيد مورهيد.. لقد تمتعنا جمعياً بالعمل في هذا
المشروع..
راح الرجلان يتحدثان باهتمام، فاغتنمت إيبرل الفرصة ولاحظت الثياب التي
كانت ترتديها ريبيكا ماونتن. وتنهدت في داخلها.. إنها فتاة من الصعب
منافستها.. ومع سأم ريبيكا من تركيز اهتمام الرجلين على حديث الأعمال، قالت
لإيبرل:
_ ياله من فستان جميل ترتدينه آنسة ساوندرز.. تبدين مختلفة تماماً عما رأيتك
في الصباح هذا اليوم حتى أنني ماكنت لأعرفك لولا أن أشار غرايغ إليك.
ثار غضب إيبرل.. لكن ، وفي الوقت المناسب، تذكرت أن إيان هيوشو علمها فنون
القتال بشرف! فردت ببرود:
_ وأنت ، من ناحية أخرى، تبدين جميلة كما كنت في الصباح.. آنسة ماونتن. تحول
وجه ريبيكا إلى لون أحمر قاتم لانكشاف خبثها الحاقد من خلال رد إيبرل المطيّ
لها . ونظر الرجلان إلى الأرض وابتسامتان ماكرتان تعلو وجهيهما فنالت إيبرل
نصراً إضافياً لمعرفتها
أنها لم تقل سوى الحقيقة.
جاء الساقي يقودهما إلى طاولتهما وسط ارتياح إيبرل ، فبل أن تتاح الفرصة
لريبيكا أن تستفيق وترد.. بعد أن جلسا، وضع مات منديله على حجره وفعلت
إيبرل مثله ثم سألت:
_ كيف حدث أنك تعرف غرايغ بوكستر؟ ضحك مات:
_ ألاتقرأين الصحف أبداً؟ ولاصفحات المجتمع؟ الجميع في كاليفورنيا يعرفون من
هو غرايغ بوكستر.. فمؤسسة بوكستر للبناء هي إحدى أكبر الشركات في الولايات
المتحدة..اجفلت إيبرل:
_ هل هو"ذلك" البوكستر؟ بالطبع سمعت عن الشركة، ولقد رأيت لوحاتها على
مواقع بناء في المدينة طوال حياتي.. لكن، لا.. أنا لا أقرأ صفحات المجتمع،
وأنا لم أسمع بالاسم الأول لمالكها من قبل.. لذا.. لم أربط بين الاسمين.
لاعجب أن السيد واتسون كان متحمساً جداً.
ولهذا إذن يعتقد غرايغ أنه قادر على استغلال مشاعر الآخرين للوصول إلى
مايريد.. إنه يدير شركة ضخمة ولم يأته النجاح بسهولة.
تابع مات يقول إن والد غرايغ بنى الشركة بقرض مصرفي بعد الحرب العالمية
الثانية، وبمساعدة شريكه ليونيل ماونتن استطاع أن يوصل شركته إلى مصاف أكبر
شركات البناء في كاليفورنيا، وأكمل يقول بإعجاب:
_ منذ وفاة أبيه، أي حوالي عشر سنوات، وسع غرايغ نشاط الشركة إلى كل
العالم.. إنه رجل فذ. كررت إيبرل:
_ ليونيل ماونتن؟ أتساءل إن كان هذا والد ريبيكا؟ لو كان هذا فهو يعني أن
لديهما مصلحة عمل مشتركة.. وهذا سبب إضافي كي يتزوجا.. وكأن أفكارها كانت
مغناطيسياً جاذباً، فقد رأت الاثنين يدخلان إلى غرفة الطعام، ويتجهان نحو
طاولة وضعت في زاوية حميمة لشخصين.. بإ حساس ثقيل موجع في صدرها، رأت إيبرل
ريبيكا تمد يدها عبر الطاولة لتمسك بيد غرايغ. ثم تبتسم له بشغف المحب وعي
تقول كلمات لم تفهمها إيبرل.
خلال تقديم العشاء، سرد مات على إيبرل تفاصيل يومه المتعب.. فبالإضافة إلى
حمل مسؤوليته الكبيرة عن عشرين عائلة، كان يعيش يومياً مع حمل عاطفي ثقيل
لايصدق.. حينها تذكرت إيبرل التزامها العاطفي بليز وعائلة إيفنز ، وتعجبت
كيف يتحمل مات ضغط مشاكل عشرين عائلة.
كانت إيبرل تعتقد غالباً أن إخلاص مات لعمله هو الذي يمنعه من الاهتمام
بجدية بأمور حياته الخاصة.. فكما تعلم كانت الصديقة الوحيدة المقربة منه،
وكان يمنح حبه لزبائنه ولا يوفر شيئاً لنفسه. لم تشعر إيبرل بالاهتمام لعمل
مات كما كانت دائماً، وهو أمر جعلها تشعر بالانزعاج. وأدركت أن اهتمامها
تحول نحو الشخصين الجالسين في زواية.. وهما الآن يتناولان العشاء.. وأعجبت
بتعبير وجه غرايغ وهو يتناول الطعام ويصغي إلى حديث ريبيكا.. ولم يعد
اهتمامها الشارد إلى ما كان يقوله مات إلا بعد أن سمعته يذكر اسم ليز.
_ ليز تتقدم بشكل جيد، وأتمنى لو أستطيع قول نفس الشيء عن أمها.
_ هل ذهبت لرؤيتها؟
_ ذهبت إلى المستشفى بالأمس.
_ أليس هناك أي تغيير؟ نظر إلى طبقه وقال : تغيير إلى الأسوأ.. لم تعرفني.
صاحت: أوه..لا!ظننت.. بما أنها خرجت من الغيبوبة..
_ يقول ممرضو المستشفى إنها لا تتعرف على أحد.. إنها مستلقية في فراشها،
لا تتحرك، ولا تتكلم. يقول الأطباء إنهم لا يمكنهم فعل شيء.. إصابة الدماغ
شديدة، والضرر فادح.. سينقلونها قريباً إلى قسم الرعاية، وهذا كل شيء.
أحست إيبرل ببرودة تسري في جسمها.. وقالت بصوت مرير:
_ لقد سلب براد ستاتون حياة زوجته منها، كما لو أنه قتلها.. وانظر إلى ما
فعل بحياة ابنته ليز..!ولو أنها أفضل بكثير دونه. هز مات رأسه موافقاً:
السؤال هو : إلى متى نتوقع منه أن يبقى بعيداً عن حياتها؟
_ أجل .. فمن الممكن أن يعود إلى البلدة في أي وقت ويكتشف مكان إقامتها..
وأشكر الله أن المسكينة لاتدرك أنها تنتظر مواجهة قنبلة موقوتة.. لن أفهم
أبداً لماذا لم يحل المدعي العام ستاتون إلى المحاكمة.
_ تعرفين جيداً ماذا قال.. المحاكم لاتضع الناس وراء القضبان بسبب ما لايزال
يُعرف بالأمور" البيتية الخاصة"، ولنكن منصفين فأفي ذلك الوقت لم يكن أحد
يدرك مدى خطورة إصابة السيدة ستانون. كان الأطباء يتوقعون أن تستعيد
عافيتها بعد خروجها من الغيبوبة. ردت بعصبية: أجل.. استعداداً للمرة
القادمة! هز مات كتفيه استسلاماً وقال: هكذا هي الأمور..كل ما نستطيع القيام
به هو العمل ضمن حدود القانون.
_ حتى وإن كان القانون مخطئاً؟ مد مات يده عبر الطاولة يغطي يدها المضمومة بيده.
_ إيبرل.. حين يخطئ القانون.. وأعترف أنه يخطئ.. يجب أن تعمل على تغييره
لاعلى خرقه. تمتمت باستسلام: هذا ما أعتقده.
كان مات على حق بنظريته طبعاً. لكن عملياً هل من العدل المغامرة بحياة طفلة
لمجرد إطاعة قانون يرتكز أساسه على تقاليد اجتماعية بالية؟.. مات من أفضل
الرجال الذين عرفتهم وهو يحترم السلطة إلى أقصى الدرجات.. ولكنه لا يخرج
..أبداً من أية معركة حقيقة منتصراً .. وأقسمت إيبرل في نفسها، إن قام والد
ليز بتهديد سلامة الطفلة مرة أخرى، فستفعل كل ما بوسعها لردعه سواء كان ذلك
ضمن القانون أو لا.قال مات يربت على يدها:
_ دعينا لانتكلم عن هذا.. أنا آسف، كنت مخطئاً في ذكر الموضوع في أمسية من
المفترض أن تكون احتفالاً.حاول أن يضحك، لكنه لم يستطع سوى أن يبتسم ابتسامة
ضعيفة. وهزت إيبرل رأسها.. بالإمكان تغيير الموضوع طبعاً لكنها شعرت بأن
الأمسية فسدت لكليهما.قال مات بلهجة مرحة:
_ لديهم حلوى رائعة هنا.. دعينا نحتفل بتناول شيء منها..أجبرت إيبرل
ابتسامة على شفتيها:حسن جداً..ولم لا؟ أحست بعاطفة مفاجئة نحو مات
ووخزة خجل لتفكيرها منذ لحظات بأنه غير كفوء في مواجهاته. على الأقل
لايستطيع أحد إنكار اهتمامه بمصلحة ليز من قلبه.. إضافة إلى العشرين
عائلة.. كانت ابتسامتها دافئة وهي تمد يدها فوق الطاولة تلامس خده بمحبة صادقة.
بينما كان مات يطلب الحلوى، لاحظت إيبرل أن غرايغ وريبيكا نهضا عن
طاولتهما، وسارا متجهين إلى حيث تجلس مع مات.. وصلا في وقت الذي كان النادل
يردد طلب مات الذي بدا فجأة لإيبرل أنه حلوى للأطفال، وليس لشخصين راشدين.
لاشك أن الأمر نفسه بدا لريبيكا لأن إيبرل رأت بوضوح نظرة الخبث التي
ارتسمت على وجهها.. وحاول مات أن يقف، لكن غرايغ أشار له أن يبقى جالساً ثم
قال بطريقة غريبة:
_ نحن ذاهبان إلى ناد حديث للرقص في آخر الشارع. هل ترغبان في الانضمام
إلينا؟ قالت ريبيكا بحيوية:
_ أوه..اقبلا..أرجوكما..سنلتقي مجموعة أصدقاء هناك وستكون أمسية مرحة.نظر
مات إلى إيبرل.. وقرأ" الرفض" في عينيها.. فرد قائلاً: أنا آسف، لقد طلبنا
الحلوى لتونا، وسنبقى هنا قليلاً بعد. شكراً جزيلاً على أي حال.
صاحت ريبيكا:
_ الغيا الطلب! فالسكر ليس صحياً لكما.. أنا لا أتناول الحلوى أبداً. لاحظت
إيبرل أن ريبيكا تمايلت بجسمها قليلاً لتجذب الاهتمام إلى نحولها المميز..
وقال غرايغ: أظن أنهما قادران على اختيار نوع طعامهما بنفسيهما ريبيكا..
سنذهب إذن. لكن ريبيكا لم تكن معتادة على رفض طلباتها، فتابعت تقول:
_ حسناً.. أنهيا إذن طعامكما، والحقا بنا.. أرجوكما قولا إنكما ستفعلان.
_ رأت إيبرل من النظرة البائسة على وجه غرايغ أنه لم يكن المصمم على
صحبتهما.. لا.. إنها ريبيكا.. لكن ماهو دافعها يا ترى ؟ قالت إيبرل بحزم: أنا
آسفة.. لا أستطيع. كان يومي متعباً، وكذلك مات.. وأخشى أن لايروق القص لأي
منا الليلة.
قالت ريبيكا متوددة: بالطبع.. يجب أن تعذريني آنسة ساوندرز.. نسيت للحظات
أن عملك يسبب التعب الجسدي.. لكن يجب أن أعترف أنني خائبة الأمل .. كان
أصدقاؤنا سيتسلون كثيراً بالتعرف على سيدة " جنائنية".
علت وجه غرايغ نظرة رفض مصدومة، وأدركت إيبرل أنه لم يكن يعتقد أن ريبيكا
ستتمادى في جرأتها وتعلن عن أسباب دعوتها لانضمام إيبرل إلى أصدقائهما
..أحست إيبرل بغضب يعتمر في داخلها ويصل إلى حد الانفجار، نسيت كل شيء
علمها إياه هيموشو حول الحفاظ على رباطة الجأش والعدوانية السلبية..
قد لاتستطيع رد الكيل لبراد ستانون، ولا الرد على ظلم الحياة نفسها.. لكنها
بالتأكيد قادرة على إيقاف هذه المرأة المهينة عند حدها..
وكذلك غرايغ بوكستر، الآن وإلى الأبد! أجابت بابتسامة باردة واثقة:
_ آسفة لأنني خيبت أملك آنسة ماونتن.. لكن، إن كان من السهل جداً تسلية
أصدقائك، فأقترح أن أمثل لهم دور المهرج.. الأطفال من كل الأعمار يجدون هذا
مسلياً جداً.. ولقد شاهد السيد بوكستر هذا العرض في شقتي بعد ظهر الأمس..
ولسوف يؤيدني بأنه دور مسل، أنا واثقة.
مامن طبق حلوى في العالم يمكن مقارنته بطعم حلاوة الانتقام حين شاهدت إيبرل
نظرة الحقد السام التي وجهتها ريبيكا ماونتن إلى غرايغ بوكستر، بعد سماعها
للرد.
5_ رجل كان هناك
خلال الأسبوع التالي، قامت إيبرل بإنهاء كل العقود السابقة مع زبائنها
وأبدى جميعهم الأسف لفقدانها. وأمضت الأمسيات توضب
حاجياتها في صناديق كرتونية. وكان برنس ملازماً لها، يدخل ويخرج من بين
ساقيها وهي تعمل، يتفحص كل صندوق مفتوح، بحثاً
عن إمكانية وجود حشرة حية.
السيدة بوكستر لم تكن تتوقع أن تبدأ إيبرل العمل قبل الاثنين المقبل، ورحبت
إيبرل بالأيام الفاصلة كي لا تواجه غرايغ.خلال عودتها
ومات من العشاء ليلة الاثنين الفائت. أبدى الأخير ذهوله للطريقة التي هاجمت
فيها ريبيكا ماونتن.
_ لم أرك من قبل تنفجرين بأحد هكذا.. وهذا ما أظهر لي جانباً جديداً من
شخصيتك.ردت بعنف: لقد استحقت هذا! إنها المرة الثانية
التي ألتقي بها، وأهانتني أربع مرات؟
_ لكن ما همك أنت بما تظن بك؟
_ أنا لا أهتم أبداً بظنونها! لكن يصبح الأمر مزعجاً جدا حين لا تستطيع امرأة
في مثل سنها أن تقتنع بأن عملي ليس حكراً على جنس
معين.. ثم لماذا يجب أن أبقى مذعنة وأسمح لأي شخص بأن يهينني؟ قال مات
بلهجة ارتياب: حسناً.. أعتقد أنك على حق..لكن مما
عرفته عنك، وإذا كنت لاتمانعين قولي هذا، تساءلت ماإذا كنت غيورة منها.
صاحت:أنا لست غيورة! ماهذه الفكرة السخيفة؟
اختلس مات نظرة جانبية إلى وجهها الغاضب وقال ملاطفاً: هذاجيد.. لأنني لا
أتمنى لأي صديقة لي أن يميل قلبها نحو غرايغ
بوكستر. فحسب قول الشائعات، إنه ليس من النوع الذي يتزوج. ردت إيبرل بفظاظة:
_ بإمكانك إراحة بالك حول قلبي مات.. لن يهمني أبداً ماإذا كان غرايغ بوكستر
يهوي كل نساء كاليفورنيا.. لكنها فكرت في سرها
بحزن أن مات لم يعد محقاً في قوله.. قد يكون غرايغ رجلاً عابثا في الأيام
السابقة ، لكن أمه أخبرت إيبرل بصراحة أنه يفكر ًكثيراً
بالزواج.. وهي تتذكر عناقه لها يوم الاثنين الماضي.. أحست برعشة..لكن ذلك
العناق لم يكن يعني شيئاً .
كان مجرد فعل من رجل اعتاد أن يتذوق رحيق كل زهرة يصادفها. في الواقع لن
يستطيع التخلي عن عادته القديمة حتى بعد زواجه
من ريبيكا .. إيبرل تعرف أن الكثير من الرجال لايحترمون قسم زواجهم، وقد
يبرهن غرايغ بوكستر أنه واحد من هؤلاء .. أجل..إنها
متأكدة أنها ستكون أفضل حالاً بكثير من دونه.
خلال توضيبها لأغراضها، اكتشفت إيبرل أن الانتقال من سكن إلى آخر هو أفضل
وقت للتخلص من الأشياء الغير ضرورية.
أخرجت من خزانتها وأدراجها أغراضاً من ثياب قديمة لاتتناسب مع الموضة، ولم
ترتدها منذ سنوات، وهي الآن ستُرمى كلها .. في
الدرج الأسفل،وجدت الفستان الصيني الطراز الذي أهداه إيان لها يوم حفلة
التخرج، والذي اشتراه أثناء رحلته إلى البلدة الصينية في
فرانسيسكو..مع أنه كان يعجبها بجنون، إلاأن حياتها البسيطة لم تعطها الفرصة
يوماً لارتدائه.. كان مصنوعاً من حرير طبيعي بلون
الخوخ، مفصلاً على الطريقة الصينية.
فكرت بإيان وهي تعيد لفه بالأوراق بكل حذر، وأملت أنه سيوافق على هذا
التغيير في حياتها. حين استيقظت إيبرل صباح السبت..
أحست بارتياح لرؤية الطقس جافاً وبارداً ، طقس ممتاز للانتقال. وصل مات في
الثامنة، ومعه شاحنة صغيرة استعارها من صديق
له. وسارعت تساعد مات على حمل ما تستطيع من أغراض : عدة مصابيح، جهاز
الستيريو، وخزانة من خشب الجوز، ماكنة
الخياطة، التلفزيون، وكرسي هزاز أثري جميل كان لأمها، وكانت تهدهدها فيه
وهي طفلة.
وضبت معظم الأغراض في صناديق، وفي وقت مبكر من الظهر كانت جميعها محمولة في
الشاحنة.. وأمن مات مظلة الشاحنة، ثم
عاد إلى الشقة الفارغة ليساعد إيبرل على تنظيفها.. نظرت إيبرل إلى الفراغ
حولها، وأحست بالدموع تلسع عينيها. مسحتها، وتقدمت
نحو الجدار الزجاجي تستند إليه وتنظر إلى حديقتها الصغيرة الغالية.
تقدم مات خلفها ووضع ذراعه حول كتفيها:
_ كنت سعيدة هنا.. أليس كذلك؟ تنهدت: كان المكان الأول الذي اعتبرته ملكاً
لي .. وهذه الحديقة هي آخر صلة بي مع إيان . وبخها
بلطف وقال: والآن إيبرل ..! ستبقين دائماً على صلة بإيان طالما أنه موجود في
أفكارك.. التغيير صعب دائماً.. حتى وإيان كان تغييراً
مفيدا..أليس كذلك؟ هزت رأسها دون كلام واستدارت تبتسم له دامعة. لأخذت نفساً
عميقاً، ثم قالت:
_ حسن جداً ياصديقي.. هيا بنا إليهم! بوكستر احذروا..ها قد جاءتكم إيبرل
ساوندرز!
ضحكا معاً ثم لاحقا برنس المتردد فجأة،وحشراه أخيراً في زاوية المطبخ..
وبينما كان مات يقفل النوافذ والأبواب راحت إيبرل تدخل
القط قي صندوقه الكرتوني الكريه عليه ووضعته وسط مقعد الشاحنة.. ثم سلمت
المفاتيح إلى السيد واتسون وودعته، وماهي إلا
لحظات حتى كانا منطلقين عبر شوارع المدينة نحو الطريق العريضة التي تقود
إلى حياة إيبرل الجديدة.
بعد حوالي النصف ساعة أبطأ مات سرعته كثيراً ليتجه نحو الطريق الريفي الوعر
الموصل إلى أملاك بوكستر.. وأشارت إيبرل إلى
اللوحة المخيفة عن الأنظار، فوجه مات الشاحنة إلى الطريق الداخلية الكثيرة
الحفر.. وحين وصلا فسحة إيقاف السيارات، صفّر
إعجاباً بموقع المنزل.
وترك مات الشاحنة تتهادى على مهل وراح يتفحص حوله مايمكن أن يراه من الخمسة
فدادين.. ثم قال ممازحاً: مساحة هائلة إيبرل،
ألاتظنين أنك قضمت لقمة أكبر من أن تستطيعي مضغها؟ كانت الأراضي فعلاً أكبر
مما بدت لها يوم الأحد الماضي، وقالت تكشر
وجهها قلقاً: أرجو أن لا..على أي حال، سأبذل قصارى جهدي.
طلبت من مات أن ينتظرها، ونزلت تسير عبر المرجة إلى الباب الأمامي، آملة أن
تكون السيدة أغريبا موجودة.. لكنها لم تكن
محظوظة..فقد انفتح الباب بعد قرعها للجرس، ووقفت مدبرة المنزل هناك بعبوسها
الذي أصبح مألوفاً.أشارت إيبرل نحو الشاحنة:
_ لقد جئت بأغراضي سيدة أغريبا.. وأتساءل ما إذا كان بالإمكان أن تمر
السيارة فوق المرج لتصبح بالقرب من البركة؟
قالت المرأة : لن تفعلي لو كان الأمر يعود إلي.. وأدارت لإيبرل ظهرها
لتختفي في الداخل .. فراحت إيبرل تتساءل ماذا تفعل.. هل
الرد"لا" إذن؟ أم أنها تركت الباب مفتوحاً لها وذهبت لتستشير بوكستر؟ لم تدم
حيرتها طويلاً إذ سرعان ما وصلت السيدة بوكستر
بابتسامة مرحبة على وجهها اللطيف.
_ أنت هنا عزيزتي!على الموعد تماماً.. كل شيء يسير على ما يرام وهذا بشير
جيد .. وأنا واثقة أن عملنا سينجح.. والآن أخبرتني
أغريبا أنك ترغبين في مرور الشاحنة فوق المرج، وأظن هذه فكرة معقولة..
فلاشيء يمكنه أن يسيء إلى منظره أكثر مما هو سيء
الآن. شكرتها إيبرل، ثم عادت لتوجه مات حول حافة المرج حيث لايؤثر ثقل
الشاحنة عليها كثيراً .. كان المرج رهيباً فعلاً.. لكن ما
من داع للمخاطرة بأن تعلق إطارات الشاحنة في التراب اللزج.
كانت أولى المهمات إطلاق سراح برنس من صندوقه. ثم أمضت إيبرل ومات الساعات
التالية يفرغان الشاحنة ويضعان الصناديق
في الغرف ، بانتظار ترتيبها فيما بعد. كانت غرفة النوم مفروشة بسرير
مزدوج.ز وقرب أحد الجدران طاولة ثابتة للزينة، وخزانة
أدراج مثلها بحيث لايستلزم الأمر استخدام خزانة أخرى. كان جدار آخر بأكمله
من الزجاج، يطل على الأراضي التي توصل إلى
النهر.. كانت الستائر العاجية الدافئة الملونة بخيوط رمادية وبيج مكملة
للسجادة الرمادية السميكة.. وفي هذه الغرفة، وضعت إيبرل
كرسي أمها الهزاز وأحد المصابيح.. ما إن شاهد برنس الكرسي حتى وثب إليه
وتكور فيه بارتياح ظاهر ليأخذ قيلولته.
كانت إيبرل ومات، بحلول الساعة الرابعة، يتضوران جوعاً، بعد أن أتما إفراغ
الشاحنة تماماً. خاطبته إيبرل: سأفرغ هذه الصناديق
فيما بعد مات.. والآن استرح، بينما أحضر شيئاً نأكله. لحظات، ووجد مات نفسه
مسترخياً على أريكة مريحة في غرفة الجلوس، وفي
يده كوب من العصير البارد.. ودخلت إيبرل إلى المطبخ لتنظر حولها، مبتهجة به
كطفلة أهديت لعبة بيت. وبعد قليل كانت المائدة
جاهزة.. ونادت مات الذي أعلن أنها ساحرة، وجلس ليأكل بشهية كبيرة.
بعد أن تناول حصته وأكمل على نصف حصتها، استرخى في كرسيه متنهداً: هذه وجبة
أفضل من التي تناولناها في"أولد ساكرمنتو"
لوحت إيبرل بيدها تصرف النظر عن مديحه، وقالت: الجوع أمهر الطباخين. تمدد
مات ووقف ليذهب إلى غرفة الجلوس:
_ إنه مكان دافئ وحميم إيبرل.. كل ما يلزمك لتجعليه مكتملاً هو إشعال نار في
المدفئة.
كان الظلام قد حل، والمطر ينهمر في الخارج ووافقت إيبرل على أن النار
مناسبة جداً.
_ أظن أنني رأيت بعض الحطب خارج المنزل. ماهي سوى دقيقة حتى أحضر مات ثلاث
حطبات، واستخدم جريدة وولاعة ليشعل
ناراً بهيجة في المدفئة ذات الحجر الأبيض.
_ والآن ، أريدك أن تُعدي لنفسك فنجان قهوة وتسترخي هنا قبل موعد النوم .
ووقف متحضراً للخروج. حاولت إيبرل إقناعه بالبقاء
للتمتع بالنار وشرب القهوة معها، لكنه امتنع قائلاً: لا.. يجب أن أستيقظ في
الغد باكراً.. رافقته إلى الشاحنة تلف ذراعيها حولها بسبب
برودة الهواء.. وقفا قرب باب الشاحنة المفتوح وأحست إيبرل باندفاع عاطفي
غامر وعرفان بالجميل نحو صديق عزيز، منحها دون
تذمر يوم راحته من العمل .. لفت ذراعيها حول عنقه: كنت دائماً طيباً معي
مات.. ولاتستطيع أن أعبر لك عن امتناني..
وضع ذراعاه حول خصرها وحضنها، ثم همس في أذنها بصوته الخجول: أنا محظوظ
بوجود صديقة عزيزة مثلك. حين أدار محرك
السيارة، وانطلق نحو الطريق الداخلية للمنزل، استدارت إيبرل نحو منزلها..
وهناك لمحت طيفاً لرجل يقف بالباب.. الضوء الخافت
يخفي قسماته.. صدرت عنها شهقة حادة، فتقدم منها الرجل سريعاً، ووجدت أنه
غرايغ.. فصاحت: لقد أخفتني حتى الموت !أتمنى
من السماء لو تعلن عن وجودك ولو لمرة بدلاً من التسلل هكذا!
قال بتشدقٍ ساخراً: آسف.. لم أرغب بمقاطعة منظر فراق الأحبة الرقيق. إذن لقد
رآها تعانق مات، واستخلص بنفسه.. حسن جداً،
ربما أقنعه هذا أن يتركها وشأنها إذا ظن بأنها ملك لرجل آخر.. هكذا، ودون
إنكار لظنونه، قالت:
_ أعتقد أن لديك سبباً دفعك للمجيء إلى هنا.. لذا الأفضل أن تدخل لأقفل الباب.
_ هذا إن كان لديك لحظات توفرينها لي. في الداخل،نظر غرايغ حوله، ولاحظ
النار الخفيفة ثم سار نحو المطبخ حيث شاهد بقايا
الوجبة، وقال معلقاً: أحد أسباب مجيئي هو أن أستعلم إن كنت بحاجة إلى
مساعدة. لكنني أرى الآن أن عرضي سيكون غير
ضروري.. وكان يجب أن أدرك أن امرأة مثلك سيكون لها .. أوه.. مصادر أخرى.
_ أجل.. لدي مصادر أخرى. والآن بما أنك هنا لي أ ن أعرض عليك شراباً؟ هناك
عصير، قهوة، أوشاي. وهذا كل شيء كما
أخشى. مدد غرايغ جسمه النحيل الرشيق البارز العضلات فوق الأريكة، حيث أخذت
ألسنة النار تنعكس على شعره البني متحولة إلى
وهج نحاسي قاتم.. نظر إليها بابتسامة على شفتيه القاسيتين: أي شيء تقدمينه
سيكون جيداً.
وهي تعود إلى المطبخ لتسخن القهوة، كانت تعي تماماً ذلك الانقباض المثير
والمقلق معاً في قلبها، والذي تشعر به في كل مرة تكون
فيها في حضرة ذلك الرجل. بعد أن سخنت القهوة، وضعت فنجانين فوق صينية
يابانية خشبية وحملتها إلى غرفة الجلوس.. حيث
انحنت لتضعها على الطاولة الصغيرة الموضوعة أمام الأريكة.. وهي تستقيم وقف
غرايغ فجأة ليمسك معصمها بيده.. قال وهو
يسحبها حول الطاولة ويجلسها إلى الأريكة بجانبه: اجلسي هنا حيث تدفئك
النار. لكنها نهضت بسرعة لتجلس في الطرف الآخر منها.
سألها بابتسامة العارف: هل أحمل شيئاً معدياً؟ ردت بابتسامة أكثر برودة:
لاشيء لست منعية ضده.. رفع حاجبه: آه.. ذلك اللسان
اللاذع مرة أخرى.. أتعلمين؟ كان يجب أن أحذر ريبيكا فعلاً من أنك لست ممن
يمكن العبث معه. قالت: أجل .. ربما كان يجب عليك
أن تحذرها.. ومن الأفضل أن تتذكر هذا بنفسك. خبا اللمعان الدافئ في عينيه
لكلامها ورد: أجل.. تأكدي أنني سأفعل.
خلال الفترة القصيرة التي شرب فيها القهوة، تبادلا حديثاً قصيراً سطحياً.
وارتاحت إيبرل لعدم اضطرارها للمواجهة معه، فحضوره
لايشل دماغها فقط بل إنها كذلك مرهقة من يوم عمل طويل ولا ثقة لها بقدرتها
العاطفية على مقاومته.. سلامتها الوحيدة تكمن في أن
تتصرف بحذر كي لايدرك الأمر! أعاد غرايغ فنجانه الفارغ، ووقف استعداداً للرحيل.
_ السبب الآخر لحضوري هو إيصال دعوة لك من أمي، تريدك أن تتناولي الغداء
معها في الغد بعد أن تنتهي عملك.. قالت إنه لايجب
أن ترهقي نفسك بإعداد الطعام بعد إفراغ أغراضك طوال اليوم. تأثرت إيبرل
وابتسمت لغرايغ: هذا لطف من أمك وأنا ممتنة جداً
لهذه الدعوة، لكنني لن أقوم بتوضيب أغراضي في الغد.. أتذكر الفتاة الصغيرة
التي التقيتها في شقتي ؟ لقد وعدتها أن آخذها إلى "
سوتر فورت" غداً إذا كان الطقس جيداً.. فإذا لم أستطع رؤية السيدة بوكستر
بنفسي فأرجو أن تبلغها شكري وأسفي.
_ طبعاً سأفعل. وأكمل طريقه نحو الباب, ثم سأل: هل تقضين كل أيام الآحاد
معها؟ ليز، أليس كذلك؟ قالت: أجل .
قال: ألايعترض صديقك مات على حرمانه من صحبتك يوم الأحد؟ نسيت للحظة أن
غرايغ فهم الصورة الخاطئة وردت بحدة: بالطبع
لا. لكنها أضافت بلهجة أكثر نعومة: أحياناً نخرج بها معاً. وأصرّ غرايغ قائلاً:
على أي حال، أعتقد أنه لن يرافقك في الغد؟
_ لا.. فهو ذاهب للتزلج مع أصحابه. وكانت بهذا تقصد أن تعطي سبباً لعدم
مرافقة"حبيبها" لها في الغد.. لكن نظرة الشك على وجه
غرايغ الوسيم قالت لها إن رجلاً يذهب للتزلج مع أصدقائه، بدلاً من قضاء معظم
وقته مع "حبيبته" أمر يدعو إلى الشك.. يالها من
متاهة أدخلت نفسها فيها! سارت معه نحو الباب في محاولة منها لاستعادة
السيطرة التي فقدتها وطلبت منه مرة أخرى أن يشكر أمه
على لطفها.. قالت وهي تفتح الباب له: وشكراً لك أيضاً.. لسؤالك إن كنت أحتاج
إلى مساعدة.
استدار ينظر متفرساً في عينيها.. وبلهجة نادمة لم تفهم إيبرل سببها،قال:أنا
آسف لأن مساعدتي ليست مطلوبة. وسمرتها عيناه ، حتى
أنها لم تتحرك حين مد يده يلوي خصلة شعر بين أصابعه.. ثم أمسك مؤخرة رأسها
في راحة يده وقرب وجهها منه.. ليضع رأسها
على كتفه.. وبقيت راضية بالعناق، للحظات، تقف مابين النار الذهبية الحمراء
المغرية، وهواء الليل البارد الرطب..
ولم تتلاش اللحظة السحرية، إلا بعد أن تسللت يده من رأسها إلى مؤخرة عنقها
فاستفاقت من البئر العميق لتجاوبها مع هذا الرجل.
وانفتحت عيناها بتركيز وهي تدفعه في صدره بكل القوة التي استطاعتها
ذراعاها، قالت شاهقة: حقاً سيد بوكستر! ظننتك فهمت أنني..
أن مات وأنا.. كم تنسى بسرعة أنني لست من النوع الذي يقبل بالعبث! رد بأدب
جاف: بالعكس آنسة ساوندرز.. أنا أحترم علاقتك
هذه.. وهذا العناق ليس سوى إشارة لصداقة، ويعني فقط الترحيب بك في فريق عمل
بوكستر.. وكم أنت قاسية لتسميه عبثاً.ثم ،
بابتسامة ماكرة، وتلويحة مرحة، خرج إلى الظلام والليل المبتل.
كان اليوم التالي مشمساً ورائعاً وشعرت إيبرل بالارتياح لأن الطقس لن يمنع
ليز من القيام بإحدى نزهاتها المفضلة إلى الحصن الذي
يعود تاريخه إلى أكثر من مئة وخمسين سنة.. كانت الساعة قد تجاوزت الظهر حين
كانت إيبرل تلحق بليز فوق المروج الغنية
بالعشب والمزدانة بالأشجار ، ثم عبر الأبواب الضخمة المرتفعة إلى داخل
الحصن. كانت تذاكر الدخول تباع في الداخل، وراحت
ليز، التي ارتدت جينزاً وقميصاً بمربعات حمراء وبيضاء وسترة من الجينز، تقفز
بنفاد صبر، بينما إيبرل تدفع رسم الدخول البسيط..
في أحد نهايات المساحة المستطيلة، مؤلف من طابقين، من حجر الطين كذلك،
يحتوى غرف الاستقبال ومكتب" ساتر" وجناح
السكن.. لكن الغرف العديدة جداً على طول جدار الحصن الداخلي، والتي تنفتح
كلها على باحة مشتركة معشوشبة، هي التي تسحر
ليز.وبدأت زيارتها المعتادة لجميع الغرف الصغيرة التاريخية، أيام كانت
تمارس المهن اليدوية ببراعة وأهمية في تلك الأيام الخشنة..
كان هناك دكان الحداد، النجار، صانع البراميل، دكان أسرجة، غرفة نسيج، مصنع
شمع حيث يحول شحم النيران إلى شموع وهي
المصدر الرئيسي للنور في الحصن ليلاً.. وبالطبع دكان صانع الأسلحة.. بعد أن
شاهدت ليز كل هذا، بالإضافة إلى دكان صانع
القبعات والأحذية، والمخزن التجاري أيضاً، أخذت تشد إيبرل من يدها نحو غرفة
كانت الأخيرة تتمنى في كل مرة ، وبحرارة، ان
تتجاهلها.
كان هناك غرفة خفية صغيرة سوداء لها باب منخفض جداً لا يستطيع سوى طفل أن يمر
به دون انخفاض.. من هذه الغرفة القاتمة،
كان المرء ينزل ثلاث درجات حجرية منزلقة بخطورة إلى غرفة أصغر وأكثر
عتمة بمدخل واحد.. كانت هذه سجن الحصن. كانت
الغرفة خالية تقريباً ماعدا مدّ خشبي فيها وتمثال من الشمع لسجين مكور في
زواية الزنزانة يكاد يظهر حياً. مظهره كمظهر المنبوذ
الكامل. وكما تفعل في كل زيارة، وقفت ليز مسمرة تنظر إلى الغرفة.. في هذه
الأوقات، كان قلب إيبرل يصبح مثقلاً..
قالت ليز وكأنها تكلم نفسها:كانوا يضعون الأشرار هنا.. ربما سرق مال أحدهم
أو جواده، ربما كان مشاكساً وافتعل عراكاً.
_ ربما يكون هذا هو السبب عزيزتي. كانا قد تعرضا لمثل هذا الموقف العديد من
المرات لدرجة أن إيبرل أصبحت تدرك بأن ليز
لاتظن التمثال حقيقياً حتى وإن كانت تتكلم وكأنه حي.
قطبت ليز: هذا الرجل على الأرجح ضرب زوجته، ولهذا وضعوه هنا.. وضرب ابنته
الصغيرة أيضاً. أتظنين أنهما لازالتا تحبانه
إيبرل رغم أنه كان شريرا ًوهو الآن في السجن؟ وأدارت عينين زرقاوين واسعتين
نحو إيبرل. ماذا يمكن لإيبرل أن تقول؟ كيف
يمكنها الإجابة لتنتشل الطفلة من محنتها المؤلمة؟ أرادت أن تبعد الطفلة عن
المكان، لكن وبناء على تعليمات مات بترك الفتاة تعبر
عن مشاعرها ومخاوفها المكبوتة متى وأينما أحست بالحاجة، قالت: لست أدري
حبيبتي.. مارأيك أنت؟
تنهدت ليز: أعتقد أن الأم والفتاة الصغيرة حزينتان على الرجل لأنه وحيد
الآن .. لكنهما لا تستطيعان أن تحباه مجدداً، وستنتقلان
للعيش بعيدا كي لا يجدهما. كانت شمس الشتاء الخفيفة أكثر حدة، مقارنة مع
عتمة الغرفة المقبضة للنفس، وأغمضت إيبرل عينيها
وانتظرت إلى أن اعتادتا النور.. ثم شعرت بليز تشد سترتها وتهمس:
_ انظري! ذلك هو الرجل الذي أحب بسكويتنا.
قبل أن يراهما، تمتعت إيبرل بالتطلع إلى جسد غرايغ الطويل الرشيق المستند
إلى شجرة السنديان، في نهاية الباحة المشتركة.. يداه
مسترخيتان في جيبي سترته الصوفية، بينما عيناه تجوبان الساحة بحثاً عن شخص
ما.. عن إيبرل؟ على المرء أن يعترف أنه بكل
تأكيد ملح في ملاحقاته.. صحيح أنها انزعجت لكنها أحست بالزهو أيضاً .
_ ها أنتما! وقطع المسافة بخطوات واسعة:
_أفضل صانعة بسكويت في ساكرامنتو. وانحنى إلى مستوى الطفلة يبتسم لها:
سمعت أنك ستكونين هنا اليوم فأردت أن أدعوك إلى
الغداء.. وهاأنذا! رفع عينيه إلى وجه إيبرل، وقال وكأنما بعد تفكير: أوه..
مرحباً "حمراء" وأنت مدعوة أيضاً.. بالطبع.
من يظن أنه يخدع؟ لقد حسبت ليلة أمس حين افترض وجود علاقة حب بينها وبين
مات، أنه سيضعها خارج ملاحقاته..لكن من
الواضح أن هذا لم يعن له شيئاً..
فهو لايتأثر إن كانت مشاعرها ليست ملكاً له أو إن كان يتعدى على حق رجل
آخر.. فكرت بكل هذا ساخطة.والآن هاهو، لازال
يلاحقها، لكن هذه المرة يستغل طفلة بريئة! ماذا تريد أكثر من هذا ليثبت لها
أن غرايغ ليس سوى "دون جواناً" عادياً؟ نظرت ليز
نحو إيبرل متوجهة بالإثارة، يملأ عينيها الزرقاوين رجاء بأن تقبل دعوة
الرجل.. بابتسامة خبيثة، قالت إيبرل:
_ إذاكنت تريدين تناول الغداء مع السيد بوكستر، فبالطبع سنقبل دعوته بكل سرور.
أدارت وجهها بابتسامة وقحة صوب غرايغ وأضافت: لكن؟،أولاً، أنا واثقة أنه
سيحب أن تصطحبيه داخل الحصن.. أتصور أنه مر
عليه زمن طويل منذ زيارته الأخيرة للمكان. لماذا لا تتمشيان سوية وسأجلس
تحت الشجرة بانتظاركما؟ لم يدع غرايغ الصغيرة
تشعر بأن الجولة في الحصن لم تكن تحلو له. لكن عبر ابتسامة خفيفة جافة
اعترف لإيبرل أنها كسبت نصراً جديداً.. ونظرت ليز إلى
إيبرل بمزيج من الابتهاج والخوف.. ثم بطريقتها المضحكة التي تشبه طريقة
الكبار، بدأت تقول لغرايغ رأيها في السرد المسجل
لتاريخ الحصن.. ورمى غرايغ تحية مرحة نحو إيبرل، ثم قفز برضى خلف الفتاة.
جلست إيبرل تنتظر .. بينما كانت تراقب الزوار بكسل، يسيرون حول المكان، خطر
ببالها أنها، بالرغم من عجرفة غرايغ بوكستر،
وتصرفاته غير اللائقة، وعبثه، فهي تشعر نحوه بشيء من مما جعلها تترك ليز في
عهدته.. لم تمض ربع ساعة، حتى لمحتهما
يتقدمان من البوابة. اختار غرايغ مطعماً صغيراً قريباًمن الحصن متخصص بتقديم
الفطائر المحلاة، والسندويشات الخفيفة، والآيس
كريم الفاخر.
سرّ إيبرل أن تلاحظ بأن الصغيرة كانت في أحسن تصرف لها، تجلس على مقعد جميل
قديم الطراز ويداها مضمومتان في
حجرها.خلال الطعام، وجه غرايغ كل اهتمامه إلى ليز، وهذا مافتن إيبرل.. لكن،
وفي الوقت ذاته، جعلها تشعر أن لالزوم لها. أخيراً
وبعد انتهاء الوجبة قال غرايغ بعفوية:
_ على فكرة "حمراء" لقد وعدت أن أصطحب ليز إلى كولوما لرؤية المكان الذي
وجد فيه الذهب بالضبط، وأخبرتني أنها تريد منك
أن تأتي معنا.
قالت ليز متأثرة بتصرف غرايغ اللطيف طوال بعد الظهر بجرأة لم تعهدها أمام
الرجال: لماذا تسمي إيبرل بالحمراء؟ هذا ليس اسماً
جميلاً. قال: أظنك على حق أيتها الصغيرة.. وأوافقك على أن اسم إيبرل أجمل
بكثير من الحمراء.
ساد صمت غير مريح بين الثلاثة، وراحت ليز تنقل نظرها من أحدهما إلى الآخر..
تشعر أن هناك شيئاً خاطئاً. لو أن رغبات إيبرل
هي كل ما يهم، فلاشيء يسعدها أكثر من أن تسمع ما سماها به من بين شفتيه ..
لكن الاسم المستعار أمر حميم .. ولايتناقله سوى
المقربون.. وهذا الرجل ليس مقرباً لها، ولن يكون أبداً..
وهي لن تجنى سوى تحطيم القلب إن سمحت له بشيء من الحميمية. راحت تشغل نفسها
بأخذ حقيبتها وسترة ليز، ثم قالت بصمت
ودي متباعد: لماذا لاتناديني إيبرل؟ على أي حال هو اسمي ويعجبني.
وصلوا إلى الشارع، فتمتمت ليز بخجل شاكرة دعوته، وبدوره ابتسم لها بدفء
وانحنى لتقبيلها.. لكن تصرفه مع إيبرل كان مختلفاً..
قل بلهجة باردة: إذا أحببت، يمكننا توصيل ليز في سيارتي ثم نعود معاً إلى
المنزل،وفي الغد أرسل من يأخذ سيارتك.
كم أن صحبته مرهقة للأعصاب، لم تدرك أبداًمن قبل إمكانية أن تتشوش عواطفها
لوجود رجل: شكرا ًلك لمنحك ليز هذه الدعوة
الجميلة، لكنني أعتقد أنه من الأفضل أن نودع بعضنا الآن. رد بصوت قاس
متوتر: هكذا إذن.. أؤيد اختيارك الجيد.. قودي بحذر إذن..
إيبرل.. ربما نلتقي بين وقت وآخر.
صعد في سيارته وانطلق بها مسرعاً، فقالت إيبرل متنهدة: حسناً.. إذا كانت هذه
طريقة قيادية، فأنا مسرورة لأنني لم أسمح له
بتوصيلك! طوت ليز قبضتها الصغيرة في يد إيبرل: أظنك جرحت مشاعره.وقفتا معاً
في الشارع المظلم، وراقبتا بصمت السيارة
القوية وهي تختفي بسرعة لكن ليس نحو الطريق الرئيسية التي تعود إلى
الأملاك.. بل باتجاه قلب المدينة.
6 _ مجرد خدمة أخرى
مع أوائل آذار شهر(مارس)، كانت إيبرل قد انطلقت لإعادة الأراضي إلى مايجب
أن تكون عليه، مع أن الكثير لازال بحاجة إلى الجهد.. أزيلت الأعشاب الضارة
من المرجة الأمامية، ورشت بمبيد لمنعها من النمو مجدداً.كانت دغلة الورود
تزدان بالأوراق الحمراء الجديدة في نموها الجديد..
هذا بالإضافة إلى الأعشاب المعطرة، التي زرعت إلى جانب باب المطبخ، وأشجار
التوت البري عند إحدى الشرفات خلف المنزل، وقد أصبحت مليئة بالثمر الأخضر
الفج.لم تشاهد غرايغ كثيراً منذ يوم زيارة الحصن.. وكان يجب أن تكون مسرورة
لهذا، فشرطها أن لاتحتك به، لكن بالرغم من رغبتها هذه، فقد أحزنتها رؤيته
يدخل ويخرج دون كلام معها سوى تلويحة يد من بعيد.
في إحدى الأمسيات المنعشة،وبعد أن أخذت إيبرل دوشاً، بعد يوم من العمل
المرهق في إزالة الأعشاب الضارة والأغصان الميتة .. وقفت أمام المرآة تمشط
شعرها الكثيف ولاحظت أن شمس الربيع بدأت تلون بشرتها بلون العسل . استجابة
إلى رقة الأمسية الربيعية الهاد ئة، اختارت إيبرل من خزانتها بيجاما من
الحرير اللافندري اللون..من النوع المثير الذي يلفت النظر ، لكنها كانت
مريحة بقدر ما هي مغرية.
في طريقها إلى المطبخ، فتحت بابها الأمامي ، فمن الأفضل لها التمتع
بالروائح المعطرة المحملة مع هواء المساء.. أضافت إلى لحم الحمل المسلوق
فنجاناً من اللوبيا الطازجة، المقطوفة من مسكبة خضارها الصغيرة خلف المنزل،
حركته ووضعته مجدداً فوق النار.. لم يعد ينقصها سوى سلطة خضراء من أوراق
الخس، والفجل، والبصل الأخضر، وهي كذلك من حديقتها الصغيرة، بالإضافة إلى
الخبز والزبدة، وهكذا تكتمل وجبتها.
دخلت غرفة جلوسها لتضع شريطاً موسيقياً في جهاز الستيريو ومع أول انسياب
ألحان البيانو سمعت صوتاً اشتاقت إليه كثيراً، يقول من أمام الباب: لقد تبعت
أنفي، وانظري إلى أين أوصلني.تسارعت دقات قلبها وهي تستدير لترى غرايغ
يستند على الباب الحاجب للحشرات، والآبتسامة تعلو وجهه الأسمر.. وقفت جامدة
في مكانها تحدق به متسعة العينين.. فأكمل :
_ هل لي أن أدخل؟ أم أنني أقاطعك عن عشائك؟ عادت إلى الحياة، وتذكرت
أخلاقها الحسنة: أوه..لا.. أدخل..
على أي حال ، يُعد هذا الرجل الثاني بعد ربة عملها .. وربما لديه رسالة من
أمه.. لكن لا..لايبدو عليه هذا، فقد دخل إلى وسط الغرفة بطريقته الواثقة،
ونظر إليها بتكاسل من الرأس حتى القدمين، دون أن يفوته أي من التفاصيل..
أحست إيبرل بقشعريرة تجتاج جسدها وشكرت الصدف التي جعلتها مرتدية لأول مرة
شيئاً غير ثياب العمل.. إنها لاتريد أبداً أن تجذبه ، لكن مامن امرأة تحب أن
تبدو دائماً مشعثة .قال بلهجة تساؤل:
_ أعدك أن لاأطيل البقاء.. فأنا واثق أن السيد مورهيد لن تعجبه رؤيتي هنا
حين يصل.
_ أوه.. لن يمانع. ثم تذكرت أنها قادت غرايغ إلى الاعتقاد أن علاقتها بمات
ستدفعه فعلاً إلى الممانعة، فأكملت،: أعني أنه لن يعرف.. فهو لن يأتي.. لكن
هذا أسوأ بكثير! إذ ظهرت نظرة خبث في عينيه! ولكي تصرف أفكارها المشوشة
بعيداً وتشغل نفسها عن نظرات غرايغ المتفحصة، انحنت لتلتقط برنس وترفعه بين
يديها. قال: إذن أنت لوحدك الليلة.
ثم بابتسامة ماكرة، سرد شعراً :"كثير من الزهور يحترق احمراراً، دون أن يراها
أحد.. ويضيع عطرها الجميل في الهواء الصحراء" ماعدا إيبرل ساوندرز، لو
استطعت أن أمنع هذا.. والواقع، إنني لم أتناول عشائي بعد.
ياله من جريء! فكرت بإعجاب .. وبماذا يمكن لفتاة محترمة أم ترد على مثل هذه
الدعوة سوى: أرحب ببقائك ..كما أعتقد . إذاكنت لا تمانع في تناول"حواضر البيت".
قال بابتسامة رضى لنجاحه في مناورتها:
_ مع هذه الرائحة الشهية، أعتقد أن أياًكان يمكنه الإحساس بالأمان مع"حواضر
بيتك" قالت بجفاء:الأفضل أن تؤجل إطراءك إلى أن تأكل ..مع أنها تعرف أن
طهوها جيد وتفتخر به، لكنها لاتزعج نفسها بالطهو كل ليلة لنفسها فقط. طهوها
الآن مثله مثل بيجامتها، مجرد صدفة.. كان بالإمكان أن تقرر تناول عشاء مؤلف
من علبة"تونا" أو أن تكون مرتدية روب الحمام القديم الباهت.لكن الوضع اختلف
اليوم.. حتى أن هناك كمية من معجنات الجبن الدسمة المليئة بالزبدة في
البراد قدمتها لغرايغ مع القهوة بعد العشاء.. بعد أن التهم آخر قطعة، ابتسم
لها، مع نظرة تقييم في عينيه
_ أنت بالفعل امرأة متعددة الأدوار. ألست هكذا؟ مامن أحد يستطيع أن يقول
عنك إنك مجرد وجه جميل.
رفعت عينيها متعجبة لهذا المديح.. هل هناك في كلامه مقارنة خفية مع ريبيكا؟
إذا كان صحيحاً.. فمن وجهة نظر من؟ ليس وجهة نظره بالتأكيد، ولاوجهة نظر
أغريبا! ربما السيدة بوكستر؟ أجل.. لابد هذا.. أو الأكثر احتمالاً..ليس هناك
أي مقارنة أبداً.. فلاشيء مثل الأماني تستخلص المعاني التي تكون في الأصل
سراباً!
انتقلا بعد العشاء إلى غرفة الجلوس، وأحست إيبرل بالاسترخاء لوجوده..
وسألها ما إذا كان يستطيع إشعال نار صغيرة لكسر حدة برد أمسية الربيع هذه.
وهو يقوم بهذا، اختارت تسجيلاً لموسيقى ناعمة ووضعته في الستيريو. جلست على
الأريكة تراقبه وهو ينحني ليرتب الحطب في الموقد.. سمعت صوتاً صغيراً محذراً،
يهمس في أذنها، محذراً أنها قد تضع نفسها في ورطة لاتحمد نتائجها.
في الحقيقة، إيبرل فتاة محافظة ، وتنوي البقاء هكذا..كل ما تتذكره، هو أن
مشاعر هذا الرجل أنانية عابثة.. وكيف يمكن أن تنسى؟ إذن، أين يكمن الخطر؟
إنها قادرة بالتأكيد على الاستمتاع بأمسية لطيفة مع رجل جذاب دون التفكير
بأنها ستقع في فخ الغواية.
وتستطيع قول "لا"الآن لهذا الرجل في الوقت المناسب.. لكن الفتاة المحتشمةفي
داخلها تتوسلها: على الأقل اتركي الأريكة واجلسي على كرسي!
نهضت لتستبدل جلستها على مقعد آخر بمواجهة الأريكة، في الوقت نفسه الذي كان
فيه غرايغ ينهض من ركوعه ويستدير ليواجهها مبتسماً: الآن ، وقد تكرمت علي
بعشاء رائع.. أريد أن أطلب منك معروفاً آخر.
ردت مجفلة: أوه!
_سأسافر إلى المكسيك غداً من أجل تقديم عرض لمشروع بناء سد. إنه مشروع ضخم
وسيؤمن الكهرباء إلى منطقة واسعة لم تنعم بها مسبقاً.. والرجل المفترض به أن
يكون مسؤولاًعن هذا في شركتنا مريض الآن ، وفي المستشفى.
_ فهمت. لكنها في الواقع لم تفهم أبداً ما دخلها في كل هذا.
_ وبما أنني سأغيب أسبوعاً أوأكثر، فسأشعر بارتياح أكبر إذا لم تبق أمي
والسيدة أغريبا وحيدتين في المنزل.. فهل بإمكانك السكن معهما أثناء غيبتي؟
لم تتردد إيبرل ، بل كانت مسرورة جداً بأن تقيم مع السيدة بوكستر، والتي
أصبحت مولعة بها خلال الأسابيع التي عملت لديها.
_ بالطبع.. إذا كان هذا يرضيها.. ابتسم: بالنسبة لها، لقد قررت أن تدعوك
لتناول وجبات المساء معها لمجرد التمتع بصحبتك. إنها تحبك كثيراً.. لكن
سيكون الأمر أكثر إفادة.. لو.. أنك انتقلت للإقامة معها.
احتارت إيبرل:لكن يمكن أن أبرر انتقالي للسكن هناك؟
_ إنها لاتعلم أنني سأطلب منك السكن معها للأمان، إلا أنها تعتقد أن هذا
غير ضروري.. وسيكون من الأفضل عدم مناقشة هذا الأمر
هزت رأسها مبتسمة: فهمت.. أدركت إيبرل أن السيدة بوكستر تحتاج إلى الرعاية،
فأضافت قائلة: سأقوم بإقناعها بالأمر.
ضحك غرايغ: سيلزمك أسابيع لتقنعيها..لا.. لقد ابتززتها لهذا. قلت إذا لم
يحصل ماأريد فلن أقوم بالرحلة، وسأدع الفرصة أمام المنافسين ليحصلو على
المشروع.
دهشت إيبرل لعجرفته.. وقالت مرة أخرى: فهمت!
بدا التعبير على وجهه كأنه يشير إلى تخلصه بكفاءة من مهمة صعبة أخرى..
وبهدوء تناول منديلاً من جيبه الخلفي، وقام بمسح الرماد عن يديه ثم أعاده
إلى مكانه.. تقدم أربع خطوات نحو إيبرل.. وبحركة سريعة لاتسمح بأية مقاومة،
انحنى واضعاً يديه تحت مرفقيها ورفعها بخفة بالغة.
قبل أن تستطيع التصرف، ضمها بين ذراعيه بطريقةلن تنساها أبداً منذ أول عناق
له.. وأحست بصاعقة تجتاحها.. وتصاعدت رائحة التبغ، والعطر، وشيء آخر حميم
لتملأ أنفها.. تمتم بكلمات لم تفهمها، لكنها استجابت لها بضعف وشوق.. من
مكان بعيد، من مسافة واسعة، من عالم آخر ، سمعت طقطقة النار، وآهات الكمان
للأوركسترا التي تعزف ألحانها الناعمة.
7_ ثوب العروس
كشفت الأيام القليلة التي تلت عن تغيير ملحوظ في سلوك السيدة أغريبا خلال
زيارة الصغيرة تانيا ماونتن.. كان وجهها يحمل تعبيراً هادئاً قانعاً بدل تجعده
المألوف، والأكثر ملاحظة، كانت السعادة التي تشعر يها لوجود الطفلة والتي
بدت أنها تغمرها بشكل كامل، بحيث تتدفق متسعة للجميع في المنزل، حتى
لإيبرل. ولكن برأي إيبرل تانيا ماونتن ليست طفلة يسهل حبها.
كان لتانيا وجه ملاك وشخصية شيطان متمرس، وبدا أنها حقاً ابنة أمها.. فهي
لاتمتلك فقط جمال أمها الشبيه بجمال دمية البورسلان،
بل تمتلك كذلك غطرستها المستهترة، مع الطفلة إلى الانغماس في نوبات غضب
متوحشة أمام أي استفزاز.. خلال الأسبوع، شهدت إيبرل عدداً من ردات الفعل
هذه، وكانت غوين أغريبا تعالجها كلها بتحمل محب مثير للإعجاب.
لكن نوبة غضب واحدة تركت انطباعاً حاداً في نفس إيبرل، لأن المخلوقان اللذان
تحبهما أكثر شيء في العالم، كانا الضحيتين.. حدث ذلك مساء سبت بعد أن حولت
الطفلة العشاء إلى مجزرة ، إذ قالت السيدة غرايغ متجهمة: ذكر لي غرايغ أن لك
صديقة صغيرة في عمر تانيا. قالت: أجل.
وأملت أن تكون مخطئة في ما تظن أنه سيطلب منها.
_ أخبرتك سابقاً أن تانيا ستضجر هنا.. ربما لو كان بصحبتها من تلعب معه، في
مثل سنها.. ما رأيك؟ هكذا، وعلى مضض، وبالرغم من رفضها الصامت، وافقت إيبرل
على أن تحضرها في الغد.
في اليوم التالي، لم تكد تمض ساعة على وجود الفتاتين معاً حتى تحققت أسوأ
مخاوف إيبرل.. طبيعة الطفلتين المتعاكستين شبيهة بتعاكس الزيت والماء..
ولإحساسها بالذنب والمسؤولية، قررت إيبرل أن تبقى على مرمى السمع طوال
اليوم.. وبعد غداء محموم على المرجة، تركتهما لتأكلا الحلوى، وشغلت نفسها
في تشذيب الشجيرات المزهرة عند الحد الغربي للمرجة.
كان أول صوت سمعته إيبرل شهقة مخنوقة، ثم تبعته صيحة حادة من ليز: كفي عن
هذا! دعيه وشأنه!ثم جاء صوت تانيا المتكبر:
_ اخرسي، واهتمي بشؤونك! أنا الأم ويجب أن يشرب العصير.
استدارت إيبرل لترى رأس برنس عالقاً بشدة تحت إبط تانيا، وجسده يتلوى تحت
ذراعها، قائمتاه الخلفيتان تتحركان في الهواء بيأس، وليز تقف ويداها
مشدودتان أمام صدرها بينما قدماها ترتجفان بذعر .. تجاهلت تانيا بعناد كل
هذا العذاب، وأكملت تصب الليمونادة في حلق القط المختنق.
صاحت إيبرل بصوت حاد أجفل الفتاتين معاً: هذا يكفي تانيا! ردت الفتاة
بتكشيرة متحدية، وأمسكت القط من شعره ورمته إلى أبعد مدى تسمح به قوتها،
حيث انطلق هارباً كالصاروخ.. صاحت تانيا في وجه إيبرل: لاأريد أن ألعب بهذا
القط الغبي البشع على أي حال
انفرجت ليزباكية وهي تصيح:إنه ليس غبياً ولابشعاً .
استدارت تانيا نحو ليز بغضب مجنون، كانت إيبرل تخشاه خلال الأسبوع الذي مر:
بلى إنه كذلك. وأنت أيضاً ! في الواقع هذا سبب ترك أمك لك، أنت غبية إلى
درجة أن تصدقي أنها في المستشفى مريضة! لكنني أعرف أنها هربت وتركتك لأنك
بشعة! أنت بشعة جداً حتى أمك ذاتها لاتحبك!
أبعدت نظرة الصدمة الحزينة على وجه ليز كل شيء من رأس إيبرل.. مدت يديها
إلى ليز تنوي إبعادها وإنهاء الصدام بينها وبين تانيا
وأحست بطعنة تدمي قلبها حين انتزعت ليز نفسها منها وخبأت عينيها الباكيتين
بين يديها.. أوه.. ياإلهي! هل تظن الصديقة الصغيرة أن إيبرل قد تضربها في
فورة غضب؟.. وقالت متضرعة: ليز .. حبيبتي.. فجأة تناهي صوت رجل عميق من
بعيد: سأتولى هذا الأمر بنفسي.. خذي ليز إلى منزلك.
رفعت إيبرل رأسها لترى غرايغ يتقدم عبر المرجة حاملاً حقيبة تحت إبطة، ويشير
إلى تانيا باليد الأخرى ونظرة تجهم عنيد على وجهه.. حملت إيبرل ليز
بيـذراعيها، فلفت الفتاة ذراعيها النحلتين بقوة حول عنق إيبرل وقد استعادت
توازنها. انطلقت إيبرل نحو منزلها وكان آخر ماسمعته صوت غرايغ الصارم يقول:
حسن جداً أيتها الشابة الصغيرة.. لاأريد سماع كلمة أخرى منك.. والآن .. إلى
المنزل.. تحركي!
بعد بضع دقائق، ظهر غرايغ عند باب منزل إيبرل، لازال يحمل حقائبه، ورآها في
غرفة الجلوس والصغيرة مكورة في حجرها فوق الأريكة.. دخل، وقالت إيبرل
وعيناها مليئتان بالدموع: لم أستطع منعها من البكاء!
جلس غرايغ إلى جانبيهما، بحيث يرى ليز.. ثم تكلم إلى إيبرل بلهجة جادة.
_ أعتقد أنك لم تلاحظي أن تانيا تعاني من شيء خاطئ جداً في عينيها. شهقت
إيبرل:حقاً!
هز رأسه بحزن، دون الاهتمام بليز التي توقفت فجأة عن البكاء كي تسمع
مايقوله الكبار: نادراً مانتكلم عن هذا.. لكنني أرى الآن وجوب ذكره لك.
_ يا إلهي!
_ إنه مرض نادر.. مع أنه معروف طبياً.. المسألة أن الصغيرة لاتستطيع رؤية
الجمال. شهقت إيبرل:آه..
جمدت ليز وكأنها تلقت صدمة.. تابع غرايغ بعجز: الأمر مؤسف جداً.. يمكنها أن
تكون على بُعد إنشات من زهرة جميلة، لكن كل ماتراه هو أعشاب ضارة. نعطيها
فستاناً جميلاً وجديداً فتراه فستاناً قديماً.. تصوري كيف ستمضي حياتها هكذا.
لتجاريه في لعبته، ردت إيبرل: إنها لفاجعة.. مسكينة تانيا.
تنهد غرايغ: أجل .. إنه حمل فظيع بالنسبة لفتاة صغيرة.. لن ترى طوال حياتها
أي شيء جميل.. وبالطبع نحن لانخبرها عن الأمر.. فما فائدة الكلام حول أشياء
لاتستطيع أن تراها؟
- أجل.. أوافق تماماً معك .. فهذا ليس دون فائدة فقط بل ظلم وقساوة.
_ بالضبط.. لهذا حين تسمي رؤية جماله، ولاجدوى من الجدال مع شخص كهذا. صمتت
إيبرل وكذلك غرايغ.. فجأة خرجت ليز من قوقعتها، وجلست مستقيمة في حجر إيبرل
لتسمح أنفها المبلل بطرف قميصها القطني.. وقالت بلهجة من يريد التسامح لكن
لاالنسيان
_ ماكان يجب أن تكون شريرة مع برنس. قال غرايغ وكأنه يلاحظ وجودها لتوه:
بالتأكيد لا! كان عملاً شريراً جداً منها.. وستنال عقابها لهذا. قالت: جيد.
بجو من الرضى، انسلت من حجر إيبرل لتأ خذ لنفسها مكاناً على كرسي قبالة
الأريكة.. واتجهت بعينيها المحمرتين إلى اللفائف الموضوعة عند قدمي غرايغ.
قال غرايغ: والآن هذه اللفائف..
راحت تراقبه وهو يتحدث بحيوية إلى ليز، وأحست بتأنيب خجل لظنها أنه إنما
يلاطف ليز للوصول إليها . وكم كانت ممتنة لأنها لم تصرح بتفكيرها هذا أمامه،
فأي إنسان يشهد اللطف واللباقة اللذين أظهرهما نحو ليز اليوم لايمكنه يوماً
أن يشكك بمشاعره تجاهها.. وتجاه كل الأطفال.
استقرت في قلب إيبرل ثقة عميقة دافئة بهذا الرجل ،فمهما كان الذي حدث في
الماضي أو ما سيأتي به المستقبل، فهي ستتذكر دائماً أنه قام بدور " الفارس
الأبيض" لطفلة ضعيفة مجروحة.. وأنه، وبذكاء، وضع حداً لما كان يمكن أن يسبب
لكبرياء ليز الضعيفة جرحاً لايندمل.
أعطى غرايغ ليز لفافة متوسطة الحجم، وأشار إليها أن تفتحها.. طوال الوقت
وهي تفعل ، كان يتابع سرد تفاصيل مااشتراه.
_ دخلت عشرات المحلات، ونظرت إلى مئات الأشياء، بعضها كان لابأس به، لكنه
لم يكن ما كنت أفكر فيه . كنت على وشك الاستسلام، حين وصلت إلى محل صغير
اسمه لابيليزا أي الجمال.. قلت للمرأة هناك " أبحث عن شيء يليق بسيدة صغيرة
لها بشرة ناعمة كأوراق وردة .. وشعر كأنه السكر الأسمر ، وعينان زرقاوان
كالسماء,, بالمختصر، سيدة صغيرة جميلة جداً"
وضعت المرأة إصبعها على رأس أنفها وفكرت قليلاً ، ثم غمزت لي، ودخلت إلى آخر
المحل، وهذا ماخرجت به إلي. أنهي غرايغ قصته في الوقت نفسه الذي جذبت فيه
ليز من بين اللفائف الورقية، ما اتضح لإييبرل أنه نسخة مصغرة وغالية الثمن،
من فستان الدانتيل المخرم الذي يعرف بفستان العروس المكسيكية.. وضعت ليز
الفستان القطني العاجي اللون على صدرها، ومنحت غرايغ ابتسامة مرتجفة وهي
تسأل بارتباك:
_ لكن..؟ هل هذا الفستان لتانيا؟ ضحك: لا..إنه لك وزتي الصغيرة! ماذا كنت
أقول لتوي؟
أخفضت ليز عينيها بتمتمة: أنا لست بشعة.. أعرف هذا.. لكنني لست .. جميلة.
ضرب غرايغ جبينه براحة يده: استدعي الطبيب إيبرل! يجب أن نفحص عيني هذه
الطفلة! أظنها التقطت العدوى من تانيا.
رأت إيبرل أن ردة فعل ليز موزعة بين الضحك والدموع،فوقفت تحتضن الصغيرة
وتدفعها نحو غرفة النوم.
بالطبع هو لك حبيبتي. أسرعي الآن وجربيه لنراه. حين غادرت ليز الغرفة،
استدارت إيبرل نحو غرايغ والدموع في عينيها:
_ هذا يوم لن تنساه ليز.. وأريد أن أ شكرك لجعلك إياه ذكرى جميلة بدلاً من
فاجعة لاتنسى.رد بهدوء:
_ لاتمدحيني كثيراً .. فأنا لم أقل كلمة غير صحيحة.. إنها فعلاً فتاة جميلة
إن كان للمرء عين صادقة ترى الجمال.أحست بشوق غامر كي تعانقه، لكنه شوق
مختلف تماماً عن الذي شعرت به منذ أسبوع، وفي نفس المكان. في الواقع، كان
الإحساس أكثر عمقاً وأقوى.. ومن غير الحكمة أن تنقاد وراءه..
حدقا ببعضهما صامتين.. ثم تم اللقاء. أحست بذراعيه تطوقانها، وتضمانها
بحنان ورأسها على صدره.. قال متمتماً: رائحتك كرائحة الخوخ في الشمس. أحست
بجسدها يسترخي.. وفي هذه اللحظة بالذات، قفزت ليز عائدة إلى الغرفة ووجهها
الصغير البسيط يلمع بفرح.. على الفور سحبت نفسها مبتعدة عن غرايغ، وهي تشعر
بغباء شديد لأنها ومرة أخرى فقدت سيطرتها على نفسها، واستجابت لدى أول حركة
من إصبع هذا الرجل.. لكن ليز كما تبدو لم تلحظ أي شيء غير عادي وهي تقف
بخجل أمامها، تنتظر مقطوعة الأنفاس تعليقهما.. وبدت فعلاً كزهرة جبل صغيرة
صافية في ثوبها الأبيض.. أبديا لها إعجابهما الشديد، ثم ناولها غرايغ لفافة
أخرى.
قال وهي تخرج منها دمية خشبية ترتدي ثياب مهرج:هذه لتخليد ذكرى أول يوم من
لقائنا.. لكنني كنت أتمنى لو أنها تمتلك فماً ليلكياً.
وشارك إيبرل ابتسامة خاصة. بينما انشغلت ليز بتحريك خيوط الدمية، وراحت
تضحك بابتهاج للحركات الغريبة التي تقوم بها.. قدم غرايغ آخر لفافة إلى
إيبرل وقال: وهذه لك.
وضعت الهدية في حجرها.. وفتحت فمها عاجزة عن الكلام.. كيف يمكنها التعامل
مع هدية كهذه؟ في مثل هذا الظرف، يمكن أن يكون لها دلالة كبيرة.. أو.. من
ناحية أخرى، قد لايكون لها معنى أبداً .. شلها الارتباك ولم تقدر على قول
شيء. لكن ليز لم يكن عندها مثل هذه المشكلة.. فصاحت قائلة بسعادة:
_ إنها تشبه هديتي إيبرل! سنكون كالتوأم الآن!
مررت إيبرل يدها بنعومة فوق القسم العلوي المطرز المحتشم، الأكمام الواسعة
كالجرس، التطريز اليدوي الناعم للثوب المشابه لثوب ليز، ثوب الأيام التي
تلت ذلك الأحد المليء بالأحداث. فكرت إيبرل العديد من المرات بالفستان
الجميل المعلق الآن في خزانتها في انتظار أن ترتديه في مناسبة لائقة..
لكنها أحست بالغباء لمجرد التفكير بما دفع غرايغ لأن يأتيها بهدية ، هذا
عدا عن اختياره لهذه الهدية بالذات.. لاشيء في تصرفاته، ماضياً أو حاضراً،
يجيز لشخص متعقل أن يستنتج أي معنى خفي من هذا.. إنه رجل عابث، صحيح أنه
ساعد ليز، وبدافع الكرم، بشراء هدية لها، وفي هذا الوقت بالذات، اشترى نفس
الهدية بحجم كبير لامرأة شابة متعلقة بتلك الطفلة.
لذلك ودون أدنى شك، الأمر بسيط ولامبرر لتعليق الآمال حوله. ومع ذلك ، فإن
سوء النية بقي في رأسها يحذرها إلى أن خشيت أن تنهار أعصابها. لذا كان من
المريح لها، أن تكتشف السبب الحقيقي لاختياره ثوب العروس المكسيكي.. حدث
هذا في يوم دافئ أوائل نيسان ، كانت الحرارة مرتفعة في غير أوانها، ووجدت
العمل في تنظيف أكوام الأعشاب اليابسة على المنحدر الخفيف الذي يقع بين
البركة وملعب التنس مرهقاً، معرّقاً.
كان نسيم الربيع ساكناً هادئاً، ماعدا أصوات أزيز النحل التي تدور لتكمل
عملها اليومي.. حتى أنها قفزت مجفلة لسماع اسمها.
_ آنسة ساوندرز! مرحباً هناك! أراك تعملين كالقندس.
كانت ريبيكا ماونتن تقف وسط السلالم الموصلة بين البركة والملعب. ترتدي
بيكيني أزرقاً لماعاً. وبالطبع، كانت إيبرل ترتدي ثياب العمل، بنطلون جينز
وقميصاً قطنياً، وتربط قطعة من القماش لمسح العرق عن جبينها..
ردت إيبرل بهدوء: بالطبع لا.. ولماذا تعيقينني؟ أرى أنك بدأت تكتسبين اللون
الأسمر.
_ لايمكنك أن تتصوري مدى روعة الطقس في المكسيك.. لاشيء سوى الشمس وضوء
القمر لأسبوع كامل.
عرفت إيبرل أنها تريد أن تتصورهما معاً، هي وغرايغ، تحت ضوء القمر.. وبالطبع
تصورتهما. كانت ريبيكا تحمل في يدها كوب عصير مثلج من نوع ما، أخذت ترتشفه
بعد أن جلست في المقعد ووجهها متجه ناحية الشمس.. وأكملت: جئت اليوم لزيارة
ماريان، لكنني وجدتها مشغولة حتى أذنيها في التحضير لحفلتها.. وغوين مشغولة
بتانيا.. لذا بقيت وحدي.
_ ستكون السيدة بوكستر جاهزة في حزيران إذا بدأت التنظيم منذ الآن. ردت
بتكاسل :
_ أوه.. ليس تلك الحفلة. ستقيم حفل تعريف بالمنزل بعد أسبوع أو اثنين..
بالتأكيد أخبرتك عنها!
_ لا.. ولاسبب يدعوها كي تخبرني عنها.
_ هذا ماظننته ، مع أنها أصرت على دعوتك .. أنا واثقة أنك ستتلقين الدعوة
قريباً.
كان هناك نوع من المشاكسة في صوتها . ولم ترد إيبرل ، لكن أفكاراً عديدة
كانت تتسارع في رأسها . لماذا تصر السيدة بوكستر على مجئ يد عاملة إلى
حفلتها الخاصة؟ هل ترفض إيبرل الدعوة ؟ هل سيكون غرايغ هناك؟ولو قبلت..ماذا
يمكن أن ترتدي ؟
كأنما قرأت ريبيكا أفكارها، فقالت:سيعطيك هذا فرصة لارتداء ثوبك
الجديد..إنه ثوب مناسب لحفلة يوم أحد مفتوحة.
سألت إيبرل بدهشة :وهل تعلمين بأمر الفستان الجديد ؟
ضحكت بطريقة بغيضة:أستطيع قول هذا !لقد أتعبت قدمي كثيراً لأشتريه ،وهدايا
تلك الفتاة القبيحة كذلك .
حبست إيبرل أنفاسها ..بكل تأكيد ،لايمكن أن يكون غرايغ قد دعا ليز بالقبيحة
..لا..لن تصدق هذا ..لاشك أنها أغريبا..
صحيح أنها كانت لطيفة محبة لليز في ذلك اليوم المليء بالأحداث ..لكن
بالمقارنة مع جمال تانيا ،فهي على الأرجح رأت
ليز عادية جداً.أحست إيبرل بالإرهاق فجأة فجلست على الأرض وأخرجت منديلاً
متسخاً من جيبها وراحت تمسح به
وجهها المبلل عرقاً..
إذن ريبيكا هي التي اختارت الفستان الذي أمضت إيبرل الكثير من أوقاتها تحلم
به ..يمكن أن تكون صاحبة فكرة
الهدية أيضاً..لابد أنها كانت تشتري هدايا لغوين وتانيا فقالت حينها
لغرايغ:لماذا لاتنتقي شيئاً لتلك التي نسيت اسمها ..
الفتاة الجنائنية التي أبدت الاستعداد لرعاية أمك .
_مرة أخرى،وبخفة،رددت ريبيكا أفكار إيبرل ..قالت ضاحكة في تسامح :ياللرجال
!إنهم لايعرفون ماذا يشترون
ولا أين يجدون طلبهم .وكان يوماً حاراًجداً حتى ظننت أنني سأذوب !
دون حماس ،قالت إيبرل شيئاً يشبه كلمة شكر ،وأضافت "إنه فستان جميل"..ساد
الصمت قليلاً بين المرأتين ،ثم
سألت ريبيكا فجأة :
_ماذا تنوين أن تزرعي هناك حيث تنظفين التراب؟ردت إيبرل بدهشة ،لأن ريبيكا
أظهرت اهتماماً بالحديقة :
الخباز كما أعتقد .
أعتقد أنني أفضل شجيرات التوت البري الأحمر .تفضل ؟التوت البري الأحمر
..دعيني أفكر ..هناك الكثير من
الشجيرات المماثلة .
_مارأيك بشوك النار؟هذا هي ،آخر واحدة ..أظنني سأحبها ،إنها تمتلىء حيوياً
حمراء كالكرز في الخريف .
ترددت إيبرل،غير واثقة .أظن أن النحل سيسبب مشكلة مع وجود شوك النار ،فهو
يتجه إلى زهرها الحلو
في الربيع ..ومع وجود الناس حول البركة أظن شيئاً آخر سوف ..
_جلست ريبيكا تظلل عينيها بيدها ،وتنظر بثبات إلى إيبرل ثم قالت :آنسة
ساوندرز ..
حين تمتلكين حديقة خاصة بك بإمكانك زراعة ماتشائين ..أما الآن فتذكري أنك
تعملين هنا .
تجمد وجه إيبرل وتصلب جسدها بالإهانة والغضب وهي تقف تتحضر للمغادرة ..
_وتذكرت أمل السيدة أغريبا في أن يعود غرايغ وريبيكا من المكسيك متزوجين
..لكن هذا لم يحدث وإلا لما
أضاعت ريبيكا أية لحظة للإعلان عنه .لكن من الواضح الآن أن الزواج وشيك
،فها هي ريبيكا تتحدث وكأن
لها حقوق الزوجة ومالكة الأرض ..
_حسن إذن ،فلتحصل على الأشواك النارية قرب بركة سباحتها ..فبحلول الربيع
القادم ،حين يأتي النحل ليمتص
الرحيق الحلو من الزهور العاجية اللون ،ستكون إيبرل قد رحلت عن هذا المكان
منذ زمن بعيد .
قالت ريبيكا بدهشة مصطنعة :أوه ..
_هل أنت ذاهبة ؟أرجو أن لايكون السبب شيئاً قلته ..
بينما كانت إيبرل تبتعد ،عادت ريبيكا تسترخي بارتياح في مقعدها لتدير وجهها
مرة أخرى إلى الشمس .
8_ معاهدة صداقة
خلال الأسبوع التالي، سارت الأمور من سيء إلى أسوأ بالنسبة لإيبرل . فما
كاد المسكين برنس يستعيد سيطرته النفسية من سوء
معاملة تانيا له، حتى أحس باضطرابات معوية استدعت أخذه إلى البيطري ليعطيه
حقنة علاج.. والديدان القاطعة أفسدت كل
مازرعته من لوبياء و بازيللا خضراء .. ,واتصل مات في أمسية ليقول ان
المسؤولة الأم عن الملجأ أصدقاء الأطفال استقالت
بسبب المرض وإن من اللازم إيجاد البديل فوراً .. ولأن إيبرل دهشت برضى لمحبة
السيدة أغريبا للأطفال ، فكرت أن تعرض
اسمها على مات .
لكنها صرفت النظر عن الفكرة فوراً .. فمع قرب اتحاد ريبيكا وغرايغ ، سيتحقق
المستقبل الذي كانت ترجوه السيدة أغريبا.
لكن أسوأ ما كان أن الزوجين إيفنز سيفقدان منزلهما.. وسافرت إيبرل بعد ظهر
يوم الخميس إلى المدينة لتصطحب ليز من
أجل شراء ثياب صيفية لها..ومع أنها ا ستقبلت بالحفاوة المعتادة إلا أنها
أحست فوراً بوجود جو من القلق في المنزل الصغير.
وبينما كان الثلاثة الكبار ينتظرون رجوع ليز من المدرسة، قص ماكس على إيبرل
ماحدث:
_ لقد اشترى مقاول معظم الجوار ومالك المنزل أعطى أسرة إيفنز إنذاراً لإخلاء
المنزل في مدة أقصاها ثلاثة أشهر.
وقال ماكس يائساً:
_ بعض الجيران وجد مسكناً جديداً.. لكننا لم نجد مكاناً نستطيع تحمل إيجاره
ويكفينا نحن الثلاثة في مكان يقرب من المدرسة.
تمتمت فاين بحزن: أخشى أن نفقد الطفلة. صاح ماكس بها: كفي عن هذا ياامرأة!
مهما ساءت الأمور لن يحصل هذا!
لاطفتهما إيبرل:
_ بالطبع لن يحصل.. سأساعد كما في البحث عن منزل مناسب ..لابد من وجود مكان
ما في هذه المدينة الكبيرة .. أو ربما ستزيد
الجمعية من تعويضكما الشهري ، أو سأتمكن من مساعدتكما بنفسي.. أو .. لقد
وجدتها! الملجأ بحاجة إلى مربية مقيمة! لماذا لا
تتقدمان لهذه الوظيفة؟ كلاكما ستكونان ممتازين..
قاطعهما ماكس بخشونة: لقد حاولنا ورفض الطلب , قالوا إننا عجوزان جداً.
تدخلت فاين: لم يقولوا هذا بالضبط عزيزي.
رد بحدة: وكأنهم قالوه! وفي أي صيغ وضعوا الرد، فهو "لا".
وانزوى بعبوس قاتم.. ماكس على حق دون شك، فللجمعية مواصفات توظيف محددة،
ولن تستخدم من تجاوز الخامسة والستين..
من المؤسف خسارة شخصين لهما مثل خبرة هذين الزوجين الثمينة، لكن هكذا هو
الأمر. قالت إيبرل بهدوء لا تشعر به أبداً:
_ حسناً الأمر مزعج، لكنه بالأمر الذي لايمكن تحسينه لو أننا عملنا معاً..
بعد أسبوع أو اثنين، سنحل المشكلة.
لكن، فيما بعد، وقد أخذت ليز تقود سيارتها نحو وسط ساكرامنتو التجاري.. لم
تعد تشعر بالتفاؤل.. إيجاد الحل سيتطلب كل عبقرية
إيبرل. بعد انتهاء التسوق ، كانت الساعة تقارب الرابعة.. وانتقلت إيبرل
المراهقة وليز المبتهجة من طرف مركز التسوق الجميل
المحاط بالشجر إلى الطرف الآخر في عربة مفتوحة مبهرجة الألوان، تجوب المركز
لراحة المشترين.
حين استعادتا السيارة من الموقف في آخر المركز وانطلقتا نحو المنزل لرؤية
الاسم على لوحة ضخمة عند طرف الموقع..
وأبطأت سير السيارة لتشير نحو الموقع لليز التي قالت متوسلة:
_ أرجوك ألانستطيع أن نتوقف؟ ربما شاهدنا غرايغ.
_ لاحبيبتي، لن يكون هنا.. لديه رجال يشرفون على العمل بدلاً منه.. لكن
يمكننا أن نقف إذا شئت. قالت هذا لأنها كانت واثقة أن
مالك امبرطورية بناء عالمية لن يكون في الموقع بنفسه.
وجدت مكاناً توقف السيارة فيه، وخرجت مع ليز لتقفا خارج السياج الحديدي الذي
يحمي المارة والمشاة من الخطر وقوع شيء.
أشارت إيبرل إلى الفتاة المهتمة:
_ أترين، كل العمال يرتدون ما يسمى قبعات الحماية لوقاية رؤوسهم من أي شيء
قد يقع.
وقفت ليز تنظر حولها مشدوهة، ثم جذبت تنورة إيبرل فجأة:انظري .. هناك بضع نساء!
وكان هذا صحيحاً أمام ذهول إيبرل .. عدة عاملات في الموقع يرتدين ذات
الملابس الثقيلة التي يرتديها الرجال، وقبعة الحماية
المطلوبة تخفي شعرهن.. تساءلت منذ كم تحافظ هؤلاء النسوة على أعمالهن ..
وهل أساءت الحكم على غرايغ بوكستر وموقفه
نحو المرأة في عالم العمل؟ أم أن عملها هو الذي لعب دوراً ولو صغيراً في
تغيير رأيه؟ كم ستعطي مقابل معرفة هذا الرد.
استدارت ليز إلى إيبرل بعينين لامعتين:
_ حين أكبر، سأعمل لدى غرايغ أيضاً. قالت إيبرل بحماس: بكل تأكيد، سيكون
أمراً عظيماً، المساعدة في إنشاء بناء.
وهما عائدتان إلى السيارة ، سمعت إيبرل تصفيراً خفيفاً، فرفعت نظرها لترى
عاملاً شاباً يستند بوقاحة على السياج على بعد
أمتار أمامها.. وناداها بوقاحة:
_ هاي، جميلتي.. هل لديك خطط لهذه الليلة؟
أخفضت إيبرل عينيها وأمسكت يد ليز لتجعلها في الجانب الآخر من الرجل، ثم
سارعت الخطى نحو السيارة.
_ تخلصي من الصغيرة حلوتي.. وسنقيم احتفالاً. استاءت إيبرل إذ رأته يتحرك
نحو البوابة التي تقود إلى الرصيف الذي يجب أن
تمر به في طريقها إلى السيارة.
وبلهجة ملحة قالت لليز: لاتهتمي به.. إنه مجرد شاب يظن نفسه ذكياً.. وإن
تجاهلناه سيمل ويعود إلى عمله.
سألت ليز ترتجف: إيبرل.. هل سيؤذينا؟ قالت: بالطبع لا.
ثم تلفظ الرجل بكلام بذيء بشع، وتخلت إيبرل عن أي ادعاء بالهدوء لتركض بذعر
جارةً ليز الباكية وراءها.كانتا قرب السيارة
حين سمعت إيبرل صيحة قوية بشتيمة فظيعة.. فاستدارت لترى الشاب يتراجع هارباً
وغرايغ بوكستر يقف مهدداً و
نظرة غضب باردة على وجهه..
أمسك غرايغ بياقة قميص الرجل وأداره.. رأت إيبرل بالتفصيل كل حركة لقبضة
غرايغ وهي تتحرك من قرب خصره مستهدفه
فك الرجل الأيسر .. وبوضوح مرعب، سمعت صوت تحطم أسنان الرجل. تهاوى الرجل
مكوماً فوق التراب ، وركض العمال
ليتجمعوا بنصف دائرة حوله.. خلال الصمت، سمعت إيبرل آهة صغيرة، فالتفتت
لترى ليز المسكينة تتهاوى على الرصيف.
جاءت صيحة إيبرل المخنوقة بغرايغ إلى جانبها في لمح البصر.. رفع الفتاة
المسترخية بين ذراعيه وأشار برأسه أن تلحق إيبرل
به إلى مكتبه المؤقت في الموقع، ثم اتجه بليز عبر البوابة الحديدية..
حيث مرا بجماعة من العمال.. وكان الشاب يهز رأسه محاولاً استعادة وعيه..
بصوت أجش بارد قال غرايغ له:اذهب واقبض
أجرك، واخرج من هنا.. وإياك أن تدخل إلى أي من مواقع البناءالتابعة لي أبداً
..هل هذا واضح؟
هز الشاب رأسه بغضب محاولاً تجنب عيني غرايغ، ثم انصرف. بعد تبادل قصير
للكلام مع وكيل عماله، أدخل غرايغ الفتاتين
إلى سيارة لينكولن بيضاء، تبدو الآن رمادية بسبب غبار الموقع، وقادها عبر
الشوراع بثبات..
خلال ربع ساعة وجدت نفسها في الطابق العشرين في الشقة العليا من مبنى مكاتب
شركة بوكستر.. وأدخلها غرايغ، ثم حمل
ليز إلى أريكة بيضاء حيث وضعها بارتياح فوق الوسائد، وقال لها: استلقي الآن
بهدوء.
فاستجابت له بهزة رأس وابتسامة.. استدار نحو إيبرل ليقول متوتراً: لم أر
طفلة حساسة جداً كهذه الطفلة.
تنهدت إيبرل: أنت لاتعرف شيئاً عن مآسيها.
رد باختصار: هذا ما استنتجه..وأنا الآن أريد سماع القصة بأكملها. استريحي
وسأكون معك بعد لحظات.
حين خرج من الغرفة، تقدمت إلى حيث تستلقي ليز ووجدتها مغمضة العينين..
واتجهت إلى كرسي مريح لتجلس فيه إلى الوراء،
تستند رأسها على ظهره.. لو أعطيت الخيار لتكون مع شخص مافي تلك اللحظة، لما
اختارت سوى غرايغ بوكستر..وفي أفكارها
رأت الطريقة التي برز فيها مرتين كالملاك المنقذ لمساعدة ليز، وتمنت أن
تفضي إليه بكل متاعبها ومخاوفها..
لكن هذه أمنية مستحيلة، ولن تتحقق أبداً .. فهو لن يتزوج في وقت قريب امرأة
أخرى وحسب.. بل هناك صدمة اكتشافها مصدر
الهدية المكسيكية أيضاً .. مما ذكر إيبرل، أن تقييمها الأصلي لمشاعره نحوها
كان صحيحاً: إنه رب عمل يبذل جهده لتلطيف
مشاعر موظفة متوترة حساسة، بقليل من عادة " حق الرجل في فتاة" .. ولقد كانت
بلهاء، كالعادة، كي تفكر بشكل مختلف ولو
للحظة.
عاد غرايغ إلى الغرفة يحمل صينية عليها أكواب عصير، وقال: لقد تدبرت أمر
توصيل سيارتك إلى العزبة.. سأقلكما إلى المنزل
فيما بعد. تمتمت: لكن.. لكن المفاتيح معي.قال: بعض الناس لايتحاجون إلى
مفتاح لتشغيل سيارة صغيرة بسيطة مثل سيارتك.
قالت مصدومة: لاأحد أعرفه..
فقاطعها مبتسماً : هذا لأنك كنت تعيشين حياة منزوية، أليس كذلك؟ حادثة اليوم
وحدها تثبت هذا. أحست باحمرار الغضب،
واحتجت: وماذا يفترض بكلامك أن يعني؟ لم أكن خائفة على نفسي .. كنت..
والتفتت نحو ليز المصغية بعينين متسعتين، وأكملت : لقد اعترفت لتوك أنك
لاتعرف شيئاً عن.. لذا، لماذا لا تعلق"حكمك" إلى
أن تسمع بعض الوقائع؟!
رفع حاجبه الأسود ساخراً: أنسى دائماً شعرك الأحمر، ولا أعرف السبب.. إنه
واضح بما يكفي.
بقيت إيبرل صامتة ، بينما كان يصب العصير في أكواب طويلة ويعطي ليز واحداً ،
ثم إيبرل: كلاكما بحاجة إلى ماينعشكما..
فلاتجادلي.
على مضض، أخذت رشفة من عصير البرتقال البارد وراحت تتساءل عن سبب توتر
غرايغ.. فطريقة تصرفه تجعل المرء
يظن أنها خططت لكل الحادثة المؤلمة لمجرد إزعاجه! على أي حال اللكمة التي
وجهها لذلك الشاب كانت هي السبب الذي
جعل ليز يغمى عليها، فهي حساسة جداً أمام العنف..
صحيح أن إيبرل كانت خائفة من تهجمات الرجل، لكنها لم تكن "منعزلة" إلى درجة
أنها لم تتعامل مع تحرشات غير مرغوبة من
الرجال في الشارع من قبل؟ وكانت على وشك أن تفتح فمها وتقول له كل هذا
وبوضوح، حين طغت عليها موجة إرهاق..
دعيه يظن مايشاء عنك.. فما الفرق؟
اهتمت بما كان غرايغ يقوله لليز.. بعض الكلمات الملطفة لانتزاع ابتسامة،
وابعاد نظرة الصدمة عن وجهها الشاحب الصغير.
_ لن أكون مشغولاً الآن ، لذا تذكري أنني وعدتك بالذهاب إلى "كولوما" حيث
اكتشف جايمس مارشال الذهب أول مرة .
سيعجبك.هذا.. أليس كذلك؟
هزت ليز رأسها بحماس، وقد عادت ابتسامتها إلى طبيعتها: إيبرل ستأتي معنا
أيضاً .. أليس كذلك؟ بنظرة سريعة إلى إيبرل ، رد
بعفوية : بإمكانها مرافقتنا.. إذا أحبت.
قالت ليز: هل تعدني بشيء آخر ؟
أجابها بحذر مرح: يجب أن أعرف ماهو أولاً.
_ عدني أنك حين سأكبر ستسخدمني لأشيد لك المباني.. مثل أولئك السيدات
اللواتي رأيناهن اليوم.
أعاد النظر إلى إيبرل بسرعة ثم رد على ليز بجدية: حين تكبرين قد تتجهين إلى
عمل أنت مؤهلة له.. إذا أردت تشييد المباني لي
واستطعت التكيف مع العمل الصعب.. حسناً سأستخدمك منذ الآن. بدت سيارة
اللينكولن كونتينتال الفخمة غريبة تماماً وهي متوقفة
في الشارع الذي تحده الأشجار أمام منزل العجوزين إيفنز.. لدى رؤية السيارة
وسائقها الوسيم الأنيق، أصيبت فاين إيفنز بالبكم..
وتولى ماكس أمر الاستقبال ،ومصافحة غرايغ بوقار الرجل لرجل.
_ لنا الشرف في مقابلتك سيد بوكستر .. تفضل بالدخول لتناول المرطبات.
لكن غرايغ رفض مع الشكر قائلاً إنه وإيبرل ذاهبان إلى عشاء مبكر .. وحين
سماع هذا، ابتسمت فاين لإيبرل ابتسامة ماكرة
رافعة حاجبيها بطريقة ذات مغزى فهزت إيبرل كتفيها، وبإشارات صامتة، قالت إن
هذا خبر جديد بالنسبة لها. روت ليز بإسهاب
قصة رحلة التسوق ، ومع وصولها إلى القسم المشوق، ازداد تخوف فاين وقاطعتها:
أرأيت؟ الشوارع لم تعد آمنة للناس الشرفاء.
قاطعها ماكس بسرعة، ناظراً إلى وجه ليز المضطرب:أوه.. هراء ياامرأة!أتذكر
جيداً، أيام صباك، حين كنت تسيرين في الشارع
وعشرات من الرجال ينظرون إليك.. هذا يحدث لكل النساء الجميلات ولا أقول انه
أمر مقبول! لكن مامن ضرر حدث ، لذا فلننسي
الأمر.
تمتمت فاين بعناد: لم يحصل ضرر لأن السيد بوكستر كان موجداً. ثم لزمت الصمت
لتواجه نظرة ماكس الحادة إليها . بينما كانت
إيبرل وغرايغ يغادران، صاحت ليز فجأة: ثيابي الجديدة في سيارتك إيبرل! داعب
غرايغ شعرها الرملي اللون: لاتقلقي ،
سأحضرها لك غداً وأنا في طريقي إلى عملي.
سألته ليز بطريقة مغرية جميلة، لم ترها إيبرل يوماً تستخدمها: ألايمكن أن
تأتي وأنا موجودة ؟ ضحك غرايغ: حسناً جداً
أيتهاالصغيرة.. سأجيء حين تعودين من المدرسة.. هذا إن لم تكوني سئمة من رؤيتي.
ردت ليز بابتسامة خجولة: لن أسأم أبداً من رؤيتك غرايغ. قال: ولا أنا منك ليز.
قبلها مودعاً على خدها المحمر، وطغت نصف ابتسامةعلى فم إيبرل.. مثل تانيا..
تانيا الصغيرة المسكينة التعيسة التي لاتشعر
بالأمان. لم تتبادل إيبرل مع غرايغ سوى القليل من الحديث خلال الرحلة إلى
العشاء المبكر الذي تدبر أمره.. مرة واحدة سألها
دون أن ينظر نحوها: أرجو ألايمانع مات مورهيد في أن أدعوك إلى العشاء؟
لم تكن معتادة على العيش مع خدعة، ففتشت بسرعة عن رد مناسب: لاأظن.. نسبة
للظروف.
قال: أية ظروف؟ ردت باختصار: أستطيع الذهاب أينما شئت كما أعتقد، فأنا لست
متزوجة بعد. بعد تردد قصير، قال بنعومة:
هكذا إذن.. ولاأنا.. بعد.
قالت منزعجة، تنظر إلى زحام السيارات: حسن إذن. لكن الجو في المطعم الصغير
الذي اصطبحها إليه كان أكثر إغراء من أن
تقاومه، وسرعان ما استكانت لأجوائه الرومنسية الناعمة، أثر تصورها له بصحبة
ريبيكا هنا على سعادة إيبرل لكنها كبتت تلك
الصورة مصممة على الاستمتاع بيومها.. ولتدع المستقبل جانباً.. بعد أن أعطى
غرايغ طلباتهما إلى النادل بطريقته المعتادة
الكفوءة، دخل صلب الموضوع فوراً.
_ قبل كل شيء، أريد أن أعرف لماذا أغمي على ليز اليوم. أعترف أنها تجربة
عنيفة بالنسبة لها.. لكنني رأيت من الزواية التي
كنت أراقب منها، أنك كنت قادرة على الاهتمام بالأمر.. حاولت أن تشرح له أن
السبب لم يكن تهجم الشاب ، بقدر رؤية العنف
الذي أثر على ليز.. ولكي تبعد اللوم عنه، كان عليها أن تروي قصة حياة ليز
المؤلمة ، كاملة.
كانا يتناولان القهوة بعد العشاء، حين أنهت إيبرل قصتها، لتدرك فجأة أنها
لم تمس طعامها أبداً .. أخذت جرعة ماء لإراحة حلقها
الجاف ومالت إلى الوراء متنهدة بتعب .. هز غرايغ رأسه ببطء دلالة التعجب
اليائس لما يعانيه بعض أبناء البشرية.
_ ياله من حقير، ستاتون هذا. حين أفكر أن بعض الناس قد يتخلون عن أي شيء،
في سبيل الحصول على طفل يحبونه.. وهذا
الخسيس يعاملها وأمها بوحشية.. لايجب أن يسمح له بأن يلقي نظرة على هذه
الطفلة بعد الآن.
تنهدت إيبرل مجدداً :لاأحد يمكنه معارضتك في هذا ..لكن كيف السبيل إلى هذا
في ظل القانون.. إنه أمر آخر. أشار غرايغ للنادل
بإحضار فاتورة الحساب ، ثم رد بلهجة صارمة: هناك فرق.
كان غرايغ صامتاً طوال طريق العودة إلى المزرعة . وكان لإيبرل أفكارها
الخاصة . أحست بشيء من الأمل والثقة والاطمئنان
في قلبها بالنسبة للطفلة البائسة.. وإذا كان غرايغ قد انضم إلى الدفاع عن
قضيتها ، فكل ما عانته إيبرل خلال معرفتها به، أصبح
شيئاً يستحق الغفران .. ماذا في الأمر لو أنه عابث؟ ماذا في الأمر لو أنه
تلاعب بإيبرل؟ مامن أحد كامل على أي حال، وأي
صديق لليز هو صديق لإيبرل ايضاً .
قالت إيبرل بخوف قاطعة الصمت العميق: غرايغ؟ رد دون تركيز: هه؟
_ أنا أقدر حقاً ماتفعله لأجل ليز. أزاح نظره عن الطريق ونظر بعمق إلى
عينيها: _ إذن نحن صديقان بعد طول انتظار.
قالت بخجل: سأحب هذا.. إن أحببته أنت.
سأل: إذن هل ستزول كل العقبات التي بيننا؟ المستقبل يبدأ الآن .. ولارجعة
إلى الوراء؟ ضحكت: أجل .. إن أردت ، لارجوع
إلى الوراء.
فجأة حول غرايغ السيارة إلى جانب الطريق العام ..فسألته بلهفة: ماالأمر ؟
هل ثقب الإطار؟ نظرت إلى وجهه غير الواضح في
النور الخفيف ، ووجدته يبتسم .وقال: تقارب ودي من هذا النوع يحتاج إلى
احتفال بطريقة ما.مد يديه يمسك بكتفي إيبرل بشدة
ويقبلها بصوت مسموع على خديها، ثم أبعدها ليستطيع النظر مباشرة في عينيها..
_ الآن, تم ختم المعاهدة .. ولن تستطيعي تغيير رأيك بعد الآن. أحنت رأسها
كي لاتظهر الدموع التي تجمعت في عينيها ..
وبحماسة ردت: لن أغير رأيي .. أعدك بهذا. هزرأسه بوقار، ثم أخذ يدها وكأنها
قطعة أثرية رقيقة ، وقبّل راحتها بخفة.
بعد أن عادت السيارة المعتمة إلى الهدير وسط ليل الربيع البارد، ابتسمت
إيبرل لذكرى "الختم" لاتفاق صداقتهما.. ابتسمت مع أن
قلبها كان يتألم لعدم قدرة هذه الكلمة على وصف ما عرفت الآ ن أنه شعورها
الحقيقي نحوه.. إنها تحب غرايغ بوكستر من كل
قلبها، وتعرف أنها ستحبه دائماً .. وتعرف كذلك أنها الآن، و هذه الليلة، لن
يكون لها العائلة التي طالما حلمت بها.. فإذا لم تحصل
على غرايغ، ولن تستطيع إلا كصديق، فمامن أحد غيره سيحصل عليها أبداً.
ستبقى سيدة عزباء مثلها مثل خالتها مارغريت.. لكن على الأقل سيكون لديها
شيء تذكره.. لديها الآن يضع عناقات، والوعد
بالصداقة. ويجب أن يكفيها هذا. هكذا تمت الصفقة المهمة في حيا تها، وختمت،
والأسابيع القادمة قد تكون مختلفة جداً.. بوصولهما
إلى المنزل، أول ما وقع نظرها عليه كان سيارة الجاغوار الفضية، ومالكتها
ريبيكا تقف إلى جانبها وذراعاها ملتفتان بغضب.
تقدمت ريبيكا نحوهما، وجهها الجميل يجعده الغضب .. ولأول مرة فهمت إيبرل
معنى القول بأن شخصاً ماخرج عن طوره
غضباً.. أحست بالرهبة لمعرفتها من أين ورثت ابنتها تانيا نوبات الغضب
المأساوية. صاحت بصوت حاد في وجه غرايغ المتقلب:
كان لديك موعد معي!
رد بصوت أجش هادئ: طرأ علي أمر..
ارتفع صوتها أكثر: أستطيع تصور ماهو! كيف تجرؤ على إبقائي منتظرة وأنت تسلي
نفسك مع خادمة حقيرة قذرة؟
ابيض وجه إيبرل غضباً .. ومع ذلك حاولت تهدئتها: ريبيكا اصغ إلي.. لم تكن
غلطة غرايغ.. أستطيع شرح الأمر! استدار غرايغ
إلى إيبرل بما بدا لها كراهية تشبه كراهية ريبيكا، وصاح: هذا يكفي! لاحاجة
لأي شرح. وإن كان فلن أحتاجك لقوله عني.. اذهبي
إلى منزلك الآن.
حين ترددت، صاح مجدداً: افعلي ما أقول! هل تريدين أن تزدري الأمور سوءاً؟
شهقت إيبرل لتهجمه غير المتوقع، ثم استدارت لتركض وكأنها غزال هددت حياته
نحو أمان منزلها.. ما إن دخلت حتى رمت
نفسها على سريرها، واستسلمت إلى نحيب يقطع نياط القلوب، إلى أن غفت من شدة
الإرهاق.
9_ أريد منك شيئاً واحداً
استيقظت إيبرل في الصباح التالي مع صداع شديد وإحساس بألم شامل. خرجت من
السرير لمجرد أن تتصل بالسيدة أغريبا عبر الهاتف الداخلي لتطلب منها توصيل
رسالة إلى السيدة بوكستر أنها لن تتمكن من العمل اليوم .. وهكذا بقيت
مشلولة الحركة طوال الصباح، وكان الوقت يقارب الظهر حين سمعت دقاً على باب
منزلها، تبعه صوت السيدة أغريبا المشاكس: أين أنت يافتاة؟
نادت إيبرل بصوت ضعيف: أنا هنا في الداخل. وقفت السيدة أغريبا بباب غرفة
النوم وبين ذراعيها لفافة طويلة ضعيفة . بدت نشيطة وممتلئة حيوية وابتهاجاً
، حتى أن مظهرها أرهق أعصاب إيبرل. رمت اللفافة إليها قائلة: انظري ماذا
وصل لك .
تناولتها إيبرل بأصابع ضعيفة ، وفكت الشريط الأبيض متسائلة دون الكثير من
الآهتمام عن الشخص الذي يمكن أن يرسل لها هدية. أيمكن أن تكون نسيت عيد
ميلادها؟ لكن بمشاهدتها محتويات العلبة عرفت تماماً من رأسها.. مع أنه
لاوجود لبطاقة.
كان في العلبة وردة حمراء وحيدة .. مقطوفة في وقت بدأت الطبقة الخارجية من
الزهرة تتفتح . وضعت إيبرل الوردة الباردة على خدها وأغمضت عينيها بعد أن
امتلأتا بدموع حارقة. ابتسمت السيدة أغريبا بخبث : هل هذه من رجل صديق؟
عند سماعها الجملة ، انفجر سد داخل إيبرل وبدأت تبكي بشدة "لا.. ليس رجلاً
صديقاً".. لكنه على الأقل " صديق"..
صاحت السيدة أغريبا: إيبرل!
وكأن التأنيب طبيعة متأصلة فيها ، فبدأته على الفور : هاك الآن !عيب عليك
!فتاة كبيرة قوية مثلك!
لكنها وهي تؤنب ، جلست إلى جانبها في السرير، ووضعت يدها الخشنة بلطف على
جبين إيبرل : هاك الآن .. هاك.. ألست سخيفة وغريبة الأطوار لتبكي بسبب هدية
جميلة كهذه؟ شهقت إيبرل وهزت رأسها .. وتمتمت السيدة أغريبا:أنت فقط متكدرة
لما حدث في الأمسية الفائتة .. لكن لا يجب أن تخدي طباع ريبيكا الحادة بمثل
هذه الحساسية . إنها تتجاوز الحدود لأتفه الأسباب .
ابتسمت إيبرل للسيدة أغريبا ابتسامة دامعة ، امتناناً لجهدها في مواساتها
على حساب ريبيكا . إنها بادرة لطيفة منها. عادت السيدة أغريبا مجدداً إلى
شخصيتها الأصلية ، وأمرت إيبرل متجهمة أن تبقى في السرير ، بينما حضرت لها
طبقا من حساء الخضار للغداء .. ولكثرة احتجاجات إيبرل ، قالت المرأة بكل
تسلط وكأنها مديرة سجن: سوف أحضرها ولسوف تأكلينها .. لذا وفري أنفاسك
لتبريد الحساء.
عادت إيبرل تغوص في الوسائد وتشعر كأنها مجرمة أنقذت مؤقتاً من الإعدام،
ورفعت الوردة الحمراء إلى شفتيها، وهي تعرف أنها تعني تعبيراً عن الاعتذار
في ولانفجار غضب غرايغ في وجهها ليلة أمس .. لكن لاشيء أكثر .. كلماته كانت
واضحة بما يكفي: "لاتتدخلي بيننا .. ولاتزيدي الأمور سوءاً ، أكثر مما هي"..
في المستفبل ستكون حذرة جداً لاتتطفل على حياته الخاصة.
بعد أسبوع من هذا ، وفي يوم بارد رطب لايسمح بالعمل في الخارج، ولعلم إيبرل
أن حفلة تدشين المنزل التي ستقيمها السيدة بوكستر أصبحت وشيكة ، عرضت
خدماتها في المنزل .. وهكذا جلست المرأتان أمام طاولة غرفة الطعام المغطاء
بأوراق الصحف، تلمعان أدوات الطعام الفضية..
سألت السيدة بوكستر: إيبرل ، عزيزتي .. ماذا سترتدين ليلة السبت؟
_ السبت؟
_ لحفلتي .. تدشين المنزل.
_ لكنني اعتقدت أنها بعد ظهر الأحد.
رفعت السيدة بوكستر نظرها عن تنظيف سكين : لم أخطط لها أبداً ليوم الأحد
عزيزتي .. من أين أتتك هذه الفكرة؟
_ ذكرتها لي ريبيكا ، أعتقد.
تمتمت السيدة بوكستر: هكذا إذن .. لابد أن الأمراختلط عليها .. فهي تعيش
حياة محمومة ، وغالباً ما تخلط الأمور .. حسنٌ أنني سألتك أليس كذلك؟ وإلا
لما حضرت الحفلة!
ترددت إيبرل ثم اندفعت : لطف شديد منك أن تشملني الدعوة، لكنني حقاً لاأعتقد
.. ردت المرأة تقاطعها بخشونة: هراء! يجب أن تأتي .. وأنا أصر.. لن نتكلم
بالمزيد عن هذا.. هزت إيبرل رأسها مهزومة، ففي الأربعة أشهر التي عملت فيها
للسيدة بوكستر تعلمت أن هذه المرأة اللطيفة الساحرة تمتلك إرادة صلبة ..
ومعارضتها الآن لاجدوى منها أبداً.
فجأة غيرت السيدة بوكستر الموضوع : قالت لي ريبيكا إنك ستزرعين شوك النار
على ذلك المنحدر قرب بركة السباحة. ترددت إيبرل ثم ردت مرواغة : ناقشت
الأمر معها ولم أقم به بعد . هزت السيدة بوكستر رأسها وكأن لاأهمية للأمر .
ثم تابعت بطريقةبدت لإيبرل عفوية ، مع أنها كان يجب أن تكون حذرة أكثر .
_ ريبيكا تفكر بغرايغ وبي كعائلة لها.. وهي تؤمن بهذا منذ كانت طفلة صغيرة.
كانت أمها مشغولة دائماً اجتماعياً ، وبالطبع كان والدها يغيب كثيراً حين كان
ووالد غرايغ يبنيان الشركة معاً. ولأنها تظن نفسها من العائلة، لديها ميل
لتجاو ز سلطتها من وقت لآخر .. وكما أظنني ذكرت هذا من قبل، ريبيكا امرأة
متهورة جداً .. لكنها سرعان ما سيكون لها منزلها الخاص لتهتم به..
حتى ذلك الوقت لاأريد أن أحملها عبء إدارة منزلي. رفعت ماريان بوكستر نظرها
عما تفعله ، لترى ما إذا كانت إيبرل تصغي إليها ، لتجد أنها متنبهة لكل
كلمة تقولها . تابعت السيدة : الآن أنت، من ناحية أخرى ، تم انتقاؤك بعناية
.. بفضل مواهبك وعلمك، وحكمك الصائب .. أليس كذلك؟ تمتمت إيبرل مشدوهة:
أتمنى هذا.
سألت السيدة بوكستر: حسن إذن .. ماذا تنوين أن تزرعي ذلك المحدر؟ إذن هذا
هو الأمر .. واضح تماماً.. ريبيكا سيكون لها صلاحية إعطاء الأوامر يوماً ..
لكن ليس الآن .. وابتسمت إيبرل بارتياح ، وأحست باندفاع كي تمد يديها
وتحتضن المرأة الرائعة.
_ فكرت " بالكزيلوسما" ، لها أوراق لامعةإنما بدون زهر ، وهكذا لن يأتي
النحل إليها ، وبالتالي فلن تسبب مشكلة لبركة السباحة.
قالت السيدة بوكستر بارتياح : ممتاز.. هذا بالضبط مااخترته بنفسي.
كانت الشخصيات التي قدمت لحضور حفلة السيدة بوكستر مساء السبت ، من الخليط
المعتاد للجميع.. ارتدت، إيبرل ، وبعد طول انتظار، الثوب الصيني الذي أهداه
إيان لها منذ سنوات عديدة .. كانت تعرف أنه يناسب طولها ، كما يناسب لونه
الخوخي شعرها الأحمر القاتم ، ومع أنها تعرف أنها تبدو مكتملة ، إلا أنها
أحست بأن منظرها رهيب.
بالرغم من جو الحفلة البهيج ، والطعام اللذيذ، فقد وجدت إيبرل صعوبة في
التمتع بكل هذا. إذ طوال الوقت كان نظرها يلاحق غرايغ الوسيم دائماً الذي
خطف أنفاسها الليلة.. لم يظهر لها أي رجل من قبل بمثل هذه الأناقة، كما بدا
ببذلة سهرة سوداء وقميص أبيض.. بينما ارتدت ريبيكا، ثوب سهرة أبيض اللون من
الساتان جعلها تبدو كملكة الثلج الأسطورية.. لكن، السبب في ألم إيبرل
العميق كان منظر ريبيكا المتعلقة به بألفة ، وكأنما هي جزء آخر من جسمه.
خلال اللحظات القليلة التي ترك فيها غرايغ ريبيكا ليحضر لها شراباً ، تقدمت
إلى إيبرل لتقف معها لحظة وتبتسم بتكبر: كم تبدين لطيفة آنسة ساوندرز..
توقعت أن أراك بثوبك الجديد. تمتمت إيبرل ببرود: لم يبدُ لي مناسباً للحظة.
قالت ريبيكا بابتسامة ماكرة:
_ هكذا إذن.. من حسن حظك أن يكون لديك شيء آخر تشعرين أنه مناسب.. أم أنك
اشتريته خصيصاً للحفلة؟
حين لم ترد إيبرل ، تابعت ريبيكا: كم أنت جريئة في مجيئك إلى حفلة غرباء
لوحدك.
نظرت حولها ، وأضافت باهتمام مزيف: أرجو أن يقوم أحد بتقديمك إلى المدعوين.
ابتسمت إيبرل باختصار رداً، فأخفضت ريبيكا صوتها: أعتقد أنني مدينة لك
باعتذار آنسة ساوندرز.. لقد تصرفت بطريقة لاذعة سخيفة في الأسبوع الماضي ..
أعترف بهذا.. وكأن فتات عاملة جدية مثلك يمكن أن تفكر بأي نوع من العلاقات
الشخصية مع رجل مثل غرايغ! أو هو معك؟ لست أدري لماذا ظننت.. حسناً ! لقد
كنت متكدرة وأنا آسفة، وأعرف أنك ستسامحيني. على أي حال لم يحصل أي ضرر..
وكما لاشك تلاحظين، غرايغ وأنا تصالحنا.. إنه عزيز جداً .. يتساهل مع نوبات
غضبي السخيفة .. لكنه يحب المرأة التي تملك روحاً قتالية.
تحركت مبتعدة، تلوح لإيبرل بيدها مودعة بأصابع زهرية رشيقة.. بقلب متألم،
تركت إيبرل الغرفة وخرجت إلى الحديقة.. حيث تنتمي.. لكن حتى الحديقة هي لها
لوقت محدود.. بعد انتهاء الحفل في حزيران.. وبعد إتمام التزامها مع السيدة
بوكستر، سوف تستقيل من عملها هنا وتذهب.. إلى مكان آخر. أي مكان، طالما
أنها لن تتحمل أن تعيش يومياً مع ألم رؤية غرايغ يصبح لامرأة غيرها.
بخطوات بطيئة متثاقلة، مرت بحديقة الورد في طريقها إلى خميلة على بعد
ياردات.. اليوم أواسط نيسان، تفتحت أول وردة فيها.. وردة مذهلة الجمال
اسمها " ميراندي".. توقفت إيبرل لتمرر أطراف أصابعها فوق وجهها المخملي
الأحمر، واشتمت عبيرها الحلو.. فجأة جاء من خلغها صوت غرايغ العميق: هذا
ماأدعوه وردة جميلة.
اعتادت على بروز غرايغ في أوقات وأماكن لاتتوقعه فيها، فاستدارت ببطء وهدوء
لترى قميصه الأبيض مشعاً وسط السواد حوله..وقالت بهدوء: أول وردة للصيف.
أحنى رأسه الأسود الشعر ليتنشق رائحة الوردة، ثم قال: إنها مناقضة تماماً
للوردة عند بائع الزهور التي تكون باردة ورائحتها سماوية وبتيلاتها لاتزال
دافئة من دفء الشمس.. إنه الفارق بين الحياة والفن، أليس كذلك؟
ابتسمت إيبرل في الظلام، وأحس قلبها بخفة لكلماته.
_ مع ذلك فأنا أشكرك على وردة البائع.. كانت لطيفة جداً منك. أمسك ذراعيها
فجأة بيديه، وهزها قليلاً : أوه إيبرل.. كنت أفضل أن أعطيك هذه الوردة
متفتحة في الوقت المناسب.. ، ثم شعرت بدفء ذراعيه حولها.. طافت في رأسها
أفكار لمقاومته.. تعرف أنها لن تحصل على أكثر من هذا ، وأن هذا بحد ذاته
مسروق من صاحبته الحقيقية.. قبل أن يستطيع عناقه الذي لايقاوم أن يجري في
دمها ؤيضعف إرادتها إلى ماهو أبعد من كل مقاومة، انتزعت نفسها منه مع أن
الحركة مزقت قلبها.
في ظل نور القمر الشاحب وجهه الأسمر الغاضب، رأت إيبرل نظرة شوق في عينيه،
وأدركت أنها كانت محقة في الابتعاد عنه.. أشاح بوجهه عنها ، وبصوت مخنوق
قال: أنت محقة.. أنت محقة.. فهذه ليست الطريقة التي يجب أن تتم بها الأمور .
قالت بصوت عليل: ولن تتم غرايغ.. تعرف هذا كما أعرفه أنا.
نظر إليها بحيرة: لكن ..إيبرل.. اتفاقنا..ظننت..
_ أن نكون أصدقاء.. لاشيء أكثر.. أم أن تحديدك لمعنى الصداقة مختلف عن
تحديدي لها ؟
طغى تعبير حانق لارحمة فيه على وجهه وتصلبت زوايا فمه. تقدم نحوها خطوة
فتولاها خوف بارد.. قالت بصوت متألم مذعور: هناك أناس آخرون يجب أن نفكر
بهم! ربما باستطاعتك أن تنسي.. لكن أنا لاأستطيع! اللعنة على هذا الرجل
الذي يضطرها لحماية ريبيكا! وكأنما كلماتها كانت جردلاً من ماء بارد رمي في
وجهه.. فوقف مسمراً في تقدمه نحوها.. كان وجهه مختلفاً كوجه غريب، وقال بصوت
بارد: لقد كنت أحمقاً جداً ، وأملت أن تسامحيني.. أعطيتك وعداً أن لايحدث هذا
مرة أخرى.. هل لي أن أعيدك إلى المنزل الآن؟
بقلب دامع، سمحت له أن يمسك مرفقها ويقودها نحو المنزل كما فعل في أول لقاء
لهما .. آه.. لو أن ذلك اليوم لم يأتِ! لو أنها تستطيع أن تعود تلك الفتاة
التي كانت.. دون أحد تحبه، وبقلب ليس محطماً إلى مليون قطعة. استأذنها غرايغ
بانحناءة مهذبة في المدخل، ودون نظرة إلى الخلف غاب بين الجمع الضاحك
الصاخب.. أخذت إيبرل نفساً عميقاً وبحثت حولها عن السيدة بوكستر .. ستجد
مضيفتها، تشكرها، ثم تسأذن بالانصراف.. الوقت يقارب منتصف الليل على أي حال
ولن يفتقد أحد صحبتها هنا.
بعد بحث في أرجاء المنزل، وجدت إيبرل السيدة بوكستر في مكتبة غرايغ تتكلم
على الهاتف. حين رأت إيبرل واقفة بالباب، قالت:
_ أوه.. هاهي سيد مورهيد.. انتظر قليلاً. أخذت إيبرل السماعة بالخوف الذي
تسببه عادة أي مخابرة في منتصف الليل.
_ مات.. ماالأمر؟ هل ليز بخير؟
_ أجل، إنها بخير تماماً .. لكن .. ستاتون عاد إلى البلدة، واتصل بي منذ
دقائق.. قال إنه عاد ليأخذ ابنته التي"سرقها" القانون منه. شهقت إيبرل،
فوسعت عيناها دون قصد عيني ماريان بوكستر التي كانت تقف قريباً منها وتستمع
إلى كلامها باهتمام. فسألت بلهفة: _ ماالأمر عزيزتي؟
تابع مات يقول لإيبرل إن براد ستاتون لم يجد مكان ليز، ولن يستطيع على
الأقل قبل الغد بعد أن تفتح مكاتب جمعية أصدقاء الطفولة.. صاحت إيبرل غير
مصدقة: لكن بالتأكيد لن يخبره أحد عن مكانها؟ الجميع يعرف من هو! تمتمت
السيدة بوكستر بقلق:سأستدعي غرايغ! وقبل أن تستطيع إيبرل إيقافها، أسرعت
خارجة.
قال مات: إنهم مضطرون حسب القانون أن يسمحوا له برؤية ابنته.. وتعرفين هذا
إيبرل.. وأكمل أن عليها أن لاتقلق، لأنه رتب أمر رؤية ستاتون لابنته في
مكتب أصدقاء له، وليس في منزل العجوزين إيفنز. وهو واثق من أن القاضي
سيوافق معه نظراً للظروف المحيطة بالقضية .. ولسوف يؤخر موعد المقابلة إلى
أن يهدأ ستاتون قليلاً ويعود إلى رشده.
رفعت إيبرل صوتها إلى حد الصراخ : أوه.. ألايمكنك أن تنسى التزامك الثمين
بالواجب ولو لمرة واحدة؟ وماذا عنك؟ أنت أيضاً في خطر! يجب أن تخرج من شقتك
فوراً.. إذهب إلى فندق! رد بهدوء: وهل نسيت أن عنواني ليس في دليل الهاتف؟
ولهذا السبب بالذات، لن يستطيع إيجاد مكاني لاأنا ولاليز. لذا تريثي،
فلاداعٍ للقلق أبداً .
برد الألم الصادق في صوت مات غضب إيبرل، فتنهدت: لا..مات.. لايجب أبداً أن
تأسف بسببي. أعرف أنني تصرفت بسوء وأنا آسفة. بالطبع أنا شاكرة لأنك
أعلمتني بالأمر. لكن ، لايمكن أن تفعل شيئاً لاأستطيع غفرانه لك.. كيف يمكنك
التفكير هكذا، وأنت تعرف شعوري نحوك؟ سمعت إيبرل صوتاً خفيفاً ، فرفعت نظرها
لترى غرايغ واقفاً في الباب وأمه خلفه.. فهل سمع مايكفي مما قالته ليعرف
ماذا يجري؟ لو أنها تستطيع طلب مساعدة منه ، وقد أصبحت ليز الآن في خطر
حقيقي.. لكنها كانت قد أقسمت أن لاتتطفل ثانية على حياة الخاصة.. بينما هذه
الأفكار تدور في رأسها، كانت كذلك تصغي إلى مات عبر الهاتف.
كان يطلب منها أنل لا تقلق، أنه سيبقيها عى اطلاع، عليها قضاء يومها مع ليز
كالعادة في الغد.. أجابت"لالن تفعل.. لكنه طالبها بتغيير رأيها من أجل
الفتاة التي تنتظر يوم الأحد بشوق .. ثم قالت وداعاً وأقفلت الخط. مد غرايغ
يده إلى وراء يقفل الباب:
_ هل لي أن أعرف ماالمشكلة؟ ردت:
_ إنها مسألة شخصية.. لاشيء تزعج نفسك به. قاطعتها السيدة بوكستر: أوه..
لكن إيبرل عزيزتي، لقد بدوت مذعورة فإذا كنت في مشكلة، أرجوك قولي لنا..
تعالى طرق عنيف على الباب، وسمعت إيبرل ريبيكا : غرايغ ..حبيبي؟ هل أنت
هنا؟ استدار غرايغ، ونادى باختصار:
_ أنا مشغول ريبيكا.. اذهبي من هنا الآن .. سأكون معك بعد قليل. ثم التفت
إلى إيبرل يكرر كلمات أمه: إذا كان بالإمكان أن نساعد بأية طريقة..قالت:
شكراً جزيلاً لكما معاً .. أنتما لطيفان جداً .. لكن حقاً ، ليس في الأمر شيء..
مسألة شخصية فقط.. حقاً.
وبدأت تتجه نحو الباب.ضاقت عينا غرايغ متأملاً، ووقف في طريقها لينظر إليها:
_ هل نسيت أننا سنصطحب ليز إلى كولوما في الغد؟ قطبت:
_ ربما أجلنا الرحلة إلى يوم آخر.. لاأظنني أشعر برغبة فيها.. سأبقيها هنا
معي.. قال بخشونة:هناك أناس آخرون يجب التفكير بهم إيبرل.. ربما يمكنك أن
تنسي هذا لكنني لاأستطيع.
وكان هذا ترديداً لكلامها منذ دقائق في الحديقة.
_ ربما تحديدك لمعنى الصداقة يختلف عن تحديدي. لكنني وعدت صديقتي الصغيرة
بنزهة، ولست أنوي أن أخيب أملها.. هكذا، هل ستبقين في المنزل أم تأتين معنا؟
ياله من متوحش! ياعذبها الآن من بين كل الأوقات وبشكل ظالم ! ومع أنها كانت
تعي أنه يعاود ابتزازها عبر ليز ، إلا أنها أدركت كذلك أن ليز ستكون أكثر
أماناً مع غرايغ ومعها في كولوما ، من أن تبقى مع العجوزين إيفنز في
سماكرامنتو .
_ حسن جداً .. سأرافقكما غداً .. سأذهب أولاً لإحضار ليز في الصباح الباكر،
وبإمكانك اصطحابنا من منزلي أية ساعة تشاء. وكأنه لم يسمع ما قالته، أمر
غرايغ ببرود: أنت وأنا سنذهب لإحضار ليز في الصباح الباكر.. في سيارتي.. ثم
سنتجه إلى كولوما من المدينة مباشرة.. كوني مستعدة في الساعة الثامنة.
كانت قلقة، متعبة، لاطاقة لها على المزيد من المجادلة، فوافقت.. نظرت إيبرل
بابتسامة مطمئنة إلى السيدة بوكستر، ثم غادرت المنزل عبر باب المطبخ، لتجنب
الحفلة التي كانت لاتزال في أوجها. حين وصلت إيبرل بصحبة غرايغ إلى منزل
إيفنز صباح اليوم التالي ذهلت لرؤية أن ليز لم تكن تنتظر لوحدها متحمسة في
غرفة الجلوس، بل ماكس كذلك مع صندوق عدته وفاين تمسك بحقيبتها السوداء .
بعد أن استقرت المرأتان في المقعد الخلفي لسيارة اللينكولن الواسعة وليز في
الوسط، همست فاين لإيبرل: اتصلت السيدة بوكستر في السابعة صباحاً ، لتسأل
إذا كان بالإمكان أن تأتي ، أنا وماكس، لمساعدتها في تنظيف المنزل بعد حفلة
الأمس..بدت .. لنا سيدة لطيفة جداً ، إيبرل .. أليس كذلك؟
كانت مذهولة، لذا لم تستطيع سوى أن تهز رأسها.. وما إن وصلت أسرة إيفنز إلى
المزرعة ، وتعرفا على السيدة بوكستر والسيدة بوكستر والسيدة أغريبا وانطلق
الثلاثة في نزهتهم، حتى سنحت الفرصة لإيبرل بأن تذكر الموضوع.. وبدأت: كنت
مندهشة جداً حين عرفت أن الزوجين إيفنز قادمان إلى المزرعة هذا الصباح.
رد: أوه.. حقاً؟
_ أعتقد أنك أخبرت أمك عن لقائك بهما؟
_ هذا صحيح.
_ فهمت.. ظننت أن السيدة بوكستر كانت ستعلمني لو أنها خططت لاستئخار هما
بين الحين ؤالآخر.
_ لاأعتقد أنها تحتاج إلى إذن منك.
احمر وجه إيبرل غضباً، وردت عليه ساخطة: بالطبع لا! وأنت تعرف أنني لم أعن
هذا! إنه شيء فظ، أن تقول هذا!
نظر غرايغ إليها من فوق رأس ليز، ثم أدار اهتمامه إل الطريق:أنا آسف.. أنت
على حق طبعاً .. كانت أمي ستذكر هذا لك، ماعدا أن المسألة حدثت فجأة .. بعد
مغادرة الضيوف ليلة أمس، أدركت أن هناك تنظيفات أكثر بكثير من قدرتها وقدرة
غوين ، فاقترحت أن تتصل بالعجوزين .. وتم كل شيءعلى مايرام.. وبالتأكيد أنت
مسرورة لأن صديقيك سيقضيان يوماً هادئاً في الريف.
كانت إيبرل صامتة، تفكر بكلامه بحثاً عن معانٍ مخبأة، ولم تجد شيئاً .. ثم
ابتسمت: أجل.. لاأستطيع التفكير لهما بشيء ألطف من قضاء يوم في الريف.
انطمأنت لأن ثلاثة من أحبائها سيمرحون ولو ليوم على الأقل، فأدارت اهتمامها
إلى نزهة اليوم . وراحت تشينرإلى ليز كيف يتغير منظر الأراضي وهم يبتعدون
عن ضواحي المدينة ، نحو السفوح الجميلة الريفية لجبال السييرا نيفادا
المكللة بالثلوج..
قالت ليز: أذناي مسدوتان.
ردت إيبرل: إنه الارتفاع عزيزتي.. ابتلعي ريقك وستنفتحان. كانوا يتجهون نحو
الأعلي بصحبة غابات السنديان والشربين و الأرز الذكي الرائحة، التي تقف
هناك كما وقفت لآلاف السنين، على جانبي الطريق العام المتعرجة بين التلال
الصخرية.. بوصولهم إلى كولوما، بدت وكأنها غابة قائمة بذاتها.. وكانت
الأراضي المخصصة للنزهات والتخييم هادئة باردة تحت مظلة الأشجار الباسقة
القديمة.
قالت ليز بحماس كبير: انظر غرايغ!لابد أن هذا هو مجرى النهر الذي وجد فيه
الذهب!
رد غرايغ: هذا صحيح. أوقف السيارة في فسحة على أمتار من المنشرة القديمة .
كان هناك مجموعة زوار متحلقين حولها يراقبون دولاباً كبيراً يعمل، ويصغون إلى
حارس الغابة الوسيم، يعيد سرد قصة تلك الأيام العظيمة.. وانضم الثلاثة إلى
الحلقة للإصغاء. أحست إيبرل بدفء يغمر قلبها وهم يعودون إلى السيارة
ليتوجهوا إلى المتحف ،لدرجة آمنت أن هذا اليوم كان مقدراً له أن يدمر
أعصابها من القلق والتوتر، سيتحول إلى يوم مرح سعيد.
في مكان الشرف، داخل الغرفة الرئيسية للمتحف، كان هناك عربة قديمة.. بدا
وكأنها سلكت في أيامها الكثير من الرحلات.. كانت مصنوعة من الخشب وتنتصب
فوق إطارات من حديد، ويبدو داخلها أصغر بكثير من معظم السيارات الحديثة، مع
ذلك فقد كانت معدة لركوب ستة أشخاص، وطبعاً ، دونما ارتياح..قربها، وسط
صندوق زجاجي، وفوق وسادة من المخمل الأحمر، رقاقة صغيرة لاشكل محدد لها من
الذهب، كانت السبب في بدء المغامرات الكبيرة عام1849
بعد أن نقبت ليز كل زوايا المتحف، اصطحبها غرايغ إلى فندق "نيفاد هاوس"
القديم الساحر للغداء. حيث بهرت ليز بالديكور العتيق، ورؤوس الثيران البرية
الضخمة المعلقة على الجدار. كانت الجدران والسجاد بلون الشكوكولا البني،
تزيد من من إبراز لون أغطية الطاولات الحمراء والأطباق البيضاء.. جلست
إيبرل تسند ظهرها إلى الكرسي بسعادة تاركة حرية الطلبات لليز وغرايغ.بعد
ساعة، كانت ليز تغط في نوم عميق داخل السيارة المريحة المكيفة.. وبدأ غرايغ
مشغولاً بقيادة السيارة.. ومع كل ميل تتقدمه السيارة الكبيرة باتجاه
المدينة، كانت معنويات إيبرل المرحة تتراجع..
ودون أن تعي، انطلقت منها تنهيدة ثقيلة مضطربة .أعادها الإحساس بيد غرايغ
على يدها إلى ذاتها .. نظرت إليه متسائلة وهي
تسحب يدها منه بلطف .. حين استدار ليلتقي عينيها ،كان يبدو على وجهه شيء
أنذرها بالمتاعب :
قال بلهجة رسمية :إيبرل .. هناك أمر يجب أن أخبرك به .. حين نصل المنزل
،لاشك أن أمي ستكون قد أخبرت الزوجين إيفنز
ما تعرفينه وما أعرفه وما يعرفه الجميع ،عدا ليز.صاحت بتعجب :ماذا ؟!
على الفور أسكتها غرايغ بإشارة من رأسه إلى الطفلة النائمة ،وسألته بصوت
منخفض :لكن كيف عرفت ؟
_بدا الخجل على وجهه بشكل اعتيادي ،وهذا لوحده رمى إيبرل في حيرة أكبر ..
تصوروا ما يلزم لجعل المتعجرف غرايغ
بوكستر يحس بالخجل !
قال مدافعاً عن نفسه :لقد استخدمت حريتي للاتصال بمات ليلة أمس بعد خروجك .
شهقت :لكنني قلت لك إن الأمر شخصي! كيف تجرؤ على التدخل ؟..
_أشار بيده قلقاً:لقد فكرت طويلاً قبل أن أتصل به ،لئلا يكون الأمر شخصياً
بينكما .
لو لم تكن أمي واثقة أنه أكثر من هذا ،أؤكد لك أنني ما كنت تدخلت ..لكن كان
لدي إحساس أن للأمر علاقة بليز..هكذا خاطرت
واتصلت ..وأخبرني مات بأمر ستاتون،ورأيت أن العجوزين هما صيد سهل فأخرجتهما
من هناك بجعل أمي تتصل وتطلب مساعدتهما ..ولم أجرؤ على قول الحقيقة لهما
خوفاً من ذعر فاين ..ولم أخبرك لأنني خشيت أن تكون ردة فعلك كما الآن.
لم تعرف إيبرل بما تفكر أو تشعر، فمن فضائله التي تعرفها عنه مسارعته في
التدخل وتولي زمام الأمور . قالت : لست أدري كيف سأتمكن يوماً من شكرك غرايغ
لكل ما فعلته اليوم.. سأكون مدينة لك إلى الأبد. نظر إليها من زاوية عينه،
وقال: في الواقع.. هناك شيء تستطعين فعله لي.
قالت بحررة: قل لي ماهو.. وسأبذل جهدي لأرضيك.
_ أخبرني مات الكثير عن حالة ليز ليلة أمس .. وأنه لايمكن تبنيها إلى أن
يعطي والدها الإذن بهذا.
ردت بمرارة: وهذا مالن يفعله.
_ أجل.. هذا ما قاله مات كذلك .. قال إن ستاتون يعتبر أن هذه هي الورق
الوحيدة التي لايزال يملكها: اعتراض سبيل سعادتها
ومستقبلها .. حتى ولو لم يكن يريدها لنفسه.. لكنني أعتقد أن
بالإمكان"إقناعه".. وإن استطعت أن أقنعه بالتخلي عنها، فستتمكنين، أنت
إيبرل من تبنيها، وستصبح آمنة.
قفزت الدموع إلى عيني إيبرل، فقد تفوه غرايغ بالحلم الذي حلمت به ملايين
المرات.. لكنه لايعرف مدى العوائق الكامنة في طريق تحقيق هذا الحلم.. قالت:
أتخلى عن كل شيء أملكه الآن وفي المستقبل لو كان بالإمكان أن يحدث هذا
غرايغ.. لكنني سأواجه أوقاتاً صعبة في إقناع المحكمة.. دون عمل ثابت..
تنهدت ثم تابعت بأسى:
_ لا.. لن يسمحوا لي بتبنيها.. لكن قد يستطيع شخص آخر.. هذا إن جعلت والدها
يوقع على الأوراق اللازمة. أدارت عينين مشعتين أملاً ولوضئيلاً إلى غرايغ،
وأكملت: سيكون رائعاً أن تستطيع.
سألها: وماذا لو كنت متزوجة؟
ترددت ثم قالت: لكنني لست متزوجة.
_ قلت إنك استفعلين ما بوسعك لإرضائي إيبرل.. وأنا أطلب منك الزواج.. فهل
تقبلين؟
_ حبي وردة حمراء
ردت إيبرل ببرودة مصطنع :بالطبع لا!
جاء ردها بعد لحظات من السؤال ..لكن بمقياس القلب للزمن ،تعذبت إيبرل طويلاً
قبل أن ترد ..كم من القسوة والظلم أن يُقدم لها
أمنية
قلبها ،ومع ذلك لن تتمكن أن نتقبلها .
أجل !أجل !إنها تريد الزواج منه ..أن تراه كل يوم ..أن تعيش معه في ذات
المنزل ..أن تحمل بأطفاله .أجل ،إذا كان يحبها ويريدها.
لكن طلبه الزواج منها هو لأجل ليز فقط ..ومع ذلك ،فالموافقة على زواجها منه
لأجل ليز تقف في وجهها حقيقة لاتقبل
الجدل :الزواج مع حب من جانب واحد محكوم عليه بالفشل مسبقاً.
_كانت إيبرل تعي تعاظم محبة ليز وتعلقها وثقتها بغرايغ في الأشهر الماضية
..ولو أصبح والدها فستعطيه الطفلة قلبها بالكامل ..
ثم سيكون الأمر مدمراً لها حين تفقده من جديد كما لابد أن يحصل بعد سنة أو
سنتين ،أوخمس أوسبع .حين يحدث هذا ..لن يتحطم
قلب إيبرل فقط ،بل وهذا هو الأسوأ،قد لاتستعيد ليز عافيتها أبداً بعد فقدانه
.ولأجل مصلحة غرايغ كذلك ..
يجب أن ترفض إيبرل ما تريده أكثر من أي شيء في العالم كله !إنه على وشك
الزواج من امرأة يحبها فعلاً..وأحبها منذ سنوات
طويلة ..ألم تقل غوين أغريبا ان الاثنين ،كان يمكن أن يتزوجا منذ أمد بعيد
لولا زواج ريبيكا السابق ؟ثم هناك تانيا التي تحتاج بشدة
إلى أب ،ولها الأفضلية على ليز في حب غرايغ وحمايته .
_ماذا لو رمت إيبرل بكل المنطق السليم أدراج الرياح ،وتزوجت غرايغ ،على أمل
أعمى بأن ينجح هذا الزواج بطريقة ما ؟ليس
هناك ضمانات بأن يستطيع إقناع براد ستاتون ،أن يوقع أوراق التبني ..وإذا
فشل ..كما فشل الكثيرون من قبله ..يكون قد تحمل
على عاتقه عبء امرأة لايحبها،وحرم من طفلة قام لأجلها بمثل هذه التضحية ..
لا..إنها فكرة ميوؤس منها ..هناك سبب واحد يؤيدها :حب إيبرل العميق لغرايغ
..لكن هناك آلاف الأسباب لرفضها ..أسباب لا
تجرؤ على ذكرها خوفاً من أن يوقع بها فيضعف بهذا قرارها المهزوز بأن تفعل ما
هو الأفضل للجميع .
_كررت ببرود :بالطبع لا..يالها من فكرة مجنونة .
بعد صمت قصير كئيب ،التوى فم غرايغ بتكشيرة كان يمكن أن يكون المقصود منها
ابتسامة ضعيفة ..كان صوته خشناً متقطعاً
بإحساس أليم ،ربما يكون كرامة مجروحة :
حسن جداً..لم نغامر بشيء ولم نكسب شيئاً..بدت لي فكرة جيدة للحظات .
ردت إيبرل بلطف أكثر :أوه ..إنها فكرة جيدة فعلاً..ولقد فكرت فيها أكثر من
مرة ..لكن ليس معك .
_أدركت كم أن كلامها كان مهيناً،فأضافت :أعني ..مع شخص آخر ..
أتعنين مات ؟جاهدت إيبرل لتمنع دموعاً هددت بافتضاح أمرها :أجل ..بالطبع ..مات .
فكرت بهذا طبعاً..لكن بما أنكما لستما على استعداد ..أو ربما لاوجود
لاستعداد أبداً،فكرت أنك ربما ..أو هو ..حسن جداً..هذا ليس
من شأني ..مع ذلك ..ولكي أزيل العوائق من الطريق لك ،أو لشخص آخر ،أنوي أن
أنفذ ما قلته :سأقنع الوالد المجنون بأن يتخلى
عنها ..وبما أنه لن يُسمح للعجوزين إيفنز باستبقائها معهما إلى الأبد ..فيجب
أن تمنح فرصة للاستقرار ضمن أسرة تحبها كما
تستحق .
_بوصولهم إلى المزرعة ،واجهت إيبرل أخباراً أكثر سوءاً أضيفت إلى بؤسها
الكامل .مع دخولهم إلى ردهة المنزل ،واجهوا
فريقاً ثائراً مهتاجاً مؤلفاً من العجوزين إيفنز ،غوين أغريبا،وماريان بوكستر ..
كلهم على ما يبدو كانوا يصغون إلى صوت اقتراب السيارة .
وكأنما حسب ترتيب مسبق ،اصطحبت غوين ليز إلى المطبخ تعدها بالحلوى والحليب
..وما إن أصبحت بعيدة عن السمع ،حتى
انفجرت ماريان بوكستر بالبكاء وأخذ الجميع يتكلمون معاً.
_ماتبين أخيراً،هو أن براد ستاتون وقف متربصاً وصول أول عامل في مكتب جمعية
أصدقاء الطفولة في الصباح الباكر ،أول
الواصلين كان موظفة استقبال شابة جديدة في عملها ،وكانت أطباعه الخشنة
السيئة كافية لأن تفزع الفتاة وتجعلها تعطيه العنوان
الذي يسعى إليه ..
بعد مغادرته مع عنوان إيفنز ،جمعت الفتاة ما أمكنها من هدوء لتتصل بمات
الذي سارع للاتصال بالبوليس ..ومما زاد غضب
ستاتون عدم وجود أحد هناك ،ولم يكن لديه وقت لأن يحطم أكثر من النافذة
الأمامية ،ويمزق مفروشات غرفة الجلوس ويرمي
القمامة على كل أجزاء المكان ،قبل وصول مات والبوليس ..
وألقي القبض عليه وهو يصيح بتهديدات رهيبة، ووضع في سجن المقاطعة. تكلمت
فاين وقد هدأت قليلاً الآن: أنا لاأهتم البتة بما
نملكه، طالما نحن سالمين. والشكر كله في هذا يعود لك سيد بوكستر.
واستدارت نحو ماريان: وأنت كذلك.. سيدتي.. سهلت لنا أمر مجيئنا إلى هنا هذا
الصباح .. دون أن نشك في شيء.. ليبارككما الله
معاً . لما فعلتماه لنا اليوم.
تلت إيبرل صلاة صامتة وهي ترتجف فزعاً لما كان أصاب العجوزين هذا الصباح، ،
شاكرة الله على كل ما فعله غرايغ. وتقرر
أن يذهب ماكس وغرايغ إلى المنزل ليريا ما يمكن إنقاذه.. لكن،في الوقت
الراهن، سيبقى ثلاثتهم في المزرعة. خلال الأسابيع التي
تلت، كانت إيبرل سعيدة بحياتها ماعدا ظل قاتم يحوم فوق قلبها.. كان موعد
الحفلة الكبيرة لايبعد سوى أيام وقد أصبحت الحديقة
أجمل بكثير مما تصورت إيبرل..
خلال هذه الفترة من الزمن، علمت إيبرل بإعجاب وفرح أن الحفلة الخيرية لم
تكن سوى لجمعية أصدقاء الطفولة. وأمام ذهول
إيبرل لهذا الخير، قالت ماريان بوكستر: أنا آسفة عزيزتي.. لقد اعتقدت أنك
أتعلمين ! هذه أنانية مني، لكنني كنت أفترض أن جميع
المقربين مني يعرفون علاقتي بالجمعية، فأنا عضو مؤسس فيها والآن رئيسة
مجلسة الإدارة.
لكن، مهما كان الأمر ، فقد كان هذا لخدمة الجميع.. ولأن إيبرل أشارت أمام
السيدة بوكستر إلى حب السيدة أغريبا للأولاد، فقد
عُرض عليها مركز الأم المشرفة المقيمة في ملجأ الجمعية.. وبعد فترة من
التفكير، قبلت غوين بترك منزل بوكستر في عهدة
الزوجين ايفنز، وتسلمت الإشراف على دار الأطفال، قائلة إنها تستطيع
الإنتظار هناك إلى أن تحتاج ريبيكا مجدداً إلى مدبرة منزل
، وترسل في طلبها.. هكذا تم استخدام الزوجين إيفنز رسمياً في المزرعة. فاين
، كمدبرة منزل وطاهية، وماكس مشرف عام على
الصيانة.. لكن كان أفضل تطور هو أن براد ستاتون أصبح يسكن في الناحية
الأخرى من القارة بعيداً عن ابنته، لأنه أعطى القانون
سبباً لسجنه، ولم تعد ليز ابنته.
قبل رحيله إلى شواطئ فلوريدا، وقع أوراقاً أعطت إذناً منه بتبني ليز..
وأوراقاً أخرى كذلك يعترف فيها أنه فهم أن وجوده، ولو
لوقت قصير ، في كاليفورنيا دون طلب إذن خطي من وصيها القانوني ، إيبرل
ساوندرز، ستكون نتيجته العودة إلى تطبيق حكم
السجن المعلق تنفيده مقابل موافقته على الشروط التي تم ذكرها.
سألت إيبرل مات بعد إبلاغها الخبر المفرو ح : لكن كيف توصلت إلى إجباره على
الاستسلام تماماً؟ ابتسم مات: لم يكن أنا من
أجبره إيبرل.. وآسف أن أقول .. إنه غرايغ.. لا هو ولابراد اعترفا بشيء،
لكنني أظن أن غرايغ قدم له عرضاً لا يمكنه رفضه ..
إذا فهمت ماأعني.
_ أتعني.. رشوة؟
_ ربما.. أو ربما، جزئياً ، بعض المال.ا لأهم كما أعتقد أنه عرض عليه التحرر
من الخوف من أشياء تحدث فجأة خلال الليل.
ارتجفت بخوف..
_ أوه.. هكذا إذن.
_ إنه رجل من بين مليون إيبرل .. هذا الرجل.
أخفضت نظرها، تفكر بالمستقبل المشرف الآن لليز.. ثم تمتمت:أجل.. أعرف هذا.
رأى مات في عيني إيبرل، وقال مفكراً: كنت متأكداً من أنك تعرفين.
كانت الوقت منتصف حزيران، بضعة أيام قبل الحدث الكبير. وكانت إيبرل تعمل في
الحديقة كالمجنونة ، وتشرف على آخر
التفاصيل ، كي تكون الحديقة مصدر فخر لماريان بوكستر.. منذ تولت غوين
مسؤولية الأولاد في الملجأ ، لم تعد ريبيكا تظهر كثيراً
في المزرعة ، لذا شعرت بشيء من الدهشة والإحباط ، عندما سمعت هدير الجاغوار
الفضية تسرع في الطريق الداخلية
المرصوفة الآن . قصت إيبرل وردة أخرى واستقامت ، تمسح العرق عن جبينها ،
وتراقب ريبيكا تتمايل بخفة نحوها ، مرتدية
تنورة بيضاء مكسرة ، وبلوزة دون أكمام
مرحباً هناك .. لازلت تعملين كما أرى.
فكرت أيبرل وهي تقترب أن هناك شيئاً مختلفاً على وجه ريبيكا.. العضلات حول
فمها أقل تشدداً ، وشفتاها أكثر امتلاءاً .. ثم فجأة
، أدركت أنها وللمرة الأولى منذ تعارفتا، تبدو ريبيكا قانعة وسعيدة حقاً.
قالت ريبيكا تنظر حولها بتعجب: يجب أن أقول إنك قمت
في هذا المكان.. لم أكن لأصدق أن هذا ممكن .. حين جاء بي غرايغ لأراه، قلت
له: حبيبي لايمكن أن تكون جاداً ! المكان لايصلح
حتى للفلاحين! لكنه الآن .. انظري إليه.. المنزل جميل، والحدائق رائعة..
سيكون المكان مخبأً حلواَ رومنسياً لقضاء العطلات.
كبتت إيبرل ردها ممتنة لأنها سرعان مالن تعود بحاجة لأن ترى ريبيكا،
وابتسمت لها بأدب.. فسألتها الأخرى بصوت مشرق
جميل: كيف رأت عائلتك الصغيرة من المشردين الحياة في الريف؟ هل استقروا جيداً ؟
فكرت إيبرل : يالهذه المرأة الشريرة! لكنها تمتمت: كلنا سعداء هنا.
_ هذا ما أظننته.
وتقدمت إلى شجيرة قريبة لتنتزع وردة، فعضت إيبرل لسانها لمنع نفسها عن
الصراخ في وجه السيدة المستفبلية للمنزل كي تبعد
يديها المدمرتين عن الورود. استدارت ريبيكا فجأة، تحرك كتفيها وتلوح بشعرها
الطويل بدلال، مع أن لاوجود لأحد ليرى هذه
الحركة، ثم قالت مفكرة: أتعلمين.. الحديقة رائعة بالفعل الآن .. في لواقع
إنها أكثر روعة من إضاعتها على حفلة خيرية .. فكري
كم ستكون حفلة زفاف ساحرة هنا .. مثلاً هناك قرب المشتل الزجاجي القريب ،
حيث يتبادل العروسان القسم.
أصيبت إيبرل بالذهول المخرس مع دموع جمدت في مآقيها وحلقها، ولم ترد..
فاستدارت ريبيكا إليها: ألاتستطعين تصورها؟ ..
أنظري، الأوركسترا يمكن أن تعزف هناك..ولوحت بذراعها المنزل ، لكن إيبرل
كانت قد تحملت كل ما تستطيعه.. وبصوت
غمغمة دون كلام، بدأت تبتعد.
وقفت ريبيكا تنظر إليها بدهشة ، وبصوت ساخط نادتها: المشكلة معكم، أنتم
العاملون، أن لامخيلة لديكم !
في الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم الكبير، كانت إيبرل قد أتمت كل ما هو
ممكن لتكون الحديقة جاهزة للحفلة .. وجاء دورها و
ليز لتتحضرا .. حين أخرجت إيبرل الفستان الحريري الملئ بالورود الخوخية
المشمشية من الخزانة ، احتجت ليز: لكن ، إيبرل
ظننت أننا سنكون توأماً!
_ لاحبيبتي.. ارتدي أنت ثوبك الذي قدمه غرايغ لك.. لكنني قد أضطر للمساعدة
في تقديم الطعام وأخشى أن أ لطخه.
ترددت ليز ثم قالت بحزن: سوف تجرحين مشاعره إيبرل. ردت بابتسامة متصلبة،
لإخفاء ألم قلبها: أوه.. هراء.. حتى أنت لن
تلاحظي هذا.
في يوم ما، ربما بعد سنوات وسنوات ، قد يطاوعها قلبها بأن ترتدي الفستان
المكسيكي ، حتى ولو كانت ريبيكا هي التي اختارته
لكن ليس الآن ، وليس اليوم ، لن تتمكن من تحمله . بعد قليل ، كانتا موضع
اعجاب في النزل .. ليز بفستانها الأبيض
الزهرية على شعرها الرملي اللون ، ومع وهج الجمال الحقيقي على وجهها المسمر
والمرتاح.. حضنتها فاين بعينين دامعتين ،
وقالت بغصه في حلقها: لم اشاهد في حياتي سيدتين شابتين بمثل هذا الجمال .
كانت السيدة أغريبا أول الوصلين في الرابعة تماماً ، واستقبلها الجميع
بحرارة.. ومع بدء تبادل الأحاديث قبل الحفلة في المطبخ،
خرجت ليز وإيبرل تفتشان عن السيدة بوكستر. كان ملعب التنس قد أعد ليكون
باحة رقص، مع فرقة موسيقية صغيرة تعزف
الموسيقي و أخذت ليز تتحرك بابتهاج في رقصة مرحة على إيقاع الفرقة وهي
تحاول ضبط إيقاع آلاتها.
قالت إيبرل: اذهبي وألقي نظرة عليهم إذا أحببت. لمحت إيبرل السيدة بوكستر
تتحدث إلى السقاة الذين حضروا طاولات الطعام
والشراب في الجانب الشمالي من المرجة الوسطى، التي من السهل أن يصل إليها
معظم المدعوين. لاحظت ماريان بوكستر تقدم
إيبرل نحوها، فمدت يديها لها لتحضنها وتقبلها بحرارة، قبل أن تبعدها عنها
قليلاً لتتفحصها: أنت فاتنة تماماً إيبرل، عزيزتي.. هذه
الألون تليق كثيراً بشعرك وبعينيك الرماديتين.. ستكونين أجمل امرأة هنا دون
شك .كانت ترتدي فستاناً من "الفوال" البنفسجي
الفاتح، بسيط التفصيل، يبرز لونه لون شعرها الكثيف الأبيض، ويعطي جمالاً
لبشرتها الزهرية الشقراء.
قالت إيبرل: وأنت رائعة كذلك.
كانت تشعر بالحزن لأن صداقتها الدافئة لهذه المرأة ستنتهي.. وستفقد للدعم
العاطفي الذي طالما تلقته منها ، وإلى أحاديثهما
الهادئة.. فخلال الستة أشهر المنصرمة، أحست إيبرل ولأول مرة في حياتها،
معنى أن يكون لها أم. قالت ماريان: إيبرل، قبل أن
يبدأ الضيوف بالتوافد، أريد شكرك لكل ما فعلته ستة أشهر، قلبت أرضاً مهملة
إلى جنة. ولو استطاع إيان هيوشو أن يرى مافعلته
هنا، لرقص قلبه فخراً.
أدارت إيبرل وجهها لتخفي الدموع في عينيها .. فهذا التقدير الكامل كان أكثر
مما يتحمله قلبها المثقل في الوقت الحاضر.. وأجابت
بصوت مختنق: أنا سعيدة لأنك راضية عن عملي، سيدة بوكستر.. لكن بالمقارنة
بما فعلته لليز، أنا لم أفعل شيئاً أبداً .. فبدون
مساعدة غرايغ ومساعدتك، كان سيعجز جميع من يحبها عن إنقاذها.
ردت السيدة بوكستر بابتسامة صغيرة: حسنا عزيزتي إيبرل.. هذا هو معنى
الصداقة.. وبمناسبة الحديث عن الامتنان، ها قد أتى
غرايغ.. سأسلمك له الآن وأهتم بضيوفي . كانت إيبرل متأثرة بتقدير المرأة
لها، حتى أنها لم تلاحظ كم كان غرايغ وسيماً بشكل
غير عادي، ببذلته العاجية اللون وقميصه الأسمر المفتوح الياقة. وعلى الفور
أظهر اهتمامه بمظهر إيبرل.
_ هذا فستان جميل جداً، لكنني مندهش لماذا لم تقنعك ليز بارتداء الفستان
الذي أهديتك إياه..
شعرت بإجفال لأنه لايزال يظنها لاتعرف المصدر الحقيقي لهديته، فقالت
باستخفاف: في الواقع، الفستان لايناسبني تماماً، وأخشى
أنت تكون ريبيكا قد أساءت تقدير مقاسي. نظر إليها باهتمام وحذر، ثم قال:
لايمكن أن يكون هذا صحيحاً إيبرل.
ردت بحدة: ولماذا لايكون صحيحاً ؟ أعتقد أنني أعرف أفضل منك ما يناسبني وما
لايناسبني.
_ لادخل لريبيكا باختيار أي فستان من الاثنين.. وأراهن أنني أعرف كل
مقاييسك بدقة. احمرت إيبرل غضباً لملاحظته.. ولتغطية
لحرجها، صاحت: إذن.. أنت تدعو ريبيكا كاذبة؟
_ لا إيبرل، أنت التي تدعينني بالكاذب .. مادخل ريبيكا في كل هذا؟
أدارت وجهها بسرعة غاضبة. أخذ غرايغ وجهها بين يديه، وأدارها نحوه. ثم قال
عابساً : أعتقد أنني أستحق رداً .. وأطالب به
فوراً. تمتمت رافضة لقاء عينيه: أخبرتني أنها هي التي اختارته.
_ وهل قالت هذا حقاً؟
_ حسناً .. ليس بكلمات محددة.. لكن لم يكن هناك شك.. أوه.. لابأس في هذا!
لايهم على أي حال.
قال مفكراً: فهمت.. في الواقع أنت على حق..لا يهم من اشترى الفستان، فهو
لايناسب هذه الحفلة على أي حال.. لأنه فستان
عرس.
[size="6"]
حدقت إيبرل به وفمها مفتوح دهشة.. لماذا لم يخطر ببالها من قبل أنه من غير
المعقول أن تختار ريبيكا لإيبرل من بين كل الناس ،
فستاناً من طراز كانت ترتديه العروس قديماً ؟ لكن ما إن تشكل الرد في رأسها
حتى أمسك غرايغ بمرفقها وسار بها، قائلاً بعفوية:
أنا أتضور جوعاً .. تعالي، دعينا نأكل شيئاً.
سمحت إيبرل بأن يقودها، وكانت لاتزال مشوشة الفكر، نحو طاولات الطعام
المستطيلة المغطاة بمفارش بيضاء كالثلج، والتي
كانت محط الأنظار في المرجة.. مع أنها لم تكن تشعر بالشهية، وضعت إيبرل في
طبقا بضع قطع خبز محمص مع الكافيار،
وقطعة بطيخ أحمر. ثم، وكأنما لاإرادة لها، لحقت بغرايغ وهو يبتعد عن
الطاولات إلى حديقة الورود.
وقفا لوحدهما في مكان هادئ للحظات.. من على بعد، سمعت إيبرل السابحين وهم
يغوصون في الماء.. كان المدعوون يتمتعون
جيداً بالحفلة، وراحت إيبرل تراقبهم يضحكون ويتبادلون الأحاديث.. إنه يوم
عملت جاهدة لأجله.. وستذكره على الدوام.فجاًة تكلم
غرايغ مخترقاً أفكارها : من المؤسف جداً أن لايكون مات معنا الي اليوم.
نظرت إيبرل إليه ثم قالت بغير ارتياح:أجل، وأظن أن شيئاً مهماً طرأ وأبقاه
بعيداً .
قال: إذا كنت تسمين الذهاب إلى سان دييغو لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع أهل
صديقته الجديدة، أمرأً طأرئاً . احمر وجه إيبرل
بعمق، وأطلقت تنهيدة شاهقة.. كم من المحرج أن يكشف خدعتها السخيفة بهذه
الطريقة. لاشك أنه يعتقدها بلهاء طبعاً ، أو عانساً
عصبية مزاج تتظاهر أن هناك حبيباً لاوجود له.
قال غرايغ بجرأة : على وجه العموم، كان مات منجم ذهب من المعلومات لي. ولست
أدري ماأدري ماذا كنت سأفعل بدونه. تقدم
زوجان أنيقان جميلان نحوهما ،وبعد تقديم غرايغ إيبرل لهما، حاولت الهرب
ولكنه فهم مرادها فامتدت يده لتمسك بذراعها ..وبينما
الأصدقاء الثلاثة يتحدثون، وقفت إيبرل عالقة حيث هي تغلي من غيظها.. ثم
ودعهما زوجان وابتعدا.
ترك غرايغ ذراع إيبرل، ثم نظر حوله بعفوية وقال: تبدو الحديقة ممتازة
إيبرل.. لقد قمت بعمل جبار. يبدو لي ، وأتساءل ماإذا
كنت ستوافقين، أنه سيكون موقعاً رائعاً لإقامة عرس؟ خفق قلب إيبرل.. ألايكفيه
أنه احتل قلبها وحياتها؟ هل من الضروري أن
يؤلمها بعرضه عليها خطط زفافه؟
رددت بصوت مرير: أجل.. هذا ماقالته ريبيكا.. تعتقذ أن قسم الزواج يجب أن
يتم قرب المشتل الزجاجي هناك.. فهل تحدد الموعد
إذن؟ نظر إلى ساعته: أجل .. وأعتقد أنه في هذه اللحظة بالذات .. تم القرار.
_ ماذا .. أي قرار؟
_ ريبيكا في هذه اللحظات عروس محمرة الوجه في أكابولكو.
_ لا.. ستتزوجك أنت.. هنا.. قريباً..
لكن،حتى وهي تقول هذا، أدركت فجأة أنها لم تر ريبيكا اليوم.. مع أنها كانت
متأكدة من أنها ستكون هنا، وسرعان ما ستطالب
بأملاكها. مرت نظرة غريبة على وجه غرايغ بدت كارتياح.
_ أوه.. لاإيبرل الجميلة.. ريبيكا ليست المرأة التي ستتزوجني هنا.. وقريباً
.. ولم تكن أبداً .. فما الذي أعطاك مثل الانطباع؟
كان سخط إيبرل عظيماً لسؤاله، حتى أن صوتها ارتفع وهي ترد: ماالذي أعطاني
هذا الانطباع؟ أنت! وريبيكا قالت.. وأمك! ولم
يكن انطباعاً ، كان إعلاناً !
ابتسم بقلق: إذن كان الأمر هكذا، فلاشك أنه إعلان يماثل ذاك الذي صدقته عن
الفستان.. وهذا يدفعني لأقول لك أن كل شيء في
رأسك فقط. فلاشيء أبعد عن الإمكان بقدر الزواج بيني بين ريبيكا. انقلب
تفكيرها رأساً على عقب.. دون شك، لايمكن أن تكون
أساءت الفهم إلى هذا الحد؟
_ لكنك اصطحبتها إلى المكسيك.. قاطعها ساخراً : لم أصطحبها إيبرل.. لقد ذهبت
إلى هناك في عمل، وقررت ريبيكا السفر في
اليوم التالي لتستغل معارفي في حملة بحث عن زوج، كما أعتقد.. على الأقل هذا
ماحدث
_ ماذا تعني؟
_ لقد التقت وتزوجت صاحب منجم فضة ، وحيد.. إنه أكبر منها سناً وليس في صحة
جيدة، لكن هل يهم هذا أمام الحب الحقيقي؟
وابتسم ساخراً ثم: أعتقد أنها ستجعل منه " مالك القلعة" في أواخر أيامه..
على الأقل، لديها خبرة في هذا.
تفرست إيبرل في وجهه لتعرف مشاعره الحقيقية . هل هو مدمر بسبب نبذها له
مرتين؟ هل يتظاهر بعدم الاكتراث والتسلية ليخفي
قلبه المحطم؟ نسيت نفسها في اهتمامها به، وسألت متسرعة: لكن. غرايغ عزيزي..
ألاتمانع .. أعني، كنت واثقة جداً أنك وهي..
وضع طرف إصبعه على شفتيها ليوقف كلماتها: لقد شككت بهذا لبعض الوقت.. وأعرف
الآن أنني كنت على حق .. أوه.. لن أنكر
أن ريبيكا كانت من وقت إلى آخر، تخدع نفسها في الظن أنها تريد الزواج مني..
خاصة حين تكون ضجرة مابين علاقة حب
وأخرى .. لكنها لم تأخذ الأمر على محمل الجد يوماً ، بالنسبة لي فأنا لم
أشعر نحوها أبداً سوى بإحساس الأخ الأكبر نحو شقيقته
الصغيرة.
تنفست إيبرل الصعداء: أوه.. هكذا إذن.. إذن حين طلبت مني البقاء مع أمك
وأنت غائب ، لم تكن تعرف أن ريبيكا مسافرة معك؟
أعني كان يمكن أن تطلب منها البقاء بدلاً مني؟ كشر غرايغ وجهه، وقال ممازحاً
: هذا إذا كنت على استعداد للمخاطرة بأن
تنكرني أمي .. لا إيبرل .. طلبت منك هذا لأن أمي تحبك، ولأنني أعرف أنني
أستطيع الاعتماد عليك.. والأهم من كل هذا لأنني
أحبك.
احمر وجه إيبرل بغير ارتياح ، وقالت بإجفال: أرجوك.. لاتمازحني في هذا.
تلاشى المرح من وجه غرايغ لكلماتها، وأخذها بلطف بين ذراعيه ليقول بصوت
أجش: لماذا تظنين أنني أمازحك، حبيبتي إيبرل؟
تراجعت إلى الوراء لتنظر في عينيه: لطالما مازحتني، منذ أول يوم التقينا
فيه.. فلماذا أصدقك الآن؟ لقد أصبح مات بعيداً عن
طريقك الآن .. فماذا لو كان هذا مجرد مثال آخر ل.. طريقة الرجل مع الفتاة؟
شدها إليه بقوة: إيبرل.. أيمكن أن تقولي صادقة إن هذا كل شيء .. تلك
الأوقات التي أمضيناها معاً ، في الحديقة، في منزلك، بعد
العشاء تلك الليلة؟ ألاتقنعك بأن الأمر كان أكثر من هذا بكثير. أحست إيبرل
بصدق ماكان عقلها يرفض أن يصدقه .. كان عناقه
حنوناً مليئاً بالحاجة.. لكنه كذلك ثري بالالتزام والحب.. حين رفعت رأسها
إليه ونظرت عميقاً في عينيه، رأت فيهما اعترافاً كانت
تتشوق إليه من أعماق قلبها.. فقالت بضعف: أوه.. غرايغ.. لماذا لم تخبرني
بمشاعرك؟
ملس شعرها بيده: أتذكرين أول يوم التقينا.. وحذرتني أنك ستتخلين عن أي رب
عمل يتجاوز حده؟ حسناً ، لقد فهمت الإنذار.. وبما
أنك كنت شديدة الحساسية، خشيت لو أنني قمت بحركة خاطئة فسأفقدك إلى الأبد..
كنت قلقة جداً مني.. لذا فكرت أنك لو عملت
لأمي بدلاًمني ، ستهدئين من روعك قليلاً وقد تثقين بي.
بدأت إيبرل تدرك كيف بدأ كل سوء التفاهم هذا.
_ إذن هذا ما كنت تعنيه حين قلت إنك تفضل التضور جوعاً على أن تكون رب عملي.
ضحك غرايغ باختصار: أجل.. إضافة إلى
تهجمي عليك، لكن هذا أمر أسامح نفسي عليه.. فأنا لست ملاكاً على أي حال.
قالت مفكرة: أظن أن الأمور سارت مسيرة خاطئة ابتداء من هذه النقطة. إذ، بعد
هذا رأيتني مع مات.. وتركتك تظن..
_ أجل هذا صحيح، لماذا فعلت هذا حبيبتي؟
كان سؤاله حزيناً إلى درجة أحزن معه إيبرل، فصاحت: أوه.. أنا لاأعرف لماذا
حتى الآن.! ظننت أنك لو اعتقدت بوجود رجل
آخر.. فستتركني وشأني.
قال متجهماً : إذن كنت على حق، أنت لم تعجبي بي في البداية!
_ لا.. بل أحببتك! أحببتك منذ اليوم الأول، لكن كان هناك ريبيكا، كما كنت
أعتقد. وبدا لي أنك كنت دائماَ تعبث معي.. حين
استننجت بنفسك تلك العلاقة، اعتقدت أن هذا سيساعدني على إبعادك عني.. كنت
أحتاج إلى المساعدة لأقاومك. وتعلثمت بخجل.
شدها إليه بضحكة مرحة وقبل رأسها: إذن لولا مات لما رفضت طلب الزواج بمثل
ذلك الحزم.. ولم يكن السبب أنك لاتحبينني..
أخبريني إيبرل.. هل كان ذلك الرفض بسبب ريبيكا فقط؟؟
_ أجل.. أوه أجل، غرايغ. لو أنك كنت تعرف كم أردت أن أقول نعم.. لكنني
ظننتك تضحي بسعادتك لأجل ليز.
تمتم بغصة في حلقة: أوه .. ياحمراء الشعر، يامخطئة التفكير، إيبرل.. وضع
ليز لم يكن السبب في اختياري ذلك الوقت بالذات.. بل
كنت أنت السبب. كنت أريدك بيأس.. ومستعداً أن أحصل عليك بأي طريقة كانت ،
حتى ولو سرقتك من رجل آخر.
قالت بحزن: أوه غرايغ.. لقد أضعنا كثيراً من الوقت.
_ لاتهتمي.. لن نضيع المزيد منه.. قريباً سنكون معاً وإلى الأبد .. ثلاثتنا
في البداية.. ثم.. ضمها إليه مجدداً لتستسلم بين ذراعيه.
نظر غرايغ من فوق كتفه إلى الحديقة خلفه.. وبصوت عميق أجش، قال: أظن أن
ريبيكا كانت مخطئة بشأن المشتل.
تمتمت وهي لاتزال تتنعم بلحظات الفرح: أجل..
تابع غرايغ بصوته الكسول المربح: سوف نقسم قسم الزواج هنا قرب حديقة الورود
تماماً .. حيث انتشلتك أول مرة من بين
الأشواك.. وعرفت أنني وجدتك أخيراً .. وجدت حبي الشبيه بالوردة الحمراء..
والتي ستزهر مجدداً في حزيران.
[/size]تمــــــــــــــــــــــــــــــــــت
قامت بكتابتها بالمنتدى....مجهوله