(2)
دخل فتحي المدرسة وتغلب رويدا رويدا على خوفه وتجنبه للآخرين , فقط كان يحتاج إلى بضعة أكواب من الليمون يوميا ليتغلب على تأثير سفاهات الآخرين وتصرفاتهم المستفزة.
كان فتحي يتحصن فى هذا المجتمع من الغرباء بنصائح أمه وحكمتها , وهو يعلم أنها أعلم أهل الأرض,
وكان يُغالط مدرسينه أحيانا محاولا إقناعهم بأفكاره التي استمدها من أمه.
والأولاد فى المدرسة كانوا يعتبرون أن فتحي غريب الأطوار , يتجنبه بعضهم , ويستفزه بعضهم , ولا يتقرب منه أحد
إلا ياسر!!
ياسر طفل نبيه تظهر عليه أمارات الطيبة , لكن الكثير كان يعتبرها طيبة زائفة , "ماءٌ من تحت تبنٍ" كما يصفه بعض تلاميذ المدرسة ومدرسيها .
وجد ياسر فى فتحي ضالته , فكلاهما ليس له أصدقاء , وكلاهما لهما أفكار خاصة تختلف عن سفاهة تلاميذ المدرسة, فكما علم فتحي العلم والحكمة من أمه , كان جد ياسر موسوعة معرفية , يحكي له القصص المثيرة والألغاز المُحيَّرة , وكلاهما كانت تظهر عليهما أمارات أنهما أكبر من سنهما , بينما فتحي أخذ علمه من إمه الأمية , وياسر أخذ علمه من جده المثقف.
نجح فتحي دراسيا , وكبر و وصل إلى المرحلة الثانوية التي أتمها بنجاح ليحصل على مجموع يؤهله إلى دخول كلية الهندسة جامعة أسيوط , ولكن لم يكن الأمر ممكنا أن تسمح له أمه أن يبتعد عنها ليدرس فى الصعيد , فلا تستطيع الأم أن يغيب فتحي عن ناظريها , ولا يستطيع فتحي أن يبتعد عن مصدر إلهامه وقوته.
فحول فتحي دفته إلى كلية التجارة , بينما إلتحق ياسر بكلية الشرطة ,
وكان هذا مثار عجب فتحي , فلم يكن ياسر يوما يتحدث عن الشرطة أو الحكومة إلا بكل تهكم , وبكل كفر.
شرطة ياياسر !! طيب إزاي ؟
إزاي إيه ؟ قولي مبروك , هطير من الفرحة , كان زماني بحضّر نفسي عشان أدخل معاك كلية التجارة في مدرج بيقعد فيه خمسة آلاف طالب.
أو يزيدون .
هههه على رأيك , أو يزيدون.
بس إنت كنت دائما شتّام للحكومة , ولك فلسلفة خاصة وإنتقاد حاد للشرطة , تقوم تدخل إنت كلية الشرطة ؟!
تنهد ياسر تنهيدة عميقة
الشرطة يعني مرتب ثابت , يعني محدش هيقدر يقولي تلت التلاتة كم , يعني أمشي بالبدلة وأي بنت من بنات تجارة أشاورلها تيجي لحد عندي .
هتبقى زيهم يا ياسر, بس أنا مالي !! البلد بلدهم وأنا بلدي داري , ولو خرجت من داري لازم أتدارى لحد ما أرجع داري لينقل مقداري !!
حكم أم فتحي حكم متخرش الماية , بس إنت إبعد عن حكمها لما تيجي تظبط البنات , لحسن يطفشوا !!
يطفشوا من كلام أمي ؟ طيب والله لو حكيت لهم كلام أمي وكلمتهم عنها ليموتوا فيا , أصل البنت تحب الولد الراكز , مش العيال اللي عامله كرانيش فى شعرها , وراسهم مفهاش غير شعر !!
أهو العيال دي بقى هم اللى بيصاحبوا البنات الحلوة , وهيخلولك البنات اللي بيحطوا جاز فى شعرهم.
عامل خبير , وإنت تعرف بنات منين أصلا ؟, دا أنا هعيش وإنت هتليص فى كليتك اللي كلها رجالة دي .
بكرة تشوف البنات حوليا وإنت بتشمشم على بنت واحدة !!
ياعم سيبك من البنات دلوقتي , والله هتوحشني قعدتك.
ياعم هو أنا هموت !! وبعدين لما أوحشك عليك باللمون !!
بتتريق !! اللمون دا من غيره الإنسان ميعرفش يستحمل دنيته .
ربنا يخلهولك.
ويرزقك منه يافالح .
تبادل فتحي وياسر المشاكسات والملاطفات طوال الليل , جالسين على سطح بيت فتحي,
فأم فتحي كانت تخشى على إبنها من السهر خارج البيت , والرجوع متأخرا ,
فكانت سهرته المعتادة إما وحيدا فوق سطح المنزل , يكتب بعض أفكاره الورقية , أو يُدون حكمة سمعها من أمه , أو يشاركه ياسر فى جلسته الليلية .
حتى أتى يوم الفراق , وذهب فتحي إلى كلية التجارة , وياسر إلى حياته الجديدة بالبدلة الميري,
وكانا يقضيان ليالي الأجازات على نفس الحال , بين مشاكسات ياسر لفتحى , وبين إستدعاء الذكريات , أو الحديث عن بنات كلية التجارة .
فى كلية التجارة , وجد فتحي حياة اخرى , أشكال أخرى , وجوه أخرى , حكايات وقصص أخرى ,
كان قد أصبح أكثر قدرة على التفاعل مع الآخرين وتواصلا مع البيئات المختلفة , إلا أن ينتقد أحد أفكار أمه , فكان ذلك خطه الأحمر, وإن حدث لا يُطفئ غضبه أقل من ثلاثة أكواب مثلجة من الليمون .
كره فتحي عالمه الجديد , فلم يكن معه ياسر , ولم يجد فى أحد زملائه شيئا منه , وكذلك لم يستطع أن يتعرف على أي فتاة من الفتيات المثيرات فى الكلية , ذوات الصدور الممتلئة .
وعندما أتت إليه إحداهن لتسأله عن شيء فى محاولة ظاهرة منها لتجاذب أطراف الحديث معه , لم يكن رده عليها إلا التلعثم والردود الغير مفهومة والكلمات المبهمة.
إنطوى فتحي على أثر ذلك , واكتفى بمعرفة عابرة ببعض الزملاء , وكان يقضي معظم أوقات الفراغ بين المحاضرات في ردهة واسعة مليئة بالأشجار ومؤدية إلى مسجد الكلية , يتأمل داخليه من الملتحين , وغيرهم ممن تظهر عليهم أمارات الصلاح والتقوى,
كان يتمنى أن يدخل معهم مرة المسجد , ليصلي معهم , أو يحضر بعض جلساتهم , لكنه كان يتذكر حكمة أمه وكلامها
" متروحش تصلي فى جامع الكلية , صلي فى البيت , الصلاة فى الجامع تودي فى داهية , والصلاة فى البيت تودي الجنة !! "
كان مؤمنا بحديث أمه تمام الإيمان , وما زاده يقينا وإيمانا بحكمتها أنه فى أحد الأيام وهو جالس جلسته المعتادة , كان هناك بعض من حرس الكلية يقفون ليكتبون أسماء من يدخل المسجد , وهو يراقبهم بحذر , واليوم التالي لم يحضر ممن كتبوا أسماءهم أحد !!
يُقال أنهم كانوا يخططون لقلب نظام الكلية !! أو الحكم !! أو أنهم كانوا سيخرجون فى مظاهرة سلمية مطالبين بحقهم فى إنتخابات جامعية نزيهة ومعترضين على إستبعاد أسماء أصدقائهم من القوائم الإنتخابية بدون وجه حق !!
كان فتحي يعتبر المظاهرات عملية سخيفة , فلماذا ينادي أحدهم على أطرش !!
فمن منا لا يعلم أن مطالبهم ستذهب هباءً منثورا بدون أن يعيرها أحد إنتباه !!
كان فتحي يتغلب على أي أفكار ثورية تحفزه للدخول مع الساذجين للصلاة فى مسجد الكلية , أو الخروج معهم فى بعض مظاهراتهم , بأكواب معتادة من الليمون المثلج , والتي لا يعرف قيمته إلا فتحي وبالطبع أم فتحي !!
كانت سنة سخيفة , لم يتم إلا نصفها , ولكن نصفها مر على فتحي كعمر بأكمله ,
يرى الملتحون فى جانب , والأحضان والقبلات خلسة فى جانب آخر , وفى المنتصف شباب يُلقى عليه القبض , يرفعون لافتات جوفاء عن التغيير المنتظر , أو لافتات عن القدس وفلسطين ,
والعجيب أن المقبوض عليهم بينهم من يحب الملتحين , وبعضهم من يتبادل هو الآخر القبلات مع الفتيات خلسة , والأعجب أنه كان يرى فى أعين بعض الملتحين الشزر وهم يروّن فتاة ذات صدر عملاق وشفاه منتفخة بين يدي شاب بشعر منكوش , بينما يرى فى أعين بعضهم الحسد والغيرة من ذلك الشاب,
ويرى بعض الشباب ذوي الشعور المنكوشة , وأصحاب البنات المثيرة , وهم ينظرون باستخفاف لأصحاب اللحى الطويلة , وبعضهم الآخر ينظر إليهم بأمل وحب وخجل.
كان يراقب العالم من أعلى , وهو جالسٌ لا يفعل شيئا إلا تبادل بعض الأحاديث الخفيفة مع بعض الزملاء والتي فى أغلب الأحيان تنتهي بحديث ساخر عن حكمة أم فتحي , وتناول فتحي لبعض أكواب الليمون ليتغلب على غضبه من سخرية الآخرين على حكمة أمه !!
ومازاد السنة سوءا أنه ومع بداية النصف الثاني من السنة الأولى , مرضت أم فتحي ودخلت غيبوبة عميقة.
ولم يجد فتحي أمامه إلا أكواب الليمون ليتحمل رؤية حبيبة قلبه , وملهمته الأولى , ومصدر قوته , فى سرير مرضها تعاني , بين الحياة والموت !!